الأربعاء 28 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

وثيقة حية.. الشعر فى زمن الحرب

حرف

من المتوقع أن يشهد هذا العام أعلى معدلات مبيعات للشعر على الإطلاق. والسبب؟ الأفلام، بالطبع. فقد ارتفعت مبيعات النسخ المطبوعة من ملحمة «الأوديسة» فى المملكة المتحدة بنسبة 1400% خلال الأسابيع الأربعة المنتهية فى 25 يوليو، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضى. أما فى الولايات المتحدة، فقد سجلت مبيعات «الأوديسة» منذ مطلع العام وحتى الآن زيادة بنسبة 76%. إن كريستوفر نولان يصنع المعجزات لأعمال هوميروس، بغض النظر عما قد يكون لدى المرء من ملاحظات أو انتقادات للفيلم «وهو ما تفعله بالفعل إميلى ويلسون، صاحبة أحدث ترجمة للملحمة وأكثرها رواجًا».

لكن إذا تجاهلنا عامل الأوديسة، فإن الشعر لا يزال مزدهرًا بشكل استثنائى، مدفوعًا بكتاب يوصف عملهم غالبًا بـ«شعر إنستجرام»، مثل لوكاس جونز. يتميز أسلوبه الشعرى بتقديم حكم ملهمة فورية، بدلًا من ذلك النوع من التلاعب اللغوى المعقد والموحى الذى قد يكافئ القارئ بتكرار القراءة، أو ذلك النوع من الموسيقى السلسة والقابلة للأداء التى تحرك ملحمة هوميروسية مترجمة ترجمة جيدة. 

ومع ذلك، يسعى شعراء إنستجرام إلى شىء لا يمكن التعبير عنه تمامًا من خلال الكلام اليومى. ويتفاعل القراء مع هذا.

ومع ذلك، تظل أرقام المبيعات مقياسًا تقريبيًا وغير جوهرى؛ فهى لا تخبرنا عن شعور المرء حين يقرأ قصيدة جيدة، ولا عما تفتحه فى نفسه من آفاق، أو ما تستحضره من ذكريات وروابط بأزمنة وأمكنة أخرى، أو حتى ما تثيره من قشعريرة اغتراب أو لحظة حيرة، وهى لحظة كثيرًا ما تعترى القارئ. 

فالشعر قد يكون عصيًا على الفهم، وقد يأبى أن يكشف للقارئ عن كل مكنوناته؛ ولذا أرى أنه من الأفضل الانغماس فى الأحاسيس التى تولدها القصيدة بدلًا من الانشغال الدائم بمحاولة حلها وكأنها لغز. 

فالشعر بطبيعته يعبر عما يعجز النثر عن قوله؛ إذ قد يتسم بالاستعصاء، وقد تتعثر فيه وتواجه صعوبة فى تجاوزه. وتبرز الحاجة إلى الشعر فى أوقات الأزمات، حين تعجز أساليب الكتابة أو الحديث المعتادة عن الإحاطة باللحظة الراهنة، أو التعبير عن الشعور أو الفكرة.

غير أن الشعر ليس أمرًا هامشيًا فى حياة الإنسان؛ فقد تعلمت من خلال تغطيتى للأحداث فى أوكرانيا أنه حين تخيم الكارثة فوق الرءوس مباشرة- بدلًا من أن تلوح فى الأفق من بعيد- يغدو الشعر أكثر حيوية وأهمية، لا أقل من ذلك. 

ولعل أكثر الأمسيات الشعرية التى شهدتها إثارة وتفاعلًا عميقًا كانت تلك التى أقيمت فى مدينة خاركيف الواقعة على خط المواجهة، حيث لا تبعد الحدود الروسية سوى ٣٠ كيلومترًا؛ ففى تلك الأمسية، وصفت إحدى الشاعرات كيف كانت تنقش قصائدها على جدار زنزانتها فى السجن الروسى، بينما كان الحضور يرددون بصمت- عن ظهر قلب- كلمات قصائد الكاتب «سيرهى جادان» تزامنًا مع إلقائه لها.

لطالما أدركت المراسلة الصحفية ليندسى هيلسوم، التى غطت الحروب والأزمات الإنسانية على مدى عقود، هذه الحقيقة؛ ولهذا السبب يعد كتابها «جلبت الحرب معى»، وهو مختارات شعرية تجمع أعمالًا لشعراء من عصور وأصقاع شتى، مشفوعة بقصص ترويها هى، كنزًا حقيقيًا. 

فالشعر النابع من غزة ومن حناجر الشعراء الفلسطينيين الموزعين فى أنحاء العالم، أمثال الكاتبة الشابة هيا محمد أو الشاعر الفلسطينى الأمريكى فادى جودة، يشكل بمجمله وثيقة بالغة التأثير عن حيوات تعاش وسط الكوارث؛ إذ يتميز هذا الشعر بطابعٍ يجمع بين الإلحاح، والحيوية، والتكثيف، وهى سمات يصعب على أى شكل فنى آخر أن يضاهيها.

صحيح ما قالته الشاعرة الأوكرانية هالينا كروك عام ٢٠٢٢: «لا تجدى الاستعارات نفعًا فى مواجهة رجل يحمل رشاشًا.. ولا يمكن للشعر أن ينقذك من دبابة». وصحيح أيضًا ما عبرت عنه مواطنتها الكاتبة كاتيرينا ياكوفلينكو، من أن الشعر الذى تفرزه الحرب، بشكل واضح، هو شعر «عديم المعنى اللفظى» وقبيح، ومحفور فى صميم الأرض ذاتها؛ إذ «أخذت الأنقاض والمنازل المهجورة والغابات المدمرة والأراضى المحروقة والطرق التى مزقتها مسارات الدبابات وناقلات الجند المدرعة، تشبه الحروف والجمل غير المكتوبة».

ومع ذلك، وبسرعة لافتة، ورغم عجزها عن صد الرصاص أو حماية سلامة الكتاب والقراء الجسدية، سرعان ما بدأ نظم الشعر فى أوكرانيا عقب الغزو الشامل. 

لقد كان الشعر هو الشكل الأدبى الأقدر على معالجة ذلك الانهيار فى المعنى الذى أحدثته صدمة العنف، وتلك المشاعر بأن الزمن قد فقد دلالته وأن المستقبل قد انتزع قسرًا؛ إذ كان بالإمكان كتابة القصائد بسرعة نسبية وبإمكانات محدودة، بل وحتى فى أماكن تفتقر إلى مقومات الحياة الملائمة «كالملاجئ والخنادق».

توقفت الروائية فيكتوريا أميلينا، التى لقيت حتفها لاحقًا جراء قنبلة روسية استهدفت المطعم الذى كانت تتناول فيه طعامها، عن كتابة الروايات «وهى أعمال تتطلب وقتًا لإنجازها، كما أن الزمن يعد أحد مكوناتها» وبدأت فى كتابة الشعر. 

وقد تنصلت بعض قصائدها من صفتها الشعرية، وكأنها مجرد بقايا لغة أصابتها الشظايا؛ إذ تتضمن إحدى القصائد، وهى بعنوان «ليست شعرا»، والتى ترجمها ويليام بلاكر، الأسطر التالية: «لكن واقع الحرب/ يلتهم علامات الترقيم/ وبنية الحبكة/ والبنية...».

كتبت القصائد فى الجبهة. لم يكتب الكاتب الشاب أرتور درون، الذى خدم فى القوات المسلحة الأوكرانية لأكثر من ثلاث سنوات، عن الاستعراض البطولى أو مآثر الشجاعة، بل صاغ نصبًا تذكارية صغيرة ورقيقة لرفاقه الجنود الذين قتلوا، أو جسد فى قصائده لحظات قد تبدو للوهلة الأولى تافهة أو غير ذات شأن.

تتناول إحدى قصائده طفلًا فى قرية مجهولة الاسم قرب خط المواجهة، حيث أصبح هذا الطفل بمثابة «تميمة» غير رسمية للجنود المرابطين هناك. وفى عيد الميلاد، كانوا يتركون للصبى الصغير «كيسًا فيه ألواح «سنيكرز» مهشمة/ وحبات من اليوسفى/ ذلك النوع الملىء بالبذور،/ لكنه عذب للغاية».

لقد كان موقفًا عابرًا: لا يستحق خبرًا صحفيًا، ولا يثير انبهارًا، ولا مكان له فى كتب التاريخ؛ لكنه كان مادة خصبة لقصيدة. وقد أخبرتنى يارينا تشورنوهوز أن عملها كجندية وشاعرة كان بمثابة «توثيق للمشاعر».

فى خضم الكوارث العظيمة، تظل القصائد باقية، وغالبًا ما تكون مجردة لتكشف عن أشكالها الأكثر جوهرية؛ وهى بلا شك أشكال تعبير إنسانية عالمية وأصيلة: رثاء الموتى، وتهويدة الطفل، واللعنة. 

ففى نهاية المطاف، يحتاج البشر إلى تلك الأشياء: تلك الأغانى وتلك القصائد؛ إذ إنها دليل على الحياة. ورغم أنها قد لا تُحفظ فى الذاكرة، فإن الشعر يحظى بفرصة للبقاء تفوق فرص بقاء الكثير مما يفعله البشر أو يبدعونه؛ إذ قد تتحول هذه القصائد إلى نصب تذكارية تدوم أطول من البرونز.