ماذا يكتب العالم؟
هالة خاصة.. قصة أشهر مكتبة فى العالم عن الثقافة
كانت ظهيرة الصيف حارة، لكن أحدًا فى طابور الانتظار لم يبدُ عليه الانزعاج؛ فقد كان العشرات ينتظرون بصبر دورهم لدخول «شكسبير آند كومبانى»، وهى مكتبة عريقة تقع على الضفة اليسرى لنهر السين، قبالة كاتدرائية نوتردام. قالت إحدى المارات لصديقاتها: «هنا كتب شكسبير لفترة من الزمن»، ولم يصحح لها أحد معلومتها؛ فالسلامة- كما يقال- تكمن فى التغاضى أحيانًا.
تقول سيلفيا ويتمان، التى تدير متجر الكتب الناطقة بالإنجليزية بالاشتراك مع شريكها: «إن سرد هذه الأساطير أمر آسر؛ فهو يثرى ذلك (البيت الملىء بالحكايات) الذى يمكن أن يمثله متجر الكتب». لقد سمعت كل شىء: بدءًا من الزعم بأن شكسبير- الذى لم يغادر إنجلترا قط- قد أقام هنا، ووصولًا إلى القول بأن الشاعرة سيلفيا بلاث هى من أسست المتجر.
فى الواقع، أسس جورج- والد السيدة ويتمان- مكتبة «شكسبير آند كومبانى» قبل ٧٥ عامًا من الآن، وكانت تحمل فى بدايتها اسم «لو ميسترال»». وتعد هذه المكتبة على الأرجح الأشهر فى العالم، إذ تكتسب هالة خاصة بفضل قربها من بعض عمالقة الأدب الذين ارتبطوا بها.

يزور المكتبة ما بين ٢٠٠٠ و٣٠٠٠ شخص يوميًا، أى قرابة مليون زائر سنويًا، مدفوعين بشهرة المكان التى تعززها أعداد المتابعين الهائلة على وسائل التواصل الاجتماعى.
كما تحظى المكتبة بسجل حافل من الظهور السينمائى يفوق ما يحظى به العديد من الممثلين؛ فقد ظهرت فى أفلام مثل «منتصف الليل فى باريس» للمخرج وودى آلن، و«قبل الغروب» للمخرج ريتشارد لينكلاتر، والفيلم الفرنسى «جين أوستن دمرت حياتى».
ورغم أن المسلسل التليفزيونى الشهير «إميلى فى باريس» طلب تصوير مشاهد فيها، فإن السيدة ويتمان رفضت ذلك؛ فالمكتبة تعانى بالفعل من ازدحام شديد بسبب كثرة الزوار الراغبين فى التقاط صور «السيلفى».
كيف يمكن لمتجر تقليدى فعلى أن يصمد لثلاثة أرباع القرن، ومع ذلك يظل يجذب الناس للوقوف فى طوابير بانتظار الدخول إليه؟ تكمن إحدى الإجابات فى أسلوب ذكى للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعى؛ إذ يمنع التقاط الصور أو تصوير مقاطع الفيديو داخل المتجر.
وهذا الأمر يعزز من هالة الغموض والجاذبية التى تحيط بالمتجر فى نظر أولئك الذين يقضون ساعات طويلة فى تصفح منصتى «إنستجرام» «تيك توك». وتقول هانا، وهى طالبة أدب من إنجلترا جاءت لتختبر بنفسها «ذلك الطابع القديم المفعم بالحنين»: «لا يمكنك رؤية شكل المتجر عبر الإنترنت، وهذا بحد ذاته أمر رائع ومميز».
تختلف هذه الاستراتيجية عن تلك المتبعة فى وجهات أخرى يقصدها عشاق الكتب، مثل مكتبة «إل أتينيو جراند سبلينديد»، التى تتخذ من مسرحٍ ضخم سابق فى بوينس آيرس مقرًا لها، ومكتبة «ليفراريا ليلو» فى بورتو، التى يبدو تصميمها مزيجًا يجمع بين طراز الكاتدرائيات وفخامة قصور الأثرياء النافذين، «وتدعى الأخيرة أنها (أجمل مكتبة) فى العالم، حيث يتطلب دخولها شراء تذكرة».
ومع ذلك، تتماشى هذه الخطوة مع اتجاه أوسع نطاقًا يثير فضول الناس، يتمثل فى لجوء بعض المطاعم والمتاجر وقاعات الحفلات الموسيقية إلى حظر استخدام الهواتف الذكية؛ إذ تمنح سياسات منع التصوير الزوار شعورًا بالأصالة وتوفر لهم تجربة فريدة من نوعها.
تدرك السيدة ويتمان أيضًا أن المشترين لا يبحثون فقط عن قصة ممتعة، بل يرغبون أيضًا فى قصة تروى كيف وأين اشتروا ذلك الكتاب؛ لذا يعرض على الزبائن ختم نسخة من شعار متجر «شكسبير آند كومبانى» على الغلاف الداخلى لتوثيق مصدر نسختهم.
يمتلأ المتجر بالعديد من الكتب الفاخرة ذات الأغلفة الصلبة التى تتميز بطابع كلاسيكى يعيد إلى الأذهان أجواء الماضى، وتشمل قائمة الكتب الأكثر مبيعًا أعمالًا كلاسيكية مثل رواية «أحدب نوتردام» لفيكتور هوجو، وقصة «الأمير الصغير» لأنطوان دو سانت إكزوبيرى.

والواقع أن الكتب الإلكترونية- بعيدًا عن القضاء على الكتب المطبوعة- قد زادت من حماس بعض المستهلكين لاقتناء الطبعات الخاصة وإنفاق المال عليها.
ولعل السبب الأبرز وراء نجاح المتجر يكمن فى تبنيه الأساطير التى تحيط به؛ إذ يشبه متجر «شكسبير آند كومبانى» دمية «الماتريوشكا» الروسية التى تضم فى جوفها عدة دُمى أصغر؛ فمن ناحية، يستحضر اسمه أشهر كاتب فى اللغة الإنجليزية، ومن ناحية أخرى، يرتبط بالمتجر الذى سبقه وحمل الاسم ذاته.
كان ذلك المتجر الأصلى قد تأسس على يد الأمريكية «سيلفيا بيتش» عام ١٩١٩؛ وهى امرأة تحلّت بالشجاعة الكافية لنشر رواية «يوليسيس» لجيمس جويس فى وقت كان ينظر فيه إلى العمل على أنه مخل بالآداب، كما تمتعت بشخصية محبوبة جعلت من مشاهير الأدب، أمثال إرنست همنجواى وتى إس إليوت، أصدقاء لها.
أغلقت مكتبة «بيتش» إبان الحرب العالمية الثانية، وتقول الرواية الشائعة إنها منحت «ويتمان» لاحقًا الإذن باستخدام اسم متجرها.
لم يكن جورج ويتمان دائمًا راويًا موثوقًا؛ فقد وصفه الشاعر وصديقه لورانس فيرلينجيتى بأنه «أكثر الأشخاص غرابة فى الأطوار» ممن قابلهم فى حياته «وهى شهادة لها دلالتها الكبيرة، بالنظر إلى أن فيرلينجيتى كان محسوبًا على حركة (البيتنيك) الأمريكية المتمردة الرافضة للمادية والرأسمالية والقيم المجتمعية التقليدية المحافظة».
لقد ادّعى «ويتمان» أنه حفيد الشاعر والت ويتمان، فى حين أن والده كان أستاذًا جامعيًا يُدعى «والتر» ولا تربطه أى صلة قرابة بالشاعر الشهير. كما أطلق اسم «سيلفيا» على ابنته، ما ربط حياته ومتجره بحياة سيلفيا بيتش ومتجرها؛ وهو أمر لا يزال يثير اللبس حتى اليوم، إذ حين كتب السيد ألين رسالة إلى فريق عمل مكتبة «شكسبير آند كومبانى» عقب الانتهاء من التصوير هناك، وجهها إلى سيلفيا بيتش، التى كانت قد توفيت عام ١٩٦٢.

وصفت «ويتمان» متجرها بأنه «يوتوبيا اشتراكية تتخفى فى هيئة متجر لبيع الكتب». وقد أقام فيه- وفى الشقق الواقعة فوقه- أكثر من ٣٠ ألف شخص، كان العديد منهم من الكتّاب، وذلك مقابل العمل والقراءة وكتابة سيرة ذاتية موجزة لا تتجاوز صفحة واحدة.
أما فى الوقت الراهن، فقد أصبح المتجر ذا طابع تجارى أكثر وضوحًا، خاصة مع وجود مقهى مجاور له. وتشير السيدة ويتمان إلى أن السلع ذات هوامش الربح المرتفعة، مثل الحقائب القماشية ودفاتر الملاحظات، تمثل نحو ٣٠٪ من إجمالى المبيعات. كما يستضيف المتجر ندوات للكتاب واحتفالًا سنويًا برواية «يوليسيس»، وهى فعاليات تحظى بدعم جزئى من المؤسسة التابعة للمتجر.
إلى أى مدى يمكن تكرار نموذج عملها، فالعديد من المكتبات الأخرى تبيع سلعًا متنوعة وتستضيف فعاليات يشارك فيها المؤلفون؟ ويشير أندرو بيتيجرى، الذى ألّف كتابًا سيصدر قريبًا عن تاريخ المكتبات، إلى أن توفير نسخ موقّعة من المؤلفين يمكن أن يضاعف مبيعات الكتب ثلاث مرات.
ومع ذلك، فإن نموذج عمل مكتبة «شكسبير آند كومبانى» يعد مثالًا يستحيل تقليده؛ فتاريخها وموقعها فى قلب باريس لا يضاهيان.

ويشير جيمس دونت، رئيس سلسلة مكتبات «بارنز آند نوبل»، إلى أن «قلة قليلة جدًا من بائعى الكتب يمتلكون العقارات التى يشغلونها» كما تفعل «شكسبير آند كومبانى»، لافتًا فى هذا الصدد إلى أن مكتبة أخرى- كانت تحمل الاسم نفسه «شكسبير آند كومبانى» «دون وجود أى علاقة بينهما»- قد أغلقت أبوابها العام الماضى فى نيويورك، وذلك بسبب ارتفاع الإيجارات، من بين تحديات أخرى.
ومع ذلك، فإن المكتبات «الجيدة» تشهد ازدهارًا، حسبما يقول السيد دونت. ففى أمريكا تزايدت أعداد المكتبات المستقلة؛ إذ افتتحت نحو ٤٠٠ مكتبة متاجر فعلية فى العام الماضى، بزيادة قدرها ٦٢٪ مقارنة بالعام السابق.







