ماذا يكتب العالم؟
وعود كثيرة.. كيف يمكن محاسبة الناشر عندما يُقصر فى مهامه؟
عنوان رئيسى، وفريق عمل متناغم يضم متخصصًا متفانيًا فى التسويق وآخر فى العلاقات العامة، وحملة إبداعية تحظى بتغطية إعلامية واسعة على مستوى البلاد، وفعاليات بارزة، ودعم هائل من دار نشر كبرى؛ كانت هذه بعضًا من الوعود الكثيرة التى تلقيتها حين كانت إحدى دور النشر الخمس الكبرى تتنافس للحصول على حقوق أحدث كتبى. أما الواقع؟ حسنًا، أظن أن الكثير من المؤلفين يدركون تمامًا إلى أين تتجه الأمور.
بصفتنا مؤلفين، لا نختار دور النشر بناءً على الدفعات المقدمة فقط؛ فنحن نأتمنهم على كتب قضينا سنوات فى إبداعها، لا استنادًا إلى المقابل المادى الذى سيقدمونه فحسب، بل أيضًا بناءً على ما يعدون بالقيام به تجاه هذه الأعمال. ومع ذلك، فبمجرد توقيع العقد، قد تبدو الأمور اللاحقة مختلفة تمامًا عما كان معروضًا فى البداية.
فى وقت سابق من هذا العام، دعا مدير علاقات عامة- فى مقال نشر بمجلة «ذا بوك سيلر»- إلى مزيد من الصراحة بين الناشرين والمؤلفين خلال عملية النشر. وأعتقد أن معظم المؤلفين سيرحبون بذلك؛ غير أن هذه الشفافية يجب أن تبدأ فى مرحلة أبكر من ذلك. فإذا كان الناشرون يستحوذون على عدد من الكتب يفوق قدرة فرق عملهم على تقديم الدعم الفعلى والمجدى لها، فإن من حق المؤلفين معرفة المكانة الحقيقية لكتبهم فى سلم الأولويات قبل توقيع العقود.
وإلا، فعندما تكتشف أن الحملة الترويجية التى كنت تتوقعها لن تتحقق على أرض الواقع، قد يكون موعد النشر قد اقترب ولم يتبق عليه سوى أسابيع قليلة، وحينها تكون الخيارات العملية المتاحة أمامك محدودة للغاية. من المفهوم تمامًا أن يتردد العديد من المؤلفين فى تقديم الشكاوى؛ فنحن لا نرغب فى أن نكون مصدر إزعاج أو أن نبدو ناكرين للجميل. وعندما تقابل مخاوفنا بعبارات الطمأنة- بأن هناك الكثير مما يجرى خلف الكواليس وأن الأمور تحت السيطرة- قد يصبح من الصعب الاستمرار فى المطالبة والمناقشة. إن الرغبة فى الحصول على وضوح بشأن الاستثمار والاستراتيجية والأداء لا تعنى أن المؤلف يطالب بمعاملة تفضيلية أو شعور بالتميز، بل هى تصرف مهنى من شريك عمل يستفسر عن مصير الخطة المتفق عليها.
ومع ذلك، قد يساور المرء قلق خفى من أن الإصرار الشديد على طلب المزيد من الدعم قد يؤدى، بطريقة أو بأخرى، إلى الحصول على دعم أقل؛ لذا يختار المؤلف تقديم تنازلات والمضى قدمًا.
فى خلال ذلك، ندرك جميعًا ما يمكن للناشرين تقديمه: بدءًا من نسخ المعاينة المتقنة والمواد المرسلة إلى المؤثرين، ووصولًا إلى حفلات الإطلاق والحملات الترويجية المصممة ببراعة للكتب ذات الأولوية.
لا أحد يتوقع أن يحظى كل كتاب بالاهتمام ذاته، ولكن إذا تم التعاقد على نشر كتابك باعتباره أحد تلك الأعمال ذات الأولوية، فلا بد بالتأكيد من الوفاء بهذا الجانب من الاتفاق.
قد يبدو الأمر أشبه باختيار فندق من فئة الخمس نجوم لما يضمه من مسبح ومركز صحى «سبا» وخدمة الكونسيرج «خدمة مساعدة شخصية لتلبية الاحتياجات اليومية»، لتكتشف بعد إتمام إجراءات الدخول أن غرفتك لا تمنحك حق الاستفادة من أىّ منها، بينما ترى من نافذتك النزلاء الآخرين وهم يستمتعون باللعب فى المياه.
يتجاوز الأمر مجرد يوم مخيب للآمال عند صدور الكتاب؛ فالتأليف مهنة بحد ذاتها. وتؤثر أرقام المبيعات على طلبيات تجار التجزئة، وقيمة الدفعات المالية المسبقة فى المستقبل، ومستوى الحماس للمقترح التالى؛ إذ يمكن لهذه الأرقام أن تحدد ما إذا كنا سنتمكن من الاستمرار فى مزاولة هذه المهنة. وعندما تكون المبيعات مخيبة للآمال، فإن اسم المؤلف هو الذى يرتبط بتلك الأرقام؛ فلا أحد يضع علامة نجمة توضح أن هذا الكتاب حظى بقدر ضئيل جدًا من الدعم. وهذا يعيدنى للحديث عن كتابى الخاص. عند حلول موعد النشر، لم يكن الناشر قد رتب أى فعاليات للكتاب، سواء كانت بارزة أو غير ذلك. بل إن دعم التسويق والدعاية كان قد ألغى فى مرحلة ما دون علمى، واختفت تمامًا تلك الحملة الإبداعية التى وعدت بها؛ أما الترويج العلنى للكتاب فقد اقتصر على منشور وحيد فى «إنستجرام» - ولم يتحقق ذلك إلا بعد إلحاح متكرر منى.
ومهما كان المعنى المقصود بكون الكتاب «إصدارًا رئيسيًا»، ألا يفترض بعملية النشر أن تتضمن إخبار الناس بأنك قد نشرت الكتاب بالفعل؟
إذن، أين تكمن المساءلة عندما يقصر الناشر فى أداء مهامه؟ لو أننى أخفقت فى تسليم مخطوطتى، لترتب على ذلك عواقب تعاقدية؛ ولكن إذا كان العرض الذى أدى إلى توقيعى على العقد يختلف اختلافًا جوهريًا عن الدعم الذى قدم فعليًا، فكيف يمكن محاسبة الناشر؟
يناقش المؤلفون والوكلاء تجارب كهذه فيما بينهم باستمرار؛ وغالبًا ما نكتفى بهز أكتافنا قائلين إن هذه ببساطة طبيعة العمل فى مجال النشر.
ولكن ربما لا ينبغى للأمر أن يكون كذلك؛ إذ لا يمكن للناشرين ضمان تحقيق الكتب لأعلى المبيعات، أو الحصول على مراجعات نقدية أو تغطية إعلامية.
ومع ذلك، بوسعهم التحلى بالصدق بشأن ما يلتزمون به، وتوضيح مكانة الكتاب ضمن قائمة أولوياتهم. فإذا كانت الالتزامات ذات أهمية كافية لكسب كتبنا، فينبغى أن تظل كذلك حتى بعد إتمام التعاقد رسميًا.
لا يعنى هذا القول بضرورة أن يحظى كل مؤلف بحملة ترويجية ضخمة؛ بل يعنى أن كل مؤلف يستحق حملة تتسم بالصدق والنزاهة. إذ لا طائل يرجى من التعاقد مع دار نشر عملاقة إذا لم تكن تلك القوة مسخرة لخدمتك.







