خطيئة إفساد النقد الأدبي.. توابع الهجوم على النقاد الأكاديميين
ضبط المصطلحات.. عن التطرف فى الحكم على النقد والنقاد
- هناك من يحرض على الزج بمصطلحات نقدية فيها دون توضيح المقصود منها
- الناقد يجب أن يحوز موهبة كبيرة وقدرة على النفاذ إلى أعماق النصوص
أسعدنى صديقى الصحفى محمد هشام بتفاعله مع مقالى الذى نشرته على صفحتى الشخصية على فيسبوك قبل أسبوعين، دفعنى إلى كتابته أن صديقًا أكاديميًا نشر صورة لنا معًا، وكتب فوقها مع «الناقد» فلان، وظللت أفكر لماذا وصفنى بالناقد؟ مع أننى لم يحدث مرةً أن قدمت نفسى بهذه الصفة، أكتفى دائمًا بتقديمى شاعرًا وكاتبًا، وفى سياقات تقتضيها الضرورة أصف نفسى بأننى أكاديمى، كونى أعمل أستاذًا مساعدًا للأدب العربى بآداب المنيا، ولم أرَ يومًا أن ما كتبته من الأبحاث والمقالات فى الأدب والنقد، كفيل باسحقاقى وصف «ناقد»، وكان السؤال الأعم: لماذا يتصور دارسو الأدب والنقد أنهم نقاد بالضرورة؟ ولماذا يظن الجمهور أنهم نقاد بالضرورة؟ لماذا يكفى عند كثير من الأدباء والمثقفين أن تحمل شهادة جامعية «كالماجستير والدكتوراه» فى تخصصات الأدب والنقد، ليُقال عنك ناقد؟!
وتداعت فى ذهنى أسماء كثيرة جدا، تُقدَّم على المنصات وفى المؤتمرات بوصفها نقادًا، وما يكتبونه يؤكد أنهم- فى ألطف الأوصاف وطأةً- لا يحسنون مواجهة النصوص، ولو أدركوا مما قرأوا، فالسطح، والقشور، بينما يكتب بعضهم كتابة جيدة فى فلسفة النقد ونظرياته وتاريخه وتاريخ الأدب، هؤلاء إذن دارسو أدب ونقد، وليسوا نقادًا، فكتبت مقالى ذاك أقول فيه إن دارس الفلسفة ليس بالضرورة فيلسوفًا، ودارس الأدب والنقد ليس بالضرورة ناقدًا. وإن الناقد يجب أن يتسلح فى مواجهة النصوص- علاوة على المحصول العلمى اللازم له، والذى يمكن أن يحوزه بأى سبيل غير الدراسة النظامية- بموهبة كبيرة وقدرة على النفاذ إلى أعماق النصوص، وفهم أبعادها ومراميها، وثقافة واسعة تمكِّنُه من الوعى بطبقات تكوين النص، وتراكماته المعرفية، وطرق بنائه، وتحدياتها ومشكلاتها، مع ضرورة تحليه بحساسية عالية تجاه رؤية النص للذات والعالم.
وتعرضت لأمور أخرى مثل الكتابة المتعالمة، التى يحرص أصحابها على الزج بمصطلحات نقدية فيها، دون توضيح المقصود منها، أو استعمال ألفاظ أجنبية إمعانًا فى التعقيد، وحرصًا على الإغراب، مع أن بدائلها العربية موجودة ومفهومة، وهذا كله بعيد عن العلم وعما يجب أن نضطلع به من دورنا فى تثقيف الجماهير والرقى بوعيهم ومعارفهم، لا التعالم عليهم والإغراب فيما نقدمه لهم، لنظل محاطين بهالة يُرْضِى بعضَنا أننا محاطون بها، هالة كالتى كان الكهنة الجاهليون يُحيطون أنفسهم، يستمدونها من قدرتهم على السجع، ومعرفة ما لا يعرفه الناس- أو هكذا كانوا يدعون- والملابس المعينة، فيكفى فى سياقات كهذه، أن تقول فى مقال نقدى: تشظى العوالم الأيقونية فى الأنساق الديالكتيكية لتراكبية النص، ليُقال عنك ناقد! هذا يندرج ضمن ملامح صورة نمطية رسخها بعض المشتغلين بالنقد فى الأوساط الثقافية، وقد وُجِدَ النقد أصلًا لكسرها، وُجِدَ النقد ليكون التفكير النقدى سائدًا وحاضرًا ومؤثرًا، قادرًا على نقد الثقافة من الداخل، والانتهاء بنتائج تنفع الفرد والجماعة. وتكليس هذه الصور النمطية، لن يؤدى بنا إلا إلى مزيد من الانحدار والتجهيل المفضى إلى ترسيخ الجهل ضرورةً.
وعلى الرغم من اتفاقى مع كثير مما أثاره مقال صديقى محمد هشام، فإننى رأيت أن مساحات الاختلاف بين ما أراه وأعتقده، ودعوت إليه فى مقالى، وبين ما يطرحه ويثيره مقاله، أكبر من مساحات الاتفاق، لهذا رأيت أن أرد على مقاله فى نقاط معينة منها:
■ يجب التفريق بين أنماط مختلفة من الكتابة فى حقل «النقد الأدبى» فلدينا نقد أدبى يواجه النصوص «وهو ما نصطلح عليه النقد التطبيقى» وهذا هو أكثر ما يُعْنَى بمطالعته القارئ المثقف والكاتب أو الشاعر الذى ينتظر أن تتناول الكتابات النقدية نصوصه، وهذا النوع يجب ألا يكون مستغلقًا على الفئة التى يستهدفها بالأساس، وهى فئة غالبًا غير متخصصه فى النقد بعدِّه علمًا، واستعمال أى مصطلح فى مثل هذه الكتابات- وفى غيرها- يجب أن يكون مصحوبًا بتوضيح معنى ذلك المصطلح، الذى قصده كاتب المقال أو البحث، لأن المصطلحات النقدية غالبًا ما يكون لها معانى عدة- لا سيما المترجم منها- بحكم اختلاف الترجمات، واختلاف المقاربات النقدية بتنوع المؤسسين وتوجهاتهم، تنوع الجوانب الدلالية التى يغطيها المصطلح الواحد، وسعتها.
وهناك كتابات أخرى تُعنى بالتنظير النقدى، كالتى تتناول المناهج وتاريخها والنظريات وأصولها الفلسفية، وتداخلاتها فى بنية الثقافة التى تثمرها، وكذلك الكتابات التى تتناول «نقد النقد» لتقويم النظريات والمناهج النقدية، والرد عليها منطلقاتها وإجراءاتها، والبحث فى جدواها، وهذه كتابات بطبيعة تخصصها، لا تعنى- فى الغالب- إلا المتخصصين، وهذا هو ما يغلب على الكتابات التى تنشرها مجلة فصول وغيرها من المجلات المتخصصة «وهو المثال الذى أشار إليه محمد هشام فى مقاله»، بالتالى فمن الطبيعى أن يقرأ نجيب محفوظ مجلة فصول ولا يفهم ما فيها، وهذا لا يعنى أن النقد على حد وصف محفوظ «بهذه الصعوبة» بل يعنى أن هناك مستويات من الكتابة النقدية، ليس مطلوًبا أن تكون كلها على القدر نفسه، من سهولة الصوغ اللغوى وعمومية الموضوعات، والفئة المستهدفة أو المتوجّه إليها، فما يقرؤه رجل يحب السيارات- فى مجلة تتوجه إلى الجمهور- عن أحدث السيارات وإمكاناتها المقدمة للمستهلك، يختلف عما يقرؤه مهندس تخصَّصَ فى هندسة السيارات وتقنيات تصنيعها، ولا يجب أن يتوجه القارئ غير المتخصص لتلك المجلة التى يقرأها المهندس ويقول: السيارات صعبة وغير مفهومة، السؤال هو: من أنت فيما تقرأ؟ وما الذى تريده من قراءتك له؟ وفى هذا يستوى نجيب محفوظ وأى كاتب آخر، ما لم يكن متخصصًا فى علم النقد.

■ هل دور النقد يتوقف عند أنه تناول كتابات هذا المبدع فـ«لمَّعه»، ويُلام أنه لم يتناول كتابات ذاك؟
ليس هناك ما يحتم على النقاد الكتابة عن هذا أو ذاك إلا الاختيار الشخصى والاضطلاع بالمسئولية الأدبية، التى تجعل الناقد يكتب عمن يراه مستحقا للكتابة عنه- فى حدود وعى الناقد وتذوقه وضميره المهنى- لا الاستحقاق الجمالى الذى يوجهه التذوق وحده، بل أيضًا فى إطار رصد الواقع الأدبى فى مرحلة معينة، بما يكشف عن البنية الثقافية وموقف الجماعة من التاريخ واللغة والأدب فى اللحظة الراهنة، محاولة لفهم تلك اللحظة، والوقوف على أزماتها السطحية والعميقة ومحاولة تقديم حلول لها.
أضف إلى هذا أنه أحيانًا يكتب الناقد عن عينات أدبية تطبيقًا لمنهج أو نظرية نقدية، يرى أن تلك النصوص هى الأصلح لهذا المنهج، لا لأنها الأجمل، ويجب حيئذ ألا يتوهم المبدع أن كثرة الكتابات النقدية معيار للجودة الأدبية، فلا عدم الكتابة النقدية يضير المبدع الحقيقى، ولا الكتابة تصنع من مبدع متوسط القيمة مبدعًا عظيمًا، لا أختلف طبعًا على الدور الإعلامى للكتابة النقدية وأهمية بعضها فى التعريف بالمبدع وما يكتبه، لكن أؤكد أنها بالمقارنة بجمال النص الأدبى وتأثيره، محدودة الأهمية، كم دراسة نقدية كُتِبت عن شاعر مصرى شاب فذّ الموهبة، اسمه «أحمد الطحان»؟ أكاد أقول لك: لن تجد خمس دراسات، سواء مخصصة لمشروعه أو مشتركة، لكن يكفى أن تكتب اسمه فى خانة البحث فى فيسبوك مثلًا لتطالع عشرات النصوص التى ينشرها الناس على صفحاتهم استمتاعًا بما كتب، كم دراسة تناولت شعر فؤاد حداد مقارنة بالدراسات التى تناولت صلاح عبدالصبور أو أحمد عبدالمعطى حجازى أو أمل دنقل؟ لا أفاضل بينهم فى القيمة الأدبية، لكن أريد أن أشير إلى أن فؤاد حداد لا يقل حضورًا عن هؤلاء الشعراء بين الجماهير، وهو الأقل بينهم فى عدد الدراسات التى تناولت شعره، إلى غير ذلك من الأمثلة التى لا حصر لها.
■ أشار مقال محمد هشام إلى أن النقد فن مثله مثل الشعر والرواية والقصة، وأقول إن هذا تطرف فى الحكم على النقد والنقاد، فإن كان مقالى أشار إلى ضرورة توفر الموهبة لدى الناقد، وعدم كفاية الدراسة النظامية وحدها، فإن النقد ليس فنًا خالصًا، بل يجب أن يتسلح الناقد بالعلم، فالنقد أولًا علم، علم باللغة نحوًا وصرفًا وعروضًا ومعاجم، وأساليب، علم بالفنون الأدبية: نشأتها وسماتها وتاريخ تطورها، ومدارسها، ومذاهبها، علم بالمدارس والنظريات والمناهج النقدية، علم بالثقافة التى ينتمى إليها النص، والثقافة التى ينتمى إليها المنهج، وفلسفة وجود كل منهما، وإذا لم يكن الناقد عالما بكل هذا فأدواته تبقى ناقصة، ونتاجه يبقى بعيدًا عما يُرجى من النقد، ومع أن كل هذا لا يكفى ليُوجد لدينا «ناقد»، وتبقى الموهبة مهمة وأساسية خاصة فى «النقد التطبيقى» فإنه بلا علم، لن تكفى الموهبة ولن تفى أبدًا.

■ يسأل محمد هشام: هل يستخدم الناقد المنهج لخدمة النص أم يستخدم النص لخدمة المنهج؟ ويرى أنه من العيب أن يتم توظيف النصوص لصالح المناهج، إلى حد لىِّ عنق تلك النصوص، وأقول:
كل كتابة نقدية تفرض توجهها بحسب المُراد منها، فأحيانًا نريد أن نتعرف على منهج نقدى بعينه، وطرق تطبيقه، فنقدّم بمقدّمة نظرية عن ذلك المنهج، تشرح فلسفته ونشأته وتاريخه ومراميه، ثم نشرع فى اختيار نصوص نطبق عليها المنهج، ظانين من قراءتنا الأولى لتلك النصوص صلاحيتها لأن تكون مادةً لذلك، وأحيانًا يصدق ذلك الظن وأحيانًا لا يصدق، وعلى الباحث المخلص الصادق أن ينتهى إلى نتائج يشير فيها إلى صلاحية ما استخدمه من نماذج تطبيقية لذلك المنهج أو عدم صلاحيتها، صديقى د.أحمد صلاح الشرقاوى، بعد تطبيقه التداولية فى رسالته للدكتوراه على نصوص شعرية، قال لى: هذا منهج لا يصلح لدراسة الشعر، سيكون أجدى فى النثر، الشعر شىء آخر.
وهناك كتابة نقدية تستهدف دراسة النص دراسة حرة، وهذه نقول فيها: لا تقيد نفسك إلا بما يقيد به النص نفسه، فهناك المنهج التكاملى، الذى ينبنى على تداخل عدة مناهج يكون من صالح النص استخدامها جميعًا فى تحليله، وهناك الموضوعاتية التى تميل إلى تلك التكاملية، وهناك أيضًا مناهج تتحرك بفكرة عامة أو مفهوم عام أو موضوعة بعينها دون تحديد إجراءات منهجية، مثل كثير من المقاربات التى تدخل فى إطار النقد الثقافى، كالنسوية والنقد البيئى، وغيرها، هذه مناهج غير مقيدة بإجراءات تحليلة معينة، يكفى أن تتحرك فى حدود الفلسفة العامة التى يطرحها منظرو تلك المقاربة، وهكذا، فبحسب طبيعة الدراسة ومدخلها والغرض منها، يتحتم أن يقود المنهجُ الدراسةَ أو يقودها النصُّ وحده.
■ يسأل محمد هشام عن دور النقد: هل نكتب عن الأدب لكى نفتح أبوابه أمام الآخرين، أم لكى نثبت أننا نمتلك مفاتيح ومعلومات لا يملكها سوانا بوصفنا أساتذة جامعات؟
وربما كنتُ قد أوضحتُ فيما سبق من السطور أن الدور الإعلامى للنقد هو أحد أدواره، لكنه ليس الدور الوحيد، وكما أن الناقد يكتب عن الأدب ليقربه إلى الجماهير ويطرح سبلًا لقراءته والاستمتاع به، فإن دوره أيضًا هو الرقى بوعى تلك الجماهير، وتعريفهم بالفلسفة الكامنة خلف النص الأدبى، وخلف الأداة المنوط بها تحليل ذلك النص «الأداة النقدية»، نعم يجب على الناقد، إذا توجّه إلى الجمهور فى دورية ثقافية أو صفحة على وسائل التواصل أو مقال هنا أو هناك، أن يعين القارئ بما يكتبه عن النص الأدبى، على فهم ذلك النص والاستمتاع به، لكن أيضًا منوط به أن يعلمه ما لا يعلم، وأن يطلعه على ما هو أبعد من النص الأدبى، وهكذا هى المعرفة، لا تتوقف عند سقف، ولا تنتهى إلى نقطة، ولا ينتهى دور الأساتذة- فى كل تخصص- عند مرمى عنده يتوقفون.
■ أخيرًا، يسأل محمد هشام: لماذا لا يترك جانب كبير من الإنتاج النقدى الحالى أثرًا واضحًا فى حياتنا الثقافية؟ ولماذا ليس لدينا الآن نقاد أصحاب أثر واسع ونجاح كبير فى تحويل المعرفة إلى رؤية، مثل محمود أمين العالم ورجاء النقاش وفاروق عبدالقادر وغيرهم؟
وأقول إنه من الظلم للمشتغلين بالحقل النقد الأدبى، دارسين وأساتذة ونقادا، أن يُحَمَّلوا وحدهم مسئولية هذا، لقد كان مناخًا يا صديقى، مناخًا عامًا، انظر إلى مناهج اللغة العربية المقدمة لطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى- مثالًا- مناهج نشفق على طلاب الجامعة الآن من تدريسها لهم، انظر إلى سلاسل الكتب التى أصدرتها وزارة الثقافة والإرشاد القومى، بأسعار زهيدة جدًا، ومستويات فارقة مدهشة من النصوص والموضوعات، فى تلك الفترة الزمنية نفسها، وانظر إلى أثر هذا، الأثر الذى امتد إلى مشروع مكتبة الأسرة الذى انبنت عليه جُل مكتباتنا نحن أبناء أجيال الثمانينيات والتسعينيات، وانظر إلى إصدارات وزارة الثقافة الآن «لا سيما هيئة قصور الثقافة، أعداد الإصدارات وأهميتها وأسعارها!»، انظر كم مذيع تليفزيونى يحسن أن ينطق العربية الفصحى دون النظر إلى ورقة، انظر إلى العروض المسرحية باللغة العربية الفصحى فى مصر كلها، فى المسارح الحكومية والخاصة، وغير ذلك كثير، أتفق معك فى أن لنا دورًا، نحاول التأكيد عليه وتحسينه، ومعالجة مشكلاته، بنقد «البيت النقدى» من الداخل، لكن أيضًا يجب أن نتحرك معًا، فى مشروع قومى، يرعى اللغة العربية، ويعيد لها دورها- يأتى فى إطاره الأدب والنقد وغيره مما يتعلق باللغة- حتى يفهم الناس ما يقرأون، إذا قرأوا!







