السبت 07 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

حتى نغادر مكاننا.. رسالة مفتوحة إلى الفنان حسين فهمى: أى موقع نريد لمهرجان القاهرة؟

حرف

- المقارنة المفيدة تساعد على فهم آليات النجاح ثم اختيار ما يلائم ظروفنا

- العلاقات تفتح الباب والتنظيم يحفظ الثقة والبرنامج يمنح الحضور مضمونه

- الاعتماد الدولى ليس ترتيبًا يجعل المهرجانات متساوية فى النفوذ الفنى والإعلامى والاقتصادى

- مكانة القاهرة الرسمية تمنحها فرصة للمنافسة أما وزنها الفعلى فتصنعه الأفلام التى تختارها

- قوة المهرجان تُختبر فى قدرته على مساعدة الفيلم كى يصل إلى من لم يشاهدوه بعد

- تحتاج القاهرة إلى أن تصبح رحلتها أكثر جدوى لمن يصنعون الأفلام ويمولونها ويوزعونها

- الأفضل أن تُبنى الدعوات على احتياجات البرنامج والصناعة المصرية والعربية

الفنان الكبير الأستاذ حسين فهمى، رئيس مهرجان القاهرة السينمائى الدولى،

تحية تقدير،

أكتب إليك مع اقتراب دورة جديدة من مهرجان القاهرة ٢٠٢٦، ومن موقع علاقة امتدت سنوات مع هذا المهرجان الذى ساهمت فى ترشيح أفلام وضيوف وأعضاء لجان تحكيم له، وأدرت لقاءات مع ضيوفه المتحدثين بالألمانية، وكتبت فى مطبوعاته. وبالتوازى، أتاحت لى متابعة مهرجان برلين وغيره من المهرجانات، ثم تأسيس فعاليات ومهرجانات فى مصر، أن أرى كيف تتكون المكانة الدولية بالعمل المتراكم والعلاقات والثقة.

من هذه الخبرة جاءت سلسلة المقالات التى أكتبها عن القاهرة وموقعه بين المهرجانات المنافسة. وأضع أسئلتها أمامك وأمام القارئ، تقديرًا لمسيرتك الفنية، وحرصًا على أن يستفيد المهرجان من النقاش حول مستقبله.

أول هذه الأسئلة يتعلق بما تعنيه مكانته الدولية عمليًا. فالاعتماد المهنى والتاريخ الطويل مكسبان، لكنهما يحتاجان إلى ما يجددهما: أفلام تبدأ رحلتها من القاهرة، ومنتجون ومُوزّعون يأتون إليها بحثًا عن عمل، وصحافة وإذاعات وشاشات تتابع اختياراتها وتناقش أثرها.

وقد حرصت فى المقارنة على النظر إلى الدورة السادسة والأربعين، دورة ٢٠٢٥، واحتساب ما أعلنته إدارتها من تطور فى مبيعات التذاكر والحجز ونشاط السوق، وما قدمه ملتقى القاهرة للمشروعات. ويستحق هذا الجهد أن يتبعه بيان مفصل يتيح معرفة ما تحقق، وما بقى، وكيف سيُستكمل.

فنيًا، أرجو أن نتعرف إلى خطة القاهرة لجذب أعمال مهمة فى عروضها الأولى، وإلى الدور الذى تريد أن تؤديه فى اكتشاف المخرجين. إن إتاحة الأفلام المتميزة للمشاهد المصرى وظيفة ثقافية أساسية؛ وتعزيز موقع المهرجان يحتاج أيضًا إلى أعمال ينتظر العالم أن يتعرف إليها من خلاله. فكيف نبنى التوازن بين الوظيفتين؟ وأين تكون للقاهرة أولوية تستطيع الدفاع عنها وسط المنافسة؟

ومهنيًا، أعرف من تجربتى أن الحصول على الفيلم والضيف يبدأ قبل انعقاد المهرجان بأشهر، وأحيانًا بسنوات. يحتاج إلى أشخاص يتابعون الإنتاج، ويزورون المهرجانات، ويتواصلون مع المنتجين ووكلاء المبيعات، ثم يتابعون الاتفاق حتى تنفيذه. لذلك أرى أهمية توضيح شبكة اختيار الأفلام، وتوفير موارد مناسبة لها، وضمان استمرارها بما يتجاوز تغير المسئولين.

ويمتد السؤال إلى أيام الصناعة والسوق: من نريد استضافتهم، وما الذى نريد إنجازه معهم؟ عدد اللقاءات والجوائز بداية للتقييم، وتكتمل قيمته بمعرفة المشروعات التى دخلت التصوير، والأفلام التى وجدت موزعين، والتعاون الذى استمر بعد مغادرة الضيوف. هذه النتائج تمنح صانع الفيلم سببًا مهنيًا لاختيار القاهرة.

وماليًا، أرجو نشر بيان واضح بموارد المهرجان وأوجه إنفاقها، يميز بين الدعم النقدى والخدمات العينية، ويبين ما يخصص للبرنامج والعمل المهنى وخدمة الجمهور. وجود هذه المعلومات يساعد على فهم حدود الإمكانات، وتقدير الجهد، وتحديد الاحتياجات التى تستحق دعمًا إضافيًا. وهو أيضًا أساس لمناقشة أولويات الإنفاق بإنصاف.

وفى الإعلام، أطمح إلى متابعة منتظمة تمتد من الخبر والحفل إلى الحوار والتحقيق والتقييم: ماذا قدمت القاهرة للسينما هذا العام؟ وكيف استقبلها المهنيون خارج مصر؟ وأين ظهرت أفلامها بعد الختام؟ ويستحق الجمهور بدوره أن نعرف تجربته فى الحجز والدخول وجودة العرض والترجمة والنقاش مع صناع الأفلام.

أقترح أن تتيح إدارة المهرجان، عقب كل دورة، تقريرًا فنيًا ومهنيًا وماليًا منشورًا، وأن تعرض خطة تطوير لعدة سنوات، لها أهداف يمكن مراجعتها. عندئذٍ يستطيع الكاتب والناقد والمشارك أن يناقش التقدم استنادًا إلى معلومات مشتركة، وتستطيع الإدارة أن تبين أثر عملها وتستمع إلى ما يحتاج إلى تصحيح.

وأرحب بردك وتوضيحاتك، وبأى بيانات تستكمل المقارنة أو تصححها. وأتمنى أن تفتح هذه الرسالة حوارًا يشارك فيه المبرمجون والمنتجون والموزعون والنقاد والجمهور، حول خطوات محددة تمنح مهرجان القاهرة وزنًا يتناسب مع طموحه وإرث السينما المصرية.

مع خالص التقدير.

بين برلين والقاهرة.. كيف تُبنى مكانة المهرجان؟

مع اقتراب الدورة الجديدة لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى ٢٠٢٦ ، أعود إلى سؤال صاحبنى خلال سنوات طويلة من العمل ومتابعة المهرجانات: ما الذى يجعل مهرجانًا موعدًا ينتظره السينمائيون، ويحرص المنتجون على تقديم أفلامهم فيه، ويتابع النقاد برنامجه قبل أن تبدأ عروضه؟ وكيف تتحول مدينة، لأيام محدودة كل عام، إلى مكان تُكتشف فيه أفلام وتتحدد فيه مسارات مهنية وتُعقد اتفاقات يمتد أثرها إلى ما بعد حفل الختام؟.

أطرح هذه الأسئلة من واقع تجربة جمعت بين حضور مهرجان برلين بصفتى صحفيًا، والتعاون مع مهرجان القاهرة فى ترشيح أفلام من البلدان الناطقة بالألمانية أو غيرها، واقتراح ضيوف وأعضاء لجان تحكيم، وإدارة الندوات مع الضيوف المتحدثين بالألمانية، فضلًا عن الكتابة فى مجلة المهرجان.

لم يكن هذا التعاون تكليفًا رسميًا بأن أكون مندوبًا للمهرجان، كان مساهمة مهنية تعود بالنفع على الطرفين، وتتيح لى توسيع علاقاتى الدولية. وقد عرّفتنى بالعمل الذى يسبق ظهور الفيلم على الشاشة، وبقيمة الاتصال الذى يبدأ قبل موعد المهرجان بشهور، وقد تتجدد ثماره على مدار سنوات.

زرت برلين طوال فترة تقترب من عشرين عامًا، وكانت المهمة الصحفية جزءًا من أسباب الرحلة، لكننى كنت أذهب أيضًا بعين تبحث عما يمكن أن يصل إلى الجمهور المصرى: فيلم يصلح للقاهرة، وآخر يناسب الإسكندرية، وعمل تسجيلى أو قصير يستحق العرض فى الإسماعيلية، ومخرج تضيف زيارته لقاءً مهمًا إلى أحد البرامج.

حين يطالع الجمهور برنامج مهرجان، يرى عناوين الأفلام وأسماء المخرجين وبلدان الإنتاج ومواعيد العرض. أما خلف هذه الصفحات فهناك أسئلة عملية: مَن شاهد الفيلم؟ ومَن عرف بوجوده مبكرًا؟ ومَن تواصل مع منتجه أو وكيل مبيعاته؟ ولماذا وافق أصحابه على عرضه فى هذا المهرجان وفى هذا التوقيت؟.

الفيلم الذى تريده القاهرة قد تتنافس عليه مهرجانات أخرى، وقد يفضّل منتجه الانتظار، أو يشترط عرضًا إقليميًا أول، أو يبحث عن فرصة توزيع. ومن يتفاوض معه يحتاج إلى معرفة بالفيلم وخطة تقديمه، وإلى القدرة على شرح القيمة التى ستضيفها مشاركته.

لذلك كانت زيارات المهرجانات فرصة للمشاهدة وبناء العلاقات معًا. ومع تكرار التعامل تصبح الثقة رصيدًا، بشرط أن يعرف المهرجان كيف يحافظ عليه ويستفيد منه داخل مؤسسته.

تساعدنا برلين على فهم اتساع وظيفة المهرجان، فإلى جانب العروض والجوائز ترتبط بها السوق الأوروبية للفيلم «European Film Market»، التى تجمع المنتجين والموزعين والمشترين ووكلاء المبيعات. وهناك سوق للإنتاج المشترك «Berlinale Co-Production Market» تتيح لأصحاب المشروعات البحث عن شركاء، وبرنامج «مواهب برلين» (Berlinale Talents) الذى يربط التطوير المهنى بالإرشاد وتبادل الخبرات.

هكذا تتعدد أسباب الحضور: مشاهدة عمل، أو تطوير مشروع، أو البحث عن شريك، أو اكتساب خبرة. ويصبح للمهرجان أثر فى حياة الفيلم قبل عرضه وأثناءه وبعده.

لكن هذه الأنشطة لا تعفينا من السؤال الأساسى: ماذا يُعرض على الشاشة؟ فقيمة البرنامج تُختبر فى الأفلام، وقدرته على تقديم أصوات وتجارب تستحق الاهتمام، ثم فى الأثر الذى يبقى منها.

تقتضى المقارنة المنصفة الاعتراف بما طورته القاهرة، فقد انطلقت «أيام القاهرة لصناعة السينما» (Cairo Industry Days) فى دورة ٢٠١٨، وضمت أنشطتها «ملتقى القاهرة السينمائى» (Cairo Film Connection) للإنتاج المشترك، إلى جانب لقاءات وورش تجمع العاملين فى الصناعة.

لكن تقييم هذه الخطوات يحتاج إلى تتبع نتائجها: ما المشروعات التى وجدت شركاء؟ وما الأفلام التى اكتملت؟ وما مسارات عرضها؟ وكيف استمرت الصلة بين أصحابها والمهرجان؟ إعلان المبادرة بداية، وأثرها يظهر بمتابعة ما تحقق عبر السنوات.

وينطبق الأمر نفسه على الضيوف والندوات، فقد أدرت لقاءات مع سينمائيين يتحدثون الألمانية والإنجليزية، وأعرف أن الضيف المهم يمنح المهرجان فرصة تحتاج إلى إعداد: معرفة بأعماله، ومحاور محددة، وترجمة دقيقة، وجمهور يستطيع المشاركة. عندئذٍ يصبح اللقاء مادة معرفة تبقى قيمتها بعد سفره.

قد يعترض البعض باختلاف الموارد والبيئة الاقتصادية وحجم الصناعة. وهى فروق تؤثر بالفعل فى القدرة على اجتذاب الأفلام والضيوف، لكنها تجعل تحديد الأولويات أكثر إلحاحًا: أين تنفق القاهرة مواردها؟ وما المجالات التى تستطيع التميز فيها؟ وكيف تستفيد من تاريخ السينما المصرية وصلاتها العربية والإفريقية والآسيوية؟.

المقارنة المفيدة تساعد على فهم آليات النجاح، ثم اختيار ما يلائم ظروفنا: استمرارية العمل، وحفظ العلاقات، ووضوح مسئوليات الاختيار، وإتاحة المعلومات، ومتابعة نتائج المبادرات.

وأكتب عن القاهرة لأننى أعرف قيمة ما تستطيع تقديمه، وشاركت فى جانب من العمل من أجلها. هذه الخبرة تجعلنى حريصًا على أن يستند الاحتفاء بها إلى برنامج يبرره، وأن يستند النقد إلى وقائع وأسئلة محددة.

فى المقالات التالية نقترب من أفلام ودورات بعينها، ثم نوسّع المقارنة إلى مهرجانات أخرى.. أما السؤال الذى نبدأ به فهو: ما الذى يجعل صاحب فيلم مهم يختار القاهرة، وما الذى يجعل المشاهد يثق فى اختيارها؟

من برلين إلى القاهرة.. ماذا تصنع العلاقات وما الذى يصنعه البرنامج؟

فى فبراير ٢٠٠٣، كان المخرج الكندى ذو الأصل الأرمينى، المولود بالقاهرة، أتوم إيجويان «Atom Egoyan» يترأس لجنة التحكيم الدولية لمهرجان برلين. وبعد انتهاء مهمته جاء إلى القاهرة للمشاركة فى أسبوع الفيلم الكندى الذى توليت إدارته. وكانت استضافته ثمرة إعداد واتصالات وتنسيق، بعدما امتد الطريق إلى الاتفاق مع السفارة الكندية على تنفيذ المشروع نحو ست سنوات.

أستعيد الواقعة لأنها تفتح سؤالًا يتجاوز استضافة اسم معروف: كيف تتحول العلاقات المهنية إلى حدث له برنامج وجمهور وأثر؟ وكيف نستفيد من حضورنا فى المهرجانات العالمية لتقديم أعمال وضيوف يضيفون إلى الحياة السينمائية فى مصر؟.

كنت قد أخّرت إقامة الأسبوع بالتنسيق مع الجهات المعنية حتى يتمكن «إيجويان» من الحضور بعد انتهاء مهمته فى برلين. وكان لمولده فى القاهرة بُعد خاص فى استقباله؛ فقد احتفت به الجالية الأرمينية والصحافة المصرية.

وفى المؤتمر الصحفى الذى أُقيم بمناسبة حضوره فى السفارة الكندية، تحدثت بحضور السفير ميشيل دى سالابرى «Michel de Salaberry» وإيجويان ورئيس مجلس الأعمال المصرى الكندى. وما زلت أحتفظ بصور اللقاء ومواد صحفية تناولت الأسبوع.

عرضنا مجموعة من أعماله، وكان «أرارات» (Ararat، ٢٠٠٢)، وهو فيلم كندى من إخراج إيجويان، فيلم الافتتاح. ثم انتقلت الأعمال من الشاشة إلى صفحات النقد، حيث تناول الكتّاب أسلوب المخرج وحكاياته وصلته بأصوله الأرمينية.

هنا يظهر أثر الحدث: برنامج يُقام، وأفلام تُشاهد، ونقاش يتجاوز مراسم الاستقبال. فحضور المخرج يكتسب معناه من أعماله وطريقة تقديمها والجمهور الذى نستطيع الوصول إليه.

زرت برلين طوال فترة تقترب من عشرين عامًا بصفتى صحفيًا، وبعين تبحث أيضًا عن أفلام وضيوف للمهرجانات المصرية، ومنها القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية.

وشملت زياراتى ميونيخ وفيينا وهامبورج وماكس أوفلس ودورتموند ومونز فى بلجيكا ومهرجانات أخرى. وكانت دراستى للألمانية والإنجليزية تساعدنى على التواصل المباشر مع سينمائيين ومؤسسات فى ألمانيا والنمسا، ومتابعة أعمالهم من موسم إلى آخر. كما كنت أتحدث الإنجليزية وأفهمها، فامتدت اتصالاتى وعلاقاتى إلى سينمائيين من بلدان أخرى، ومنها كندا وأمريكا؛ ولم يقتصر تعارفى المهنى على الناطقين بالألمانية.

وامتدت مساهمتى إلى ترشيح أعضاء لجان تحكيم دولية، منهم النمساوى بيتر كيرن «Peter Kern» فى القاهرة، والنمساوى بيتر باتساك «Peter Patzak» الذى تولى رئاسة لجنة تحكيم مهرجان دمشق. كما أدرت ندوات ضيوف القاهرة المتحدثين بالألمانية دون أجر عن تلك الندوات.

منحتنى هذه المشاركات خبرة وثقة وعلاقات ساعدتنى لاحقًا على تأسيس مهرجان الفيوم الدولى لسينما الشباب، الذى استمر أربع دورات متصلة واستقطبت إليه نجوم السينما المصرية. واستفدت منها فى مهرجان الأصالة بالعريش، حيث استطعت استضافة الممثل النمساوى الحاصل على الأوسكار ماكسيميليان شل «Maximilian Schell»، ودعوة الممثل النمساوى كلاوس ماريا برانداور «Klaus Maria Brandauer».

لم تكن مساهمتى تنتهى عند ترشيح الفيلم؛ فبعد موافقة المهرجان كنت أرتب شحن نسخته عبر الحقيبة الدبلوماسية للسفارة المعنية أو عن طريق معهد جوته «Goethe-Institut».

وكانت نسخ الأفلام مقاس ٣٥ مم تضع على عاتقى مسئولية إضافية؛ إذ كنت أوقّع تعهدات بإعادة شحنها بالحالة التى وصلت بها. لذلك كنت أقلق من الضرر الذى قد يلحق بها، فى ضوء ما كان يتردد آنذاك عن سوء التعامل مع النسخ فى بعض دور العرض المستخدمة خلال مهرجانى القاهرة والإسكندرية.

هذه التفاصيل جزء من السمعة المهنية، فصاحب النسخة ينتظر عرضها فى ظروف جيدة وإعادتها سليمة وفى الموعد المتفق عليه. وتجربة ناجحة تساعد على استمرار التعامل، بينما قد يجعل التلف أو التأخير الحصول على الفيلم التالى أكثر صعوبة.

لم يكلّفنى مهرجان القاهرة رسميًا بأن أكون مندوبًا له، ولم يذكرنى بهذه الصفة فى كتالوجاته. كنت أساهم بالترشيحات والاتصالات، وكانت المشاركة تعزز موقعى وعلاقاتى الدولية، وتتيح تنفيذ اتفاقيات أتقاضى عنها أجرًا من جهات أخرى.

وشملت مكافأة تعاونى مع القاهرة تحمّل ثمن تذكرة سفر ذهابًا وعودة واستضافتى أثناء المهرجان فى فندق الضيوف، دون أجر مالى محدد عن المتابعة والاتصالات.

لكن متابعة المهرجانات طوال العام تحتاج إلى سفر وإقامة ووقت، وهى أعباء تتجاوز عادة طاقة فرد. وإذا اتفق المهرجان على مهمة، فمن الطبيعى تخصيص موارد ومسئوليات واضحة لها، ومراجعة نتائجها.

فى فبراير ٢٠١٨ شارك «ثلاثة أيام فى كيبرون» (٣ Tage in Quiberon)؛ العنوان الدولى: «٣ Days in Quiberon»، وهو إنتاج مشترك بين ألمانيا والنمسا وفرنسا، للمخرجة Emily Atef، الألمانية الفرنسية ذات الأصل الإيرانى، فى مسابقة برلين. وفى نوفمبر عرضه مهرجان القاهرة ضمن البانوراما الدولية.

إتاحته للمشاهد المصرى اختيار له قيمته، لكن موقعه فى البرنامج يوضح اختلاف الوظائف: مسابقة فى برلين، وبانوراما فى القاهرة. لذلك ينبغى تقييم كل قسم وفق مهمته، دون استخدام جودة البانوراما لإصدار حكم تلقائى على قوة المسابقة.

وفى دورة القاهرة نفسها شارك الفيلم المصرى «ليل خارجى» (EXT. Night)، للمخرج المصرى أحمد عبدالله «Ahmed Abdalla»، فى المسابقة الدولية بعرض عالمى أول. وهذه وظيفة أخرى للمهرجان فى تقديم السينما المصرية داخل إطار دولى. المعيار فى الحالتين هو ما أضافه الاختيار إلى الفيلم والجمهور. فالعلاقات تفتح الباب، والتنظيم يحفظ الثقة، والبرنامج يمنح الحضور مضمونه.

ومع اقتراب الدورة الجديدة يبقى السؤال: ما الذى تعد به القاهرة أصحاب الأفلام وجمهورها، وما الذى تستطيع تقديمه فعلًا؟

القاهرة وبرلين.. لماذا لا يكفى التصنيف الدولى؟

وجود مهرجان القاهرة فى دائرة المهرجانات المعتمدة دوليًا يمنحه مكانة مؤسسية مهمة، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأصعب: ما قدرته على منافسة المهرجانات الكبرى فى الحصول على الأفلام، واجتذاب صناعها، والتأثير فى مسيرتها؟

فالقاهرة، وبرلين، وكان، وفينيسيا، وكارلوفى فارى، جميعها مهرجانات معتمدة لدى الاتحاد الدولى لجمعيات منتجى الأفلام «فيابف» (FIAPF). لكن الاعتماد ليس ترتيبًا يجعلها متساوية فى النفوذ الفنى والإعلامى والاقتصادى.

فى مسابقة برلين عام ٢٠٢٤ تنافس عشرون فيلمًا، كان تسعة عشر منها عروضًا عالمية أولى. أى أن أصحابها اختاروا برلين لتبدأ منها رحلة الأفلام أمام الجمهور والنقاد والعاملين فى الصناعة.

وجمعت المسابقة أعمالًا لمخرجين لهم حضور دولى، منهم الكورى الجنوبى هونج سانج سو «Hong Sang-soo»، والفرنسيان أوليفييه أساياس «Olivier Assayas» وبرونو دومون «Bruno Dumont»، والموريتانى عبدالرحمن سيساكو «Abderrahmane Sissako»، إلى جانب أصوات أحدث. وهنا تجتمع ميزتان: اجتذاب أعمال جديدة لأسماء معروفة، وإتاحة مكان للاكتشاف.

أما مسابقة القاهرة فى العام نفسه فضمت عروضًا عالمية أولى، منها الفيلم المصرى «الربيع أتى ضاحكًا» (Spring Came on Laughing) للمخرجة المصرية نهى عادل «Noha Adel»، إلى جانب أفلام بدأت رحلتها فى مهرجانات أخرى.

ومن بينها «العام الجديد الذى لم يأتِ» (Anul Nou care n-a fost؛ العنوان الدولى «The New Year That Never Came»، وهو إنتاج مشترك بين رومانيا وصربيا للمخرج الرومانى بوجدان موريشانو «Bogdan Muresanu»، الذى وصل إلى القاهرة بعد فوزه بجائزة أفضل فيلم فى قسم «آفاق» بمهرجان فينيسيا.

إتاحة الفيلم لجمهور القاهرة اختيار له قيمته. لكن المقارنة تكشف عن اختلاف القدرة على اجتذاب البداية: برلين قدمت تسعة عشر عرضًا عالميًا أول فى مسابقة واحدة، بينما جمعت القاهرة بين بدايات جديدة وأعمال سبق تقديمها دوليًا.

هذه فجوة فى قوة الاستقطاب، ولا تعنى تلقائيًا أن كل فيلم فى برلين أفضل من كل فيلم فى القاهرة. لكنها تستدعى البحث فى أسباب تفضيل أصحاب الأعمال المهمة مهرجانًا على آخر.

صاحب الفيلم يسأل عما سيجده: اهتمام نقدى، وحضور مهنى، وفرص لقاء وتوزيع، وقدرة على إطلاق نقاش حول العمل.

وهنا تظهر إحدى نقاط قوة برلين؛ إذ ترتبط عروضها بالسوق الأوروبية للفيلم «European Film Market»، التى تجمع المنتجين والموزعين والمشترين ووكلاء المبيعات. يصبح حضور الفيلم فرصة فنية ومهنية، وقد يسهم فى انتقاله إلى أسواق وجمهور جديدين. ولدى القاهرة أنشطة للصناعة وملتقى للمشروعات، وهى خطوات مهمة. لكن وجود النشاط لا يثبت وحده حجم تأثيره. المطلوب معرفة النتائج: ما الشراكات التى نشأت؟ وما المشروعات التى اكتملت؟ وما الذى أضافته المشاركة إلى فرص الأفلام؟.

برلين نفسها متعددة الأقسام، ولذلك لا تكمن المشكلة فى وجود بانوراما وأسبوع للنقاد وعروض خاصة وكلاسيكيات فى القاهرة.

لكن جودة هذه الأقسام لا تعفينا من فحص المسابقة الرئيسية. فقد يستمتع الجمهور بأفلام مهمة جاءت من مهرجانات أخرى، بينما تظل قدرة المهرجان على اجتذاب الأعمال الجديدة الأبرز محدودة.

وتوضح رحلة «تاريخ موجز لعائلة» (Brief History of a Family) الفرق: الفيلم إنتاج مشترك بين الصين وفرنسا والدنمارك وقطر، للمخرج الصينى لين جيانجيه «Lin Jianjie».

عُرض فى بانوراما برلين عام ٢٠٢٤، ثم فى أسبوع النقاد بالقاهرة فى العام نفسه. تقديمه للمشاهد المصرى خدمة ثقافية، لكنه لا يُستخدم دليلًا على قوة مسابقة القاهرة؛ لأنه لم يشارك فيها أصلًا.

نحتاج إلى تقييم مستقل للمسابقة، يتناول مستوى أفلامها وقدرتها على الاكتشاف والاستقطاب، ثم تقييم الأقسام الأخرى بحسب وظائفها.

من واقع تجربتى أعرف قيمة المتابعة الخارجية. فقد يبدأ الحصول على فيلم بلقاء، ثم يتطلب اتصالات تمتد شهورًا أو سنوات.

لكن تحويل العلاقات إلى قوة دائمة يحتاج إلى عمل مؤسسى: متابعة طوال العام، ومسئوليات واضحة، وموارد للبحث والتفاوض، وحفظ للخبرات عند تغير الإدارات. فالاعتماد على اتصالات أفراد قد يحقق نتائج مهمة، أما الاستمرار فيحتاج إلى خطة تتراكم داخل المهرجان.

وتحتاج القاهرة كذلك إلى إظهار حصيلة عملها. فالأرقام المعلنة عند الافتتاح ينبغى أن تتبعها مراجعة بعد الختام: ماذا حققت المسابقة؟ وما أثر أنشطة الصناعة؟ وما الأفلام التى ساعد المهرجان على اكتشافها أو توسيع حضورها؟.

مكانة القاهرة الرسمية تمنحها فرصة للمنافسة؛ أما وزنها الفعلى فتصنعه الأفلام التى تختارها، والأفلام التى يختار أصحابها أن تبدأ رحلتها منها.

بعد الهرم الذهبى.. أين يذهب الفيلم؟

تنتهى مراسم الختام، ويتسلّم المنتج الجائزة، وتلتقط الكاميرات الصور، ثم يبدأ الإعداد للدورة التالية. لكن بالنسبة إلى الفيلم الفائز يبقى سؤال أهم: ماذا سيحدث غدًا؟

هل تساعده الجائزة على الوصول إلى شاشات جديدة؟ وهل تلفت إليه موزعين ونقادًا؟ أم تصبح سطرًا فى ملفه الدعائى، بينما تستمر رحلته اعتمادًا على ترتيبات بدأت قبل وصوله إلى المهرجان؟

هذا اختبار آخر لمكانة القاهرة مقارنة ببرلين. فوزن الجائزة يظهر خارج قاعة الختام، حين يستخدمها أصحاب الفيلم فى تقديمه، وحين تصبح سببًا يدفع آخرين إلى مشاهدته أو شرائه. ولكى ننصف المقارنة، علينا معرفة أين كان الفيلم قبل الجائزة، وأين وصل بعدها.

فاز الفيلم البريطانى «ليمبو» (Limbo)، للمخرج البريطانى بن شاروك «Ben Sharrock» وبطولة أمير المصرى «Amir El-Masry»، بالهرم الذهبى عام ٢٠٢٠. وفى فبراير ٢٠٢١ أعلنت شركة «فوكس فيتشرز» (Focus Features) عن حصولها على حقوق توزيعه عالميًا، باستثناء عدد من الأسواق. ثم أعلنت عن طرحه فى دور العرض الأمريكية فى أبريل، بعد ترشيحه لجائزتين من جوائز الأكاديمية البريطانية «بافتا» (BAFTA).

هذه رحلة لاحقة مهمة لفيلم فاز فى القاهرة، وينبغى ذكرها عند تقييم اختيارات المهرجان.

لكن العمل كان قد دخل دائرة الاهتمام الدولى قبل الهرم الذهبى؛ إذ حمل علامة الاختيار الرسمى لكان عام ٢٠٢٠، وشارك فى تورونتو وسان سيباستيان، حيث فاز بجائزة لجنة تحكيم الشباب. ويجب التمييز بين اختياره لكان وبين عرضه فى دورة لم تُقم بصورتها المعتادة بسبب الجائحة.

إذن اختارت القاهرة فيلمًا له مسار دولى قائم وأضافت إليه جائزتها الكبرى. أما القول إن الجائزة صنعت اتفاق توزيعه أو ترشيحاته، فيحتاج إلى دليل من الأطراف المعنية. وهذا يحفظ للقاهرة قيمة اختيارها دون نسبة نجاح متعدد المساهمين إليها وحدها.

فى العام نفسه فاز «لا وجود للشر» (Sheytan vojud nadarad؛ العنوان الدولى: «There Is No Evil»، وهو إنتاج مشترك بين إيران وألمانيا والتشيك للمخرج الإيرانى محمد رسولوف «Mohamed Rasoulof»، بالدب الذهبى. وتولت «كينو لوربر» (Kino Lorber) توزيعه فى أمريكا الشمالية، وتُظهر سجلات الشركة عروضًا له فى مدن ودور سينما متعددة خلال عام ٢٠٢١، مع إبراز جائزة برلين فى تقديمه للجمهور.

ما نستطيع إثباته أن الجائزة استمرت جزءًا من هويته التسويقية، وصاحبته إلى مرحلة توزيع فعلية. لكن حتى هذا لا يجيز اختزال قرار الشراء فى الجائزة وحدها؛ فللفيلم مخرجه وموضوعه وظروفه وقيمته الفنية.

المقارنة تتعلق بمدى حضور اسم المهرجان فى رحلة العمل التالية، وقدرته على أن يصبح علامة يتعرف إليها جمهور خارج بلده.

فى عام ٢٠٢٢ فاز «ألكاراس» (Alcarràs)، وهو إنتاج مشترك بين إسبانيا وإيطاليا للمخرجة الإسبانية كارلا سيمون «Carla Simon»، بالدب الذهبى. وبعد ذلك اختير للبرنامج الرئيسى فى مهرجان نيويورك، وتولت «موبى» (MUBI) توزيعه، وبدأ عرضه فى قاعات مركز لينكولن «Lincoln Center» بمدينة نيويورك الأمريكية فى يناير ٢٠٢٣.

وفى تقديمه هناك تصدّر فوزه ببرلين التعريف بالفيلم.

يمنحنا المثال تسلسلًا واضحًا: جائزة كبرى، ثم مشاركة فى مهرجان آخر مهم، ثم عرض تجارى. ويوضح كيف يتراكم الاعتراف بالعمل عبر مؤسسات مختلفة، وتظل جائزة البداية حاضرة فى تقديمه.

هذه إحدى الوظائف التى نريد تقويتها للهرم الذهبى: أن يصاحب الفيلم فى رحلته، وأن يُذكر بوصفه معلومة لها وزن لدى المشاهد والمبرمج والموزع.

يقدم «عَلَم» (Alam)، للمخرج الفلسطينى فراس خورى «Firas Khoury»، حالة تستحق الاهتمام. والفيلم إنتاج مشترك بين فلسطين وتونس وفرنسا والسعودية وقطر. فاز بالهرم الذهبى عام ٢٠٢٢ وجائزة التمثيل لمحمود بكرى وجائزة الجمهور، لكنه بدأ عرضه العالمى فى تورونتو ومرّ بمهرجان روما قبل وصوله إلى القاهرة.

لو توقفنا هنا لقلنا إن القاهرة كرّمت عملًا سبق أن تعرفت إليه مهرجانات أخرى. لكن تتبع تاريخه يكشف عن أن المشروع حصل على منحة قدرها عشرة آلاف دولار من ملتقى القاهرة السينمائى، قبل اكتمال رحلته إلى الشاشة.

هنا تظهر مساهمة أعمق: دعم فى مرحلة المشروع، ثم استقبال الفيلم المكتمل ومنحه الجوائز. واستمرت رحلته إلى جمهور آخر من خلال شركة «فيلم موفمنت» (Film Movement)، التى تتولى تقديمه وتتيح له مسارات مشاهدة متعددة.

هذه قصة ينبغى إبرازها؛ لأنها توضح ما أضافته القاهرة فعليًا، مع الاعتراف بمساهمات الجهات الأخرى التى دعمت العمل وقدمته.

لا تسمح هذه الأمثلة بالقول إن الفائزين فى القاهرة يختفون، ولا تثبت أن كل فائز فى برلين يحقق نجاحًا واسعًا. لكنها توضح ما ينبغى قياسه بدل الاكتفاء بإعلان الفائزين.

نحتاج إلى معرفة الأفلام التى حصلت على توزيع بعد القاهرة، والأسواق التى وصلت إليها، ومدى استخدام الجائزة فى تقديمها، وما يقوله أصحابها عن أثر المشاركة. ونحتاج إلى فصل الاتفاقات السابقة للمهرجان عن النتائج التى نشأت خلاله أو بعده.

ومن دون هذه المتابعة يصعب تحويل الحديث عن دعم السينما إلى حصيلة قابلة للفحص، وقد تضيع نجاحات حقيقية داخل أخبار متفرقة.

أرى أن تخصص القاهرة متابعة منتظمة لأفلامها الفائزة ومشروعاتها المدعومة، وتعلن عن النتائج قبل الدورة التالية: أين عُرضت؟ وما فرص التوزيع التى تحققت؟ وكيف ساعدها المهرجان؟ وما الصعوبات التى ما زالت تواجهها؟

ويمكن أن تمتد المتابعة إلى تقديم الفائزين لمبرمجى المهرجانات والموزعين، وتنظيم عروض لاحقة بالتعاون مع مؤسسات ثقافية ودور سينما. عندئذ تصبح الجائزة بداية علاقة يستمر فيها العمل.

الهرم الذهبى يعلن عن اختيار لجنة التحكيم لأفضل فيلم فى المسابقة. أما قوة المهرجان فتُختبر أيضًا فى قدرته على مساعدة هذا الفيلم كى يصل إلى من لم يشاهدوه بعد.

مَن يأتى إلى القاهرة ولماذا

قد يصل نجم كبير إلى مهرجان، فتنتشر صوره ويصبح حضوره عنوانًا للأخبار. وفى الوقت نفسه يصل موزع لا يعرف الجمهور اسمه، ثم يغادر باتفاق يفتح أمام فيلم باب العرض فى عدة دول.

كلاهما يضيف إلى المهرجان، لكن الإضافة مختلفة. النجم يجذب الانتباه، والموزع قد يفتح سوقًا. والمنتج قد يجد شريكًا، والمخرج قد يحصل على فرصة لفيلمه التالى. ومن هنا ينبغى أن نسأل: من يأتى إلى القاهرة؟ وما الذى يدفعه إلى الحضور؟ وماذا يبقى من زيارته بعد الختام؟.

تساعدنا أرقام القاهرة وبرلين على الاقتراب من الإجابة، بعيدًا عن الانطباعات والصور التذكارية.

وفق البيانات المنشورة لدى الاتحاد الدولى لجمعيات منتجى الأفلام «فيابف» (FIAPF) عن عام ٢٠٢٥، بلغ عدد الحاضرين المهنيين فى مهرجان القاهرة ٩٢٧ شخصًا، منهم ٢٦٪ من الأجانب. وفى برلين بلغ العدد ١١ ألفًا و١٨٥ شخصًا، منهم ٨٦٪ من الأجانب.

أى أن الحضور المهنى المسجل فى برلين تجاوز اثنى عشر ضعف نظيره فى القاهرة. وهذه أعداد للحاضرين المهنيين، وليست قائمة بمن استضافهم المهرجان على نفقته. والفارق الأهم أن المشاركة المهنية فى القاهرة يغلب عليها الحضور المحلى، بينما يغلب عليها فى برلين الحضور الدولى. وهنا تظهر فجوة مباشرة فى اتساع دائرة اللقاء والعمل.

ولا تعنى الأرقام أن كل حاضر أجنبى صاحب قرار، أو أن المهنى المصرى أقل قيمة. لكنها تشير إلى اختلاف قدرة المهرجانين على جمع أطراف الصناعة من خارج حدودهما.

توجد مفارقة تستحق الانتباه. ففى بيانات العام نفسه، بلغت نسبة الأفلام الأجنبية بين طلبات المشاركة ٩١٪ فى القاهرة، مقابل ٨٩٪ فى برلين.

إذن تستطيع القاهرة اجتذاب طلبات مشاركة دولية بكثافة. لكن هذا لا يتحول بالدرجة نفسها إلى حضور مهنى أجنبى.

وهذا التباعد بين تدويل الطلبات وتدويل الحضور يطرح سؤالًا محددًا: لماذا يرسل صاحب الفيلم عمله إلى القاهرة، بينما لا يرى العدد نفسه من المهنيين سببًا كافيًا للسفر إليها؟.

قد يكون إرسال الفيلم خطوة قليلة التكلفة مقارنة بالسفر والإقامة وتخصيص أيام من جدول العمل. أما قرار الحضور فيحتاج إلى عائد متوقع: لقاءات مناسبة، أو فرصة بيع، أو شريك إنتاج، أو متابعة مشروعات وأفلام تستحق الرحلة.

وهذه مسألة تحتاج القاهرة إلى بحثها مع المشاركين أنفسهم.

تمنح السوق الأوروبية للفيلم «European Film Market» برلين سببًا مهنيًا واضحًا للحضور. يستطيع المنتج أو الموزع ترتيب لقاءات مع أطراف متعددة فى مكان واحد، ومتابعة أفلام ومشروعات، والتفاوض على حقوق.

كلما اتسعت هذه الدائرة زادت فائدة المشاركة فيها. يأتى المنتج لأنه سيجد موزعين، ويأتى الموزع لأنه سيجد أفلامًا ومنتجين، ويأتى آخرون لأن هذه الأطراف مجتمعة.

وهكذا تتراكم قوة المهرجان: البرنامج يجذب المهنيين، ووجودهم يزيد قيمة المشاركة فى البرنامج.

أما القاهرة، فعليها أن توضح بصورة أكثر إقناعًا ما الذى يستطيع المهنى إنجازه خلال أيامها. وجود ورش وندوات ولقاءات مهم، لكن قيمتها تُختبر فى الأشخاص الذين تجمعهم والفرص التى تتيحها والنتائج التى تتبعها.

من واقع تجربتى، أعرف أن الدعوة وحدها لا تضمن مشاركة مفيدة. كنت أبحث عن شخص أعرف أعماله وأتصور ما يمكن أن يضيفه: عضو لجنة تحكيم، أو مخرج تناقَش أفلامه، أو ضيف يلتقى الجمهور وصنّاع السينما.

وعندما رشّحت النمساوى بيتر كيرن «Peter Kern» للجنة التحكيم الدولية فى القاهرة، أو أسهمت فى التواصل مع ضيوف يتحدثون الألمانية وأدرت ندواتهم، كانت العلاقة الشخصية تساعد على فتح الباب. لكن نجاح الزيارة يحتاج بعد ذلك إلى إعداد وتنظيم ومتابعة.

وهنا تقع مسئولية المؤسسة: كيف تستفيد من العلاقة لتبنى تعاونًا يتجاوز المناسبة؟ وكيف تحفظها وتطورها عندما تتغير الإدارات والمتعاونون؟

فالدعوة الناجحة يمكن أن تكون بداية علاقة عمل متكررة، إذا وجد الضيف ما يدعوه إلى العودة.

تكشف بيانات ٢٠٢٥ أيضًا تسجيل ١١٥٣ صحفيًا فى القاهرة، مقابل ٢٤٢٩ فى برلين.

الفارق الصحفى أقل بكثير من الفارق فى الحضور المهنى. وهذا يوضح أن القاهرة ليست بلا اهتمام إعلامى. لكنه يطرح سؤالًا عن نوع التغطية وانتشارها: كم منها يصل إلى جمهور دولى؟ وكم يتناول الأفلام والنقاشات المهنية؟ وما الذى يعرفه القارئ خارج مصر عن اختيارات المهرجان؟

الأعداد وحدها لا تجيب، ولا توضح جنسيات الصحفيين أو حجم تأثير مؤسساتهم. لذلك نحتاج إلى تقييم التغطية نفسها، بدل اعتبار كل بطاقة صحفية دليلًا متساويًا على الحضور العالمى.

لا أرى أن الحل يبدأ بزيادة عدد الضيوف بلا تحديد. الأفضل أن تُبنى الدعوات على احتياجات البرنامج والصناعة المصرية والعربية.

مَن الموزعون الذين يمكن أن يهتموا بالأفلام المشاركة؟ ومَن المنتجون المناسبون للمشروعات المعروضة؟ وأى مبرمجى المهرجانات قد يفتح حضورهم مسارًا لاحقًا لهذه الأعمال؟ ثم تُرتَّب اللقاءات قبل الوصول، ويُتابَع أثرها بعد السفر. عندها نستطيع أن نعرف ما الذى عاد على الأفلام والمشروعات، وأن نطور قائمة المدعوين فى الدورة التالية على أساس الخبرة والنتائج.

تحتاج القاهرة إلى أن تصبح رحلتها أكثر جدوى لمن يصنعون الأفلام ويمولونها ويوزعونها. فحين يجد هؤلاء أسبابًا مهنية قوية للحضور، تتسع فرص الأفلام، وتقوى المسابقة، ويصبح وصف «الدولى» ظاهرًا فى حركة العمل، إلى جانب العناوين.