الخميس 05 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عتاب لكبير: نعرف قيمتك فلا تهدرها لماذا يعود عبدالمعطى حجازى إلى ما سبق أن تراجع عنه؟!

حرف

- تقول إن قصيدة النثر أنتجت نصوصًا ذات قيمة فنية عالية.. لكنها ورود نادرة وسط أشواك كثيرة.. فلماذا لا تتجاهل الأشواك وتنير لنا الطريق إلى الورود؟!.. هذا دورك يا كبير

- ترى الشعر فى الرواية واللوحة والصورة.. فلماذا لا تريد أن تراها فيما تسميه «قصيدة»؟!

مرة أخرى يعيد الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى إنتاج مقولته القديمة «قصيدة النثر ليست شعرًا»، وهى المقولة التى تستدعى بالضرورة فصول معركته الشهيرة مع الراحل عباس محمود العقاد، حين هجاه لرفضه مشاركته هو وصلاح عبدالصبور فى مهرجان الشعر بالمجلس الأعلى للفنون والآداب بدمشق عام 1961، فكتب قصيدة يهجو العقاد فيها، ثم حين سئل عن تكراره لما فعله العقاد مع شعراء التفعيلة، أعلن عن ندمه على القصيدة، وقال فى ندوة بمعرض القاهرة الدولى للكتاب عام 2018، ما نصه «كتبت هذه القصيدة لحظة انفعال لأثبت للعقاد أننا قادرون على نظم الشعر، ولكننا نبحث عن تطوير الأدوات واللغة، وكان الموقف السلبى للعقاد من قصيدتنا أنه لا يتذوقها، ويعتبرها شعرًا ناقصًا»، مضيفًا: «إن الموقفين متشابهان لكنهما غير متطابقين، ولنفرض أننى أكرر العقاد، فمن ذا الذى يكررنى؟!»، وهو ما سبق أن قال به عام 2009 فى كتابه «قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء»!!.

عباس العقاد
عباس العقاد

أولًا، ينبغى أن أوضح أننى عندما قرأت نص الحوار، لم يدر بذهنى غير سؤال واحد، هل قال الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى هذه العبارات بنصها الذى ظهرت عليه فى حواره مع الزميل السيد حسين بمجلة «المجلة»، أم تدخل «الديسك» لصياغتها بهذه الصورة المرتبكة، فهو فى النهاية حوار صحفى وليس مقال رأى، ويجوز لإدارة التحرير التدخل فى صياغة بعض عباراته دون إخلال بمقاصد المتحدث، وربما قام ديسك «المجلة» بصياغة العبارة مستعيدًا ما سبق أن كتبه حجازى بنفسه فى بدايات التسعينيات من القرن الماضى، ولكننى سرعان ما انتبهت إلى أن هذه العبارات تبقى بشكلها القديم والحالى مجرد عبارة مرتبكة ومربكة، وتحتاج إلى مراجعة، وإعادة تفكير.. «قصيدة» النثر ليست «شعرًا»؟!.. ما نعرفه أنها إن كانت «قصيدة» فهى «شعر»، وإلا فسمها «خواطر»، «أفكار»، «تصورات»، «كتابة»، «نصوص».. سمها ما شئت، لكن لا تسميها «قصيدة»، لأن القصيدة والشعر صنوان لا يفترقان.. فالقصيدة من الشعر، والشعر يوجد حيث تكون القصيدة، وبعيدًا عن هذه الملاحظة الشكلية، يظل الأمر كله مجرد «اجترار» لما سبق أن لاكته الألسنة، وأعادته إلى سياقه الصحيح، ولا حاجة إلى تكرار.

أعرف أن الكلام غير الكتابة، وأنه فى الكلام، ربما تتداخل المفردات، فتحل مفردة خاطئة، محل مفردة أخرى أكثر دقة وتعبيرًا عما تريد أن تقول، ولكن هذه العبارة المرتبكة بخطئها كانت أقرب إلى لسان الشاعر الكبير، والمدهش أنها لم تتغير مع انتقالها من حال «الكتابة» إلى حال «الكلام»، ولا العكس.. بل إن الشاعر الكبير كتبها أولًا ثم أعادها قولًا، بذات المنطوق الغارق فى الخطأ، والحقيقة أننى لا أعرف من وراء عملية «الاجترار» هذه؟! وما قيمتها الآن، وبعد كل هذه السنوات؟!

الحقيقة أننى لا أعرف لماذا يعيد الشاعر الكبير التحدث بعبارات لا تساعده اللغة على صكها بالشكل الذى يريده هو نفسه، أو تضطره متغيرات الحياة إلى التراجع عنها، أو الندم عليها وتعديلها.. فهو من يقول فى ذات الحوار: «هذا لا يمنعنى، بالطبع، من الاعتراف بأن بعض قصائد النثر قد تكون نصوصًا ذات قيمة فنية عالية، وقد تقرأ ويستمتع بها، بل قد تتميز بجمال لغوى وإبداعى واضح.. لكننى لا أضعها، مع ذلك، فى إطار مفهوم الشعر الذى أتحدث عنه، لأنها، فى تقديرى، لا تحقق الشرط الموسيقى الذى أراه جوهريا فى القصيدة»، ويقول: «وفى هذا السياق، يشير الشاعر والكاتب الفرنسى بول فاليرى إلى أن الحركة الشعرية يمكن أن تكون حاضرة فى كل فن يستخدم اللغة، وهو ما يعنى أن الشعر لا يقتصر على القصيدة وحدها، وإنما يمكن أن يتسلل إلى مختلف أشكال الكتابة الإبداعية، ومن هنا أيضًا فإن الرواية الجيدة لا تستطيع أن تستغنى عن الشعر»، كما أنه هو من يقول فى كتابه المشار إليه أن «قصيدة النثر أنتجت نصوصًا جديرة بالقراءة، لكنها ورود نادرة وسط شوك كثير».

طه حسين
طه حسين

هنا تبرز أسئلة كثيرة، وعلامات استفهام مربكة ومرتبكة، كيف ترى الشعر فى رواية وفى قصة أو لوحة، وفى مختلف أشكال الكتابة الإبداعية، ولا تراها فى فن تصفه أنت بأنه «قصيدة»؟!

إذا كان ما يعيب قصيدة النثر من وجهة نظر الشاعر الكبير هو غياب الموسيقى أو الإيقاع؟! فهذا غير صحيح.. لم يحدث أبدًا أن تخلت قصيدة النثر عن الإيقاع بشكل مطلق ونهائى وقاطع، وإنما كانت، ولا تزال، تبحث لنفسها عن إبقاع داخلى خاص، وهو ما يشير إليه بخصوص إنتاجها لنصوص «جديرة بالقراءة»، ويصفها بأنها نصوص «ذات قيمة فنية عالية، وقد تقرأ ويستمتع بها، بل قد تتميز بجمال لغوى وإبداعى واضح»!!

هى إذن كما يظهر من سياق الكلام «نصوص شعرية»، أو قل «نصوص تسللت إليها الشعرية» كما يحدث مع «الرواية» مثلًا، لماذا إذن تهيل عليها التراب بكل نصوصها، لماذا النفى وإعلان العداء؟!

وإذا كان ما يعيبها هو أن النصوص الجيدة منها «ورود نادرة وسط شوك كثير»، فهذه عبارة لا محل لها من الإعراب، ولا ينبغى لها أن تأتى على لسان شاعر بقيمة أحمد عبدالمعطى حجازى، وموقعه ومكانته بين الشعراء المصريين والعرب.. فهذه هى طبيعة الفنون والآداب التى لا بد أنه يعرفها، فى كل مكان وزمان، ما يمتاز منها عن غيره قليل، بل وربما يصل إلى درجة الندرة، وتحيط به أكوام كبيرة من القش والغثاء، ولكن يبقى الرهان دائمًا على ذائقة القراء والنقاد، وغربلة التاريخ التى كثيرًا ما تنصف الجيد وتحتفى بالورود، فيما تلقى بالأشواك إلى مصيرها الذى يليق بها، وربما لا أكون مغاليًا إن قلت إن هذه هى طبيعة الحياة، وهو حال الدنيا فى العموم، «ورود نادرة وسط شوك كثير».

أخيرًا فإن أغلب ظنى أن الأهم من ذلك كله هو أن دوره هو كشاعر كبير أن يدلنا نحن «أبناؤه وأحفاده وتلاميذه» على هذه الورود النادرة، أن ينير لنا مناطق ظهورها، ويشير إلى علامات فرادتها، لا أن يزيحها تمامًا، ويهيل عليها جميعًا التراب بدعوى كثرة الأشواك!!

دورك يا سيدى أن تقول لنا أين هذه الورود، وما الجمال الذى لا نراه فيها.. لماذا ترى تلك النصوص كأشواك؟! وما الخطأ الذى وقع فيه كاتبها؟!.. وكيف نميز بين الاثنين، وننحاز لأيهما؟!.. أنت الرائد، والأستاذ، والمعلم.. ولعلك تعرف جيدًا أنه على مر التاريخ، كان لدينا مئات الشعراء ممن كتبوا فى مختلف مراحل القصيدة الشكلية وغير الشكلية، فهل كانت كلها ورود؟! ألم تخالطها الأشواك أبدًا؟! بالتأكيد لا.. ولكن كان هناك كبار ينيرون الطريق أمام من يريد كتابة الشعر والرواية والقصة والمسرحية، يساندون الموهوب، وينيرون طريق المرتبك أو المتردد، يقرأون النصوص ويحللونها بهدوء، دون تناطح، أو تناصح، أو إهالة للتراب على «الكل كليلة»، ومن هذه العينة كان عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين الذى تقول عنه فى ذات الحوار: «لم يعد لدينا من يواصل ما قدمه طه حسين للثقافة العربية»، فلما لا تكون أنت من يواصل ما قدمه العميد من قدرة على مراجعة الذات والتصورات والأفكار، من مثابرة فى قراءة الحياة والواقع، ووضع الكلمة الصحيحة فى مكانها الصحيح.. من بناء على ما بدأته بكتابك النادر «أحفاد شوقى.. دراسة عن شعراء السبعينيات المصريين»، والذى احتفلت فيه بشعراء ذلك الجيل الذى لعب الدور الأكبر فى هجرة الجمهور لقاعات الشعر، وتحول القصيدة من الحالة الشفاهية إلى الكتابة، والذى انطلق مصحوبًا بمصطلحات «تثوير اللغة وتفجيرها» و«حقل الدلالة» وغيرهما من مصطلحات تصب فى اتجاه انتقال الشعر من حالة الأداء المسرحى الجماهيرى، إلى حال التأمل الهادئ للذات وللحياة والنفس ومسارات البشر والأفكار والتصورات.. وكان أن جاء من بعدهم شعراء قصيدة النثر الذين نشرت بشخصك عشرات النصوص لكتابها فى مجلة «إبداع»، وهى القصيدة التى جاءت لكى تكمل رحلة البحث عن تطوير الأدوات واللغة، وعن طرح المزيد من الأسئلة وعلامات الحيرة والشك فى جدوى الحياة والوجود، كأحفاد لطه حسين الذى نُجله ونفخر بنسبتنا إليه، نحن جيل الشك وطرح الأسئلة، وكلنا فخر بالسير فى الطريق الذى مهد له طه حسين، فهل لدينا من يملك ذات القدرة العقلية والنفسية على رؤية ما فى الاختلاف من قيمة، فيعيد تقييم ما ذهب إليه، وما تراجع عنه، واضطر إلى توضيح مقاصده..

أخيرًا.. إلى الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى.. نعرف قيمتك، وقدرك.. فلا تهدرهما بنفسك.