السبت 31 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

أرواح يوسف وهبى الهائمة.. تحقيق خاص عن تحضير الأرواح والعلاج الروحانى.. وحديث أسمهان من الآخرة

حرف

- حضر عدة جلسات روحية وعلاج الأمراض لوسطاء اشتهروا بالصدق والتعبّد

- تلقى علاجًا روحانيًا ناجحًا بعد أن اقترب من الموت عقب عملية جراحية لإزالة المرارة

- قال عن العلاج الروحانى: شعرت ساعتها بشىء من الرجفة الخفيفة كأنه مسنى تيار كهربائى

- كان يوسف وهبى يؤمن بالروحانيات وعلم الأرواح ورسائل العالم الآخر وله فى ذلك باع طويل وقد حكى لى كثيرًا عن سليم الطهطاوى الساحر الذى آمن بمعجزاته

- كان يوسف وهبى من أكبر المؤمنين بالروحية ومن أجرأ الداعين لها.. قال: ليس من المعقول أن يكون العالم الذى خلقه الله هو هذا العالم الأرضى الذى نعيش فيه دون سواه وإلا فأين تذهب الأرواح التى تصعد من أجساد البشر؟

- بدايته مع تحضير الأرواح أنه شاهد أسمهان فى الحلم وهى تدخل غرفة نومه وتجلس على كرسى مواجه لسريره

لا يخلو كتاب أو قصة صحفية عن عميد المسرح العربى يوسف وهبى «14 يوليو 1902- 17 أكتوبر 1982» من حكاية عالمه الروحانى ومشاركته فى تحضير الأرواح، حتى أصبح ثابتًا لدينا أنه كان واحدًا من الذين لم يلجأوا فقط إلى العلاج الروحى، ولكنه كان من بين أكبر المروّجين له والداعمين للمشتغلين به فى مصر والعالم. 

مصادر الحكاية مؤكدة، يوسف وهبى نفسه تحدث عنها، كما تحدث كثيرون من أصدقائه والمقربين منه، بما لا يترك لدينا شكًا أنه كان متورطًا حتى أذنيه فى هذا العالم الغامض المريب. 

لكن هل كان ما قاله يوسف أو أصدقاؤه حقيقيًا واقعيًا، أم أنه كان من بين الحكايات الأسطورية التى ينسجها الفنانون حول أنفسهم لمزيد من الشهرة والنجومية والجاذبية واللمعان؟ 

قد تكون رحلتنا فى البحث وراء قصة يوسف وهبى وتحضير الأرواح محاولة للإجابة عن حقيقة ما جرى، أو على الأقل عن حجم ما جرى، تصاحبنا فى ذلك قناعة أنه ليس كل ما يقال حقيقيًا.. وأننا نعرف فقط جانبًا من الصورة، أما الصورة الكاملة فتظل مخبوءة عند أصحابها لا يفصحون عنها بسهولة لغرض فى أنفسهم لا يعرفه سواهم. 

 

 

لكن قبل أن نبدأ الرحلة معًا، لا بد أن نتوقف عند هذا المقطع من الحوار الذى أجرته الإذاعية آمال العمدة مع يوسف وهبى، وضمّنته كتابها «صحبة وأنا معهم». 

دار الكلام بين آمال ويوسف على النحو التالى:

آمال: إذا عدنا إلى الماضى وتحدثنا عن قصة أبوتك الروحية للفنانة «أسمهان» وليلة العرض الأول لفيلم «غرام وانتقام» وهى غائبة.. فماذا تقول؟

يوسف وهبى: كنت يومها أمتلئ بالأسى والألم لفقد فنانة عظيمة وممتازة خلقًا وفنًا، فقد توقعت لها النجاح وكنت أتمنى أن تكون موجودة فى الحفلة الأولى التى ستقدم فيها هذا الفيلم الكبير، لكننى شعرت بأنها كانت موجودة بجوارى فى دار العرض، وأنها شهدت كل هذا النجاح، وفى الحقيقة لو كانت «أسمهان» قد عاشت لغيّرت مجرى تاريخ الفن الاستعراضى أو الغنائى فى السينما، لأنها تملك كل الاستعداد والإمكانات لتكون فنانة ممتازة، والدليل على ذلك نجاحها الساحق فى فيلم «غرام وانتقام» لكن الإنسان يجب أن يخضع للقدر، أما ذكراها فهى دائمًا فى قلبى وأشعر دائمًا بالألم كلما رأيت الفيلم وهو يذاع فى التليفزيون، ورأيت «أسمهان»، وألمى يرجع إلى شعورى بأننا فقدنا فنانة كانت ستحدث أكبر الأثر فى تاريخ السينما المصرية.

آمال: لو حاولنا استحضار روح شخص من أعزائك الذين رحلوا عن هذا العالم ويعيشون فى الحياة الأخرى.. فمن نستحضر روحه؟ 

يوسف وهبى: أتمنى أن أستحضر روح «أسمهان» أو «أنور وجدى». 

آمال: وما هو الحوار الذى يمكن أن يدور بينكم؟ 

يوسف وهبى: سأسألهما كيف يعيشان، وسيؤكدان لى أنهما سعداء، وأطمئن على أنهما كوفئا على جهودهما فى الدنيا، لكن الأرواح لا تحضر إلا بإذن الله تعالى وإلا لكنا قد استحضرنا أرواح من فقدناهم فى الحياة ومن أسفنا على من ماتوا، لكننا سنقابلهم فعلًا فى دنيا الخلود.

آمال: كلامك عن الموت يدل على أنك لا تهابه؟

يوسف وهبى: يجب ألا نهاب الموت إطلاقًا، فالموت مسألة حتمية ولا يوجد خلود فى هذه الدنيا، وما قرأناه فى الكتب الدينية أقنعنا تمامًا بأن هناك حياة أخرى وأن الروح بيد الله وأنها خالدة لن تموت، إذن فسوف نمثل بين يدى الله وهو أروع شىء يتمناه الشخص فى الدنيا أن يمثل بين يدى خالقه وأن يشهد هذا العالم الجميل الجديد الملىء بالسعادة، فليس هناك مجهود أو مرض أو حاجة أو قلق أو خشية من فقر وبؤس أو ظلم، فهى حياة كلها سعادة وعدالة وهناء وفيها استعاضة عن جحود الحياة.

يوسف وهبى وأسمهان من فيلم غرام وانتقام
يوسف وهبى وأسمهان من فيلم غرام وانتقام

ما الذى نفهمه من هذا الحوار؟ 

نفهم منه ما دفع آمال العمدة إلى سؤال يوسف وهبى عن الروح التى يرغب فى استحضارها. 

فقد كانت على علم بما قاله وكتبه قبل ذلك عن تحضير الأرواح، وعن العلاج الروحى الذى تلقاه، فلم يكن السؤال من فراغ. 

وعندما نتأمل إجابة يوسف وهبى نشعر بأنه يتخفف من هذا الأمر، فهو لا يتحدث عن استحضار روح أسمهان، ولكنه يتمنى أن يفعل، ربما لأن هذا الحوار كان فى سنواته الأخيرة، وقد عانى كثيرًا بسبب حديثه عن عالم الأرواح. 

توفى يوسف وهبى فى العام ١٩٨٢، وقد يكون حواره مع آمال العمدة تم فى بداية الثمانينيات أو نهاية السبعينيات على أفضل تقدير. 

لكن هناك حوارًا سابقًا أجرته الإعلامية ليلى رستم فى العام ١٩٦٦- هناك من يذهب إلى أنه كان فى العام ١٩٦٤- مع يوسف وهبى، حكى فيه تفاصيل كثيرة ليس عن علاقته بالأرواح فقط، ولكن عن روح أسمهان التى رآها بعد موتها. 

سألته ليلى رستم بشكل مباشر: أنت تؤمن بالأرواح يا يوسف بيه؟ 

بدأ يوسف يحكى الحكاية التى يبدو أنه حكاها قبل ذلك. 

قال: هذا سؤال شائك، لأنه أمر من اثنين، إما أن يجعل الناس تظن أنى أؤمن بالخزعبلات والخرافات، وإما أن يؤمن البعض، وهم قليل، بأنى صادق، لكن أنا حدثت لى تجارب، وبناء على هذه التجارب أتكلم عما رأيت، لا للدعوة إلى نشر مبدأ أو عقيدة معينة، فهذه الصور التى أرسمها حدثت لى، وما دامت حدثت فأنا مضطر أن أصدقها. 

ويضيف وهبى: أول هذه الصور كان يخص أسمهان، فقبل ليلة واحدة من عرض فيلم «غرام وانتقام»- كان آخر فيلم قدمته أسمهان وماتت قبل الانتهاء من تصويره فى العام ١٩٤٤- حدث لى حادث وأنا مستلقٍ على سريرى وعلى وشك النوم، نظرت أمامى فخُيّل لى، وأقول خُيّل لى حتى لا يقول الناس إن ما أقوله تخريف. 

خُيّل ليوسف وهبى أن صورة أسمهان تقف أمامه ترتدى ملابس بيضاء، وسمع صوتها وهى تقول له: مبروك، فسألها: على إيه؟ فقالت: على رتبة البكوية. 

يقول يوسف: لم تكن عندى فكرة عن رتبة البكوية، ولا ما هى، لكننى أيقنت أن هناك شيئًا غير عادى، فقلت لها: يا ريتك كنت معانا فى العرض الخاص لفيلم «غرام وانتقام»، فقالت: سأكون معكم.. أنا هاقعد فى اللوج اللى جنبك.. ثم اختفت، صحيت زوجتى وقلت لها: أنا شفت صورة أسمهان، فقالت لى: أنت متعب ومرهق لأنك كنت تعمل فى مونتاج الفيلم خلال الأيام الماضية. 

يوسف وهبى فى فترة مرضه
يوسف وهبى فى فترة مرضه

فى اليوم التالى، وفى العرض الخاص للفيلم الذى كان يوسف وهبى قد دعا إليه الملك فاروق، وجد الملك يقول له بمجرد أن رآه: مبروك يا بيك، فأدرك يوسف ما الذى كانت تبشره به أسمهان. 

يقول يوسف: بلغ إيمانى بأنى رأيت صورة أسمهان أنى أعددت «لوج» وضعت فيه وردًا أبيض وضوءًا، وقبل أن يبدأ الفيلم كنت أتكلم فى الميكروفون، وقلت: أيتها الجماهير أسمهان تجلس فى اللوج المجاور لى، قفوا واقرأوا الفاتحة على روحها. 

وقف الجمهور بالفعل، قرأ الفاتحة على روح أسمهان.. وبدأ الفيلم. 

كان يوسف وهبى قد تحدث قبل ذلك عن حكايته مع روح أسمهان، وهو ما نقلته عنه الكاتبة والفنانة التشكيلية لوتس عبدالكريم، ووثّقته فى كتابها «يوسف وهبى.. السيرة الأخرى لأسطورة المسرح»، الذى صدر فى فبراير من العام ٢٠١٠ عن سلسلة «كتاب اليوم». 

تقول لوتس: روى لى أيضًا يوسف وهبى أنه قبل حادث أسمهان طلب منها أن تصحبه وزوجته إلى الإسكندرية، ولكنها رفضت، ثم كانت الفاجعة فى أثناء تصوير فيلمه الشهير الذى أنتجه «غرام وانتقام» بطولة أسمهان ويوسف وهبى وأنور وجدى وزوزو ماضى ومحمود المليجى وبشارة واكيم، وهو من اقتباس وإخراج يوسف وهبى، فى النهاية لم تكن البطلة تموت لكنه اضطر بالفعل إلى تغيير مسار الفيلم لتموت البطلة فى الخاتمة. 

ويقول يوسف عن هذه الواقعة: لقد ماتت أسمهان، وقبل عرض الفيلم بيوم حدث ما يأتى: كنت جالسًا فى منزلى عندما سمعت صوتًا ينادينى «يا يوسف»، نظرت ولم أجد أحدًا، ثم وجدت أمامى شكلًا أبيض يقول لى: مبروك، قلت: ليتك كنت معنا، قالت: سأكون معكم غدًا وأجلس فى المقصورة إلى جوار الملك، وفى الليلة الثانية جاء الملك فاروق وقال: مبروك، وأدركت أن اتصالًا روحيًا مع أسمهان حدث لى، ووضعت باقة زهور فى المقصورة، وصعدت إلى المسرح وقلت: «أسمهان موجودة فى المقصورة معنا، قوموا واقرأوا الفاتحة». 

وتوضح لوتس ما جرى: كانت أسمهان قد استأذنت من منتج الفيلم وبطله يوسف وهبى للسفر إلى رأس البر لتقضى وقتًا فيها لترتاح من العمل، فوافق، وذهبت إلى المدينة الساحلية صباح الجمعة الرابع عشر من يوليو عام ١٩٤٤ ترافقها صديقتها مارى قلادة، وفى الطريق سقطت سيارتها فى الترعة المحاذية للطريق عند مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية، بعد أن فقد السائق قدرته على السيطرة، وماتت هى وصديقتها، ولم يصب السائق بأذى، وقد اختفى بعد الحادث نهائيًا. 

قد تجد بعض التفاصيل المختلفة بين رواية يوسف وهبى للواقعة للوتس عبدالكريم وروايته لليلى رستم، لكنه الاختلاف الذى لا ينفى وقوع الحادث بقدر ما يؤكده، وقد يكون الاختلاف بسبب الزمن الفاصل بين الروايتين. 

بعد أن أنهى يوسف وهبى حكايته مع روح أسمهان- عبّر عنها بصورة أسمهان- بدأ يتحدث عن حكايته مع العلاج الروحانى، وعاد ليروى الحكاية لليلى رستم. 

يقول: حدث أسمهان لا يمكن أن أنساه، أما الحوادث الأخرى فحدثت لى فى أوروبا، والجمهور يعرفها، فقد كان شفائى بواسطة الطب الروحانى كما أعتقد لأنى كنت متعبًا جدًا، وكنت أعتبر هذا العلاج نوعًا من التقدير والفضل من الله، وقد تجسّد فضل الله فى يد رجل طبيب، كنت قد أصبت بتسمم بعد أن أجريت عملية جراحية فى لندن، وسمعت ممرضتين تتحدثان، وقالت إحداهما للأخرى: ما أظنش إنه هيعيش لبكره، وقد سمعت هذا همسًا لأنى كنت فى غيبوبة، واليائس يلجأ إلى أى شىء، والغرقان يتعلق بقشة كما يقولون. 

ويضيف: كنت قد قرأت كثيرًا عن الروحانيات وتعمقت فى دراستها، فكتبت خطابًا لواحد اسمه الدكتور «هارى إدواردز» كان شهيرًا فى الروحانيات كطبيب روحانى، وهناك فارق كبير بين الطب الروحانى والتجسد الروحانى، وفى اليوم التالى جاءنى رجل كبير فى السن وضعيف جدًا مندوبًا عن الدكتور «إدواردز»، فقلت فى نفسى: لماذا لا يعالج نفسه ويشفيها، وأخبرنى بأن «إدواردز» أرسله لأنه كبر ولا يستطيع أن يأتى إلىّ، وسألنى: عندك إيه؟ فأخبرته عن حالة التسمم التى أعانى منها. 

يستكمل يوسف ما جرى: حط يده على الجرح، وكان طبيبى فى المستشفى يرفض أن يعطينى مضادًا حيويًا ليوقف التمسم بحجة أن التسمم يمكن أن يصل إلى الداخل فأموت، وإذا استعنت بالمضاد فيمكن أن أموت، وضع مندوب «إدواردز» يده على الجرح، ولاحظت أن المستشفى الإنجليزى لم يعارض أو يحتج، لأن هناك القانون يسمح بالطب الروحانى، وضع الرجل يده على الجرح لمدة دقيقتين، وعندما جاءت الممرضة لتغير لى على الجرح قالت لى: لا توجد مادة من المواد المسممة، فقلت لها: أنا فعلًا أشعر بأن هناك تحسنًا. 

يضيف يوسف: فى اليوم التالى جاءنى الرجل الإنجليرى وقال لى: أعتقد أنك شفيت، وجاءت الممرضة مرة أخرى، فوجدت أن مظاهر التسمم انتهت تمامًا، وقلت لنفسى إن هذا حدث لأننى آمنت بأن هناك قوة ربنا يمنحها للناس، ورغم أن ما جرى يمكن أن يكون مصادفة، لكن لماذا جاءت المصادفة هذا اليوم بالذات؟ 

استوقفت ليلى رستم، يوسف وهبى وسألته: هذا شىء غريب.. لكن هل كان هذا أول شىء يحدث لك؟ 

قال: كان هذا أول حادث، وكان عن إيمان، لأن الإيمان يزلزل الجبل، أنا كنت مؤمنًا بأن فى يد هذا الرجل شفائى، فربما يكون إيمانى أثّر على طبيعتى، وبعد هذا توالت أحداث ليس هذا مجالها، وأصبحت أؤمن بأن هناك قوى عليا، لا نعلم حقيقتها، ولا نعلم من أين تأتى هذه القوة، الشىء الوحيد الذى نعرفه أن مصدرها هو السماء، وأنها تهب بعض الناس القدرة على الخوارق والمعجزات، ولا أريد أن أسترسل لأننى رأيت فى صغرى رجلًا- يقصد الشيخ سليم الطهطاوى- كان قادرًا على استجلاب أى شىء نطلبه من أى بلد، نطلب منه أى حاجة، نطلب كتابًا، نطلب فاكهة من أى بلد فى ظرف ثوانٍ، يضرب على رجله ويقدمه لك فى الحال. 

فى دهشة سألت ليلى رستم: هل رأيت هذا بعينك يا يوسف بيه؟ 

قال: رأيت ذلك بعينى بالفعل، لكن من الصعب أن نتكلم عن هذا الموضوع للناس، لأنهم لم يروها، لكن أنا رأيتها وتحدثت عنها، وقد أكون توهمت هذا أو لم أتوهمه، لكننى أتركهم لظواهر أخرى قد يقتنع الناس كما اقتنعت أنا. 

لم تكن هذه هى أول مرة يتحدث فيها يوسف وهبى عن حكايته مع الأرواح، فعلها عندما كتب مقدمة كتاب «العلاج الروحى» للدكتور على عبدالجليل راضى، مؤسس جمعية الأهرام الروحية، وهو الكتاب الذى صدر فى العام ١٩٧٥. 

كان الدكتور عبدالجليل قد أعد كتابه، ولأن يوسف كان شاهدًا على كثير من وقائع الكتاب، فقد طلب منه المؤلف أن يكتب مقدمة له، وكان هذا بعضًا مما جاء فى هذه المقدمة. 

يبدأ يوسف وهبى تقديمه لكتاب راضى بقوله: بالرغم من العديد من المؤلفات المدونة التى ينشرها علماء عظام وبحاثة موثوق بهم قضوا عشرات السنين فى بحث مستمر وتعمق فى درس الظواهر العجيبة والتجارب الدقيقة المتواصلة، ومعظمهم من جهابذة الفكر وعباقرة الطب الذين اشتهروا بالتنقيب عن المجهول وإثباته بالأدلة الملموسة، فأغلبنا لا يؤمن إلا بما يراه رؤيا العين، وهكذا بنو آدم منذ خلق الله الخليقة، كثير منهم سخروا حتى بدعوة الأنبياء والمرسلين، فالخوارق والمعجزات هراء فى نظر الكثير من الناس. 

ويضيف وهبى: ولو قيل لنا فى القرون السابقة إن البعض قد صعدوا إلى القمر واستعانوا بالطائرة للوصول إلى بلاد شاسعة البعد فى ساعات معدودة لاستغرقوا فى الضحك، مستخفّين بهذه الخرافات فى نظرهم، ولو عاشوا حتى اليوم لعرفوا أن العلم ليس له حدود، وأن عقل الإنسان أعظم ما وهبه الله تعالى لخلقه، وأن هناك الكثير ممن كانوا يجهلون ما هو اليوم حقائق لم يصل إلى إدراكهم فهمها. 

ينتقل يوسف وهبى ليناقش مسألة العلاج الروحى، فيقول: ولهذا فالحديث عن قدرة الروح على شفاء المرضى أمر لا تهضمه عقولهم، إذ كيف تستطيع روح ميت علاج مريض أو منحه الشفاء، ونسوا ما جاء فى الكتب الدينية عن الروح وخلودها، ولهذا فأنا ألتمس العذر لهم، وقد تردد النبى إبراهيم فى تصديق ربه وقال لمولاه وخالقه «رب أرنى كيف تحيى الموتى، قال أو لم تؤمن، قال بلى ولكن ليطمئن قلبى». 

يتحدث يوسف وهبى بعد ذلك عن تجربته الخاصة، يقول: لقد حضرت عدة جلسات روحية وعلاج الأمراض لوسطاء اشتهروا بالصدق والتعبّد وتكريس سنى حياتهم للعلاج الروحى، ومنهم الآنسة «صفصف محمد حسن»، ابنة المستشار التى لجأت إليها يوم أن ألمّ بى حادث أليم، وكان من أثره إصابتى بانقباض قاتل، وأشهد أنها خففت عنى انقباضى، وأزالت عن صدرى عبئًا ثقيلًا من الخوف. 

ويحكى لنا يوسف وهبى ما جرى معه فى لندن، يقول: 

وفى لندن وقع لى ما هو أغرب سنة ١٩٦١، حيث أجريت عملية جراحية لإزالة المرارة، وقام بالعملية الجراح الإنجليزى الشهير «تانر» بمستشفى «لندن كلينك» المعروف، وما إن مضى يومان، حتى أخطرنى الجراح أن الجرح قد أصيب بصديد، ولا بد من المسارعة فى علاجه خشية التسمم الكامل، وبدلًا من الاستعانة بالاكتشاف الحديث «المضادات الحيوية» أمر الممرضة بغسل الجرح بالمطهرات، ومر أسبوع وازداد الصديد، وانهارت صحتى وتسمم الجرح، فأمر الطبيب بإجراء نقل دم، لكن المطهرات لم تكن مجدية، وساءت حالتى جدًا، وذات ليلة وأنا فى شبه «كوما» غيبوبة فاقد الوعى، سمعت الممرضة المختصة تهمس لزميلاتها أننى فى النزع الأخير، فاتصلت توًا بزوجتى ولم يطلع الفجر بعد، وطلبت منها الإسراع بالحضور لأودعها الوداع الأخير، فسارعت بالمجىء، وقد أصابها ذعر شديد، ولما رأتنى على شفا الموت بعثت ببرقية إلى الزعيم جمال عبدالناصر «وهو الذى كان قد أمر بعلاجى فى لندن» تتوسل إليه أن يأمر فيبعث إلىّ بالدكتور الجراح المصرى «مورو باشا» أو الجراح المعروف مظهر عاشور، ثم اتصلت بسفير مصر فى لندن فحضر على التو وهاله منظرى، فاستدعى الدكتور «تانر» وأقنعه أو على الأحرى أمره باستعمال المضادات الحيوية. 

بدأ الأطباء بإعطاء يوسف وهبى المضادات الحيوية دون جدوى، فقد كان السم قد استشرى وزاد الصديد، وفجأة فكر فى أن يستدعى طبيبًا روحيًا، وتذكر معجزات الروحانى ذائع الصيت «هارى إدواردز» الذى أطلق علماء الروحانية عليه لقب «مسيح القرن العشرين»، ولم تمضِ أربعٍ وعشرون ساعة حتى زاره بالمستشفى سيد إنجليزى استأذنه فى الدخول، وكان ضعيف البصر، وأخبره باعتذار «إدواردز» الذى يسكن خارج لندن بحجة أن مشاغله العديدة تمنعه من السفر إلى لندن، وقال ليوسف إنه نائب له. 

يقول يوسف: أخبرته بما أعانيه، فسألنى عن موضع الجرح، وما إن بدأ يلمسه بأنامله حتى فاجأتنا الممرضة بإحضار المشرفة رئيستها فحضرت على الفور، وصاحت: لا مانع من الاستعانة بالطبيب الروحانى إذا رغب المريض، فقد أصدرت نقابة الأطباء منشورًا بالاعتراف بالعلاج بواسطة الطبيب الروحانى على شريطة ألا يلمس الجرح أو المكان المصاب دون غطاء، فابتسم الطبيب الروحانى وهمهم: أعرف ذلك، ثم تلمس الجرح من الخارج بيد مرتجفة شعرت ساعتها بشىء من الرجفة الخفيفة كأنه مسنى تيار كهربائى ضعيف، واستأذننى فى الخروج واعدًا بالعودة مساء. 

فى نفس الليلة أخبرت الممرضة يوسف وهبى بأنه لم يعد هناك أثر للصديد فى مكان الجرح، وفى المساء ذاته دق باب حجرته الطبيب الروحانى وسأله دون أن يدخل: هل هناك صديد، فأجابه فرحًا: لا، فودّعه دون أن يسمع عبارات الشكر له كما لم يطلب أجرًا. 

يقول يوسف: فى اليوم التالى عاد لى الجراح «تانر»، ولما أخطرته الممرضة بزوال الصديد ظن أن علاجه هو الذى شفانى، وقال مؤنبًا: أرأيت لقد كنت متسرعًا يا أستاذ، فصرخت فيه: لست أنت من عالجنى.. أيها القاتل، اخرج من هنا، فخرج يصيح فى الممرضات أن هذا الممثل المصرى الشكسبيرى مجنون بلا شك. 

ويضيف يوسف: وفى خلال بضعة أيام خرجت من المستشفى معافى، أذكر هذه الحادثة كما وقعت لى ولا شك أن هناك من لا يؤمن بوقوعها، فقد قلت: إن الخوارق لا يصدقها إلا من رآها رؤى العين أو مارس وقائعها.

لم يحكِ يوسف وهبى هذه القصة- كما يقول- كى يقنع القراء بالاكتفاء بالطب الروحانى وعدم استشارة الطبيب الممارس لمهنة الطب المعتمدة على العلم وقواعد الطب المعترف بها، ولا يستطيع- كما يقول أيضًا- إطلاقًا أن يجزم بصحة العمليات الجراحية الروحية رغم كثرة استعانة المرضى بها، كما أن هناك أمراضًا خطيرة فى حاجة إلى مبضع الجراح، والخوارق والظواهر لم تصل حتى اليوم إلى حد الإقناع الكامل وما زالت فى حاجة إلى براهين. 

سأل يوسف وهبى أحد عظماء الطب إذا كان يؤمن بالاستعانة بالأرواح لعلاج المرضى رغم اعتراف العديد من الأطباء العالميين بصحتها؟

فأجابه: لا أستطيع أن أجزم بشىء، لكن هناك ظواهر غير عادية نسمع عنها، وخفايا ما زالت مجهولة لنا وغامضة علينا، وقد نصل يومًا إلى الحقائق بعد البحث العلمى المبنى على قواعد لا شك فى صحتها. 

ويختم يوسف وهبى مقدمته لكتاب «العلاج الروحى» بقوله: وأنا أضيف إلى كلمتى قول الله تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا»، ولن ننسى أن الأعمار بيد الله، ولن يستطيع مخلوق أن يمنع القدر المحتوم، والله، جل جلاله، هو الوحيد العليم بكل شىء، أما نحن المؤمنون بالقدرات الروحية فتواقون إلى معرفة كل مستحدث من الأبحاث التى ستثبت هذا العلم. 

ويحكى لنا «على عبدالجليل راضى»، مؤلف «العلاج الروحى»، بعضًا مما جرى مع يوسف وهبى فى لندن. 

يقول: كان الأستاذ يوسف وهبى قد سافر للعلاج من كسر فى الساق إلى الخارج، وقرأت فى الصحف أنه موجود فى مستشفى «لندن كلينك»، فشعرت برغبة داخلية فى الكتابة إلى المعالجة الروحية «مرجريت ويلسون» والمحررة بصحيفة «سيكك نيوز» كيما تقوم بعمل شىء من أجل علاجه، وقد أرسل لى بخطاب من لندن، ويتبين منه صحة الرأى الذى أوصلته الأرواح للوسيط المعالج «هارى إدواردز» فى عدم إجراء عملية المرارة وخطأ رأى الأطباء الماديين. 

كتب يوسف لراضى فى ٢ يونيو ١٩٦٣ يقول: عزيزى الدكتور.. قبل استعادة قوتى على السير أجريت عملية المرارة، وأصابنى تسمم أبقانى فى المستشفى ثمانية أسابيع، وأضر الرقاد بعضلات الساق، وكذا عدم المران، ولكن الحالة فى تحسن واعتمادى على الله، عز وجل، أما مس «ويلسون» فسيدة غاية فى النبل وسمو الأخلاق، وربما هى الشخص الوحيد الذى يداوم السؤال علىّ يوميًا تقريبًا، وحنانها لا يوصف، راسلت السيد «هارى إدواردز» قبل إجراء عملية المرارة، وأجابنى بعدم الحاجة لإجرائها، ويظهر أنه كان على حق فقد أتعبتنى ولم تنصلح معدتى بعد إجرائها كما كان منتظرًا، أرجو أن تكون على أحسن حال وأن تكون مواصلًا رسالتك العظيمة لإفهام الناس أن الحياة باقية إلى الأبد. 

ونشرت صحيفة «سايكك نيوز» بعدد فبراير ١٩٦٤ منوهة عن العلاج الذى قامت به الوسيطة «مرجريت ويلسون» له كما يلى: 

كان العرض التليفزيونى فى مصر منذ ثلاث سنوات شاهدًا قويًا على نجاح العلاج الذى تقوم به «مرجريت»، ففيه أوضح الممثل المسرحى يوسف وهبى كيف كان مريضًا وطار حيث دخل مستشفى «لندن كلينك» قبل ذلك بسنتين، وأرسل الدكتور على راضى، وهو رائد روحى مصرى، بإشارة الاستغاثة إلى «مرجريت»، وبعد عملية ثانية على ساقه المكسورة أصبح وهبى يعانى من ألم فظيع وتعقيدات داخلية، وزارت «مرجريت» المستشفى بانتظام لعلاجه، وبعد فترة أمكنه أن يغادره ويستطيع المشى ثانية. 

وكان المستشارون الطبيون لوهبى قد نصحوه بإجراء عملية فى المرارة، وهذا تم بعد أسابيع، وكان هذا ضد نصيحة الوسيطة المعالجة التى اقترحت عليه أن يؤجل العملية ثلاثة أشهر حتى تسنح الفرصة لإزالة الأحجار التى فى المرارة بواسطة العلاج الروحى. 

وقالت «مرجريت ويلسون» أن وهبى أصبح مريضًا جدًا بعد هذه العملية، فقد حدثت عدوى ثانوية، وأنها كانت تزور المستشفى كل يوم لتقلل من ذلك الألم والحمى حتى استرد صحته، وكل المدة التى قضاها فى المستشفى كانت بسبب الاستشفاء من المرارة، ولم يكن لديه أى متاعب فى المفصل المكسور السبب الأول الذى جاء طائرًا إلى بريطانيا من أجله، وذلك نتيجة للعلاج الروحى الناجع. 

قبل عودة يوسف وهبى إلى مصر قدمته «مس ويلسون» إلى معالجين مشهورين آخرين، وكان هو مهتمًا برؤية علاج «بيتر جيلهد»، الإخصائى فى الإبرة الذهبية، وبرؤية الوسيط المعالج «جورج شايمان». 

وفى العرض التليفزيونى الذى وصفه الدكتور راضى بأنه أعظم دعاية للروحية فى تاريخها فى الشرق، شهد وهبى بقيمة علاج «مرجريت»، وذكر لمشاهديه العديدين: أنا أؤمن بالعلاج الروحى، وقد أعيد عرض الحلقة بعد أسبوع وتلقى التليفزيون استفسارات من لبنان والكويت، ونشرت عدة صحف ومجلات فى القاهرة تعليقات على هذا البرنامج التليفزيونى. 

كانت مجلة «الجيل» قد نشرت فى ٢ مارس ١٩٦٤ قول وهبى عن فاعلية العلاج الروحى، وإنه كان سببًا فى التحسين الشديد فى صحته. 

ويعلّق راضى: والحق أن صديقى الأستاذ يوسف وهبى من أكبر المؤمنين بالروحية ومن أجرأ الداعين لها، وأدعو الله أن يديم عليه الصحة ويمد فى عمره حتى يرى الازدهار العلاجى فى بلادنا ولحاقنا بالغرب فى هذا المجال. 

كان على عبدالجليل راضى يثق فى يوسف وهبى، كما كان يثق فيه يوسف، ولم يكن غريبًا أن يقول على كما تنقل عنه لوتس عبدالكريم: ذات يوم أخذت معى صديقى الدكتور فؤاد ويصا وتوجهنا إلى زيارة يوسف وهبى فى منزله بشارع الهرم، فى الطريق قال لى الدكتور وهو وسيط ومؤمن بنظرية «العودة إلى التجسد»، إن لديه إلهامًا بأن يوسف وهبى كان فى حياة سابقة الممثل الأمريكى الشهير «كين» الذى كان أعظم ممثلى العالم فى وقته، فلما ذهبنا إليه وأخبره الدكتور فؤاد برأيه وافق عليه يوسف فى الحال، وقال إنه أيضًا يشعر بذلك. 

وتذهب لوتس عبدالكريم إلى أن يوسف وهبى أدى خدمة جليلة للروحية حينما ظهر فى التليفزيون المصرى عام ١٩٦٤، وتكلم عن العلاج الروحى، ونقلت عنه ذلك وسائل الإعلام فى الشرق والغرب، إنه رجل صريح وجرىء فى الحق، اقتنع بالروحية وشهد لها، فلماذا يكذبه الجاهلون؟ 

وتضيف: ولعلنا نجد انعكاسًا لتجاربه الروحية فيما جاء فى جريدة الأهرام بتاريخ ١٣ سبتمبر عام ١٩٧٥، فقد تحدث عن أنه يحضر الأرواح ويستعطفها ويلبى نداءها، وتحدث عن كرامات الشيخ سليم الطهطاوى الذى رآه فى صباه والذى يستطيع أن يكشف الغيب، ويحضر وهو فى سوهاج بعض حلوى من «جروبى» بالقاهرة بغير حاجة إلى سفر أو قطار. 

وتلخص لوتس رأيها فى أن يوسف وهبى كان يحفظ أسماء عشرات كتب الروح والطالع، ويتحدث حديث العالم المطلع المتخصص عن مؤلفيها وأحسن ترجمة بعضها، بل يؤمن بالعمليات الجراحية التى تجريها الروح دون أن يحس صاحبها ودون ألم أو بنج، بل يؤكد فى حديثه بما جاء فى القرآن والإنجيل ورؤية البابا للمسيح منذ سنين وأنه شاهد الموائد تتحرك فى الهواء وتهزها الأرواح.

لم يكن حديث لوتس عبدالكريم عن عالم الأرواح عند يوسف وهبى حديثًا نظريًا، وقد عاب عليها البعض عندما ظهرت فى أحد البرامج التليفزيونية فى العام ٢٠١٧ وصرحت بأن يوسف كان مهتمًا بتحضير الأرواح، فمن فعلوا ذلك لم يعرفوا أنها كتبت القصة كاملة فى كتابها الذى صدر فى العام ٢٠١٠. 

فى كتابها قالت لوتس: كان يوسف وهبى يؤمن بالروحانيات وعلم الأرواح ورسائل العالم الآخر وله فى ذلك باع طويل، وقد حكى لى كثيرًا عن سليم الطهطاوى الساحر الذى آمن بمعجزاته، وحضرت معه بعض جلسات تحضير الأرواح، ثم كنت أذهب معه إلى الجليسة الروحانية، وأسمع وأحاول أن أفهم حركاتها وكل ما تهمس به. 

روت لوتس بعض ما جرى، تقول: كانت لى عائلة تهمنى كثيرًا وهم فى زيارة إلى لندن لعلاج ابنتهم من مرض يصيب الأعصاب والمخ والأطراف، كانت هذه الابنة أجمل سيدة فى مصر ومن أعرق وأغنى العائلات، وكانت طرفًا فى علاقة غرام مع الفنان عبدالحليم حافظ من طرف واحد، طرفه هو، لكنه أشاع أنها كانت تحبه، وجعلها بطلة أفلامه وبعض أغنياته، وقد عرفت منها ومن أمها القصة الحقيقية، والتقيت هناك عبدالحليم حافظ، الذى كان يلازمنا أثناء زيارتنا إليهم، وكان يرافقنا أيضًا يوسف وهبى، الذى حزن كثيرًا لمرض الفتاة الذى كان يتزايد يومًا بعد يوم، وقد حار أطباء لندن فى علاجها، فعرض عليهم فكرة العلاج الروحانى، وفى يوم أخذنا الفتاة الجميلة وأمها بسيارة خاصة، وذهبنا فى رحلة طويلة مع الفنان الكبير إلى الطبيب الروحانى. 

وتذكر لوتس أن الجميلة تعذبت كثيرًا فى هذه الرحلة الطويلة، ثم شاهدت بعينها العملية ويد الطبيب تهتز فى الهواء بمشرط وخيوط لا مرئية، وظل قرابة الساعة حتى هدأت تمامًا، وفى رحلة العودة كانت تتكلم وتبتسم، وقد تغير مزاجها تمامًا، ولا تدرى أو تفهم سر التغير، هل هو علاج حقيقى؟ أم إيحاء نفسى واقتناع داخلى أثر فى معنوياتها؟ 

وتقول لوتس: لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم الطويل وما رأيته بعينى، ولكنها توفيت بعد عودتها إلى مصر فى منزلها بعد أشهر قليلة. 

وتضيف لوتس عن يوسف وهبى: كان كلما اشتد به الألم فى سنواته الأخيرة، ونحن فى سويسرا ومصر، كان يقرأ القرآن والإنجيل ويقارن، ثم يقول: أجد الوعيد والتهديد فى القرآن، ثم أجد الرحمة والصفح والغفران فى الإنجيل، ترى أيهما أتبع وبه أقتنع، إننى بحاجة إلى الرحمة والغفران، وقد اقترفت ذنوبًا أستحق بها عقاب الله، ومهما تعذبت فإن ذلك لن يكفر عن ذنوبى. 

وتختم لوتس حكاياتها عن عالم يوسف وهبى الروحانى، تقول: روى لى يوسف وهبى قصة ابنة زوجته بثينة التى ماتت فى حادث، وحزن عليها بشدة، مما دفعه للذهاب إلى الوسيطة المصرية «صفصف»، وحكى عن جلسة روحية لتجسيد الأرواح فى لندن لاقى فيها ابنته هذه، والتى صاحت قائلة له «هالو دادى» وأضافت أنها سعيدة جدًا، وتقضى وقتها فى عالم الأرواح، وتمارس هوايتها فى تجميع طوابع البريد، وقد أضاف مؤكدًا أن هذه كانت هوايتها بالفعل وهى حية. 

وبمناسبة بثينة ابنة زوجة يوسف وهبى وجدت هذه القصة على أحد المنتديات الإلكترونية المهتمة بالعلاج الروحانى. 

تقول الحكاية نصًا: دخل يوسف وهبى مستشفى الأمراض العصبية بعد حادث وفاة بثينة ابنة زوجته سعيدة منصور، وكان يعتبرها بمثابة ابنته، وحكى يوسف عن تلك الفترة لمجلة الكواكب عام ١٩٧٥ بمرارة شديدة، لأنه كان الشاهد الوحيد على اللحظة المأساوية التى سقطت فيها ابنته من فوق السور، حيث انطبعت فى ذاكرته، ولم تفارقه أبدًا. 

بعد الحادث سافر يوسف وهبى وعائلته إلى جنيف للعلاج، وهناك وفى أحد أكبر المستشفيات الخاصة بالأمراض العصبية، التقى الطبيب العالمى المختص، فقرأ الطبيب تقريرًا كاملًا عن حياة يوسف وهبى، ثم عرض عليه خيارين للعلاج: الأول هو شل عصب خاص فى المخ لنسيان الماضى بالكامل، بما فى ذلك مجده الفنى و٣٥ عامًا من الخبرة المسرحية، والثانى هو النوم المتواصل لمدة شهر كامل لتعطيل التفكير مؤقتًا، ثم العودة للعمل تدريجيًا كوسيلة للنسيان. 

اختار وهبى العلاج الأول، لكن الطبيب رفض رفضًا قاطعًا هذا الخيار، محذرًا وهبى من ندمه لاحقًا على إلغاء ماضيه ومجده الفنى، وأصر على العلاج الثانى طريقة النوم الإجبارى. 

بدأ يوسف فى تنفيذ خطة العلاج القاسية، كان يحقن بحقنة منومة فى السادسة صباحا لينام حتى السادسة مساء، ثم يحقن مرة أخرى فى السادسة والنصف مساء لينام حتى صباح اليوم التالى، لكنه اكتشف أن العلاج لم يفده إفادة كاملة، فاضطر لقطع علاجه بعد ٢٣ يومًا بسبب نفاد الأموال، حيث كان يحتاج لأسبوعين إضافيين، وعاد إلى مصر وقد فقد الكثير من وزنه.

لم يصدق أعضاء المنتدى هذه القصة الخرافية، وبدأوا يقولون إنها ليست واقعية، وإن يوسف كان يمكن أن يلجأ إلى الدين والصلاة والعبادة ويطلب من الله أن يلهمه الصبر فينتهى الموضوع، ولم ينتبه هؤلاء إلى أن هذه القصة فى الغالب صاغها من نشرها، تأثرًا بقصص يوسف وهبى فى عالم العلاج الروحانى، وهى قصص لا تقل غرائبية عن هذه القصة. 

لم يكن يوسف وهبى يخفى ما رآه إذن، لكنه لم يصدره للناس على أنه يقين، فهو يقول إنه قد يكون تخيّلًا أو توهمًا، يؤمن هو بما رأى، لكنه لم يكن يلزم أحدًا بتصديقه، فهو يؤمن بما رأى، لكنهم لم يروا شيئًا، وعليه فهم ليسوا ملزمين بأن يصدقوا. 

مبكرًا كشف يوسف وهبى عن الشيخ «سليم» الطهطاوى الذى كان سببًا أولًا ورئيسيًا فى إيمانه بالخوارق والمعجزات، وهو الشيخ الذى تمت الإشارة إليه أكثر من مرة فى أحاديث يوسف نفسه، وكذلك حديث لوتس عبدالكريم عنه. 

فى مذكراته التى أصدرها تحت عنوان «عشت ألف عام» تحدث يوسف وهبى عن الشيخ سليم، يقول: 

أسس أبى فى مدينة سوهاج التى توطدت عرى الصداقة فيها بينه وبين أعيانها مدرسة ابتدائية تحمل اسمه كعادته فى كل بلد يحل فيها، وأراد المرحوم والدى أن يضم إلى هذه المدرسة قطعة أرض مجاورة للمكان الذى وقع عليه اختياره لتكون ملعبًا لأبناء المدرسة يمرحون فيه، وبلغه أن قطعة الأرض هذه كانت فى الماضى مقابر مهجورة، فاستصدر أمرًا من الحكومة بإزالة المقابر وضمها إلى أرض المدرسة الجديدة. 

خلال معاينة أبى المقابر شاهد رجلًا عاريًا كما ولدته أمه، فى الثلاثين من عمره، وعرف ممن صحبوه للمعاينة أن هذا الرجل قد اتخذ من المقابر مأوى له من بضع سنوات، فأشفق والدى عليه، وجاءه فى اليوم التالى بثوب من القماش «الدمور» ليستر به جسده، كان هذا الرجل هو «سليم الطهطاوى»، وهو اسم دوى صيته فيما بعد فى جميع أنحاء بلاد القطر لما أتاه من خوارق. 

عندما أهدى والدى إلى سليم ثوب القماش انفرجت أساريره وردد مديحه فى الهواء ثم ضرب بقبضته على فخذه اليمنى، وطلب من والدى أن يفتح قبضته، وإذ به يملؤها حبات من الملبس الفاخر. 

ذهل والدى، لكن الذين كانوا فى صحبته أفهموه أن سليم رجل معروف بالكرامات ويجلب ما يحتاج إليه من شراب وطعام فى طرفة عين. 

سمعت القصة العجيبة من والدى ونحن على مائدة العشاء، غير أن الرؤية بالعين أصدق من رواية تسمعها الأذن، حتى جاء ذات يوم مفتش عموم الرى الإنجليزى فى دورة تفتيشية، وكانت مدينة سوهاج ضمن برامج جولته، أراد أبى أن يهيئ لضيفه جوًا من التسلية البريئة، ففكر فى استدعاء الشيخ سليم، الذى جاء فى أبهى حلة وهو الرجل المعدم الفقير، وبعد العشاء طلب والدى منه إكرامًا للضيف أن يستحضر شيئًا أمام الضيف الإنجليزى فأجابه سليم: أجيبلك عنب من بستانك؟ «كان لوالدى بستان فاكهة كبير خارج سوهاج». 

وصاح الإنجليزى: أهو ساحر؟ 

ضرب سليم بقبضته على فخذه اليمنى، ومن تحت مائدة الطعام أخرج عناقيد عديدة من العنب، ولم يصدق المفتش البريطانى عينيه، فطلب منه ثمرة من جوز الهند «وهو لا يثمر فى أرض مصر» وفى ثوانٍ أجاب الرجل ذو الكرامات طلبه، فهب المفتش صائحًا: مدهش.. عجيب، وهرول الخدم ليقصوا على والدتى ما شاهدوه، ودخل علينا والدى ويداه مملوءتان بالملبس وغزل البنات والبندق المسكر، وقال لنا: خذوا وكلوا.. إنها هدية من الشيخ سليم. 

وذاع صيته فجاء الكثيرون من ذوى الحيثيات والمراتب من مختلف الجهات، لمشاهدة خوارقه، وكان لقاؤهم معه دوامًا فى بيتنا. 

ويختم يوسف حديثه هنا عن شيخه سليم بقوله: أمر خطير يهمنى أن ألفت إليه نظر القارئ، فما من مرة طلب من الشيخ سليم أن يستجلب شيئًا من الفضاء غير المنظور إلا كان يردد اسم الله- وكأنه يحدث شخصًا خفيًا- فآمنت منذ طفولتى أن الله مصدر القوة. 

ظهر سليم الطهطاوى مرة أخرى فى مذكرات يوسف وهبى على هامش علاقته الغرامية مع خادمة كانت فى منزلهم اسمها تهانى، أقام معها علاقة عاطفية، وكان يختلى بها كثيرًا دون أن يعرف أحد من أهل البيت، ويخبرنا هو بما حدث، يقول: 

تعددت اللقاءات.. اللهم غفرانك، ونادانى أبى فى صبيحة يوم، وأخبرنى أن الشيخ سليم الطهطاوى رجل الخوارق والكرامات سيصل فى اليوم نفسه، وأمرنى أن أذهب بالعربة للقائه على المحطة، فسينزل علينا ضيفًا، توسلت إلى تهانى أن تصحبنى فى العربة، واستأذنت والدتى فقبلت، وما إن نزل الشيخ سليم من القطار وتقدمت إليه بالترحيب حتى صرخ فى وجهى: مش عيب عليك يا ولد يا ضلالى، دى أختك، وإنتى يا بنت يا قليلة الحيا، إنتو تستاهلوا الحرق. 

أُسقط فى يدى، وأصاب تهانى رعب هائل، وفى طريقنا إلى العودة، تضرعت إليه أن يكتم السر، فى حين أجهشت تهانى فى البكاء، حتى لانت قسوته، ووعدنا بالكتمان واشترط قطع علاقتنا نهائيًا، فأقسمت له بالتوبة، وكنت جادًا فى توبتى وندمى.

بعد هذه الوقائع بدأ يوسف يهتم بعالم الروحانيات وما يحجبه الغيب، وقرر أن يلازم الشيخ سليم الطهطاوى فى كل مكان، وعندما انتقل إلى القاهرة طلب يوسف من أبيه أن يصطحب معه الشيخ سليم. 

ومن بين كرامات الشيخ سليم التى رواها يوسف وهبى، أنه كان من بين حضور حفل فى قصر والده المفوض السامى البريطانى، الذى قرر أن يتحدى الشيخ سليم، فأخرج من جيبه عملة ذهبية وألقاها فى النيل وقال له: إذا كنت صاحب إمكانات وخوارق فعلًا فلتعد لى تلك القطعة من قاع النيل، وهنا ابتسم الشيخ سليم وقال: إن القطعة فى جيبك بالفعل، وضع المفوض يده فى جيبه وأخرج العملة وهى مبللة بالمياه، فصرخ وطلب أن يخرجوا الشيخ سليم خارج القصر.

كان ليوسف رأى واضح فى ظاهرة الشيخ سليم، يقول عنه: أمضيت معه عدة سنوات وكنت أراقب بإعجاب ودهشة كل ما يفعله وأيقنت أن هناك أشخاصًا تمنحهم السماء قدرات غير عادية، بل وانطبعت فى ذهنى كل أعماله الروحية.

مرت علينا بشكل عابر قصة روح أسمهان التى ظهرت ليوسف وهبى، والتى حاول أن يخفف من الأمر، فقال إنه قد يكون تخيل ذلك.. لكنه يجزم أنه رأى صورتها، وإنها هنأته بالبكوية، وحضرت معه العرض الخاص لفيلمهما «غرام وانتقام»، لكن يبدو أن القصة كانت أكبر من هذا، فلم يكن يوسف وهبى هو مصدرها الوحيد. 

عندما كنت أتعقب مقال محمد حسنين هيكل عن تحضير رموز من عصر عبدالناصر للأرواح، للاستعانة بها فى مواجهتهم مع الرئيس السادات خلال معركتهم معه، وجدت فى كتاب رشاد كامل «السادات.. مؤامرة ومغامرة ١٥ مايو» إشارة إلى حكاية تحضير روح أسمهان. 

يقول رشاد: عقب وفاة الفنانة أسمهان غرقًا فى صيف ١٩٤٤، انطلقت حول وفاتها عشرات الشائعات، كان أبطال الشائعات أسماء سياسية لامعة من الملك فاروق وأمه الملكة نازلى إلى الإنجليز وأم كلثوم، ولم يصدق الناس أن أسمهان ماتت غرقًا، لكنهم نسجوا الشائعات والأساطير حول وفاتها إلى حد محاولة تحضير روح أسمهان وسؤالها واستجوابها. 

وفى أواخر ديسمبر ١٩٤٤ ذكرت «مجلة الإثنين» أن الأستاذ أحمد فهمى أبوالخير نابغة استحضار الأرواح قد حاول كثيرًا أن يستحضر روح أسمهان فلم يفلح وعلل حضرته ذلك بأن روحها لا تزال هائمة بين الأرواح متأثرة بالحادث المفجع الذى أودى بشبابها. 

ومع ذلك تضيف المجلة: نجح بعض هواة هذا الفن فى استحضار روح أسمهان ببساطة وبيسر أدهشت الجميع، فلما همت الروح على المجلس سألوها عن شعورها فى العالم الأبدى، قالت: كنت أحس فى الأيام الماضية بشىء من الضيق والملل أشبه بما يحس به السجين، وكنت لا أفتأ أجزع كلما تذكرت هول الفاجعة التى حدثت لى، ولكننى الآن أشعر بالراحة وبالسعادة، وأذكر أن أول أيام سعادتى كانت يوم عرض فيلمى الأخير «غرام وانتقام»، فانطلقت مزغردة إلى دار سينما ستديو مصر. 

ومضت المجلة تقول: وهنا توقفت الروح قليلًا عن الكلام ورأينا فى الظلام دمعتين تسقطان على خديها ثم كفكفتهما بمنديل ناصع البياض، وقالت: أرأيتم هذه الدموع، إنها أنبل ما يعبر عما يغمرنى من فرح هناك ليلة العرض الأول، فإنى ما حظيت برؤية طلعة الفاروق الملك المضيئة حتى هزتنى رؤيته وبهرتنى سماحته وكريم عطفه وتقديره وخاصة حين أطلق اسمى على صندوق إعانة الفنانين المعوزين، وعدت ليلتى مساء إلى الأرواح فوجدتها فى فرح، نعم كانت تلك ليلة تكريمى فى عالم الخلود وأى تكريم. 

وتختم المجلة حكايتها بهذه السطور: واختفت روح أسمهان فهتف الحاضرون جميعًا يحيا الفاروق.. نصير الفن والفنانين. 

يبدو من تقرير «مجلة الإثنين» أن الواقعة كانت ملفقة إلى درجة كبيرة، فهذه أرواح منافقة، كما أن من قاموا بتحضيرها منافقون، حاولوا نسج هذه القصة لتوجيه التحية إلى الملك فاروق، الذى قد يكون سعد بها. 

لكننى بحثت عن جلسة تحضير روح أسمهان التى قام بها أحمد فهمى أبوالخير، فوجدت عجبًا نشره بعض التقارير الصحفية. 

فبعد انتشال جثمان أسمهان وصاحبتها مارى، طلب يوسف وهبى من السيارة التى بها الجثمان وتابعة للإسعاف أن تمر على الفيلا التى كانوا يقومون بتصوير فيلم «غرام وانتقام» فيها، واتصل بالمصور ومساعد المخرج، وكلفهما بتجهيز الكاميرا عند باب الفيلا، وهذا كان بناءً على نصيحة أحمد فهمى أبوالخير، وكان فى اعتقادهم أنه يمكن لروحها أن تظهر على فيلم الكاميرا لأن فى أوروبا وقتها كانوا يصورون الجلسات الروحانية، وتظهر فى المشاهد كتلة «الاكتوبلازم» المكونة للروح كما يقولون ويذكرها أحمد فهمى فى كتاباته وهناك صور لذلك، حتى إن يوسف وهبى ظهر بنفس البدلة التى ذهب بها إلى موقع الحادث، وطبعًا الصوت تم تركيبه بعدها وتم عمل المونتاج وشاركت جثة أسمهان فى مشهدين فى الفيلم.

بعد الجنازة قرروا أن يقوموا بعمل جلسة لتحضير روح أسمهان. 

ويسجل أحمد فهمى أبوالخير ما جرى فى هذه الجلسة، كتب يقول: 

اجتمعنا فى اليوم التالى لوفاة المطربة أسمهان فى الشقة الخاصة بالجمعية الروحية فى الثانية فجرًا، وقد قررنا أن نقوم بتحضير روح المطربة بناءً على طلب الأستاذ يوسف وهبى، وقد حضر تلك الجلسة كل من الأستاذ يوسف وهبى، السيد أ.ح، السيدة أمينة صديقة مقربة من المرحومة، وقد كانت تحمل غرضًا من أغراض المرحومة حتى يمسك به الوسيط الأستاذ عبدالله بخيت مدير بدائرة الأشغال الباش حكيم محمد فهمى، وأحمد فهمى أبوالخير كاتب محضر الجلسة، ومدام إيفون الوسيطة الروحانية. 

جلسنا جميعًا حول الطاولة وكونا الدائرة المعتادة وقمنا بإطفاء الأنوار ما عدا شمعدان فى وسط الطاولة، مع غلق جميع النوافذ.

جلس كل من عبدالله أفندى على يمين الوسيطة والباش حكيم محمد فهمى أفندى على يسارها وبعده أمينة هانم ثم يوسف وهبى والسيد أ. ح وأحمد فهمى أفندى. 

بدأت الجلسة بعدما شبك الحاضرون أيديهم ووضعت الأقلام والأوراق على الطاولة أمام الوسيطة، وابتدأنا نترنم بمراسم الاستحضار.

بعد فترة قصيرة ابتدأت الوسيطة بالتشنج والارتعاش مع عرق غزير لدقائق، ثم عم السكون وأحسسنا جميعًا بنسمة هواء لطيفة تلتف حول الجالسين على الطاولة، ولمحت بطرف عينى طيفًا أبيض يمر سريعًا من خلفنا، فنظرت إلى يوسف وهبى فبدا أنه رأى الطيف هو الآخر، وشممنا جميعًا رائحة عطر الياسمين وهو حسبما عرفت أنه العطر المفضل للفقيدة. 

كنا فى حالة صمت ولكن فجأة شهقت أمينة هانم وأخبرتنا أنها أحست بيد باردة توضع على كتفها، وبدأنا الأسئلة للوسيطة وقام عبدالله أفندى بوضع القلم فى يدها والباش حكيم بقياس نبضها.

بدأنا نسأل الأسئلة وهى تكتب على الأوراق جميع الأجوبة، وعرفنا منها أن الموجودة معنا هى روح الأميرة «ايميلى» كما أطلقت على نفسها، وهو الاسم المحبب لأسمهان، وأنها تشعر بالبرد الشديد والظلام ولا تعرف أين هى، وقد ظهر على الروح الاضطراب الشديد نظرًا لقرب موعد الوفاة وعدم تأقلم الروح مع عالم البرزخ، كما كنت نصحت يوسف أفندى وهبى بتأجيل الجلسة لعدة أسابيع ولكنه أصر عليها، فقد كان يريد معرفة هل سينجح الفيلم فى حال أكمله دونها أم لا؟ وكانت الإجابة بكلمة نجاح كبير، ومن ثم هنأت يوسف أفندى، فسأل هل على نجاح الفيلم؟ فكتبت الوسيطة لا، إنه حدث أكبر من الفيلم. 

ويضيف أحمد فهمى أبوالخير: انتهت الجلسة، وكان يوسف وهبى سعيدًا بكلام الروح، كما يعتقد أن الفيلم سينجح وأنه سيكمله بالفعل، ليلتها رجع يوسف وهبى إلى منزله ونام وحكى بعدها فى أكثر من لقاء أنه شاهد أسمهان فى الحلم وهى تدخل غرفة نومه وتجلس على كرسى مواجه لسريره، وتقول له: انتهِ من الفيلم سريعًا لأن نتائجه ستكون عظيمة وإنها دائمًا ستكون بجانبه فى البنوار رقم ٢ فى المسرح وإنها ستحضر العرض الخاص الذى سيحضره مولانا.

لا تزال فى خزانة أسرار يوسف وهبى قصة كبيرة ومهمة، وهى قصة علاقته بالدكتور داهش المعروف فى أوساط الروحانيين بقدراته الخارقة. 

وكنت قد تعرفت على هذه العلاقة من رواية لسامح الجباس «جمعية كارهى سليم العشى»، وسليم العشى هذا هو الدكتور داهش نفسه. 

قرأت الرواية عند صدورها، وفيها يشير سامح إلى كتاب لطفى رضوان رئيس تحرير المصور عن «معجزات وخوارق الدكتور داهش»، وهو الكتاب الذى يضم الرسائل المتبادلة بين داهش والدكتور محمد حسين هيكل، وصورة يوسف وهبى التى وجدها فى إحدى غرف داهش التى يطلقون عليها غرفة الوحى. 

وأنا أتصفح الكتاب وجدت مكتوبًا أسفل الصورة: السيد الدكتور داهش العظيم، إلى زعيم روحانى، شخصية من أحب الشخصيات التى شاهدت منها ما جعلنى أؤمن بقدرة المولى على منحه المواهب الجبارة لمن يشاء، أدعو له بطول العمر لخدمة الناس والإيمان.. والتاريخ ٢٩ مارس ١٩٧٠.

كانت المفاجأة أن يوسف وهبى كتب بنفسه مقدمة لكتاب «لطفى رضوان» عن داهش، والتى نعرف فيها الكثير عن علاقتهما معًا، وهى المقدمة التى جاءت على النحو الآتى: 

عندما طلب إلى الصديق الحميم الأستاذ الصحفى الكبير لطفى رضوان مدير تحرير «مجلات دار الهلال» أن أقدم هذا الكتاب، لم أتردد لحظة واحدة بعدما قرأت بعض محتوياته، ذلك لأننى كما يعلم الصديق لطفى رضوان وكما يعلم عشرات الألوف من أصدقائى وأبنائى فى الأمة العربية كلها من أشد المتحمسين لعالم الروح، ومن المؤيدين كل التأييد للقائلين بخلود الروح وقيام المعجزات التى عاينت العديد منها، مما لا يصدقه عقل ومما ظل إلى أمد طويل مجالًا للمناقشات بين المؤيدين والرافضين. 

وقد تعرفت إلى الرجل الذى أعد الأستاذ لطفى رضوان هذا الكتاب عنه وعن معجزاته، فقد كنت فى بيروت عام ١٩٧٠، وأبلغنى الصديق لطفى رضوان الكثير عن الدكتور داهش، وما قام به من معجزات أمامه وأمام العديد من أصدقائه، فطلبت إليه أن يعرفنى به. 

واتصل الأستاذ لطفى تليفونيًا بالدكتور داهش، وأبلغه برغبتى، فوافق على الفور أن أزوره فى بيته، وقد أحسست وأنا أصافح هذا الرجل وقد ارتسمت ابتسامة هادئة رقيقة على وجهه، أننى أصافح شخصية فذة فيها الهدى والصلاح والطيبة، وكل هذه الصفات ممتزجة بالعزم والحزم الشديدين. 

رسالة لطفى رضوان إلى مؤسس العقيدة الداهشية
رسالة لطفى رضوان إلى مؤسس العقيدة الداهشية

وبعد أن رحب بى الدكتور داهش وأبلغنى أنه من رواد مسرحى، ومن المتتبعين لأخبارى الفنية، قام ببعض المعجزات التى قال عنها إنها مجرد تحية منه لمقدمى، ومنها قراءة ما كان فى جيبى من أوراق دون أن أخرج هذه الأوراق، وحتى دون أن أعرف أنها كانت فى جيبى، ومنها إجابة عن أسئلة دونتها فى ورقة وضعتها فى جيبى، وإذ بالإجابات مدونة عليها، وبخط واضح، وبالحبر الأحمر، ومنها تحويل ورقة عادية إلى ورقة بنكنوت، وغير هذه من الظواهر العجيبة فعلًا. 

وقد سألنى الدكتور داهش عن الخسارة التى منيت بها من ممارسة هوايتى فى الرهان على سباق الخيل ولعب الورق: فقلت له: نحو ربع مليون جنيه. 

فابتسم وقال لى: إذا أرجعت لك هذا المبلغ هل تقلع عن هذه الهواية؟ 

وطبعًا كان جوابى بالإيجاب. 

وقال: إذن لا داعى للعب الورق منذ خروجك من عندى. 

ووافقت، وأعترف بأننى أعجبت بما فعله الدكتور داهش، كما أعجبت بشخصيته الهادئة، ومضى النهار الذى زرت فيه الدكتور داهش. 

وفى نفس اليوم وكنت على موعد مع الفنان الراحل فريد الأطرش، ذهبت إلى بيته، وجلست إلى المائدة مع بعض الأصدقاء، ونسيت وعدى للدكتور داهش، فجربت حظى فى اللعب. 

وعندما عدت إلى بيتى تذكرت ما حدث، ولكننى طمأنت نفسى بأن أحدًا لن يخبر داهش بما فعلته. 

واتصلت به بالتليفون فى اليوم التالى، فقال لى: يا يوسف بك أنت جلست إلى مائدة اللعب أمس، وهذا امتحان لك بأنك لن تستطيع السيطرة على نفسك، وبالتالى سوف تخسر وتخسر أى مبلغ من المال، ولذلك فأنا فى حل من وعدى، ولنترك هذا الموضوع إلى غيره. 

ودهشت أن يعرف الدكتور داهش ما فعلته بالأمس، وكانت هذه الحادثة هى آخر اتصال لى به حتى تركت بيروت. 

بعد أن أنهى يوسف وهبى قصته مع داهش، يقول: تذكرت هذه القصة وأنا أهم بكتابة مقدمة كتاب صديقى لطفى رضوان عن الداهشية، أو معجزات الدكتور داهش، وإننى أعترف بأننى عندما قص على الصديق لطفى رضوان ما قام به الدكتور داهش أمامه، وما سمعه من بعض أصدقائه، صدّقته على الفور، لأنه ليس من المعقول أن يكون العالم الذى خلقه الله هو هذا العالم الأرضى الذى نعيش فيه دون سواه، وإلا فأين تذهب الأرواح التى تصعد من أجساد البشر منذ أن خلق الله البشرية حتى اليوم وحتى الغد؟.. نعم.. أين تذهب؟ لا بد أن يكون الله خلق عوالم أخرى غير عالمنا هذا، تتجمع فيها هذه الأرواح، وأن هذه الأرواح على درجات من السمو ومن الانحطاط، مثلما هى فى الأرض، ومثلما كانت عليه فى الأرض، ولهذا فأنا أعتقد أن هذه النشاطات قد يكون بعضها على صلة بنا نحن أبناء هذا الكوكب الأرضى، وأن الله قد يأمرها بأن تمد لنا يد العون والمساعدة، وأن تقوم بهدايتنا إلى ما فيه صراطنا المستقيم، وبناءً على هذا الاعتقاد بل هذه البديهيات أترك للقارئ أن يزن ما جاء بين دفتى هذا الكتاب من غرائب ومعجزات، علمًا بأن بعضا مما جاء فيه قد حدث لى شخصيًا، وأعتقد أننى لم أكن فى غفلة أو ضاربا فى صحراء الخيال.. والعلم أولًا وأخيرًا عند الله. 

قد تكون هذه هى قصة يوسف وهبى كاملة مع عالم الأرواح.. وأعتقد أنه من الصعب أن تجد تفصيلة خارج هذا السرد لما جرى له على يد الأرواح، والرأى فى النهاية لك، إنه يحدثنا عما رآه بعينه، ولك أن تصدقه أو تتهمه بأنه كان يروّج للخرافات.. فهذا ملف غامض تمامًا، لا أنا ولا أنت ولا غيرنا يستطيع أن يقول فيه قولًا فصلًا.. ولأن هذا هو الموقف، فلا أقل من أن نقرأ ونتأمل وكل منا حر فى الرأى الذى يكونه والموقف الذى يختاره.