الخميس 29 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

البحث عن خطاب دينى بديل.. هل نجحت جهود المؤسسات الدينية فى قضية التجديد؟

حرف

- لسنا فى حاجة إلى تجديد الخطاب الدينى بقدر ما نحن فى حاجة إلى خطاب دينى بديل

- يجب أن نبتعد عن الفكر العقيم والسقيم الذى نتناول به قضايانا وأزماتنا ومشكلاتنا المزمنة

كان منتدى مصر ٢٠٢٦ يسير بإيقاع سريع، كل شىء فيه منظم ومرتب، القائمون على تنظيمه بذلوا جهدًا خارقًا فى الإحاطة بكل الموضوعات التى يرغب الناس فى سماع ما تقوله الحكومة عنها، وكذلك ما يريد الناس أن يقولوه بشأن الموضوعات التى تمس حياتهم. 

فى جلسات المنتدى كانت كل الموضوعات حاضرة، وكل القضايا مثارة، النقاشات لا تتوقف، الحكومة تعرض ما لديها، الأسئلة من القاعات تتوالى، وكان هناك إحساس بأن الحكومة لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها وجهزت نفسها لمناقشتها. 

ورغم هذا الحرص الشديد والانتباه الأشد، إلا أنه كان هناك موضوع سقط ربما سهوًا من المنظمين، وربما بقناعة منهم أن الموضوع لا يستحق. 

كان الموضوع المهجور- سهوًا أو عمدًا- هو تجديد الخطاب الدينى، ولم يلتفت إلى ذلك إلا الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى طلب إدراج الموضوع على جدول أعمال المنتدى، فتم الترتيب على وجه السرعة، وعقدت جلسة تم استدعاء كل من الدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف والدكتور محمد عبدالدايم أمين عام مجمع البحوث الإسلامية، والأنبا ميخائيل أسقف إيبارشية حلوان والمعصرة.. والإعلامى أسامة كمال ليديرها.. وشارك فيها الرئيس ضمن الجلسات التى كان حريصًا على أن يحضرها بنفسه. 

المنطق يقول إن تجهيز هذه الجلسة على عجل، كان من المفروض أن ينعكس على الأداء فيها، فيأتى هو الآخر متعجلًا مرتبكًا، لكن الواقع يشير إلى أننا شهدنا جلسة مهمة، تم فيها عرض جهود تجديد الخطاب الدينى التى تقوم بها مؤسسات الدولة الإسلامية والمسيحية على السواء، بعد أن ظللنا لسنوات عندما نتحدث عن الخطاب الدينى تظهر بقوة المؤسسات الدينية الإسلامية وتتوارى بل تكاد تختفى المؤسسة المسيحية. 

توقفت قليلًا عند انتباه الرئيس لغياب الخطاب الدينى وتجديده عن جلسات المنتدى، ثم طلبه عقد جلسة، وتجدد لدىّ ما رسخ فى يقينى منذ سنوات، وهو أن مطالبة الرئيس بتجديد الخطاب الدينى مسألة مبدئية لديه، يؤمن بها تمام الإيمان، وعندما يطالب بها، فإنه يفعل ذلك بصدق مطلق، فهو يرى أن جزءًا كبيرًا فى المشكلة التى يعانى منها المجتمع المصرى هو تمكين خطاب دينى تقليدى لا يتناسب مع مستحدثات العصر وتحدياته. 

عندما تراجع الخطاب الرئاسى خلال السنوات الماضية منذ العام ٢٠١٤ وحتى الآن، ستجد أن الرئيس ذكر مسألة تجديد الخطاب الدينى ما يقرب من أربعين مرة، فى سياقات مختلفة وفى مناسبات متعددة، كان ما يجمع بينها هو تواجد علماء الدين من قيادات ورموز المؤسسات الدينية، وهو ما يعنى أنه كان يعلق الجرس فى رقابهم ويضعهم أمام مسئوليات، ويشير إليهم بأن عليهم عملًا مهمًا يجب أن يقوموا به. 

ما قاله ممثلو المؤسسات الدينية فى جلسة تجديد الخطاب بمنتدى مصر لا غبار عليه، كلام منظم ومُرتب، يشير ببساطة إلى الجهود التى بذلت لتحقيق تجديد حقيقى للخطاب الدينى، وتلك التى تخطط المؤسسات لبذلها فى السنوات المقبلة، فعملية التجديد لا بد أن تظل قائمة ومستمرة لا تتوقف أبدًا. 

لكن السؤال الذى سكن رأسى بعد أن تابعت هذه الجلسة كان: هل تمت ترجمة كلام قيادات وممثلى المؤسسات الدينية على الأرض؟ أم أننا نعانى من فجوة كبيرة وهائلة بين ما يُقال ونسمعه، وبين ما نجده على الأرض ونرصده فى حياتنا اليومية؟ 

لا يمكننى أن أشكك أبدًا فى الجهد الذى بذلته المؤسسات الدينية خلال السنوات الماضية، فقد كانت قضية تجديد الخطاب الدينى على قائمة أولوياتها، صدرت مئات الكتب، وعقدت مئات الندوات والمؤتمرات، وأقيمت مئات من ورش العمل وجلسات النقاش، وكتبت ربما آلاف المقالات وأجريت مئات الحوارات، وألقيت آلاف الخطب.. وكلها كانت تصب فى مهمة التجديد. 

ولا يمكننى أن أشكك كذلك فى نوايا من يقومون بتجديد الخطاب الدينى، وأقول مثلًا- كما يقول البعض- إنهم ليسوا صادقين فيما يفعلون، وما جهدهم هذا إلا استجابة فقط لرغبة الرئيس، فهم ليسوا على قناعة بما يفعلون، ولكنهم فقط يقومون بوظيفة أُلقيت على عاتقهم، ولذلك فهم يبذلون جهد المضطر، وليس جهد المقتنع والمحب، ولذلك فإن العائد من جهود التجديد هزيل، ولم يصل أبدًا إلى الدرجة التى نريدها. 

أعرف كثيرين من قيادات ورموز المؤسسات الدينية يعملون بإخلاص وبقناعة تامة بأننا بالفعل نحتاج إلى تجديد الخطاب الدينى، حتى نواجه التيارات والجماعات التى قامت باختطاف هذا الخطاب، ووجهته إلى مسارات تخدم مصالحها وتحقق من خلاله أهدافها السياسية، وهى مصالح لا تتفق أبدًا مع مصالح الوطن، وأهداف بينها وبين الدين ومقاصده بون شاسع، ولذلك فهم على قناعة بأن ما يقدمونه من دراسات وأبحاث وكتب ومقالات ولقاءات وخطب ليس مهمة دينية فقط، ولكنها أيضًا مهمة وطنية. 

لقد عانينا لعقود طويلة من هذه الجماعات التى أخرجت الدين من مساحته السمحة وجعلته دينًا متجهمًا قاسيًا لا يرفق بالإنسان ولا يحنو عليه، جعلت هذه الجماعات الدين مجرد مطية يركبونها للوصول إلى ما يخططون له، بغض النظر عما تلحقه هذه المسارات من أضرار بالدين نفسه، ولم يكن غريبًا أن تتم الاستهانة بالدين، بل ويتم البعد عنه. 

أدت الاستهانة بالدين إلى مزيد من الانحرافات التى أصبحنا نقابلها يوميًا فى مجتمعنا، فقد أصبح الدين مجرد ديكور، لم تعد له القوة التى تضبط إيقاع سلوك الناس، فتراهم يخالفون قيمه وأخلاقه دون أن يشعروا بأنهم يفعلون خطأ أو يقعون فى الإثم. 

وتمت ترجمة البعد عن الدين بما أصبحنا نقابله من حالات الجهر بالإلحاد، فلعقود طويلة كان من يلحدون يعتبرون أن قلوبهم هى محل إلحادهم، لا يجاهرون بأفكارهم، يستخفون فى جلساتهم الخاصة ومنتدياتهم التى كانوا يكتبون عليها بأسماء مستعارة، كانوا يخافون من المجتمع ويتخفون بعيدًا عنه، لكننا الآن أصبحنا أمام ملحدين يعلنون عن إلحادهم بأريحية.. ولم يكن غريبًا أو مستهجنًا أن يعلن هؤلاء عن أنهم ما ألحدوا إلا بسبب خطاب وممارسات من يتصدرون مشهد الدعوة إلى الدين. 

أعرف أن من يعملون فى مجالات الدعوة ممن ينتمون إلى المؤسسات الدينية فى مصر يغضبون عندما نتحدث معهم عن الخطاب الدينى، يعلنون عن أنهم وحدهم المسئولون عن الدين، ولا يجب أن يتحدث فيه أحد ليس متخصصًا أو دارسًا أو أزهريًا، ويشتد غضبهم عندما نقوم بتقييم محايد وموضوعى لما يقومون به فى مسارات تجديد الخطاب الدينى، معلنين عن أننا لسنا مؤهلين لذلك بقناعة تامة أنهم يملكون كل الحق فيما يقولون. 

أعتقد أنه من هذه النقطة تحديدًا تأتى المشكلة، ولن أتردد فى أن أقول إن العطب الذى أصاب مسارات تجديد الخطاب الدينى فى مصر خلال السنوات الماضية سببه هو إغلاق الدائرة على المؤسسات الدينية لتقوم به وحدها ودون مشاركة من غيرها. 

كانت هناك وجهة نظر تقول إنه ليس من حق رجال الدين- سنقول رجال الدين تجاوزًا- أن يقوموا بتجديد الخطاب الدينى، تأسيسًا على أنهم هم من أفسدوه وأخرجوه عن مقاصده، وليس معقولًا أن يصلح الشىء من أفسده. 

لكننى كنت أرى أن وجهة النظر هذه متطرفة إلى درجة كبيرة، فليس معقولًا أن نستبعد من يعملون فى حقول الدعوة الدينية من أمر يخص الدين، وإذا أردنا أن نقوم بعمل حقيقى فليس أمامنا إلا أن نتعاون ونتشارك، ندخل فى حالة من الحوار والنقاش الحر المفتوح بين رجال الدين ومتخصصين من مختلف التخصصات والمجالات، فالتجديد لن يأتى من عقل له اتجاه واحد ويسير فى طريق واحد، ولكن لا بد من عملية تلاقح أفكار، يكون من شأنها إنتاج صيغة جديدة لخطاب دينى تكلّس وأصبح عبئًا على الدين نفسه. 

كانت هناك محاولة جادة قام بها الأزهر الشريف فى أعقاب أحداث يناير ٢٠١١. 

ففى مايو من العام ٢٠١١ شارك عدد من المثقفين والمفكرين والسياسيين وأساتذة الجامعة فى اجتماع عقده شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وتم الاتفاق فيه على إصدار مجموعة من الوثائق المعنية بشئون التجديد، وكانت الفكرة الأساسية التى أراد المجتمعون ترسيخها هى أن تؤدى جهود التجديد إلى نوع من التجديد الواقعى وإجراء إنتخابات حرة ونزيهة، وكان المجتمعون يعرفون أن الجماعات الإسلامية تغلغلت بين الأوساط الشعبية والفقراء، واستطاعت أن تخدعهم بأن الدين هو العلاج الشافى لكل شىء بمفهومهم حتى يمكن أن تقفز على السلطة. 

صدر عن هذه المبادرة وثيقتان هما «وثيقة مدنية الدولة» و«وثيقة الحريات»، لكن بقيت وثيقتان هما «وثيقة المرأة» و«وثيقة تجديد الخطاب الدينى»، وهما الوثيقتان اللتان لم تصدرا حتى الآن، وقد يكون فى أسباب عدم صدورهما كشف حقيقى عن: لماذا لم ننجح بشكل حقيقى فى مسألة تجديد الخطاب الدينى؟. 

أستعين هنا بشهادة الدكتور صلاح فضل الذى كان واحدًا من المشاركين فى اجتماع شيخ الأزهر، وكذلك كان هو من قام بصياغة هذه الوثائق. 

كان الدافع لوضع «وثيقة المرأة»، كما يقول صلاح، أنه عندما جرت الانتخابات البرلمانية فى العام ٢٠١١، وحصلت الجماعات الدينية على نسبة ٧٠ بالمائة من المقاعد، ظهر الوجه القبيح لها، وبدأت فى أولى ضرباتها فى محاولات الحد من حقوق المرأة وحرياتها، ودعوتها إلى تسريح كل العاملات وإعطائهن جزءًا من رواتبهن. 

يقول صلاح: بدا أن النكسة الأولى ستكون من نصيب المرأة، فقمنا بإعداد وثيقة عن حقوق المرأة، ولكن بعض عضوات البرلمان الإخوانى حضرن لمناقشة تلك الوثيقة، ورفضن المبادئ التى حرصنا على إبرازها، ودعون إلى مواضيع أخرى تحد من حرية المرأة، وتتحدث عن زيها وتقييد حركتها، وليس عن حقوقها المشروعة وتمكينها كما كنا نريد، وبهذا لم تصدر وثيقة المرأة، فاضطررت إلى إعلانها بجلسة خاصة عقدها المجلس القومى للمرأة، ولكن لم تعلن بالأزهر. 

وعن وثيقة «تجديد الخطاب الدينى» يقول صلاح: اجتمعنا لوضع وثيقة عن تجديد الخطاب الدينى وبذلنا جهدًا كبيرًا فيها، حتى انتهينا إلى صيغة توافقية تحقق الغرض الأساسى منها، ولكن بعض العناصر الإخوانية وبعض العناصر شديدة المحافظة داخل الأزهر أقنعوا وأثاروا المخاوف فى نفس الإمام الأكبر شيخ الأزهر حتى لا يصدر هذه الوثيقة، فأخذ يؤجل ويؤجل ولم تعلن تلك الوثيقة، ولم يكن ذلك بسبب ضغوط من السلطة، كما يقول البعض، لأن السلطة هى التى كانت تضغط لصالح تجديد الخطاب الدينى. 

من هذه الشهادة وشهادات أخرى نستطيع أن نضع أيدينا على الخلل، فالسلطة فى مصر تقف بكل قوة خلف ضرورة تجديد الخطاب الدينى، لكن هناك قوى ممانعة، وهذه القوى صاحبة نفوذ- ولا تزال- داخل المؤسسات الدينية، وتمنع أى جهد حقيقى للوصول إلى مقاصدنا من تجديد الخطاب. 

لا أعطى لنفسى حق توصيف ما يحدث على أرض تجديد الخطاب الدينى فى مصر، ولكن الواقع يقول إننا أمام تجديد شكلانى، لا ينفذ إلى جوهر القضية ولا يتعامل معها بجدية. 

إننا لسنا فى حاجة إلى تجديد الخطاب الدينى، بقدر ما نحن فى حاجة إلى خطاب دينى بديل، خطاب نقوم ببنائه على ضوء مستحدثات العصر ومتطلباته وأولوياته وضروراته، بعيدًا عن الفكر العقيم والسقيم الذى نتناول به قضايانا وأزماتنا ومشكلاتنا المزمنة. 

إذا أراد من يقومون على تجديد الخطاب الدينى أن يحققوا شيئًا إيجابيًا، فلا بد أن يفتحوا الطريق أمام كل صاحب فكر ورأى وتجربة، وهؤلاء كثيرون فى مصر، للمشاركة والنقاش والعمل، ساعتها سيكون لدينا أمل فى أن يتحقق شىء، فأنا على قناعة أتمنى أن تنتقل إلى مَن يتولون أمور التجديد بأننا لن نصل إلى مرفأ آمن إلا إذا كنا جميعًا شركاء فى أمر يخص ديننا.. الذى هو ليس حكرًا على الجميع.. بل هو أمر يعنينا جميعًا.