الأحد 11 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عدمية «هذه ليلتى»

حرف

لو كان لـ العدمية كتاب مقدس، الكتاب دا ضرورى تكون فاتحته «هذه ليلتى»، بس خلينا ما نستعجلش النتايج.

«هذه ليلتى» دى جملة. مبتدأ وخبر، المفروض يبقوا مع بعض وحدة واحدة، لكن إحنا بـ نسمع هذه منفصلة، وليلتى منفصلة، مش هذه ليلتى، لأ هذه ليلتى، اللى هو اقفش، هى دى، هى دى، وكـ إن «هذه» خبر مش مبتدأ. و«ليلتى» خبر تانى. هى هذه، هى ليلتى، فـ واضح من الأول إننا بـ نقتنص الليلة مش بـ نتكلم عنها.

طيب، دلوقتى فكر شوية فى لحظة تكون «حلم حياتك»، مثلًا نجاحك فى الدراسة وتخرجك، حصولك على الدكتوراه، جوازك، طلاقك حتى، ترقيتك، حصولك على منصب، فوز الأهلى بـ كاس العالم لـ الأندية، أى لحظة يتحقق فيها «حلم»، وقول لى: إيه اللى يميز اللحظة دى؟ بـ الظبط، إنها لحظة حياتك قبلها غير حياتك بعدها خالص، لحظة تحول مسار لـ الأفضل.

إنما ليلة أم كلثوم مش كدا، هى ليلة «بين ماضٍ من الزمان وآت»، الأمور مش هـ تتحول ولا حاجة، مفيش حاجة هـ تحصل غير قضاء الليلة نفسها. 

تعال بقى نتكلم شوية عن العدمى

ناس تقول لك: العدمى دا شخص عامل زى عم ضياء، اللى هو الدنيا سودا، وكله رايح، وآخرتها متر فى متر. وناس تقول لك: العدمى عامل زى عيسوى فى يا رب ولد، بوهيمى يفعل ما يحلو له، وما بـ يستحماش، إذ إنه الحياة بـ النسبة له فوضى. وناس تقول لك: العدمى يعنى مفيش أخلاق ولا وازع ولا ضمير، وممكن يرتكب أى جريمة دون أن يغمض له جفن. وناس تقول لـ: العدمى دا فى إسكندرية ممكن تروح له من الكيلو ٢١ «لو ما عجبكش الإيفيه أنا آسف»

المهم، بـ النسبة لى، العدمية ولا حاجة من دول، إنت ممكن توصل لهم فعلًا من العدمية، لكن ممكن توصل لهم من أى طريق تانى، مفيش ربط بين الحاجات دى والإطار الفلسفى اللى بـ يحكم رؤيتك لـ العالم.

العدمى، كما أفهمه، هو شخص لا يرى قيمة لـ الأشياء «فى حد ذاتها»، وفى حد ذاتها هو الموضوع، بـ معنى إنه لا ينكر القيمة، لكن بـ يشوف إننا نحن من نقرر هذه القيمة، إحنا اللى بـ نقول: دا له قيمة ولا مالوش، ولو له قد إيه.

بس «إحنا» دى مين؟ إحنا الفرد؟ ولا إحنا المجموع؟ دى المشكلة، ودا السؤال: هل تقييمك لما حولك نابع منك، ولا خاضع لـ تقييم المجتمع المحيط بيك؟ ومتأثر بـ معاييره؟

ما علينا

نرجع لـ الغنوة، اللى بـ تكلمنا عن ليلة هـ نقضيها، والليلة ماهيش نقطة تحول ولا هـ ينتج عنها شىء، بس هـ نقضيها مبسوطين، هل دا له قيمة؟ نعم، أيوه، أنا شايفها حلم حياتى.

البيت التانى: الهوى أنت كله والأمانى، فـ املأ الكاس بـ الغرام وهات، مش بـ يضيف لى حاجة، غير عملية إشباع لـ الليلة المقصودة الموعودة، ومدى اللذة اللى بـ نسعى لـ الاستغراق فيها: كاس الغرام نملاه ونشرب، ووووو

لـ إنه «بعد حين»، أوبسسسس، بعد حين، إيه اللى هـ يحصل؟ «يبدل الحب دارا». إيه دا يا ست، هو مش المفروض لـ الأبد، وحتى تحترق النجوم، وتوجيزر فور إيفر والأجواء الحلوة دى؟ ولا إنتى ناوية تخلعى؟

لا حضرتك، هو الموضوع مالوش دعوة بـ النوايا، كلنا بـ ننوى، وكتير بـ نكون صادقين، الشغل اللى رفدك ما كانش مبيت لك النية لما وظفك، اللى قال لك إنه بـ يحبك ومهما حصل مش هـ يسيبك، ما كانش بـ يغرر بيكى، اللى انشغلت عنك بـ العيال والبيت ما كانتش واخداك سلمة علشان تخلف، محدش من اللى اتغيروا كان قاصد يتغير، إنما دى طبيعة الدنيا، ودوام الحال من المحال، والمشاعر غير قابلة لـ الاستمرار، لكن قابلة لـ الكسر.

لـ ذلك، إحنا متأكدين إنه بعد حين يبدل الحب دارا، والعصافير تهجر الأوكارا، بل أزيدك من الشعر بيتًا، وهنا «حرفيًا» أزيدك من الشعر بيتًا، وأقول لك إنه اللى جى صعب، صعب جدًا، وخلينا نتكلم شوية عن الأطلال.

الثقافة العربية عندها مشكلة جمة مع الزمن، تقديرى إنه العرب شافوا الزمن عاريًا، لـ إنهم ما كانوش أهل زراعة، وما عرفوش التقويمات الدقيقة، والتقسيمات الفصلية، تنظيم أى حاجة بـ يعمل بينك وبينها عازل ما، لما تبقى إنت منك لـ حركة الأفلاك المباشرة، بـ تقدر تشوف تأثير دورانها، والتأثير دا كان أوضح ما يكون فى البيوت.

البيت بـ يبقى بيت طول ما أهله عايشين فيه، لـ إنهم بـ يعتنوا بيه، ثم يهجروه لـ مكان تانى لما المية تشح، وطبيعى محدش ييجى يعيش فيه مكانك، لكنهم مش بـ يشيلوا البيت ويمشوا، يجوز ياخدوا حاجات، لكن لو عاملين خشب ولا بوص ولا أوتاد ولا خيام، بـ يسيبوها ما يدل على إنه هنا كان فيه بيت، كان فيه وما عادش.

يمر الزمان على البيت، تيجى الرياح ومحدش يكنس التراب، تيجى الحيوانات تأوى إليه شوية وتمشى وتسيب مخلفاتها، قماش الخيمة يتهربد، الخشبة تقع من على الخشبة، فـ يبقى أطلال، أطلال شاهدة على مرور عجلات الزمن وقدرتها على دهس أى حاجة.

لما يقف العربى على الأطلال، بـ يعبر عن قلقه الوجودى من تأثير الزمن، فـ يقعد يقدم وصف تفصيلى لـ اللى حصل، بـ كثير من الأسى والشعور بـ العجز.

فى «هذه ليلتى» بعد ما نسمع إنه الحب هـ يبدل الدار، والعصافير تهجر الأوكار، بـ نسمع إننا هـ نقف على الأطلال، بس المرة دى، الديار اللى كانت قديمًا ديارًا، واللى إحنا شايفينها دلوقتى قفار موحشة، هى كمان هـ تشوفنا قفار، لـ إن إحنا كمان هـ نكون أطلال، بعد اللى ساكنين قلوبنا دلوقتى ما يسيبوها، وهـ تيجى علينا رياح وتراب وحيوانات برية، وسواد سواد.

لكن، إحنا عارفين اللى فيها، وإنه اللحظة اللى إحنا فيها مش دايمة، إنما هذه اللحظة هى كل ما نملك حاليًا، عارفين إنه سوف تلهو بنا الحياة، وتسخر، فـ نعمل إيه؟

بـ الظبط، تعالى، تعالى، أحبك الآن أكثر. الآن الآن، وهى دى بـ اختصار العدمية.