مين ده اللى كاره دنيتك.. حكاية أغنية تتر مسلسل الدالى
- الأغنية لحنها زياد الطويل لحنًا عظيمًا وغناها وائل جسار
هى حكاية أغنية كانت بوابتى الوحيدة للتعاون مع النجم الراحل نور الشريف، وحكاية صداقة قديمة جمعتنى بالسيناريست وليد يوسف، منذ أيام الأحلام الأولى التى كنا نطاردها بين المسرح والشعر والدراما. كنا نسهر طويلًا، نتجادل حول أزمة المحتوى فى المسرح، ونستعيد أسماء من أحببناهم من كتاب ومخرجين كبار، نحاول أن نقترب من ظلالهم أو نعيد اختراعها بطريقتنا. كنا نحلم كثيرًا، ونشارك بالنذر القليل فى المشهد الفنى، نقتسم فرحة نجاح أحدنا، ونتقاسم كذلك خيباتنا الصغيرة.
فى مساء من تلك الأمسيات، هاتفنى وليد يوسف، طالبًا أن نلتقى بخصوص مسلسله الجديد: الدالى. التقينا فى مكتب المنتج محمد فوزى، الذى كنت قد تعاونت مع شركته فى أعمال درامية سابقة. اتفقنا، ووقعنا العقد، وتسلمت نسخة كاملة من المسلسل.
بعد أن فرغت من القراءة، بدأت كتابة أغنية البداية. وحتى تلك اللحظة، لم أكن قد التقيت بنور الشريف. كان التصوير قد بدأ بالفعل، وقطعوا فيه شوطًا كبيرًا، إلى أن هاتفنى محمد فوزى يومًا، وأخبرنى بأنهم يصورون فى حى المقطم إلى جوار بيتى حينها، وسألنى إن كنت قد أنجزت شيئًا. أجبته: نعم. فطلب منى أن ألحق بهم.
ذهبت إلى موقع التصوير، وكان نور الشريف منهمكًا فى أداء مشهد مهم. رحب بى محمد فوزى والمخرج، وبعد انتهاء التصوير، طلب منى نور أن أسمعهم ما كتبت. أخرجت أوراقى وقرأت:
«مين ده اللى كاره دنيتك وبيشتهى موتك
مين ده اللى موته بكلمتك وحياته فى سكوتك»

راقبت وجوههم جميعًا: نور، والمخرج، وصديقى وليد يوسف. لم يبد أحد رأيًا. كانوا ينتظرون كلمة النجم. نهض نور من مكانه وقال: جميل يا شاعر، بس لازم نقعد مع بعض.
فهمت من تلك الجملة أن الكلمات لم تعجبه، وتأكد لى ذلك لاحقًا فى اتصال متأخر من وليد ومحمد فوزى. أخبرت وليد أن ما كتبته هو تصورى الكامل للأغنية بعد قراءة متأنية، لكنه طلب منى كتابة نص جديد. أجبته بأن هذه هى أغنية المسلسل، وأننى أعتقد أن نور لم يكن فى أفضل حالاته الذهنية بسبب ضغط التصوير وطبيعة الشخصية.
مر وقت طويل، واقترب التصوير من نهايته. عاد محمد فوزى ليحدد موعدًا جديدًا، بحضور نور الشريف ووليد يوسف والملحن زياد الطويل. قبل اللقاء، سألنى وليد إن كنت قد كتبت شيئًا جديدًا، فأجبته: لا، سأذهب بنفس الكلمات. حذرنى قائلًا: نور ذاكرته قوية، وقد يغضب إن سمع نفس الكلام. أجبته بثقة: أنا متأكد أنه لم يسمعها جيدًا فى المرة الأولى.

فى يوم اللقاء، التقينا أمام باب المصعد، وأعاد وليد تحذيره. قلت له: إن حدث ذلك، سأعتذر عن كتابة الأغنية.
صعدنا إلى منزل زياد الطويل، وجلسنا نتحدث فى أمور شتى، إلى أن فاجأنى نور بسؤال مباشر: كتبت جديد؟ قلت: نعم.
وبدأت أقرأ.. نفس الكلمات.
ومع كل جملة أنهيها، كان ينهض من مكانه، يحتضننى قائلًا: الله الله… هو ده.
تبادلت أنا ووليد النظرات، مزيج من الدهشة والاطمئنان. بدا واضحًا أن نور لم يتذكر شيئًا من اللقاء الأول، وأن الأغنية وصلت إليه هذه المرة كاملة.
مرت الأغنية بسلام، ولحنها زياد الطويل لحنًا عظيمًا، وغناها وائل جسار، الذى كان هذا التتر بداية دخوله عالم الغناء الدرامى.
أما اللحظة التى أيقنت فيها نجاح الأغنية، فلم تكن على الشاشة، بل فى مكتب توثيق بالشهر العقارى. كانت الموظفة تقرأ صيغة التوثيق، ثم همست بعد أول جملة:
«مين ده اللى كاره دنيتك وبيشتهى موتك»
ثم رفعت رأسها وقالت ببساطة شديدة:
كتير والله يا ابنى.
مين ده اللى كاره دنيتك
وبيشتهى موتك
مين ده اللى موته بكلمتك
وحياته ف سكوتك
وغريب يا صاحبى ولا من دمك
طعنك وسابك تشتكى همك
ورماك بلا مركب لموج عالى
سرق النهار لكن أنت يا دالى
لا بتنحنى ولا ينكسر صوتك
انسى ألامك واعلى على جرحك
تحلى ف عينيك الدنيا وتصالحك
طول ما نهار الخير بإمكانه
يطوى سواد الليل وأحزانه
قطر الحياة عمره ما حيفوتك






