إما هذا أو الموت.. «AI» يطيح برواية ثيليسون أوريليان خارج «جونكور»
- الأكاديمية تسحب جائزة كاتب هندى بعد اتهامه باستخدام «الذكاء الاصطناعى»
- تقارير صحفية تكشف تطابق نصوص نشرها «أوريليان» مع أعمال سابقة
- اتهامات بالسرقة الأدبية تطال نصوصًا قديمة للكاتب
- «أوريليان» ينفى استخدام «الذكاء الاصطناعى» ويؤكد: «بدأت كتابة الرواية فى 2017»
بعد أيام قليلة من فوز روايته «إما هذا أو الموت» بجائزة «فناك/Prix du Roman Fnac للرواية» لعام 2026، وجد الكاتب الكندى-الهايتى ثيليسون أوريليان نفسه فى وسط جدل أدبى كبير، بعدما سحبت أكاديمية «جونكور/ Goncourt» الرواية من قائمتها الطويلة، بسبب اتهامه باستخدام «الذكاء الاصطناعى» فى كتابتها، لتثير الواقعة أسئلة تتجاوز مصير رواية واحدة لتطال حدود الكتابة الأدبية ومعايير إثبات أصالتها فى عصر «الذكاء الاصطناعى».
ولم تقتصر الاتهامات التى واجهت «أوريليان» على استخدام «الذكاء الاصطناعى» فحسب، وامتدت لتشمل العثور على نصوص نُشرت باسمه بين عامى 2012 و2014 فى وسائل إعلام كندية وفرنسية، تتطابق بدرجات كبيرة مع أعمال ونصوص منشورة سابقًا.


بدأت قصة الاتهامات فى ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦، وهو اليوم نفسه الذى فازت فيه رواية «إما هذا أو الموت» بجائزة «فناك للرواية». وبحسب صحيفة «الجارديان»، كتب شخص مجهول على منصة «x» أن رواية ثيليسون أوريليان كُتبت بالكامل تقريبًا بـ«أداة ذكاء اصطناعى»، مشيرًا إلى أنه استند فى اتهامه إلى نتائج اختبار أداة «Pangram» المُخصَصة للكشف عن النصوص المولدة بـ«الذكاء الاصطناعى».
وقالت صحيفة «لوموند» الفرنسية إن هذا المنشور سرعان ما انتشر حتى وصل بالقضية من وسائل التواصل الاجتماعى إلى الصحافة الفرنسية، التى بدأت فى فحص نتائج أدوات الكشف عن «الذكاء الاصطناعى» ومدى قدرتها على إثبات مصدر النص.
من جهته، سارع ثيليسون أوريليان بنفى تلك الاتهامات، وقال فى تصريحات نشرها موقع ««leparisie الكندى: «لم أستخدم الذكاء الاصطناعى يومًا فى كتابة نصوصى. أعطنى قلمًا فقط وسأكتب فى اللحظة نفسها، وسيكون ما يخرج من قلمى هو تمامًا ما أريد أن أكتبه»، قبل أن يتحدث عن بداية فكرة الرواية، التى بدأ العمل عليها منذ ٢٠١٧، وكتب مسودتها الأولى عام ٢٠١٩.
لكنه أقر بأنه لا يستطيع تفسير النتائج التى أظهرها الاختبار، وقال: «ربما تعود هذه النتائج إلى أسلوبى. أنا أكتب بحثًا عن الجمال، وأستخدم التكرار من أجل الإيقاع، لأنه ينقل صوتًا نابضًا بالحياة».
بعد الاختبار الذى استند إليه صاحب منشور منصة «X» تتابعت الاختبارات المستقلة من جهات عدة، خاصة من وسائل إعلام فرنسية، للتحقق من هذه النتائج. وكانت صحيفة «لوموند» من أوائل الجهات التى أعادت فحص الرواية عبر اختبار الأداة على أكثر من نصف النص. بينما لجأت وكالة «فرانس برس» لاحقًا إلى مجموعة أخرى من أدوات الكشف لتظهر نتائج متباينة بصورة لافتة.
وفى البداية لم تتعامل أكاديمية «جونكور» مع الاتهامات باعتبارها محسومة. ويوم الأربعاء الماضى، دعا رئيس الأكاديمية، فيليب كلوديل، إلى «الحذر فى التعامل مع القضية»، مؤكدًا أنه قرأ رواية «إما هذا أو الموت» وأُعجب بها، ولم يشك فى أى لحظة أثناء قراءتها فى استعانة «أوريليان» بـ«الذكاء الاصطناعى». لكنه أشار إلى أن الأكاديمية قد تعيد النظر فى موقفها إذا ظهرت «أدلة لا تقبل الجدل» قبل إعلان قائمتها القصيرة.

بعد يومين فقط اتخذت الأكاديمية قرارًا مختلفًا. بعدما أعلنت، الجمعة الماضى، استبعاد الرواية من قائمتها الطويلة. ولم تقتصر مبرراتها على اتهامات باستخدام «الذكاء الاصطناعى»، بل أشارت أيضًا إلى اتهامات بالسرقة الأدبية فى نصوص سابقة للكاتب، إلى جانب نتائج قالت إنها «متقاربة» لتحليلات أجراها باحثون وصحفيون، انتهت إلى أن الرواية «على الأرجح إلى حد كبير مكتوبة بالذكاء الاصطناعى».
وبررت الأكاديمية قرار استبعاد الرواية برغبتها فى «الحفاظ على نزاهة جائزة جونكور ونزاهة الأكاديمية»، مؤكدة أن دورها يتمثل فى «دعم وتكريم الأدب الذى يكتبه البشر»، وأنها لا تريد بأى شكل «تأييد أو إقرار إنتاج نصوص بمساعدة الذكاء الاصطناعى».

فى تلك الأثناء، دخل ناشرا الرواية على خط الأزمة. ففى فرنسا سارعت دار «جراسيه» إلى الدفاع عن «أوريليان»، مؤكدة ثقتها الكاملة فيه وفى عمله، ورافضة ما وصفته بـ«التصريحات الخبيثة» التى تستهدفه. أما دار «بوريل» الكندية، التى نشرت الرواية قبل صدورها فى فرنسا، فاتخذت موقفًا أكثر تحفظًا، مؤكدة أنها لم تستخدم «الذكاء الاصطناعى» فى أى مرحلة من مراحل عملها التحريرى على المخطوط، وأنها تعاونت مع الكاتب لإعداد ملف يوثق مراحل كتابة الرواية قبل وصولها إلى الدار.

لم يكن اتهام استخدام «الذكاء الاصطناعى» هو الاتهام الأخطر لـ«أوريليان». فيوم الأربعاء الماضى، نشرت صحيفة «لا بريس» الكندية تحقيقًا قالت فيه إنها عثرت على نصوص نُشرت باسمه بين عامى ٢٠١٢ و٢٠١٤ فى وسائل إعلام كندية وفرنسية تتطابق بدرجات كبيرة مع أعمال ونصوص منشورة سابقًا.
وأوضحت أن من بين هذه النصوص نص «إلى أين يذهب العالم؟»، الذى نشره «أوريليان» عام ٢٠١٢ على منصة «Zone d’écriture» التابعة لـ«Radio-Canada»، وفاز عنه بجائزة الجمهور فى مسابقة أدبية عام ٢٠١٤.
ووفق ما أوردته «لا بريس»، كشفت المقارنة عن وجود عبارات متطابقة مع مقدمة كتاب «صباح السحرة» للكاتبيّن لويس باول وجاك بيرجيه، الصادر عام ١٩٦٠. بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن النص يعيد استخدام أجزاء واسعة من المقدمة.

وذكرت الصحيفة، أيضًا، أن إحدى مقالات «أوريليان» المنشورة ٢٠١٣ كانت ترجمة مُعَاد صياغتها بصورة طفيفة لمقال نُشر قبلها بأيام فى صحيفة «ذا فيليبينى ستار» للكاتب آندى باوتيستا.
أما «Radio-Canada» فكشف عن نصوص أخرى نُشرت فى وسائل إعلام ومنصات مختلفة، بينها ««HuffPost Québec و«Mondoblog » التابعة لـ«راديو فرنسا الدولى».
وفى بيانها الصادر يوم الجمعة الماضى، كشفت أكاديمية «جونكور» أن قرار استبعاد رواية «إما هذا أو الموت» لم يستند إلى اتهامات استخدام «الذكاء الاصطناعى» وحدها، بل جمع بين ما وصفته بـ«السرقات الأدبية» التى كُشف عنها فى نصوص سابقة لـ«أوريليان»، ونتائج «متقاربة» لعدة تحليلات أجراها باحثون وصحفيون، وخلصت إلى أن الرواية «على الأرجح إلى حد كبير نتاج للذكاء الاصطناعى».
وشددت على أن القرار يهدف إلى إرسال «رسالة واضحة» للمشاركين فى جوائز «جونكور» الأخرى، وبرامج «اختيارات جونكور» حول العالم، مفادها أنها لا تريد «تأييد أو تزكية نصوص تُنتج بمساعدة الذكاء الاصطناعى».

فى حواره مع موقع جائزة «فناك»، عقب فوزه بالجائزة منذ عدة أيام، تحدث ثيليسون أوريليان عن الكتابة باعتبارها عملية طويلة من الإصغاء والحذف وإعادة الكتابة، وعن اللحظة التى «تخرج فيها ملكية الكتاب من يده ليصبح ملكًا لكل قارئ»، مُحمَّلًا بذاكرته وتجربته الخاصة. كما وصف الكتابة أيضًا بأنها «فعل من أفعال الترميم» يمنح الإنسان فرصة لصياغة ألمه وذكرياته فى شكل يستطيع النظر إليه من مسافة.

وتتناول «إما هذا أو الموت» حكاية «جوناس دورليون»، مدرس التاريخ والجغرافيا والشاعر الهايتى الذى يضطر إلى مغادرة بلاده هربًا من العنف، ويخوض رحلة عبر ١٢ دولة قبل أن يصل إلى كندا.
ومن خلال هذه الرحلة، تتناول الرواية المنفى والاقتلاع من الجذور والفقد والخوف. لكنها تركز بحسب «أوريليان»، على الإنسان خلف كلمة «مهاجر»، ورغبته فى النجاة والحفاظ على كرامته وإعادة بناء حياته فى مكان آخر.
وفى الحوار سالف الذكر، أجاب «أوريليان» عن سؤال: كيف ولدت فكرة «إما هذا أو الموت؟»، قائلًا: «لم تنشأ فكرة الرواية من واقعة واحدة، ولا يمكن ردّها إلى شخص بعينه. فقد تشكلت ببطء على امتداد سنوات من قصص سمعتها من أشخاص يعيشون فى المنفى والتقيت بهم فى كندا، ومن أشخاص عرفتهم عن قرب. وأيضًا من خلال الجمعيات التى تواصلت معها، ومن كل ما تعلمته أو سمعته عن الطريق الشاق الذى يسلكه المهاجرون بحثًا عن مكان يستطيعون أن يبدأوا فيه حياة جديدة».
وأضاف: «سمعت كثيرًا عن الحدود وعن الأوراق والإجراءات التى قد تتحول إلى عوائق لا تنتهى. وعن عائلات فرّقتها الهجرة وأشخاص اضطروا إلى ترك كل شىء وراءهم، كمنازلهم وذكرياتهم وأحيانًا أقرب الناس إليهم، فقط لكى ينجوا».
وواصل: «مع تراكم هذه القصص بدأت أشعر بأن وراء كل هذه التفاصيل والأرقام والتعقيدات الإدارية حيوات بشرية كاملة، وشعرت بحاجة مُلِحة لمعرفة الإنسان المختبئ خلف كلمة (مهاجر)، وأن أمنح هذه التجارب وجهًا وصوتًا وحكاية».
وشدد على أن «هذه الرواية ليست مذكرات ولا سيرة ذاتية، واستمدد منها شيئًا من تلك الذاكرة الجماعية للمنفى، وكذلك من القصص التى تحملها تجارب أولئك الذين اقتُلِعوا من أماكنهم ووجدوا أنفسهم مضطرين إلى إعادة بناء حياتهم فى مكان آخر، ثم حوّلت ذلك كله إلى عمل روائى»، مضيفًا: «كنت أحاول أن أروى قصة الإنسان الذى يخاف ويحلم ويخسر ويبدأ من جديد، لا أن أروى قصة المهاجر بوصفها مجرد قضية أو ظاهرة».
وعن الصدى الذى أحدثته الرواية، قال: «أعتقد أن الرواية وجدت صداها لدى القراء لأنها تتناول الهجرة من زاوية لا تبدأ من الهجرة بوصفها قضية أو موضوعًا مباشرًا، وإنما من الإنسان نفسه. إنها تبدأ برجل وبغريزة بسيطة وعميقة فى الوقت ذاته، الرغبة فى الحياة».
وأضاف: «كثيرًا ما نتحدث عن المهاجرين من خلال الأرقام والإحصاءات أو حتى عبر الحدود والأوراق أو من خلال السجالات السياسية التى تحيط بقضايا الهجرة. لكن خلف كل هذه الكلمات، هناك دائمًا إنسان له ذاكرة ومخاوف ورغبات وأسباب دفعته إلى الرحيل».
وواصل: «هنا تحاول الرواية أن تفعل شيئًا مختلفًا، تحاول أن تمنح هذه الكلمات وجهًا وصوتًا وقصة، وتعيد الإنسان إلى مركز حكاية كثيرًا ما تُروى من الخارج بلغة الأرقام والسياسات والحدود».
وأوضح «صحيح أن (جوناس)، بطل الرواية، يأتى من هايتى، ورحلته مرتبطة بتجربة محددة ومكان بعينه، لكن ما يمر به يتجاوز حدود حكايته الشخصية. فهو يلامس سؤالًا إنسانيًا وعالميًا، سؤال إلى أى مدى يمكن للإنسان أن يذهب كى ينقذ حياته؟ ماذا يمكن أن يترك وراءه من أجل حماية من يحب؟ وما الذى يبقى له، وسط الخوف والفقد والاقتلاع من الجذور حين يحاول أن يستعيد شيئًا من كرامته وأن يتمسك بحقه فى العيش».
ونبّه إلى أن الرواية تحمل موقفًا سياسيًا، لكن ليس بالمعنى النضالى المباشر، مضيفًا: «ما يشغلنى هنا هو التزام أدبى وإنسانى فى المقام الأول. لا أريد أن أقول للقارئ ما يجب عليه التفكير فيه، ولا أن أفرض عليه موقفًا بعينه، وإنما أريد وضعه وسط تجربة (جوناس)، وأن أقربه من مخاوفه واختياراته، ومن تلك الأفكار والمشاعر التى لا يبوح بها بسهولة».
وأضاف: «بالنسبة إلىّ، يصبح الأدب ملتزمًا حين يرفض أن يدير ظهره لما يحدث من حوله، وحين لا يتجاهل الأسئلة الصعبة التى يفرضها الواقع. قد يطرح الأدب أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، وقد يصل أحيانًا إلى بعض اليقين، لكن فى النهاية لابد أن يترك للقارئ مساحة حرة ليفكر ويشعر ويكوّن موقفه بنفسه».
وأعتبر أن الكتابة بالنسبة له «فعل من أفعال الترميم»، موضحًا أنه «بالتأكيد الكتابة لا تشفى كل شىء. لكنها تتيح لك صياغة ما كان يؤلمك فى صمت، بالكلمات».
وشرح «أن تكتب يعنى أن تأخذ ألمًا أو خوفًا أو ذكرى، وتمنحها شكلًا. وهكذا تخلق مسافة بينك وبينها. فأنت لا تمحو ما عشته، لكنك تتعلم أن تنظر إليه بطريقة مختلفة».
واختتم بقوله: «أحيانًا يتحول الجرح الشخصى إلى حكاية مشتركة. وربما هنا تحديدًا يكمن أعمق أشكال الشفاء الذى يمكن أن يمنحه الأدب، كأن يقرأ أحدهم كلماتك ويقول فى نفسه (لقد شعرت بهذا أنا أيضًا)».







