الأربعاء 16 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الخيال الصينى.. ملحق خاص

رضوى إمبابى: وجدت طفولتى فى رواية «يوميات طفل يقرأ»

حرف

- المترجم عن الصينية يجب أن يكون باحثًا ماهرًا قبل أن يكون مترجمًا 

- المجتمع الصينى يزخر بقيم إنسانية قريبة من المجتمعات العربية 

- النفس البشرية واحدة وما يؤلم الإنسان الصينى يؤلم الإنسان العربى

- أسعى دائمًا للحفاظ على «صينية» النص دون فرض الطابع العربى عليه 

من ترجمة المسلسلات إلى الأدب، شقت رضوى إمبابى طريقها كمترجمة عن الصينية، حاملةً شغفًا يتجاوز نقل الكلمات إلى اكتشاف عوالم وثقافات كاملة، ومؤمنة بأن «المترجم عن الصينية يجب أن يكون باحثًا ماهرًا قبل أن يكون مترجمًا».

وفى أعمال مثل «اختفاء الآنسة تشن جين فانج» و«يوميات طفل يقرأ»، وجدت نفسها أمام تحديات مختلفة مثل كيف تنقل خصوصية المجتمع الصينى إلى القارئ العربى دون أن تفقد النص هويته؟ وكيف تترجم أدب الطفل بلغة تحافظ على بساطتها وعمقها فى آن؟

فى الحوار التالى مع «حرف»، تتحدث رضوى إمبابى عن تجربتها فى ترجمة الأدب الصينى، والبحث الذى يسبق الترجمة، ومستقبل الأدب الصينى فى العالم العربى، وغيرها من الموضوعات الأخرى عن الترجمة والمترجمين.

■ بدأتِ ترجمة المسلسلات، ثم انتقلتِ إلى الأدب، وكانت رواية «اختفاء الآنسة تشن جين فانج» بداية مهمة فى تجربتك الأدبية. ما الذى وجدته فى الأدب الصينى ولم تجديه فى الترجمة الدرامية؟

- تختلف ترجمة الأدب عن الترجمة الدرامية من ناحية الوصف، ففى الرواية تصف للقارئ المشهد، والبيئة المحيطة به، وصفات الشخصية وهيئتها، ويكون للراوى، الذى غالبًا ما يكون هو الكاتب ، حضور قوى، ويكون من الشخصيات الرئيسية. 

مثلًا، فى كتاب أدب الرحلات الذى ترجمته للكاتبة الصينية جيا تشى هونج، بعنوان «الناس فى إفريقيا»، تحكى عن تجربتها الشخصية عندما سافرت فى رحلة عمل إلى جنوب إفريقيا، وتسلط الضوء على الاختلاف الثقافى الذى وجدته هناك، وكيف ترك أثرًا كبيرًا فيها.

هنا ركزت الكاتبة على وصف الشخصيات والتحديات التى تواجهها، كما وصفت البيئة والمناخ والحياة. وكان علىّ أن أبحث أولًا عن الكاتبة لأعرف أسلوبها فى السرد وأعمالها، وما حصلت عليه من جوائز.

أما فى الترجمة الدرامية، فلا نضطر إلى كل هذا، فنحن نترجم الحوار فقط، ويكون كل شىء جاهزًا أمام المشاهد، عكس الرواية التى تركز على وصف المشاهد والمواقف لمساعدة القارئ على تخيل الأحداث. 

■ هل الانتقال من ترجمة الحوار إلى ترجمة العالم الداخلى للشخصيات غيّر طريقة تفكيرك كمترجمة؟

- نعم، أعتقد أن هذا غيّر كثيرًا من طريقة تفكيرى فى الترجمة. فى البداية، لم أكن أظن أن هناك فرقًا كبيرًا بين الترجمة الأدبية والترجمة الدرامية، وكنت أعتقد أن كليهما يعتمد على نقل المعنى والأسلوب. لكن عندما أصبحت الترجمة الأدبية جزءًا أساسيًا من تخصصى، خاصة بعد دراستى لتحليل الشخصيات خلال مرحلة الماجستير وتعمّقى أكثر فى الأدب، بدأت ألاحظ أن لكل نوع متطلباته.

أدركت أن المترجم الأدبى لا يترجم الكلمات فقط، بل يحتاج إلى فهم الشخصيات، وأسلوب الكاتب، والسياق الثقافى، وطريقة بناء المشاهد والأحداث، ثم نقل كل ذلك بطريقة طبيعية ومؤثرة فى اللغة العربية. وهذا جعلنى أنظر إلى الترجمة الأدبية بشكل مختلف تمامًا، وأصبحت أكثر وعيًا بالتفاصيل التى يجب أن أنتبه إليها خلال الترجمة.

■ فى «اختفاء الآنسة تشن جين فانج»، نحن أمام فتاة تحاول الخروج من الفقر وتحقيق ذاتها، وهى «ثيمة» يمكن أن تبدو عالمية، لكن تفاصيلها شديدة الارتباط بالمجتمع الصينى. كيف تميزين أثناء الترجمة بين ما هو إنسانى مشترك وما هو نابع من خصوصية المجتمع الصينى؟ 

- فى الواقع، أرى أن المجتمع الصينى زاخر جدًا بالقيم والمبادئ الإنسانية التى يمكن أن يتفاعل معها أى شخص فى العالم. كما أن هناك أوجه تشابه كثيرة بينه وبين المجتمعات العربية.

على سبيل المثال، تقدير العائلة ومكانة الوالدين من السمات الواضحة فى المجتمع الصينى، وهذا يظهر كثيرًا فى الروايات والمسلسلات الصينية، وهو أمر قريب جدًا من مجتمعاتنا العربية. لذلك يشعر القارئ العربى أحيانًا بهذا التشابه، رغم اختلاف البيئة والثقافة.

من وجهة نظرى كمترجمة، هذا يجعلنى أشعر بأن النفس البشرية واحدة فى النهاية، بغض النظر عن اختلاف الثقافات. فنحن نواجه تحديات وآلامًا ومشاعر متشابهة، وما يؤلم الإنسان الصينى يمكن أن يؤلم الإنسان العربى أيضًا. لهذا أعتقد أن الأدب قادر على خلق جسر بين الثقافات، لأن القارئ قد يجد نفسه فى شخصية أو موقف يقرأ عنه، حتى لو كان ينتمى إلى مجتمع مختلف تمامًا.

عشت هذا الأمر بنفسى خلال ترجمتى لرواية «يوميات طفل يقرأ»، الصادرة عن «بيت الحكمة للثقافة»، والحاصلة على جائزة أفضل كتاب مُترجَم فى معرض القاهرة الدولى للكتاب. فقد وجدت الكثير من أوجه التشابه بين تجربتى وتجربة الطفل فى الرواية.

عشت فترة من طفولتى مع جدتى، وكنت، باعتبارى الأخت الصغرى، أنهى امتحاناتى وأذهب لقضاء الإجازة الصيفية كاملة معها. كانت تعلمنى إعداد الطعام، وكنا نشاهد مسلسل «أم كلثوم» معًا، ونذهب إلى السوق معًا. لذلك شعرت أننى أرى جزءًا من طفولتى فى هذا الطفل، وهذا القرب الشخصى من تجربته ساعدنى كثيرًا على فهم مشاعره والتعبير عنها أثناء الترجمة.

■ حصلت ترجمتك لـ«يوميات طفل يقرأ» على جائزة أفضل كتاب مترجم للطفل فى معرض القاهرة، وترجمة أدب الطفل تبدو فى ظاهرها أسهل من ترجمة الأدب للكبار، لكنها فى الحقيقة تفرض قيودًا أكبر على اللغة والإيقاع والصورة.. كيف تترجمين نصًا صينيًا إلى طفل عربى من دون أن تشرحى له الثقافة بدلًا من أن تتركيه يكتشفها؟ 

- كما ذكرت من قبل، عندما يطّلع القارئ العربى على الأدب الصينى، يمكنه أن يشعر بقربه من الأحداث والشخصيات، حتى وإن كانت تدور فى بيئة وثقافة مختلفتين. فعلى سبيل المثال، «كاى كاى»، بطل رواية «يوميات طفل يقرأ»، طفل عاش مع جده بسبب سفر والديه للعمل، وهى تجربة يعيشها كثير من الأطفال فى مختلف أنحاء العالم. كذلك، فإن علاقته بكلبه الصغير وافتقاده لوالده الذى يغيب عنه طوال العام، كلها مشاعر وتجارب يمكن لأى طفل أن يجد شيئًا منها فى حياته الخاصة.

لذلك، عندما يقرأ طفل مرّ بتجربة مشابهة عن «كاى كاى»، فمن الطبيعى أن يشعر بقرب الحكاية منه، وربما يرى جزءًا من قصته الشخصية فى أحداث الرواية، وهذا ما يجعله أكثر ارتباطًا بالشخصيات ومتابعةً للأحداث بشغف.

فى الوقت نفسه، تقدم الرواية للقارئ بعض الخصائص المميزة للمجتمع والثقافة الصينية، مثل اجتماع أفراد الأسرة خلال عيد الربيع، والرموز الصينية التى يتعلم الطفل كتابتها.

هنا تكمن متعة الأدب المترجم بالنسبة لى، فالقارئ يكتشف من خلال الرواية جوانب جديدة من ثقافة مختلفة، وفى الوقت نفسه يجد مشاعر وتجارب إنسانية مألوفة وقريبة من حياته الشخصية. وهذا المزيج بين اكتشاف الجديد والشعور بالألفة، فى رأيى، أحد أهم عناصر قوة الأدب فى التقريب بين الثقافات.

الصين حاضرة فى أعمالك ليس فقط من خلال الحكايات، وإنما فى الذاكرة والتاريخ والفنون والطبيعة، كما فى «نهر اليانجتسى» و«كنوز الكتابة الصينية الأربعة» و«فنون اللوحات». هل تشعرين أن المترجم من الصينية مضطر لأن يكون «باحثًا» قبل أن يكون مترجمًا؟ 

بالطبع، أرى أن المترجم ينبغى أن يكون باحثًا ماهرًا، لأن عليه أن يتحقق من المعلومات ويميز بين الصحيح والخاطئ، خاصة عند ترجمة الكتب الثقافية. عند ترجمة أى كتاب، أبدأ بالبحث عن الكاتب وأهم أعماله والجوائز التى حصل عليها، ثم أبحث فى الموضوعات التى يتناولها الكتاب.

مثلًا، خلال ترجمتى لكتاب «كنوز الكتابة الصينية الأربعة»، بحثت عن المقصود بهذه الكنوز وتاريخها، واكتشفت أنها تشير إلى أدوات الكتابة التقليدية الأربع: الفرشاة والورق والحبر والمحبرة.

كما كنت أتوقف كثيرًا فى أثناء الترجمة لإضافة حواشى عند الحاجة لتوضيح بعض العناصر الثقافية للقارئ العربى. لذلك أرى أن دور المترجم لا يقتصر على نقل النص، بل يشمل أيضًا البحث والتدقيق والتعريف بالثقافة التى ينقلها.

هناك كلمات وتعبيرات وصور فى الأدب الصينى تحمل وراءها إشارات تاريخية أو أدبية يعرفها القارئ الصينى تلقائيًا، بينما قد تمر على القارئ العربى بلا معنى. عندما تواجهك هذه الإحالات، أين تضعين الحد بين الترجمة والتفسير؟ وهل ترين أن الحاشية تنقذ المعنى أم تقتل متعة الأدب؟

كثيرًا ما واجهت مثل هذه الحالات، خاصة عند ترجمة الأمثال. فهناك أمثال صينية إذا ترجمناها حرفيًا قد لا يفهمها القارئ العربى. فمثلًا، هناك مثل صينى يُترجم حرفيًا إلى: «يبحث عن عظمة فى البيض»، وهى عبارة قد تبدو للقارئ العربى بلا معنى، بينما يقابلها فى العامية المصرية تعبير «بيطلع فيه القطط الفطسانة».

فى مثل هذه الحالات، ألجأ إلى الحاشية، فأوضح المعنى المقصود وأذكر التعبير الذى يقابله فى لغتنا، وبذلك أحافظ على المعنى والثقافة الصينية، وفى الوقت نفسه أقرّب الفكرة إلى القارئ العربى.

ولا أرى أن الحاشية تنتقص من المعنى أو تفقد النص متعته، بل على العكس، أعتقد أنها تزيده وضوحًا، وتمنح القارئ فرصة لاكتشاف الاختلافات الثقافية والاستمتاع بها، مع الحفاظ على خصوصية النص الصينى.

■ تنتمين لجيل جديد من المترجمين المصريين عن الصينية، فى وقت يتزايد فيه حضور الصين عربيًا، لكن الأدب الصينى لا يزال أقل حضورًا من الأدب الإنجليزى والفرنسى.. هل المشكلة فى قلة المترجمين القادرين على نقل الأدب الصينى، أم فى دور النشر، أم فى ذائقة القارئ العربى؟ 

- لا أعتقد أن الأدب الصينى أصبح أقل حضورًا، بل على العكس، أشعر أن حضوره فى العالم العربى يزداد ويتطور مع الوقت. فمع تنامى التقارب الاقتصادى والسياسى بين الصين والدول العربية، أصبح الناس أكثر اهتمامًا بالصين وثقافتها وأدبها، وأصبح هناك شغف أكبر بالتعرف إليها.

أرى أن دور النشر لها دور مهم فى هذا التطور، فـ«بيت الحكمة»، على سبيل المثال، حاضرة بقوة فى معارض الكتاب المختلفة بالدول العربية، وتسهم فى تقديم الأدب والثقافة الصينية إلى القراء العرب.

كما بدأ يظهر عدد متزايد من المترجمين المتميزين فى هذا المجال. ولذلك أعتقد أننا سنشهد فى السنوات المقبلة حضورًا أقوى وأكثر انتشارًا للأدب الصينى فى العالم العربى.

■ هل يمكن للمترجم أن يجعل النص قريبًا من القارئ العربى من دون أن يفقد «صينيته»؟

- أعتقد أن هذا من أهم التحديات فى الترجمة الأدبية. أحاول أن أنقل الأحداث والشخصيات والعناصر الثقافية كما هى، وألا أفرض عليها الطابع العربى لمجرد جعلها مألوفة للقارئ.

فى المقابل، إذا ظهر عنصر ثقافى قد يصعب على القارئ فهمه، يمكن توضيحه فى الحاشية عند الحاجة. وبهذه الطريقة، يظل النص محتفظًا بخصوصيته الصينية، وفى الوقت نفسه يستطيع القارئ العربى فهمه والتفاعل معه والشعور بقربه من الشخصيات والأحداث.

اقرأ من «أدب التنين»:

يوميات طفل يقرأ