مرثية شاعر عظيم.. لماذا ندعو لأن تكون ذكرى رحيل صلاح عبدالصبور يومًا للشعر؟
- دعوة لإطلاق جائزة سنوية باسم صلاح عبدالصبور
فى مدينته المملوءة بالصمت، يسير غريبًا كعادته، يرتقى درجات الحزن النبيل بقلبٍ يفيض شجنًا ووعيًا. إنه الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، الذى لم يكتب الشعر ليُطرب الحناجر، بل ليُرمم خَراب الروح ويكتشف الكلمة الصادقة فى أزمنة النفاق.
هو الذى مسح عن وجه القصيدة العربية غبار التكرار، وفتح نوافذها على المجهول، ليأخذنا الفارس القديم بأحلامه إلى عمق المأساة، مُشيّدًا مملكةً شعريةً لا يُقاس اتساعها ببلاغة الألفاظ، بل بصدق الوجع الإنسانى ورهافة الحس.
ولأنه يستحق وأكثر، احتفى صالون «حرف» الثقافى بالشاعر الكبير، قبل أيام، باعتباره واحدًا من أبرز الأصوات التى أسهمت فى صياغة تحولات القصيدة العربية الحديثة، إلى جانب امتداد تجربته إلى المسرح الشعرى والنقد والعمل الثقافى، بما جعله أحد الأسماء المؤثرة فى المشهد الأدبى والفكرى المصرى والعربى.
احتفاؤنا بـ«القديس» لم يكن مجرد كلمات أو فعاليات تنتهى بمغادرة المشاركين، بل امتد هذا الاحتفاء إلى الدعوة لتدشين جائزة تحمل اسم صلاح عبدالصبور، إلى جانب تخصيص 14 أغسطس من كل عام يومًا للشعر المصرى، وهو اليوم الذى شهد رحيله بجسده فقط قبل أكثر من 45 عامًا.. فإلى تفاصيل الاحتفاء والدعوة غير المسبوقة.

محمد الباز: لديه مستوى نادر من الجودة والقوة والصوت الخاص
تحدث الدكتور محمد الباز، رئيس مجلسىّ إدارة وتحرير «الدستور»، المحرر العام لـ«حرف»، باستفاضة عن الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور، كاشفًا عن طبيعة شخصيته، ومن بينها رواية عن معاناته من الاكتئاب.
وقال د. «الباز»: «الأستاذ صلاح عبدالصبور كان يعمل مع الدكتور ثروت عكاشة، وكان دائمًا مهمومًا ويعانى حالة أسى وصلت إلى حد الاكتئاب، حتى طلب المقربون منه الذهاب إلى الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسى».
وأضاف أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة: «حين ذهب صلاح عبدالصبور إلى الدكتور أحمد عكاشة، شخّص حالته بأنه مصاب بالاكتئاب، فسأله: وما المشكلة فى أن أكون مكتئبًا؟ فأجابه بأن الأمر لن يؤثر فى حياته فحسب، بل قد يؤثر أيضًا فى عمره، وربما يجعله يموت مبكرًا».
هنا سأله «صلاح»: «إذا لم أُصب بالاكتئاب، فكم سنة يمكن أن أضيف إلى عمرى؟»، فقال له «عكاشة»: «ربما ٥ أو ٦ سنوات على الأقل». فرد: «لا أريدها، لأننى عندما أكون مكتئبًا أكتب شعرًا جيدًا، وأنا أريد أن أكتب شعرًا جيدًا، فلا مشكلة إذن فى أن أكون مكتئبًا!».
وواصل د. «الباز»: «مثل هذه الحكايات تجعلنى أتوقف كثيرًا عند قيمة صلاح عبدالصبور»، مشيرًا إلى أن «الشاعر الراحل اجتمع لديه مستوى نادر من الجودة والقوة والصوت الخاص».
وفيما يتعلق بالاحتفاء بذكرى صلاح عبدالصبور، قال رئيس مجلسىّ إدارة وتحرير «الدستور»: «الأستاذ شعبان يوسف اقترح ألا يقتصر الأمر على الاحتفاء بذكراه، وإنما السعى إلى أن يصبح يوم ١٤ أغسطس (يوم الشعر المصرى)».
وأوضح أن «الفكرة لا تتعلق فقط بإقامة جائزة تحمل اسم صلاح عبدالصبور، وإنما تتجاوز ذلك إلى تأسيس مناسبة سنوية للاحتفاء بالشعر المصرى، بحيث يصبح يوم ١٤ أغسطس موعدًا ثابتًا للاحتفال بالشعر، وإقامة الفعاليات المرتبطة به».
وأضاف: «ربما انتبهنا إلى الأمر هذا العام متأخرين، ولم يكن أمامنا وقت كافٍ، لكننا قلنا لنلحق هذا العام ونعلن الجائزة، على أن تُسلَّم فى ١٤ أغسطس، وهو اليوم الذى نسعى إلى أن يصبح (يوم الشعر المصرى)».
وواصل: «المشروع لا ينبغى أن يظل مبادرة خاصة بمؤسسة أو مجموعة من الأصدقاء والكُتَّاب والمُحبين، وإنما يجب السعى إلى أن يصبح مشروعًا تتبناه الدولة المصرية، وتحديدًا وزارة الثقافة، ليصبح يوم ١٤ أغسطس مناسبة تُقام فيها فعاليات مرتبطة بالشعر المصرى».
وأكمل: «مؤسسة (الدستور) ستقدم كل الدعم لهذا المشروع، وهناك نية لعقد اجتماعات متواصلة من أجل بلورة الفكرة، والتواصل مع مؤسسات الدولة، بحيث يجرى طرح المشروع على المؤسسة الثقافية الرسمية، وصولًا إلى تبنيه ورعايته، وربما توفير دعم مادى له أيضًا».
ورأى أن الاحتفاء بصلاح عبدالصبور يتجاوز مجرد إقامة احتفال أو إطلاق جائزة أو تخصيص يوم للشعر، مؤكدًا أن الأمر بالنسبة إليه يمثل شكلًا من أشكال «المقاومة الثقافية» فى مواجهة ما وصفه بـ«الزحف على كل ما هو مصرى ومحاولات طمس الهوية المصرية». وتابع: «أنا أعتبر التمسك بهذه الفكرة، بهذا التاريخ وبهذا الاسم، نوعًا من المقاومة لفعل نرى ملامحه الآن. هناك طمس للهوية المصرية وكأن هناك من يريد أن يصادر كل ما أنجزناه، وأن ينسبه إلى نفسه ومشروعه».
وأشار إلى أن صلاح عبدالصبور لا ينبغى النظر إليه بوصفه شاعرًا عظيمًا فقط، فتجربته الكتابية والفكرية والبحثية أوسع من ذلك، مضيفًا: «شاعريته ربما حجبت جوانب أخرى مهمة من شخصيته وإنتاجه».
وانتقل للحديث عن كتاب «ماذا يبقى منهم للتاريخ؟»، من تأليف صلاح عبدالصبور، واصفًا إياه بأنه «فى غاية الجرأة»، لأنه يدفع القارئ إلى إعمال العقل واستخدام المنهج النقدى حتى فى التعامل مع الرموز الثقافية.
وأوضح: «أحيانًا قد نجد تيارًا يعانى نوعًا من (السلفية الثقافية)، فيقدّس كل ما هو قديم. فإذا كان طه حسين، مثلًا، قد دعا إلى إعمال العقل والمنهج النقدى، فإن البعض يتعامل معه هو نفسه بوصفه شخصية مقدسة. لكن لو قلت لطه حسين إننى أعتبرك مقدسًا، فسيرفض ذلك بالتأكيد».
وأضاف: «إعمال العقل والنقد لا ينبغى أن يتوقف عند الأشخاص الذين نعتبرهم رموزًا، بل يجب أن يمتد إلى أفكارهم وتجاربهم وإنتاجهم، وهو ما يجعل استعادة تجربة صلاح عبدالصبور مناسبة لتجديد هذا النوع من الوعى الثقافى».
وواصل: «الثقافة هى أحد أهم ما تملكه مصر، وأنا أقول دائمًا إن بترول مصر هو البشر. إذا كانت هناك دول لديها البترول فإن مصر لديها البشر.. قد يظن البعض أن البلد توقف أو سقط، ثم نفاجأ بأشخاص يخرجون منه ليصبحوا من أهم المبدعين فى الغناء والكتابة وغيرهما من مجالات الإبداع».
واختتم بقوله: «كل من استمتع بما كتبه صلاح عبدالصبور وعاش معه، هو مدين له بشىء، دَين نفسى وروحى ومعنوى وفكرى».

أحمد مجاهد: نقل الشعر العربى من الغنائية إلى الدراما
قال الدكتور أحمد مجاهد، أستاذ النقد الأدبى، إن إقامة جائزة تحمل اسم الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور أمر جدير بمصر والشعر العربى.
وأشار «مجاهد» إلى أن العمل على المواد غير المنشورة لصلاح عبدالصبور كان قائمًا بالفعل قبل إطلاق فكرة الجائزة، مؤكدًا أن المشروع الجديد سيتيح الاحتفاء بالشاعر بما يليق به، إلى جانب خروج هذه الأعمال إلى النور.
وتحدث «مجاهد» عن الجانب الفنى فى تجربة صلاح عبدالصبور، قائلًا: «كان يدرك تمام الإدراك أن التحول من كتابة عمود الشعر إلى كتابة شعر التفعيلة ليس قفزة عروضية فى الهواء، كما هو الحال عند معظم شعراء التفعيلة الذين يأخذون البيت ويقسمونه إلى قطعة كبيرة وقطعة صغيرة».
وأوضح أن «عبدالصبور» كان يتعامل مع هذا التحول بوصفه انتقالًا أعمق، هدفه نقل الشعر العربى من الغنائية الخالصة إلى الدراما، وهو ما قاده بصورة طبيعية إلى كتابة المسرح الشعرى.
ورأى أن النزعة الدرامية تظهر حتى فى قصائد «عبدالصبور» المبكرة، وفى الصور الشعرية التى تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن المسرح، لكنها تحمل فى داخلها حركة وصراعًا وتوترًا بين المتناقضات.
واعتبر أن الشاعر كان يمتلك قدرة استثنائية على اكتشاف التضادات والصراعات الدرامية داخل الأشياء، معتبرًا أيضًا أن هذا أحد مفاتيح فهم تجربته الشعرية.
وتوقف عند قصيدته «الانتصار»، موضحًا أن الدراما فيها لا تأتى فقط من موضوعها، وإنما من الصراع الكامن داخل القصيدة نفسها، ومن الأسئلة التى تطرحها، مضيفًا: «صلاح عبدالصبور لم يكتفِ بالصورة الشعرية، وإنما حوّل الصورة إلى موقف درامى، ليكشف التوتر الموجود داخل التجربة الإنسانية نفسها».
وقال إن هذه القدرة على بناء الدراما من داخل القصيدة هى التى جعلت انتقال صلاح عبدالصبور إلى المسرح الشعرى امتدادًا طبيعيًا لمشروعه، وليس قطيعة مع تجربته الشعرية. وأشار إلى جانب آخر من عبقرية صلاح عبدالصبور، يتمثل فى قدرته على إعادة قراءة الأشياء والأحداث الموروثة من منظور درامى جديد، وإعادة صياغتها بصورة قد تتناقض مع القراءة المألوفة لها.

معتزة عبدالصبور: العربى الوحيد فى «موسوعة الألفية»
أكدت معتزة صلاح عبدالصبور، ابنة الشاعر الكبير الراحل، أن فكرة إقامة جائزة سنوية تحمل اسم والدها كانت أمنية راودتها منذ سنوات طويلة، وهو ما لا يرتبط فقط بكونها ابنته، وإنما بقيمة صلاح عبدالصبور بوصفه جزءًا من قيمة مصر الثقافية.
وأضافت ابنة الشاعر الكبير: «صلاح عبدالصبور هو الشاعر العربى الوحيد الوارد فى (موسوعة الألفية) لجامعة أكسفورد، التى أُعدّت لتضم أهم ١٠٠ شخصية أثرت البشرية منذ بداية تاريخها المكتوب فى كل مجال. وكان صلاح عبدالصبور من بين أهم ١٠٠ شاعر أثروا البشرية».
وأعربت عن أسفها لأن هذه المكانة لم تكن حاضرة بالقدر الكافى فى الوعى العام، قائلة: «الحسرة شديدة لأننا لسنا على دراية بهذا، ولأنه لا توجد جائزة تحمل اسمه، لكن المهم الآن أن هناك خطوة إيجابية تحدث».
وواصلت: «صلاح عبدالصبور، من خلال المبادرة الجديدة، أصبح فى أيدٍ أمينة»، مشيدة بدور مؤسسة «الدستور»، والدكتور محمد الباز، وشعبان يوسف، والدكتور أحمد مجاهد.
وأكملت: «ممتنة جدًا للمبادرة، فإقامة جائزة سنوية باسم صلاح عبدالصبور تمثل خطوة مهمة، خاصةً فى ظل محاولات طمس الذاكرة الثقافية وتغيير الوعى والتضليل».
وأشارت إلى عملها مع الدكتور أحمد مجاهد لإصدار ما لم يُنشَر من أعمال والدها، موضحة أن هذه الخطوة بدأت قبل إطلاق المبادرة الحالية.
وأضافت: «إطلاق الجائزة اليوم سيكون موضع سعادة كبيرة لوالدى، لو كان حاضرًا بيننا الآن»، مشيرة إلى علاقته الخاصة بالشعراء الشباب وحرصه على منحهم الفرصة.
وواصلت: «كنت أقابل أشخاصًا كانوا شبابًا وقتما كان أبى مسئولًا فى هيئة الكتاب، ثم قابلتهم بعدما أصبحوا أكبر سنًا، فيقولون لى: (إنتِ عارفة يا معتزة، أبوكى أول واحد وافق ينشر لى)، وتكرر هذا الأمر مرات كثيرة، ما يكشف عن حماس صلاح عبدالصبور الشديد للشعراء الشباب»، معتبرة أن استمرار هذه الروح من خلال الجائزة بالغ الأهمية.
وشددت على أن الجائزة لا ينبغى النظر إليها باعتبارها مجرد تكريم لاسم صلاح عبدالصبور، وإنما باعتبارها امتدادًا لقيمة ثقافية ووطنية أوسع، لافتة إلى أنها تشعر بالسعادة كلما أُقيمت جائزة تحمل اسم أحد المبدعين المصريين، حتى قبل أن تظهر جائزة تحمل اسم والدها.
وأشارت إلى ضرورة أن تكون مصر أكثر اهتمامًا بتكريم أدبائها وشعرائها، مضيفة: «ينبغى أن نقيم جوائز بأسماء شعرائنا وكُتَّابنا. عندما نعرف وندرك قيمتنا، فإن الآخر سيعاملنا بقيمتنا هذه».
وفى لحظة شديدة الخصوصية، تحدثت معتزة عبدالصبور عن شعورها تجاه والدها وقيمته الأدبية، قائلة إنها، رغم كونها ابنته، تفاجأ أحيانًا بحجم هذه القيمة.
وأضافت: «أنا مبسوطة مع بابا وجدانيًا دائمًا، لكننى أحيانًا أُفاجأ بقيمته الحقيقية. أحيانًا أخاف من قيمة أبى، وأقول لنفسى ماذا قدمتِ أنتِ؟ ماذا فعلتِ له؟»، مشددة على أن مسئولية الحفاظ على إرث صلاح عبدالصبور لا يمكن أن تقع عليها وحدها، وإنما تحتاج إلى جهد جماعى من محبيه والمهتمين بإرثه.

شعبان يوسف: كان «جوهرة جيله» رغم سيطرة اليسار
قال الكاتب شعبان يوسف إنه تعرّف إلى الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور منذ توليه رئاسة هيئة الكتاب، موضحًا أنه فى عام ١٩٧٩ نشب صراع بين يوسف السباعى ومجلس تحرير مجلة «الكاتب»، انتهى بتقديم أعضاء المجلس استقالاتهم بعد منع الدعم عن المجلة. وأضاف أن يوسف السباعى طلب من صلاح عبدالصبور تولى رئاسة المجلة، فقَبل المهمة على مضض.
وأوضح «يوسف»، خلال فعاليات «صالون الدستور الثقافى» للاحتفاء بتجربة صلاح عبدالصبور، أنه كان يعرف الشاعر أمجد ريان والباحث الدكتور محمود نسيم خلال ترددهما على المجلة للنشر فيها، وأنه كان من أوائل من ذهبوا إلى «الكاتب» والتقوا صلاح عبدالصبور، مشيرًا إلى أنه شعر أمامه بأنه «سقراط فى مملكة الفلسفة». وأضاف أن من أبرز من كانوا يترددون على مكتبه نجيب سرور وعلى شلش، إلى جانب مجموعة من المبدعين. وذكر أنه عندما سُئل صلاح عبدالصبور عن دعمه لنجيب سرور، أكد أنه مبدع كبير لا يستحق إلا كامل الدعم لموهبته، التى كان مؤمنًا بها.
وأكد شعبان يوسف أن صلاح عبدالصبور كان «جوهرة جيله» ومثقفًا بارزًا، رغم أن اليسار كان له وقتها حضور قوى فى الثقافة المصرية، من حيث النشر والاستحواذ.







