الجمعة 29 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

الأزمة عالمية.. جورج سوندرز: الأدب يتحول الآن إلى «منتج رقمى للاستمتاع السريع»

حرف

- لا أميل إلى التخطيط المسبق ولا أنطلق من أفكار جاهزة

- وسائل التواصل أثرت فى طريقة القراءة وجعلتها «أكثر سطحية»

- عدد القرّاء الجادين لم يتغير و«السوشيال» لا تستطيع خداعهم

فى بداية العام الجارى، صدرت رواية «Vigil»، أحدث أعمال الروائى الأمريكى جورج سوندرز، الذى حصل على جائزة «البوكر» العالمية عام 2017 عن روايته «Lincoln in the Bardo».

أحداث الرواية الجديدة تدور حول الساعات الأخيرة فى حياة رجل الأعمال الثرى «ك. ج. بون»، وهو مدير تنفيذى فى شركة نفط لعبت دورًا كبيرًا، ضمن 36 شركة أخرى، فى التغيرات المناخية المتطرفة التى يعيشها كوكب الأرض حاليًا. لكن الرواية لا تُروى من منظوره، بل عبر صوت امرأة ميتة تُدعى «جيل بلاين»، تتمثل مهمتها بالعالم الآخر فى مرافقة المحتضرين ومواساتهم خلال لحظاتهم الأخيرة.

ومن خلال هذا الإطار الغرائبى، تتكشف مواجهة معقدة بين «بون» وماضيه، بعدما يجد نفسه محاصرًا بأصوات الموتى، بعضهم يسعى لمحاسبته على إنكاره تغير المناخ وتورطه فى تدمير البيئة، وآخرون يحاولون تبرير أفعاله. وفى الوقت نفسه، تحاول «جيل» أداء مهمتها فى تهدئته، رغم صعوبة ذلك فى ظل عناده وغطرسته ورفضه الاعتراف بأى مسئولية. 

عن مسيرته الأدبية الحافلة، ونظرته إلى مفهوم الكتابة، والتطورات التى تعيشها الآن فى عصر مواقع التواصل الاجتماعى و«الذكاء الاصطناعى»، يدور حوار «حرف» التالى مع الروائى الأمريكى جورج سوندرز.

■ لنبدأ من آخر رواياتك «Vigil».. ما فكرتها الأساسية؟

- هى رواية قصيرة. وفى الحقيقة، لا أنشغل كثيرًا بالتفكير فى العمل من زاوية «الأفكار» أو «الثيمات» الجاهزة، بقدر ما يشغلنى أن أضع شخصية ما داخل موقف قادر على أن يترك أثرًا حقيقيًا لدى القارئ. ما يعنينى هو اللحظة الإنسانية نفسها، حين تُوضع شخصية فى مواجهة وضع يكشفها، ويجعلنا نراها على حقيقتها، بكل ما فيها من تناقضات وضعف وتعقيد.

فى هذه الرواية تحديدًا اخترت رجلًا لا يمكن وصفه بالطيب، بل يحمل قدرًا واضحًا من السوء أو الخلل، ثم وضعتُه فى أقصى لحظة ممكنة، فى الساعات الأخيرة من حياته. هناك، فى تلك المساحة الضيقة بين الحياة والموت، تتكثف التجربة ويصبح كل شىء أكثر حدة ووضوحًا، مقابل الذاكرة والندم ومحاولات الفهم، وربما حتى الرغبة فى التبرير.

ما يهمنى فى هذا النوع من الكتابة ليس إصدار حكم جاهز على الشخصية، بل إتاحة الفرصة للقارئ لأن يقترب منها ويختبرها من الداخل، وأن يتساءل عن كيف يمكن أن يكون هذا الإنسان على تلك الصورة؟ وماذا تعنى النهاية حين تأتى فى مواجهة حياة لم تُحسم أسئلتها بعد؟ بهذه الطريقة، تصبح الحكاية مساحة للتأمل أكثر منها إجابة نهائية، وتجربة مفتوحة على احتمالات متعددة.

■ فى مجموعتك القصصية «Liberation Day: Stories» تتناول موضوعات إنسانية معقدة، مثل الرغبة فى التواصل والبحث عن الذات.. هل كانت هناك تجربة معينة أو موقف معين ألهمك لكتابتها؟

- أنا أكتب فى كل مرة حكاية واحدة فقط. أترك نفسى خلالها للمتعة أولًا، وأحاول أن أضخ فى اللغة أكبر قدر ممكن من الحياة، فتأتى نابضة جذابة وصادقة، ولا تخلو من خفة ظل تمنحها روحها الخاصة. أتعامل مع الكتابة كمساحة للّعب والاكتشاف، لا كواجب ثقيل أو مهمة محسوبة سلفًا. ومع مرور الوقت، وبشكل يكاد يكون تلقائيًا، أجد أن حكاية ما قد تبلورت أمامى. عندها أتركها كما هى، وأكمل بهدوء نحو الحكاية التالية.

فى الحقيقة، لا أميل إلى التخطيط المسبق ولا أنطلق من أفكار جاهزة عمّا أريد قوله أو عمّا قد تكون عليه «ثيمات» الكتاب. لا أكتب لأطرح بيانًا، ولا لأؤكد فكرة محددة كنت قد حسمتها من قبل، بل أكتب بدافع الاكتشاف وبحثًا عمّا يمكن أن تكشفه الكتابة نفسها لى. إنها عملية تتشكل من الداخل إلى الخارج، لا العكس.

لذا، يمكن القول إننى أعتمد على الحدس بدرجة كبيرة. أثق فى مسار الكتابة كما يتكشف لحظة بلحظة، وأراهن على ما يختزنه العقل الباطن من طبقات عميقة قد لا أكون واعيًا بها تمامًا، لكنها تظهر تدريجيًا عبر اللغة. الكتابة بهذا المعنى، ليست مجرد وسيلة للتعبير بل طريقة للفهم، ومحاولة دائمة للاقتراب من شيء لا يتضح إلا أثناء السير نحوه.

■ فى القصة الرئيسية بالمجموعة «Liberation Day» الشخصيات تفقد ذكرياتهم وتُجبَر على سرد القصص.. لماذا اخترت هذا الفكرة بالذات؟

- مرة أخرى، كل شىء يبدأ من الحدس، ومن تلك الرغبة فى العثور على قدر من المتعة داخل عملية الكتابة نفسها. أكتب لأننى أريد أن أشعر بالدهشة وبالانخراط الكامل، وبذلك الحماس الذى يصاحب اكتشاف شىء يتشكّل أمامى للمرة الأولى. بل إننى أرحّب حتى بشىء من الحيرة والارتباك تجاه الخيارات التى أتخذها أثناء الكتابة، لأن هذا التردد نفسه هو جزء من حيوية التجربة، ودليل على أن الطريق لم يُحسم سلفًا.

هناك أيضًا ما يشبه علاقة من الأخذ والرد بينى وبين النص. أكتب جملة أو فكرة، فتبدو كأنها تطلب منى ردًا، أو تفتح بابًا جديدًا لم أكن أتوقعه، فأتبعه وأبنى عليه. هكذا يتشكل السرد تدريجيًا، خطوة بعد خطوة. ومن هذا التفاعل الحى تنبثق ما يمكن أن نسمّيه «التقنيات السردية المبتكرة» لا باعتبارها خطة مسبقة، بل كنتيجة طبيعية لهذا الحوار المستمر مع النص.

فى النهاية، يمكن القول إن الكتابة بالنسبة لى هى نوع من الارتجال المركّب، لكنها ليست ارتجالًا عابرًا. إذ تتيح لى المراجعة أن أعود إلى ما كتبته فأعيد تشكيله وأجرّب مسارات مختلفة، وكأننى أرتجل من جديد، مرة تلو الأخرى. وبهذا المعنى، تصبح الكتابة عملية مفتوحة تتطور باستمرار وتحتفظ دائمًا بقدر من الدهشة حتى بالنسبة لكاتبها. 

■ قصصك كثيرًا ما تنتقد التفاوت الاجتماعى والقيم المادية.. كيف ترى دور الكاتب فى التأثير على وعى المجتمع فى هذا الصدد؟

- أعتقد أن المهمة الأساسية للكاتب هى أن يخلق صلة حقيقية مع قارئه. صلة لا تقوم على الإبهار المصطنع أو الاستعراض، بل تنبع من صدق عميق، ومن احترام واضح لعقل القارئ ووجدانه. علاقة يشعر فيها القارئ بأنه مرئى بالفعل، وأن صوته حاضر ووجوده محل تقدير، بل وربما محل محبة أيضًا. 

وهذا فى جوهره ليس مجرد خيار جمالى، بل فعل يحمل بُعدًا أخلاقيًا، وربما سياسيًا أيضًا، لأن منح القارئ هذا الإحساس بالاعتراف والإنصات، هو- بطريقة ما- إعادة اعتبار للإنسان نفسه.

الكتابة هكذا تشبه رقصة دقيقة يقودها الكاتب، نعم، لكنه لا يقودها بتعالٍ أو بعمى. عليه أن يظل منتبهًا طوال الوقت إلى موقع القارئ داخل النص، إلى إيقاعه الداخلى، إلى لحظات اندهاشه أو ارتباكه أو حتى ملله. عليه أن يتخيله دائمًا شخصًا ذكيًا صاحب خبرة وحسن نية ومستعدًا للاكتشاف. هذا التصور ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو ما يمنح النص روحه، ويحوّله من مجرد كلمات إلى تجربة حيّة قابلة للتشارك.

أما إذا غاب هذا الوعى فإن الحكاية سرعان ما تفقد حيويتها، وتتحول إلى خطاب أحادى أقرب إلى محاضرة جاهزة. نص يفرض نفسه بدل أن يتحاور، ويُلقّن بدل أن يكتشف، ومشحون ولو بشكل خفى بنبرة استعلاء تُقصى القارئ بدل أن تحتضنه. عندها، لا تعود الكتابة تجربة مشتركة، بل تصبح فعلًا مغلقًا يفتقد ذلك البعد الإنسانى الذى يمنح الأدب معناه الحقيقى.

■ فى كتابك «A Swim in a Pond in the Rain» تحلل قصصًا روسية كلاسيكية لتوضيح فنون الكتابة.. لماذا هذه القصص بالتحديد؟ وما الدروس التى تريد أن يستفيد بها القارئ من كل قصة؟

- اخترت هذه النصوص لأننى أمضيت أكثر من ٢٠ عامًا فى تدريسها، وهى مدة لم تُمكّننى فقط من فهمها على مستوى تقنى، بل أتاحت لى أن أعايشها عن قرب فى سياقات مختلفة ومع قرّاء متنوعين. مع الوقت، بدأت أرى كيف تعمل هذه النصوص من الداخل، وكيف تُحدث أثرها فى القارئ، أين تدهشه وأين تربكه وأين تفتح له بابًا لم يكن يتوقعه. هذا الاحتكاك الطويل لم يمنحنى معرفة نظرية فحسب، بل نوعًا من الألفة العميقة مع هذه الأعمال، كأننى شهدت رحلتها وهى تنتقل من مجرد نصوص على الورق إلى تجارب حيّة داخل وعى القرّاء.

من خلال هذه الخبرة الممتدة، أصبح لدىّ إحساس أوضح بما يمكن أن تفعله القصة القصيرة حين تُكتب بإتقان، كيف تستطيع فى مساحة محدودة نسبيًا أن تخلق عالمًا كاملًا، وتترك أثرًا لا يقل عمقًا عن الأعمال الأطول. لذلك، آمل فى النهاية أن ينجح هذا الكتاب، بوصفه عملًا متكاملًا، فى نقل شىء من هذه التجربة إلى قارئه، وأن يوقظ لديه ذلك الانتباه الخاص الذى تتطلبه القصة القصيرة، وأن يُشعل داخله شغفًا حقيقيًا بهذا الفن.

وربما، وهذا ما أتمناه فعلًا، أن يدفع القارئ إلى إعادة اكتشاف القصة القصيرة بوصفها شكلًا أدبيًا فريدًا، قادرًا على الدهشة والإيحاء والاختزال فى آنٍ واحد، وأن يقع فى حبها من جديد، لا باعتبارها نصوصًا عابرة، بل كعالم قائم بذاته، يستحق التوقف عنده والتأمل فيه.

■ هل تعتقد أن دراسة الأعمال الكلاسيكية تساعد الكاتب الشاب على تطوير أسلوبه الشخصى، أم يمكن أن تفرض نمطًا محددًا على كتابته؟

- أعتقد أن هذا أمر ضرورى تمامًا. علينا أن نملأ عقولنا بكل ما هو جيد وقيّم، ثم نسعى إلى إنتاج شىء جديد انطلاقًا منه. أما أن يعمل الإنسان فى فراغ بلا تأثيرات أو مراجع فذلك أمر لا أستطيع تخيّله، ولا أجدنى أميل إليه. تخيّلى موسيقيًا شابًا يرفض الاستماع إلى أى موسيقى سوى ما يقدّمه هو، أو يتجاهل كل ما أُنتج قبله. سيبدو ذلك أقرب إلى الغطرسة أو اللا مبالاة، وهى صفات لا أظن أنها قد تخدمه أو تسهم فى تطوير تجربته.

■ فى عصر «الذكاء الصناعى» و«السوشيال ميديا»، أصبح من السهل جدًا أن يحقق أشخاص موهبتهم محدودة شهرة واسعة.. كيف ترى تأثير هذا على جودة الأدب والقراءة الجادة؟

- بالتأكيد هذا ما يحدث حاليًا، لكنها نوعية مختلفة من الشهرة، أليس كذلك؟ فمن خلال تجربتى، أرى أن عدد القرّاء الجادين لم يتغيّر كثيرًا عمّا كان عليه دائمًا، وهم جمهور لا يسهل خداعه. أرجو أن يكون هذا صحيحًا، ويظل القارئ الجاد حاضرًا، قادرًا على التمييز بين العمل الصادق والعمل المتعجل، ويقدّر النصوص المكتوبة بعناية وشغف، بدلًا من الانجرار وراء الشهرة أو الضجيج العابر.

هذه الوسائل أثّرت بالفعل فى طريقة قراءة الناس، وهو ما لمسته بنفسى. فحين أطيل استخدام الهاتف يتبدّل تفاعلى مع النصوص المكتوبة، فيغدو أكثر سطحية، وتفقد أحاسيسى تجاهها قدرًا من عمقها وحيويتها، وكأنّ المعانى لا تستقر فى ذهنى كما ينبغى. لذا، يظل الأمر خيارًا واعيًا يتعيّن علينا اتخاذه، تمامًا كما نحرص على انتقاء ما يغذّى أجسادنا، أو على صحبة أشخاص يدعموننا ويدفعوننا إلى التطور، لنحيا قدرًا أكبر من الاتزان والوعى.

■ هل ترى أن هناك خطرًا من أن تصبح الكتابة الأدبية مجرد منتج رقمى للاستمتاع السريع بدلًا من تجربة تأملية عميقة؟

- فى الواقع، هذا يحدث بالفعل، ومع ذلك يظل الخيار فى أيدينا. فـ«التجربة العميقة والتأملية»، وهو وصف دقيق وجميل للقراءة، تمثل نعمة حقيقية فى حياة الإنسان، إذ تجعلها أغنى وأفضل، وتمنحنا القدرة على أن نكون أكثر وعيًا ورُقيًا فى تفكيرنا وتفاعلنا مع الآخرين.

ربما يكمن الأمر فى أن نكون واضحين وصريحين حول هذا، وأن نؤكد باستمرار على الحقيقة البسيطة، وهى قراءة الأدب الجيد ليست مجرد متعة عابرة، بل بوابة لتجربة إنسانية حقيقية تشمل التعاطف والفضول، وتعلّم فنّ الحكم المتأنّى الذى يعزز الثقة والسعادة، ويجعل ثقافاتنا أكثر لطفًا وإنسانية وقربًا من الناس. أعلم أن هذا قد يبدو إدعاءً جريئًا، لكننى أؤمن به تمامًا.

ما المعايير التى يمكن من خلالها الحكم على إنتاج أدبى بأنه جيد أو ناجح؟ الأسلوب أم الرسالة أم التأثير؟

- هنا تكمن المتعة الحقيقية فى القراءة. فمع كل عمل جديد نقرأه تُتاح لنا فرصة لاستكشاف هذا السؤال بأنفسنا. فنحن نتساءل دائمًا: هل هذا العمل مشوّق بالنسبة لى؟ هل هذا الكتاب جذّاب؟ وإذا كان كذلك، فما السبب؟ وهكذا تتحوّل القراءة من مجرد متابعة للأحداث إلى رحلة استكشافية نكتشف من خلالها ما نعتزّ به ونقدّره شخصيًا.

أما بالنسبة لى، فأنا أقيّم أى عمل أدبى وفقًا لقدرته على مخاطبتى مباشرة، حتى فى أصعب اللحظات وأكثرها تعقيدًا. وكذلك حسب الشعور بالسخاء والنية الصادقة التى يقدّمها الكاتب، هل يكتب ليخاطبنى كند وصديق؟ هل أشعر فى أثناء القراءة بأنه يقدّر وجودى ويعامِلنى بصدق واهتمام؟ أرى أن هذا الوعى والعناية هما ما يميّزان النصوص الجيدة عن غيرها، ويحوّلان تجربة القراءة إلى تجربة حيّة وغنية ومليئة بالمعنى.