الشبكات الملعونة.. صاحب أول كتاب عن «قضية إبستين»: الأسماء العربية الواردة فى الملفات لم تتورط فى أى فضيحة
- ظهور أسماء فى سياق علاقات اجتماعية أو رحلات لا يعنى تورطها
- الإغراء بالمكانة والتمويل والحماية وسيلة التجنيد
- انكشاف الشخصيات النافذة فى الشبكة حدث بسبب الانقسام السياسى
- نفوذ الشبكة جعلها تتوغل داخل فضاءات المال والأكاديميا والسياسة دون مساءلة
خلال الأيام القليلة الماضية، تصدرت قضية جيفرى إبستين المشهد العالمى، لتصبح الحدث الأكبر والأكثر متابعة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى.
ورغم أن الملفات القضائية والتحقيقات الاستقصائية لم تُكشف على نطاق واسع إلا مؤخرًا، فإن جذور الفضيحة تعود إلى عمل مضنٍ بدأ منذ عام 2018، قادته الصحفية الأمريكية جولى براون، الذى كشف سلسلة من الفضائح والشبكات الخفية التى تحيط بالقضية.
وبينما فضّل العديد من الكُتَّاب الانتظار حتى تهدأ العاصفة أو يُحكم قضائيًا فى القضية، جاء الكاتب العراقى صادق الطائى ليكسر هذه القاعدة، ويصدر كتابه الجديد «جيفرى إبستين: الملفات المعلنة والشبكات الخفية».
عن قراءته التحليلية المتعمقة لما وراء الضجة الإعلامية، والبنية التى سمحت باستمرار الشبكات العابرة للحدود فى تلك القضية، أجرت «حرف» مع صادق الطائى الحوار التالى:

■ صدر مؤخرًا كتابك «جفرى إبستين: الملفات المعلنة والشبكات الخفية».. أليس الوقت مبكرًا على إصدار هذا الكتاب خاصة أن القضية بمشتملاتها لا تزال قيد التحقيق؟
- لا أرى أن الوقت مبكر، بل ربما هو التوقيت الأنسب. القضايا التى تُترك حتى تُغلق قضائيًا تفقد جزءًا من معناها البنيوى، لأن المحاكمة تحاكم الأفعال، بينما الكتابة التحليلية تحاكم البنية. كتابى لا ينتظر «الحكم النهائى» بل يقرأ ما هو متاح: الوثائق القضائية، التحقيقات الاستقصائية، الإفادات الرسمية، والسياق المؤسسى الذى سمح للقضية أن تستمر سنوات دون مساءلة كاملة. ما زال الملف مفتوحًا قانونيًا، لكن معالمه البنيوية باتت واضحة بما يكفى لتحليلها.

■ ما المختلف الذى يتناوله كتابك لم نره فى الوثائق أو لم تنشره بعد التحقيقات الصحفية؟ أو ما الذى تكشفه فى كتابك لم يتناوله الإعلام بعد؟
- الإعلام ركّز بدرجة كبيرة على الجرائم بوصفها فضيحة أخلاقية، وهى فى جزء مهم منها كذلك، لكن التركيز كان على جيفرى إبستين، المجرم المدان بحكم قضائى، بوصفه بطل القصة. أنا حاولت نقل زاوية النظر من الفرد إلى الشبكة، ومن الحدث إلى البنية التى سهلت قيام هذه الشبكة المهولة القائمة على السطوة والنفوذ العابر للحدود الدولية. لا أزعم أنى كشفت وثائق سرية جديدة، بل يمكننى القول إنى قدّمت قراءة تركيبية لما هو منشور أصلًا من الوثائق بناءً على: كيف تتقاطع دوائر المال والأكاديميا والسياسة والقانون، وكيف يعمل الصمت كآلية تشغيل، وكيف تتحول الخصوصية إلى حصانة غير مكتوبة. أى أن المختلف فيما قدمته هو المنهج، لا الإثارة.
■ تريد أن تقول إن كتابك لا يناقش فقط قضية جيفرى إبستين، بل يطرح سؤالًا أوسع عن كيف تُصنع الحقيقة وتُدار فى القضايا الكبرى؟
- بالتأكيد.
القضية مثال كلاسيكى على أن «الحقيقة» فى القضايا الكبرى لا تظهر دفعة واحدة، بل تُدار عبر تسريبات انتقائية، تسويات قانونية، وأولويات إعلامية.
ما يصل إلى الجمهور ليس دائمًا كامل الصورة، بل الجزء الذى سُمح له بالمرور.
■ هنا يصبح السؤال أوسع من قضية إبستين: من يحدد ما يُنشر؟ وما الذى يبقى فى الظل؟ وكيف يتشكل الإدراك العام عبر التكرار لا عبر الاكتمال؟
- كيف تعاملت مع لحظات الشك المنهجى: حين تكون المعلومة موثقة، لكن دلالتها ملتبسة؟
كنت أحاول أن أفرّق بين «المعلومة ودلالتها» الوثيقة قد تكون صحيحة، لكن تفسيرها قد يكون متعجلًا. لذلك اعتمدت قاعدة بسيطة: لا أستنتج ما لم يُثبت، ولا أحمّل العلاقة أكثر مما تحتمل. فى القضايا ذات الطابع الشبكى، الخطر الحقيقى فى القضايا الكبرى ليس ما نعرفه، بل ما نعتقد أننا عرفناه بالكامل.

■ هل وضعتَ لنفسك خطوطًا حمراء أخلاقية لما لا يجوز استنتاجه حتى لو كان مرجحًا؟
- نعم. أهم خط أحمر هو عدم تحويل الاشتباه إلى اتهام. كثير من الأسماء ظهرت فى سياق علاقات اجتماعية أو رحلات، لكن الظهور لا يعنى التورط الجنائى. التمييز بين العلاقة الاجتماعية والجريمة ضرورة أخلاقية ومنهجية، وإلا تحولت الكتابة إلى محاكمة بلا قاضٍ.

■ هل العدالة، كما تُمارَس اليوم، عاجزة بطبيعتها عن التعامل مع هذا النوع من القضايا؟
- العدالة ليست عاجزة، لكنها مصممة للتعامل مع الأفراد لا مع الشبكات. وهذا فرق جوهرى. لذلك قد تكون ذات إجراءات بطيئة أمام الشبكات العابرة الجنسية، ومتعددة الاختصاصات القضائية. النظام القضائى مصمم للتعامل مع أفعال محددة وأشخاص محددين، بينما الشبكات تعمل عبر مناطق رمادية لا تُختزل بسهولة فى لائحة اتهام واحدة.

■ ما الذى يجعل بعض الأشخاص قابلين لأن يكونوا أدوات داخل شبكات النفوذ؟
- يجب أن ننتبه إلى أن المسألة ليست دائمًا فسادًا مباشرًا. أحيانًا قد يكون الطموح هو الدافع، أو الرغبة فى الوصول الى مستويات اجتماعية واقتصادية أعلى، أو الإحساس بالانتماء إلى دائرة نفوذ أكبر. شبكات النفوذ لا تجند أفرادًا عبر الأوامر، بل عبر الإغراء: مكانة، فرصة، تمويل، أو حماية. وهنا يصبح الانخراط تدريجيًا لا فجائيًا.

■ هل ترى أن سياسة «التسريب الانتقائى» كانت وسيلة لإفراغ القضية من مضمونها السياسى، مع الإبقاء على شكلها الفضائحى؟
- التسريب الانتقائى آلية معروفة فى إدارة الأزمات. حين يُنشر جزء من الملف ويُحجب جزء آخر، يتشكل وعى عام موجّه. التركيز على البعد الفضائحى قد يخدم وظيفة مزدوجة: إشباع الفضول العام، وفى الوقت نفسه تقليل الاهتمام بالبنية المؤسسية الأوسع والأخطر سياسيًا.

■ برأيك، لماذا الآن بالذات ظهرت هذه القضية للعلن بهذه الضجة؟ هل الصمت فى هذه القضية كان نتيجة خوف، أم جزءًا من نظام تبادل مصالح؟
- اللحظة لم تكن معزولة. تراكمت عناصر عدة: صحافة استقصائية مثابرة، تغيّر فى المزاج العام تجاه قضايا الاعتداء الجنسى، وانقسام سياسى جعل حماية الشخصيات النافذة فى شبكة إبستين أقل تماسكًا. الصمت لم يكن مجرد خوف فردى، بل جزءًا من توازن مصالح. حين اختلّ التوازن، انفتح الباب وظهرت القضية للعلن.
■ إلى أى حد لعب الإعلام الغربى دورًا فى إدارة القضية بدل كشفها، من خلال التركيز على إبستين كشخص وإخفاء الشبكة الأوسع؟
- هذا سؤال مهم جدًا. جزء من الإعلام قام بدور حاسم فى الكشف، فالتحقيق الاستقصائى الذى كتبته جولى براون فى صحيفة ميامى هيرالد هو الذى جر القضية التى كانت على وشك أن تدفن ثانية إلى دائرة الضوء وقاد إلى اعتقال إبستين. لكن هنالك بالتأكيد جزء آخر من الإعلام الأمريكى أسهم فى اختزال القصة فى شخصية واحدة. اختزال الشبكة فى شخص واحد يخدم راحة النظام أكثر مما يخدم الحقيقة بالتأكيد. إن التركيز المفرط على إبستين كشخص قد يُغفل سؤال: كيف عملت الشبكة طوال أكثر من عقدين من الزمن؟ الإعلام يعمل بمنطق الوجه الواحد، بينما النفوذ يعمل بمنطق البنية، فالإعلام بطبيعته يبحث عن وجه واضح للقصة لكى يسوقها بتشويق، بينما شبكات النفوذ والسطوة تعمل بأوجه متعددة.
■ هل يمكن القول إن ما كُشف فى قضية إبستين لم يكن ما هدد النظام، وأن ما هدد النظام بالفعل هو ما لم يُكشف؟
- ربما أخطر ما فى القضايا الكبرى ليس ما يُكشف، بل ما يُعاد ترتيبه داخل فضاء شبكات النفوذ بهدوء. شبكات الفساد العابرة للحدود لا تُهزم بفضيحة، بل تعيد توزيع نفسها، وتتكيّف مع الواقع الجديد. ليبقى السؤال الأهم هو ليس «من تورّط؟» بل «ما الذى تغيّر فعليًا بعد الانكشاف؟».
■ بملفات إبستين ظهرت أسماء عربية ضمن شبكة العلاقات، لكن لم يُفتح ملفها إعلاميًا أو قضائيًا بشكل واضح، هل ترى أن هذا الصمت كان مقصودًا لحماية مصالح سياسية واقتصادية؟
يجب التفريق بين الظهور فى سجلات شملت مؤتمرات علمية وفعاليات اجتماعية رعتها شبكة إبستين، وبين التورط فى الجرائم الجنسية التى ارتكبها إبستين ومساعدوه. الظهور فى سجل طيران أو فى مناسبة اجتماعية لا يرقى قانونيًا إلى مستوى التورط الجنائى. وإن الخلط بين الاثنين هو ما يصنع شعبوية إعلامية لا معرفة. بعض الأسماء العربية وردت فى سياق علاقات أو مناسبات، لكن لم تظهر أدلة قضائية علنية حتى الان تُثبت تورطًا جنائيًا مباشرًا. إن الصمت قد يكون نتيجة نقص أدلة، وقد يكون نتيجة حسابات سياسية، لكن دون وثائق قاطعة لا يجوز تحويل الاحتمال إلى اتهام.
■ كيف تصف دور المؤسسات الرسمية العربية تجاه هذه القضية؟ هل تعاملت معها بجدية، أم أنها أغلقت الأبواب حماية للشخصيات النافذة؟
لم يظهر تعامل مؤسسى عربى علنى واسع مع الملف، ربما لأن القضية اعتُبرت ذات طابع أمريكى داخلى. وفى غياب طلبات قضائية رسمية أو أدلة مباشرة، تميل المؤسسات إلى تجنّب الدخول فى ملفات ذات أبعاد دولية حساسة مثل قضية ملفات إبستين.
■ هل يمكن القول إن بعض الشخصيات العربية كانت أداة حماية للشبكات الغربية، بحيث تغطى على وقائع أو أسماء أخرى أكثر حساسية؟
- هذا استنتاج يحتاج إلى أدلة صريحة لم تظهر فى الوثائق المنشورة حتى الآن. ما يمكن قوله هو أن شبكات النفوذ والتحكم والسيطرة الدولية بطبيعتها عابرة للجنسيات، وأن العلاقات الاقتصادية والسياسية قد تخلق مساحات صمت متبادلة، لكن لا يجوز القفز من العلاقة إلى الاتهام بدون أدلة قاطعة.
■ ما الذى يجب أن يعرفه القارئ العربى عن دور هذه الشخصيات فى الشبكة دون أن يتحول السؤال إلى اتهام بلا دليل؟
- القضية ليست قصة فرد منحرف ارتكب أفعالًا جنسية إجرامية فقط، كما تحاول قنوات ومنصات إعلامية فى عالمنا العربى الترويج له، بل القضية مسألة نموذج عن كيفية تشكّل النفوذ المعولم. وأن التفريق بين الحقيقة المثبتة والتكهن ضرورة أخلاقية. وأن فهم شبكات النفوذ والسطوة الدولية أهم من مطاردة الأسماء. ما نحتاجه هو وعى نقدى يقرأ الوثيقة، ويدرك حدودها فى الوقت نفسه.
■ هل تكشف قضية إبستين أن السلطة الحديثة لم تعد تمارس سيطرتها عبر القمع المباشر، بل عبر إدارة المعرفة نفسها: ما يُقال، وما يُؤجل، وما يُنسى؟ وهل يمكن اعتبار «النسيان المُدار» جزءًا من آليات الحكم؟
- قضية إبستين تكشف بوضوح أن السلطة الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى القمع الصريح كى تحمى نفسها. يكفى أن تُدار المعرفة بطريقة انتقائية: ما يُنشر أولًا، ما يُؤطَّر كفضيحة شخصية، وما يُؤجَّل حتى يفقد أثره السياسى.
فى هذه الحالة، لا يُمنع الكلام، بل يُعاد توجيهه. حين تُختزل قضية معقدة فى شخصية واحدة، ويُفصل البعد الجنائى عن البنية المؤسسية التى سمحت به، نكون أمام إدارة للسرد لا أمام كشف كامل للحقيقة.
«النسيان المُدار» ليس مؤامرة، بل آلية عمل: تُغرق القضية فى تفاصيل مثيرة، ثم تُترك لتبرد، بينما تُعاد ترتيب المصالح فى الخلفية. بهذا المعنى، إدارة الذاكرة العامة أصبحت أداة حكم لا تقل أهمية عن القانون نفسه.
■ لو لم تُكتب هذه القضية، ولم تُقرأ، ولم تُناقَش، ما الذى كان سيحدث؟ وهل الخطر الحقيقى فى قضايا مثل إبستين هو ما نعرفه عنها؟ أم ما تعلّم النظام كيف يخفيه لاحقًا؟
- لو لم تُفتح القضية مجددًا، لكان النموذج نفسه استمر: تداخل المال الخاص مع القرار العام، وامتياز الحماية غير المعلنة لمن يتحركون داخل دوائر النفوذ. الأشخاص قابلون للاستبدال، لكن البنية التى تنتجهم قابلة للاستمرار. الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فيما انكشف، بل فى قدرة المنظومة على امتصاص الصدمة. الأنظمة السياسية والاقتصادية الكبرى لا تسقط بفضيحة، بل تعيد توزيع المخاطر. بعد كل انكشاف، تتعلم كيف تقلل الأثر، وكيف تفصل بين المركز والأطراف، وكيف تجعل أى أزمة تبدو حالة فردية لا نمطًا متكررًا. لذلك قد يكون أخطر ما فى القضية ليس ما عرفناه، بل ما أصبح يُدار بذكاء أكبر بعد ذلك.
■ برأيك ما القضية الأخطر من بين ملفات قضية إبستين؟
- الأخطر ليس التفصيل الجنائى بحد ذاته، على فداحته الأخلاقية والقانونية، بل قدرة شبكة نفوذ معقدة على العمل لسنوات داخل فضاءات المال والأكاديميا والسياسة دون مساءلة كافية. القضية الأخطر هى قابلية النظام لاستيعاب التناقضات دون أن ينهار، وقدرته على الفصل بين السلوك الخاص والشرعية العامة لفترة طويلة.
القضية الأعمق هى هشاشة المساءلة حين يتعلق الأمر بالنخب العابرة للحدود. عندما تصبح العلاقات الشخصية، والتمويل الخاص، والشرعية الرمزية متداخلة، تتعطل آليات الرقابة التقليدية. هنا لا نتحدث عن فساد فردى فقط، بل عن خلل فى توازن القوة بين المجتمع والنخبة.
وفى هذا السياق، السؤال السياسى الحقيقى ليس: من كان يعرف ماذا؟ بل: لماذا ظلّ النظام قادرًا على الاستمرار رغم أن مؤشرات الخلل كانت موجودة لسنوات؟ هذا هو جوهر المسألة.







