أنا قلبى دليلى.. إليف شافاق: لا يوجد يومان متشابهان فى حياتى
- إن لم تفهم ما تشعر به الشجرة فلن تنجح روايتك
- الكتابة ترافقنى ليلًا ونهارًا وتتسلل إلى أحلامى
- إن لم أكتب نهارًا أكتب ليلًا وإن لم أكتب ليلًا أحاول فى الصباح التالى
فى الحلقة الأخيرة من برنامج «How I Write»، استضاف الكاتب والمذيع الأمريكى، ديفيد بيريل، الروائية التركية الشهيرة، إليف شافاق، للحديث عن الطرق الأمثل للكتابة، من المسودة حتى الوصول إلى رواية مثالية.
وكشفت «شافاق»، فى الحوار الذى تترجمه «حرف» خلال السطور التالية، عن فلسفتها الخاصة فى الكتابة، وكيف تنظر إلى الإبداع الحقيقى، وكونه يبدأ من الالتفات إلى التفاصيل اليومية العادية التى نكفّ عن رؤيتها، ثم منحها حياة ودهشة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.
وإلى جانب الحديث عن فلسفتها الخاصة فى الكتابة، تتوقف صاحبة الـ120 رواية عن تجربتها الطويلة فى الكتابة بصفة عامة، وسر «الواقعية السحرية» التى تتميز بها، وغيرها من التفاصيل الأخرى.

■ بداية.. ما سر ما يُسمى بـ«الواقعية السحرية» فى أدبك؟
- أنا متحفظة قليلًا على مفهوم« الواقعية السحرية»، لأننى عندما أفكر فى الحياة، أو فى مدينة مثل إسطنبول، لا أرى الأشياء مقسمة إلى سحر وواقع، أو ضحك وحزن. فإسطنبول بالنسبة لى تمزج كل شىء باستمرار وبعفوية تامة، فهى مدينة مليئة بالتناقضات، وفى كل لحظة يمكن أن تتداخل فيها مشاعر متناقضة. قد تصادف لحظة شديدة الحزن لكن تحتها طبقة من العبث، أو لحظة مضحكة جدًا لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من الأسى. لذا، لا أفصل الأمور فى ذهنى إلى تصنيفات، ولا أعتقد أن الحياة تُقاس بتلك الانقسامات. أرى أن السحر موجود فى كل لحظة وكل نفس، وحتى فى أبسط المشاهد من حولنا.
■ كيف يمكن للكاتب أن يعيد إدخال السحر والدهشة فى كتاباته دون أن تتحول إلى مبتذلة أو مصطنعة؟
- أعتقد أن على الكُتّاب اتباع حدسهم وقلوبهم، وعدم السماح لآراء الآخرين أو ردود فعلهم أن تتحكم فى كتاباتهم. بوصفـى كاتبة تركية، واجهت كثيرًا من العبث والملاحقة. ولولا أننى ظللت ملتزمة بالعالم المتخيَّل الذى أبنيه، لما استطعت الكتابة أبدًا. بالنسبة لى، الشخصيات تصبح أصدقائى، والعالم المُتخيَّل يتحوّل إلى واقع داخلى، ولا يصير كتاب إلا عند تسليمه للمحرر. بعدها أبدأ بالقلق من التفكير فى ردود الناس، لكن الكتاب حينها يكون قد وُلد، حرًا ومتجاوزًا القلق. خلاصة ما أريد قوله هى أن الصفات والتصنيفات تأتى لاحقًا. أما أثناء الكتابة، فعليك الحفاظ على نقاء الكتابة واستقلالها وحريتها قدر الإمكان.

■ فى الشهر الرابع أو الخامس من كتابة الرواية، حين تصبح الشخصيات أصدقاءك ويكتمل عالمك المتخيَّل.. كيف يمر يومك وماذا تشعرين وتفكرين؟
- لا يوجد يومان متشابهان تمامًا فى حياتى ككاتبة. لا ألتزم بجداول صارمة، فالكتابة ترافقنى ليلًا ونهارًا وتتسلل إلى أحلامى. أقرأ وأدوّن ملاحظات يوميًا، حتى لو لم تُدرج كلها فى الكتاب أو النسخة النهائية، مع الكثير من الحذف والمحو لاحقًا. الأهم بالنسبة لى هو الاستمرارية فى القراءة والبحث والتعلّم والكتابة. رغم المسئوليات المتعددة، أحرص على إيجاد مساحتى للكتابة: إن لم أكتب نهارًا، أكتب ليلًا، وإن لم أكتب ليلًا، أحاول فى الصباح التالى. الشغف بالكتابة حاضر دائمًا، وهو ما يجعل العملية مستمرة حتى فى أيام الانشغال.
■ هل تكتبين بشكل مختلف فى النهار مقارنة بالليل؟
- نعم. أنا أحب الليل. رغم أن التقدم فى العمر يصبح معه العمل لساعات طويلة ليلًا أكثر صعوبة. لكننى طالما أحببت العمل ليلًا، أشعر بأن الليل يمنحنى مساحة أكبر للإصغاء إلى الأصوات المنبعثة من الصفحة، رغم أننى لا أحب الصمت التام. لا أستطيع العمل فى هدوء كامل، وأشعر بعدم ارتياح حين يسود السكون. ربما تأثرت بإسطنبول، إذ عشت فى حى صاخب وكان الليل فيه أكثر ضجيجًا من النهار. لذلك أضع سماعات الرأس، وأستمع عادةً إلى موسيقى الـ«هيفى ميتال». أنا من عشاق هذه الموسيقى. مع مرور السنوات، أصبحت أميل إلى أنماط فرعية من الـ«هيفى ميتال».

■ ما الفرق بين الكتابة من القلب والكتابة من العقل عند خلق الشخصيات؟
- أتحفظ على استخدام مصطلحات العقل والقلب والحدس بشكل صارم. فكلها مرتبطة ببعضها ولا يمكن فصلها. لكن إذا أردتُ توضيحًا، أرى أن العقل الواعى أكثر قيودًا، واعٍ بالهوية والسياسات، وقلق بشأن التصنيفات. بينما القلب، وقدرتنا على التعاطف مع الآخرين، أوسع وأعمق بكثير. لذلك أختار أن يكون قلبى دليلى فى الكتابة.
أما عن أسلوب كتابة الرواية، فهناك طريقتان: الأولى تجعل الكاتب أشبه بالمهندس، يخطط لكل شىء، يتحكم بالشخصيات والحبكة، ويعتمد على العقل والتحليل. أنا أحترم هذه الطريقة، لكنها ليست طريقتى. أفضّل الطريقة الثانية، التى أكتب فيها بالحدس، أترك الشخصيات تتحرك بحرية، أسمح لأحداث غير متوقعة بالظهور، وأغوص داخل النص. ولكى أشعر بالثقة لأغامر هكذا، أعتمد على الكثير من القراءة، والبحث والملاحظة والاستماع، وأستمر فى التعلّم طوال حياتى.
■ ماذا تعنين بـ«الاستماع»؟
- الاستماع من أهم الأشياء. أرى أن الكُتّاب يجب أن يكونوا قُرَاءً ومستمعين جيدين طوال حياتهم. أقصد بالقراءة الجيدة التنوع، ليس فقط الكلاسيكيات مثل دوستويفسكى وتولستوى، بل أى كتاب يلهمنى فى لحظة معينة، دون الانشغال بتسميات الأدب الراقى أو الشعبى.
الروايات المصوّرة وكتب الطبخ والفلسفة السياسية وعلم الأعصاب وحتى المحادثات، تُغنى العقل. ويجب أن نكون دائمًا رحّالًا فكريًا، نخرج من مناطق الراحة لنغذّى الفضول، مع الاستماع لكل ما ينقل شفهيًا: القصص الشعبية والأغانى والأساطير. هذه المعرفة لا تقل أهمية عن الثقافة المكتوبة.

■ ما الذى يجعل الشخصية مقنعة وحقيقية فى الرواية؟
- أؤمن بأن الاتصال بالشخصيات جوهرى فى الكتابة. لا أحب الأبطال المثاليين، أهتم أكثر باللحظات التى يظهر فيها الخجول شجاعًا، أو يشعر الشجاع بالخوف. هذه التحولات الداخلية وما هو غير مرئى وغير مسموع يلفت انتباهى دائمًا.
■ هل تخططين أحيانًا لتغيير شخصياتك.. أم تتركين الخيال يقود هذا التغيير؟
- لا يهم إن كان هذا كتابى الأول أو الخامس أو العاشر. دائمًا أمر بوادى القلق وجبال الاكتئاب. الشك والريبة جزء من رحلتى ككاتبة. فى بعض الأسابيع أشعر بالقدرة على الاستمرار، وفى أسابيع أخرى أرى كل ما كتبته سيئًا وأتخلص منه. رغم أهمية التخطيط والحبكة، أتعلم أن أثق بحدسى وأدرك أن الكتابة ليست عقلانية بالكامل.
■ كيف تأتين بهذه الأفكار الخيالية التى تعمل على توسيع خيال القارئ؟
- هذا بالأساس هو جوهر فن السرد. فن يأخذنا خارج المعقول والمعروف الذى وُلدنا فيه. ويعلّمنا أن ننظر إلى ما وراء حدود هويتنا وزماننا ومكاننا. أنا أكن احترامًا كبيرًا لكتب السيرة، وأرى أن الكتابة عما نعرفه بداية طبيعية. لكن بالنسبة لى الأدب لا يُختزل فى السيرة الذاتية ففيها جانب متعالٍ. لا بد وأن تحكى أحيانًا عن نفسك، وأحيانًا عن الآخر، لتتجاوز رحلتك التقليدية وتكتشف أن الآخر هو نحن. لا بد وأن نكون الآخر حتى نستطيع الكتابة عنه. ليس الشخصيات البشرية فقط لكن الأشجار مثلًا. فإن لم تفهم ما تشعر به الشجرة فى الرواية مثلًا فلن ينجح الكتاب.

■ هل يمنح الأدب القارئ مساحة للتعددية والمعانى؟
- الكتابة ليست مجرد وسيلة لنقل فكرة، بل تمنح شعورًا بالراحة والدفء. الأدب، مثل الشعر، يتيح تعدد المعانى والنغمات، ما يجعل النصوص أكثر جمالًا ومرونة. لدينا ككتّاب آراؤنا وقيمنا، لكن الكتابة ليست محاضرة أو موعظة. يجب أن نترك الإجابات للقارئ، الذى يقرر نظرته الخاصة ويشارك فى صناعة المعنى. اختلاف القراء يضيف ثراءً للنص ويمنحه حرية وتعددية.
■ كيف يطوّر التحرير النص بعد الانتهاء من الكتابة؟
- أنا أحرر النص أثناء الكتابة. والعمل مع محرر يفهمنى نعمة كبيرة. الكتابة تجربة دقيقة تجمع بين الإبداع والوعى. لكنها الوحدة والتعقيد، مليئة بالتحديات والاكتشافات. نرى غالبًا اسم المؤلف فقط، لكن خلف العمل فريق كبير من المصممين ومحررى النسخ والمترجمين الذين يجعلون النص دقيقًا ويصل إلى قراء لغات أخرى، وأنا ممتنة لهم جميعًا. رغم ذلك، الكتابة فعل وحيد. أحرر وأعيد التفكير كثيرًا، وأتنقل بين الزمن والأفكار بشكل دائرى وليس خطى.

■ بجانب الكتابة.. أى من أشكال الفن تفضلين؟
- الموسيقى والرقص وأحب السينما. ويدهشنى كيف يمكن لمنحوتة أن تحول الرخام إلى ما يشبه السائل، تعكس الطبيعة السائلة لحركة الإنسان. أحب الفنون عمومًا. الفن يعيدنا إلى الطفولة. كأطفال لم نكن نخشى أن نسمّى أنفسنا فنانين أو شعراء. عندما ألتقى الأطفال الصغار، أرى قدرة طبيعية مذهلة على الإبداع. يرفع الجميع أيديهم عند السؤال عن الكتابة أو الفن أو الشعر. لكن مع المراهقين، يختفى ذلك الإبداع تدريجيًا بسبب الخوف من الحكم والتصنيف والقيود الاجتماعية، خاصة الفتيات. لذلك أؤمن بأهمية تشجيع بعضنا للحفاظ على الخيال والإبداع الطبيعى الذى كنا نملكه جميعًا كأطفال.
■ هل يمكن للشعر أن يوسّع خيالنا ويجعلنا نرى الكون فى أبسط الأشياء اليومية.. كما يفعل الأطفال؟
- أرى أن الأشياء الصغيرة فى حياتنا، مثل حبة الرمل أو قطرة الماء، تحمل الكثير عن الكون لأنها مترابطة، ولا ينبغى أن نأخذها كأمر مسلم به. هذا يهمنى عند التعامل مع الطبيعة، لأننا لسنا فوقها ولا خارجها، وغالبًا نصبح متغطرسين ومستهلكين لها.
أثناء كتابتى «هناك أنهار فى السماء» أجريت أبحاثًا عن أقلية اليزيديين وتحدثت مع الكثير من الجدات اللواتى شاركنى قصصهن. لاحظت فى أبريل، إذا ركض الأطفال وقفزوا، تحذرهم الجدات بلطف لأنهن يعتقدن أن الأرض حامل ويجب المشى برفق عليها. لعقلى المعاصر قد تبدو خرافة، لكن الأرض حقًا حامل، والأزهار تتفتح والثمار تنضج. فكرة المشى برفق تأتى من ثقافة لم تنفصل عن الطبيعة، وهى حكمة نحتاج تقديرها بدل أن ننسى وراء هوسنا بالجديد والحديث.

■ ما الذى يمكن للغة التركية التعبير عنه بطريقة لا تستطيعها الإنجليزية؟
- كل لغة لها قوتها. أنا أحب اللغة الإنجليزية وأعشق مفرداتها، وهى تمثل تحديًا كبيرًا بالنسبة لى. بعض الروائيين يركزون على الحبكة أو الشخصيات، أما أنا فاللغة نفسها شغفى الأكبر. لذلك كتبت أولى رواياتى بالتركية، ثم قبل أكثر من عشرين عامًا بدأت الكتابة بالإنجليزية.
كان التخلى عن لغتى الأم صعبًا، لكنه منحنى حرية ومسافة إدراكية لرؤية العالم من زاوية مختلفة. ارتباطى بالتركية عاطفى وعميق، ولها قوة فى التعبير عن الحزن والكآبة، أما الإنجليزية فهى أكثر عقلانية، وأجد فيها سهولة للتعبير عن الفكاهة والسخرية.
■ ما المناخ الذى تحتاجه الثقافة لتؤتى ثمارها؟
- الحرية. أعلم أن حرية الكتابة والقراءة والوصول إلى الكتب ليست مضمونة، لقد فقدتها فى وطنى. هناك، يمكن أن تُقاضى على جملة واحدة تتعلق بالتاريخ أو الجنس أو الهوية أو السياسة، وقد تُسجن بسبب خيالك. عشت هذه التجارب، لذلك لا أخذ حرية الكتابة أو القراءة كأمر مسلم به.

■ كيف ألهمك والتر بنجامين؟
- أنا أحب بنجامين، فقد شكّلنى منذ قراءتى له فى سن مبكرة. أعجبنى عقله وتنوع اهتماماته بين الثقافة والتاريخ والفلسفة والفنون البصرية. علّمنى مشروعه عن «الأرْكَادِس» كيف أقرأ المدينة: ليس فقط آثارها وشوارعها، بل الخراب وما فُقد وما غاب ولكنه لا يزال حاضرًا من خلال غيابه.
هذا أسلوبه فى قراءة العالم الحضرى، وقد ساعدنى على فهم إسطنبول بطبقاتها المتعددة من الثقافات والتاريخ والنسيان. علّمنى أيضًا أن أطرح أسئلة عن الناس العاديين وأصوات الأقليات التى غابت فى السرد التاريخى، مثل النساء والبغايا والجوارى والصانع الأرمنى والفلاح العربى والمزارع الكردى والطحان اليهودى أو البحار اليونانى، وأن ألتفت ليس فقط لما كُتب، بل لما نُسى.
■ ماذا تمثل لكِ أشعار جلال الدين الرومى.. وأيضًا فرجينيا وولف؟
- أحب شعر جلال الدين الرومى. من المدهش أن شعره خالد بعد أكثر من ٨٠٠ عام، ويتجاوز القرون. أحيانًا أمزح بأننا فى تركيا نحب اعتقاد أنه لنا لأنه عاش فى الأناضول. لكن الأفغان والفرس واليونانيون كلٌّ يدّعون أنه لهم. ما يهمنى أن الرومى لا ينتمى لأحد بل للجميع فهو عالمى. كما هو حال العديد من المتصوفين الآخرين الذين عاشوا فى أماكن مختلفة وقدموا رسائل مشابهة رغم بعدهم عن بعضهم. أنا أحب فرجينيا وولف حبًا كبيرًا، وقد أثرت فى حياتى كثيرًا. أعشق المثقفين الذين يكرسون حياتهم للمعرفة والحكمة، وأتمنى رؤية المزيد من النساء والشباب والمثقفين من خلفيات مختلفة بهذا الدور.
■ هل بالفعل أثرت عليكِ المدن كما أثّر الأشخاص؟
- نعم. بدأ الأمر فى ستراسبورج فى فرنسا. مدينة ميلادى لم أعش بها طويلًا. لكن غيابها شكل علاقتى باللغة الفرنسية. نشأت فى أنقرة بجانب جدتى لأمى فى حى محافظ جدًا، شعرت فيه بالغربة. جدتى لعبت دورًا مهمًا فى حياتى. انتقلت إلى إسطنبول بمفردى، أحببت المدينة رغم صعوبتها للكاتب، ثم انتقلت إلى لندن أحببتها أيضًا. بين ذلك عشت فى مدريد وبوسطن، وأريزونا وميشيجان. الصحراء فى أريزونا علمتنى الكثير ووصلتنى بالطبيعة بطريقة مختلفة. كل هذه المدن شكلتنى بطرق عديدة.







