هيدى هبرا: شجن الأغانى المصرية تسلل إلى قصائدى
- عشت 17 عامًا فى «هليوبوليس» واللهجة المصرية غالبة فى حديثى
- مصر حاضرة بقوة فى أعمالى مثل «شاى فى هليوبوليس» و«طعم الأرض»
- كنت زائرة دائمة للأهرامات وحديقة الحيوانات فى طفولتى
- دور السينما الصيفية التى كنت أزورها اختفى معظمها الآن
من هليوبوليس إلى العالم، تحمل الشاعرة الأمريكية هِيدى هبرا، فى كتاباتها أصداء طفولتها المصرية بكل تفاصيلها: شوارع القاهرة المملوءة بروائح الياسمين والمقاهى القديمة، وأصوات الترام بين أحياء المدينة.
هذه الذكريات امتزجت بتجارب الشاعرة الأمريكية فى لبنان وبلجيكا والولايات المتحدة، ولم تكن مجرد صفحات من الماضى، بل قلب نابض فى أعمالها الشعرية والقصصية.
فى حوارها التالى مع «حرف»، نتتبع كيف شكلت مصر الروح الإبداعية للشاعرة الأمريكية هيدى هبرا، وكيف بقيت ذكريات الطفولة والجذور المصرية مصدر إلهام مستمر لتخلق «مصر أخرى» حية فى نصوصها.

■ كبرتِ بين أصول لبنانية وجذور تمتد فى مصر قبل أن تنتقلى إلى الولايات المتحدة.. هل لكِ أن تحدثينا أكثر عن جذورك المصرية؟
- كنا نقضى عطلات الصيف فى جبال لبنان، وكذلك فى الإسكندرية ورأس البر. لهذا تمتد ذكريات طفولتى عبر البلدين معًا. أتحدث اللهجتين، لكن اللهجة المصرية هى الغالبة. إذ عشت ١٧ عامًا فى حىّ «هليوبوليس».
التحقت بمدرسة فرنسية كنا ندرس فيها العربية والإنجليزية، ثم انتقلت لاحقًا إلى بيروت لدراسة الصيدلة فى جامعة فرنسية. وبعد مغادرتى لبنان مع اندلاع الحرب الأهلية، عشنا فى بلجيكا، قبل أن ننتقل إلى الولايات المتحدة، حيث درست الأدب الإنجليزى والإسبانى.
أتاحت لى هذه التنقلات المتعددة أن أنظر إلى العالم، وإلى نفسى والآخرين بعيون جديدة وأكثر انفتاحًا. لقد تركت نشأتى وشبابى أثرًا لا يُمحى فى داخلى، ولا يزال هذا الإرث متجذرًا فىَّ، متداخلًا مع ما اكتسبته لاحقًا على المستويات اللغوية والثقافية والفنية.

■ كيف تتذكّرين مصر فى سنوات الطفولة؟
- لا تزال ذاكرتى الحسية حيّة ونابضة بعد مرور عقود طويلة، ويظهر كثير منها فى كتاب «Flying Carpets»، حيث تستند عدة قصص إلى أماكن حقيقية. كما تسكن ذكريات مشابهة قصائدى فى «Tea in Heliopolis» و«The Taste of the Earth»، لكنها تبدو أكثر حضورًا فى مخطوط جديد أركز فيه على سنوات شبابى.
كانت الأهرامات وحديقة الحيوان فى القاهرة من الوجهات المعتادة. ولم يكن فندق قصر «هليوبوليس» تحوّل بعد إلى القصر الرئاسى، بل كان مفتوحًا للجمهور. وقد حضرت فيه ذات مرة عيد ميلاد أحد زملائى الأثرياء، مع عرض قدمته الفنانة لبلبة فى بداياتها.
أيضًا نادى «سبورتنج»، والكاتدرائية، و«جروبى»، ومقهى «بالميرا»، إضافة إلى الترام الذى كان يأخذنا فى أرجاء «هليوبوليس» والقاهرة، قبل أن يُزال فى السنوات الأخيرة. ولا تزال دور السينما الصيفية العديدة، التى اختفى معظمها، حيّة فى ذاكرتى، مع الأكشاك التى كانت تبيع ساندويتشات الفول والطعمية، والسميط بالجبن.
أتذكر سياج الياسمين النفّاذ الذى كان يحيط ببيتنا فى شارع «رشدى»، وشجرتى الحنّاء العطرتين على جانبى المدخل، ورائحتهما التى كانت تملأ الأمسيات. كان لطعم الفاكهة نكهة فريدة لا تُضاهى فى أى مكان آخر، مثل المانجو والقشطة والجوافة والعنب البناتى.
كما أستعيد رائحة بتلات الورد التى كانت تُقطّر فى أوانٍ تقليدية لصنع ماء الورد فى حمّام جانبى، وطعم الجبن الأبيض القادم من العزبة، الذى كان يُترك ليصفّى على القش. وطوال تنقلاتنا المتعددة، حرصت دائمًا على طهى الأكلات التقليدية للحفاظ على هذه النكهات حيّة، وعلى رأسها الملوخية.

■ تقولين دائمًا إن طفولتك فى مصر شكّلت جزءًا أساسيًا من وجدانك. كيف أثرت البيئة المصرية المتنوعة فى رؤيتك للعالم؟
- كنت محظوظة بالعيش فى بيئة مميّزة، سواء فى المدرسة أو فى أحيائنا ومناسباتنا الاجتماعية، حيث كان التعايش مع تنوّع واسع من الناس هو القاعدة السائدة فى تلك الأيام. ذلك أغنى وعينا، وأسهم فى تشكيل هوية مُركّبة، وأتاح لنا رؤية أكثر كونية للعالم، بعيدة عن القوالب النمطية.
استمتعت بجميع المهرجانات والاحتفالات والمواسم، سواء الدينية منها أو ذات الجذور الفرعونية، مثل شمّ النسيم. ولا تزال صور تحوّل الشوارع الفورى عالقة فى ذاكرتى، حين كانت تُنصب الخيام الملوّنة فجأة للمآتم أو لمناسبات الاحتفال المختلفة.
■ هل كان للموسيقى المصرية، أم كلثوم وعبدالوهاب والشيخ إمام وعبدالحليم، أثر فى قصائدك أو إيقاع كتابتك؟
- كانت جدّتى تعيش معنا، وكانت تشاهد أفلام الأبيض والأسود من العصر الذهبى، وأحبت جميع نجومها، ومن بينهم ليلى مراد. أما والدتى فكانت مولعة بمسرحيات نجيب الريحانى، وكانت تصطحبنى إلى المسرح لمشاهدة مارى منيب.
فى سن مبكرة جدًا، كانت مربيتى تأخذنى إلى سينما «كشمير» لمشاهدة أفلام شُكوكو وإسماعيل ياسين، التى كانت دائمًا تتخللها الأغانى. وحتى أثناء إقامتنا فى أمريكا واصلنا مشاهدة الأفلام والمسلسلات العربية بالتليفزيون.
من الصعب تقييم تأثير الموسيقى فى كتابتى الخاصة، إذ تتقاطع اللغات والأغانى العديدة التى اكتسبتها مع لغتى الأم. غير أنّ شاعرًا مطّلعًا على مجمل أعمالى وصف شعرى مؤخرًا بأنه نوع من «التعاويذ». ربما يكون الإيقاع اللحنى، والتكرارات المتناغمة واللازمات والنبرة الشجية فى الأغانى المصرية قد تركت أثرها فى أسلوبى الكتابى.

■ حين بدأتِ كتابة «Tea inHeliopolis»، ما الخيط الأول الذى سحبكِ نحو هذا العالم؟
- كنت أريد استرجاع أسعد فترة فى حياتى. وفى الوقت نفسه أعبّر عن فقدان الأصدقاء والأحبّة، وعن شعور الاغتراب المصاحب للتهجير والتنقّل. أعدت تشكيل بعض المشاهد التى دارت فى دفء بيتنا داخل «ميداليات» سردية، أشبه بمعرض من الصور الافتراضية، أستطيع من خلالها أن أستحضر صورة والدى، الذى توفى وأنا فى سن مبكرة جدًا، وجدّتى التى رحلت بعد مغادرتى. لقد انطوت كل هذه التنقلات على خسائر عاطفية ومادية كان لا بد من مواجهتها والتعبير عنها.
■ الحنين حاضر بقوة فى هذا الديوان، كيف تتعاملين مع الحنين كشكل من أشكال الكتابة وليس مجرد استعادة للماضى؟
- أكتب لاستعادة الماضى وجعله حاضرًا، وكذلك لفهم طبقات الهوية التى تراكمت عبر السنين. فالحنين يدور دائمًا بين السعادة والفقد، وإن كنا غالبًا نشتاق إلى ما منحنا المتعة والبهجة. تساعدنا الكتابة على إدراك الشدّ والجذب بين الثقافات المختلفة، وتمكّننا من استكشاف ذواتنا والعالم من حولنا.
لقد كانت لنشأتنا فى بيئة تتقاطع فيها التأثيرات الشرقية والغربية، مع التحدث وسماع لغات متعددة، تجربة فريدة وثرية. غير أنّ التحولات الديموجرافية والتمدّن، والتكنولوجيا، باتت تتغلغل فى حياتنا، مطمسةً فرادة تجارب الطفولة، التى ينبغى توثيقها ومشاركتها بوصفها شهادة على مرور الزمن. قد يكون الحنين شكلًا من أشكال الكتابة، لكنه فى الوقت نفسه حاجة إلى استعادة زمن مضى، نحول فيه ماضينا الشخصى إلى زمن أسطورى.

■ تكتبين ديوانًا متجذرًا بالذاكرة المصرية، لكن باللغة الإنجليزية. كيف تُعاد صياغة مصر بلغة ليست لغة المكان؟ وهل تشعرين بأنّك بذلك تخلقين «مصر أخرى» لغويًا؟
- كان ذلك تحدّيًا اضطررت إلى تجاوزه قبل عقود مع كتابى القصصى «Flying Carpets»، حيث جرى تخييل الأماكن والفضاءات بأسلوب واقعى سحرى. الأمر نفسه فى قصائد «Tea in Heliopolis»، فقد كان من الصعب نقل طريقتنا فى الكلام، التى تمزج يوميًا بين العربية والفرنسية، إلى لغة واحدة فقط. لذلك اخترت أن أُقحم كلمات عربية وفرنسية داخل النص دون ترجمتها، مع توفير السياق اللازم لفهمها، محاكاةً لطريقتنا فى الحديث.
أما فى «The Taste of the Earth»، فقد خطوت خطوة أخرى بطباعة كلمات عربية بالحرف العربى، كما أدرجت جُملًا عربية نقلتها صوتيًا ووضعتها بخط مائل، وكانت فى معظمها أقوالًا وأمثالًا ترددها والدتى، يليها ما يقابلها بالإنجليزية.
كانت تلك وسيلة لاستحضار موسيقى اللغة الأصلية. وربما يكون منهجى، كما تقترحين، نوعًا من إعادة الخلق اللغوى لمصر أخرى، لكننى أفضّل أن أترك هذا الحكم للنقاد الأدبيين.
■ بعد كل هذه السنوات، كيف ترين مصر اليوم من منظورك الشخصى؟
- لا أشعر بأن تصوّرى قد تغيّر، إذ ظللنا نتابع الأحداث ونشاهد الأخبار عبر قنوات عربية مختلفة، وما زال لنا أصدقاء وأقارب هناك. لا أستطيع تخيّل حجم التمدّد العمرانى الحديث والتحوّلات التى طرأت على المشهد خلال عقود طويلة. لكننى لاحظت، من خلال الأفلام الوثائقية، مقدار التغيّر الذى شهدته «هليوبوليس»، مع إزالة الترام، والعدد الهائل من السيارات، وشقّ الطرق السريعة الجديدة.
لا تزال مناطق كثيرة مألوفة، غير أنّنى أشعر بالأسف لفقدان الأشجار والزهور التى كانت تزيّن مدينة أُنشئت فى الأصل بوصفها «مدينة حدائق». وقد طالت تحوّلات مشابهة العالم بأسره، معبّرة عن تغيير جيلى وإنسانى عام.
ما زال إحساسى بالمكان والهوية على حاله، وإن أضيفت إليه أبعاد جديدة من الثقافة والخبرات واللغات. وقد عبّر الكاتب اللبنانى الفرنسى أمين معلوف عن هذا المعنى حين قال إنه يعتبر الثقافات واللغات المختلفة الكامنة فيه جزءًا لا يتجزأ من هويته، ولا سبب يمنح أولوية لأى جزء أو بُعد من أبعاد الهوية المتعدّدة. أشعر بالأمر نفسه، فلا هيمنة عندى لاكتساب لغوى أو ثقافى على آخر، بل كلها تندمج وتتعايش فى انسجام.

■ هل ما زالت مصر مصدر إلهامك ومرآة هويتك، أم أن علاقتك بها أصبحت أكثر رمزية وتجريدًا؟
- عدتُ إلى مصر بضع مرات قبل انتقالى إلى أمريكا، وقد أنعشت تلك الزيارات ذاكرتى. وبالطبع، ما زلتُ أتمنى العودة. قبل سنوات قليلة، تلقيت دعوة مغرية من مجلة «روايات» الأدبية، إذ كان رئيس تحريرها قد نظّم قراءات خاصة من كتبى فى جامعات ومكتبات، لكننى، للأسف، لم أتمكّن من السفر فى ذلك الوقت. آمل أن تتاح فرص أخرى فى المستقبل.
أحمل ارتباطًا عميقًا بالشعب المصرى، بروحهم المرحة وحسّهم الفكاهى المتجذّر فى الأمثال وذكائهم وكرمهم، وطيبتهم. تظل مصر مصدر إلهام قوى ومرآة لهويتى، ويعكس كتابى الشعرى الجديد القادم، من خلال العودة إلى سنوات التشكّل الأولى فى حياتى، هذه المكانة المركزية التى تحتلها.
■ ديوانك «The Tasteof the Earth» يجمع بين ذكريات من مصر ولبنان وبلاد الشام، وربما بلدان متعددة. كيف ترين تأثير هذا التنقّل الجغرافى/ اللغوى على «ذات» الشاعرة؟
- كتاب «The Taste of the Earth» هو امتداد لكتاب «Tea in Heliopolis»، فكلاهما «مذكرات على شكل شعر»، ويركّزان على تجاربى الشخصية. لكن «The Taste of the Earth» يتخذ زاوية تأملية من منظور المنفى، فيسبر أثر العنف فى الشرق الأوسط، مع نظرة أوسع للتاريخ واللغة والدين والأساطير والثقافة.
هناك نوع من التشظّى داخل الذاكرة الانتقائية، لكن الشعر يسعى إلى إعادة خلق هذه الذكريات المجزأة داخل نسيج متسع، ليجعلها حاضرة بشكل مجازى وافتراضى، وتعمل كمرآة للمعرفة الذاتية والتأمل.
■ هل كتبتِ «The Tasteof the Earth» كوصية لذاكرة تُحاولين أن تنقذيها من النسيان؟
- ملاحظتك تلخّص قصدى بدقة. كثير من قصائد «The Taste of the Earth» تُروى من منظور الأشياء الجامدة التى تندب الدمار والخسائر، لكنها فى الوقت نفسه تحافظ على جمال وفرح وجودها السابق. يتضح هذا النهج فى قصيدة «Once Upon the Time' an Olive Tree»، حيث تندب شجرة فقدان أجدادها الذين اقتلعوا أو احترقوا.
الكتاب على قسمين كبيرين: «Meditations Over Phoenician Letters» و«Meditations Over the Eye of Horus»، وهما يستكشفان رمزية الجذور، سواء كانت لغوية أو أسطورية وطقوس قديمة، مع مقارنتها بما آلت إليه فى العصر الحديث. فى إحدى هذه القصائد، يُقارن الاستخدام الحالى للبخور فى منازلنا بمعناه الطقوسى فى مصر القديمة.

■ بجانب كونك شاعرة وكاتبة قصص قصيرة، أنتِ أيضًا فنانة تشكيلية. فى ديوانك «Or DidYou Ever SeeThe Other Side»، كيف بدأ التفاعل بين الشعر والفن البصرى؟
- لم أترجم قصائدى قط إلى لوحات، فجميع القصائد فى مجموعاتى الشعرية كانت ردًا على أعمال فنانين آخرين. استُلهم كتاب «Under Brushstrokes» من مجموعة متنوعة من الفنانين والأساليب، بينما ركّز «Or Did You Ever See The Other Side» على الفنانات، سواء المعاصرات أو السرياليّات، من خلفيات مختلفة. رسمتُ أغلفة مجموعاتى الشعرية، وأخطط لكتابة مجموعة قصائد مستوحاة من لوحاتى الخاصة. فكتابة الشعر لدىّ ذات طابع بصرى واستدعائى قوى، وغالبًا ما قيل لى إننى أرسم بالكلمات فى حوار دائم بين الشعر البصرى والصورة اللفظية.

فى تجربتك الإبداعية، أيهما يغلب على عملك أكثر، ويعكس هويتك بشكل أقوى: الكتابة والشعر، أم التعبير البصرى بالرسم؟
- لدى شغف بالفن والرسم، وهو شغف غرسته فىّ والدتى. ورغم أننى لم أتوقف أبدًا عن حضور دروس الفن، قضيت وقتًا أكثر فى كتابة الشعر والقصص القصيرة والنقد الأدبى أكثر من الرسم. العمل على الحاسوب أو الكتابة على الورق أسهل من تجهيز المكان المادى اللازم للرسم. يمكن للمرء أن يتوقف عن الكتابة ويعاودها لاحقًا، لكن من الأصعب التوقف أثناء العمل على لوحة. يوفر كل من الرسم والكتابة لىّ رضا متساويًا. فالرسم يشبه التأمل، إذ نركّز على المساحة الفارغة كما يحدث عند العمل على الماندالا، ويغذى خيالى ويُلهمنى كثيرًا لكتابة الشعر. فكلا النشاطين يُكمل الآخر ويغنيه.







