الخميس 12 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

أمير النغم.. الشحات محمد أنور.. صوت القرآن الذى خلّدته الأجيال

الشحات محمد أنور
الشحات محمد أنور

بدا القدر منذ الصغر يرسم مسارًا فريدًا للشيخ الشحات محمد أنور، أمير النغم، الصوت الذى تغنّى بحروف القرآن، وأذهل العالم بتلاواته المتلوّنة التى تنتقل بين المقامات بسلاسة، فتجعل القلوب ترتجف، وتتدبّر الآيات بعمق.

فى أرجاء قرية كفر الوزير البسيطة، بمركز ميت غمر فى محافظة الدقهلية، وُلد صوت لم يكن مجرد صوت، بل نبعًا من نور يفيض على العالم، كان ذلك فى صباح يوم الأوّل من يوليو عام 1950، يوم استقبلت فيه الدنيا طفلًا مقدّرًا له أن يصبح سفير القرآن الكريم، يحمل كلمات القرآن إلى كل قلب، الشيخ الشحات محمد أنور، الملقّب بأمير النغم.

لم يُكمل الطفل ثلاثة أشهر من عمره حتى رحل والده، فانتقلت به أمه إلى بيت جدّه، حيث تولّى خاله حلمى محمد مصطفى رعايته، الذى أدرك فيه موهبة تفوق الوصف، لكن القدر لم يكن رحيمًا دائمًا؛ فبعد وفاة خاله، أصبح مطالبًا بإعالة أمه وجدته.

فى سنّ الثامنة، أتم حفظ القرآن كاملًا، وكأن السماء نفسها كانت تهيّئ له هذا الصوت الذى سيعبر الحدود ويلامس الروح.

يروى الشيخ الشحات فى إحدى لقاءاته عن تلك الفترة: «فى تلك الفترة كنت سعيدًا بحفظ القرآن سعادة لا توصف، خاصة أثناء تجويدى للقرآن بعد ما أتممت حفظه، ولأن صوتى كان جميلًا وأدائى للقرآن يشبه أداء كبار القرّاء تميزت على أقرانى وعرفت بينهم بالشيخ الصغير، وهذا كان يسعدهم جميعًا، وكان زملائى بالكُتّاب ينتهزون أى فرصة ينشغل فيها الشيخ عنا ويطلبون منى أن أتلو عليهم بعض الآيات بالتجويد ويشجعوننى وكأننى قارئ كبير.

وذات مرة سمعنى الشيخ من بعيد، فوقف ينصت إلىّ حتى انتهيت من التلاوة، فزاد اهتمامه بى فكان يركز علىّ دون الزملاء لأنه توقع لى أن أكون ذا مستقبل كبير على حد قوله، رحمه الله. 

وفى حكاية طريفة لا تُنسى، قال الشيخ الشحات: «أذكر أننى أثناء تجويدى للقرآن كنت كثيرًا ما أتلو على زملائى ففكر أحدهم أن يحضر علبة كبريت ويأخذ منها الصندوق ويضع به خيطًا طويلًا ويوصله بالعلبة، فأضع أحد أجزاء العلبة على فمى وأقرأ به كأنه ميكرفون، وكل واحد من الزملاء يضع الجزء الآخر من العلبة على أذنه حتى يسمع رنينًا للصوت فيزداد جمالًا وقوة».

بدأ الشيخ الشحات منذ صغره يقرأ فى القرى بأجر بخس، خمسة وسبعين قرشًا للسهرة، أو سبعة جنيهات إذا احتاجت سيارة، كان يعود فيسلّم ما تبقّى. فى الثانية عشرة، كان يهرع إلى المآتم ليستمع إلى كبار القرّاء، يتعلّم ويحلم بأن يكون مثلهم، كل خطوة كانت تبنى جسرًا إلى عالم التلاوة العظيم، حيث يصبح الصوت سيفًا يقطع الظلام

صدام مع العمالقة

مع بلوغه الخامسة عشرة، انتشر صوته فى الوجه البحرى كالنار فى الهشيم، وظهر ثلاثة عمالقة، جودة أبوالسعود، والسعيد عبدالصمد الزنّاتى، وحمدى الزامل، لكن موهبة الشيخ الشحات الطاغية جعلته ينافسهم رغم صغر سنّه، كشاب يقف أمام جبال شاهقة ويحاول قياسها بقلبه.

فى العشرين، ارتدى جلبابًا أبيض وطاقية بيضاء، يقرأ فى المآتم، وينير الليالى الحزينة بنوره. وذات يوم قرأ مجاملة فى مأتم خال الشيخ محمد أحمد شبيب، فأُعجب به الجميع، خاصة الحاج محمد أبوإسماعيل. وفرح خاله الشيخ محمد عبدالباقى، مقيم الشعائر ببورسعيد، فأحضر له زيًا كاملًا، وضبطه على مقاسه، ولفّ العمامة البيضاء، وقال بحنان: «مبسوط يا شحات.. إنت كده بقيت شيخ كبير».

وقتها لم يكن الشيخ الشحات قد ارتدى زيًا رسميًا للقراء ولكنه كان يلبس جلبابًا أبيض والطاقية البيضاء. وذات يوم ذهب ليقرأ مجاملة بمأتم خال القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب، ولم يكن يتوقع أن ينال إعجاب الجمهور من الحاضرين بصورة لافتة للأنظار، خاصة الحاج محمد أبوإسماعيل، مُعلّم القرآن بالمنطقة

حكاية لا تنسي

فى عام ١٩٧٨ حدث موقف جمعه بالشيخ حمدى الزامل فى قرية تمى الأمديد فى السنبلاوين، حيث كان الشيخ حمدى هو القارئ الأول والأخير لهذه القرية إلى أن ظهر الشيخ الشحات، على حد تعبير أهل القرية، فتقاسم النصيب من الحب مع الشيخ حمدى، وفى أحد الأيام توفى اثنان من أهل القرية فى يوم واحد بينهما ساعات، فالذى توفى أولًا ارتبط أهله مع الشيخ الشحات والثانى مع الشيخ حمدى.

وكان الشيخ الزامل وقتها مخضرمًا وقديمًا من حيث الشهرة، وكانت سنه ٤٧ عامًا، والشيخ الشحات كان عمره ٢٨ عامًا، فأظهر الشيخ الشحات موقفًا لن ينسى، رغم أن القرية يومها كانت بمثابة مقر لمؤتمر عالمى كبير جاءتها الوفود من كل مكان لتستمع إلى قطبين فى مجال التلاوة، وكان السرادقان متجاورين والصوت يدخل إليهما بسهولة، فلم يستخدم الشيخ الشحات قوة صوته وصغر سنه ليجهد الشيخ حمدى، لكنه كان يكتفى بأن يقرأ عندما يصدّق الشيخ حمدى الزامل تقديرًا للزمالة وحفاظًا على جلال القرآن واحترامًا للموقف العظيم.

وبعد أن تخطى عمره ٢٠ عامًا صار اسمه يتردد فى كل مكان، وانهالت عليه الدعوات من كل المحافظات، وأصبح القارئ المفضل لمناطق كثيرة، وبعد عام ١٩٧٠ انتشرت أجهزة التسجيل فى كل المدن والقرى بطريقة ملحوظة، وساعد ذلك على شهرته عن طريق تسجيلاته التى انتشرت بسرعة البرق.

وفى السبعينيات جاءته دعوة من المستشار حسن الحفناوى، رئيس مركز مدينة ميت غمر، لإحياء إحدى المناسبات الدينية التى حضرها الدكتور كامل البوهى، رئيس إذاعة القرآن الكريم، وفى الاحتفال سمعه الدكتور البوهى، وشجعه على الالتحاق بالإذاعة عام ١٩٧٩ ليكون قارئًا معتمدًا بها

حكاية غيرت المسار

 

يقول الشيخ عن هذه الواقعة: «كان لى صديق يعمل موظفًا بمجلس مدينة ميت غمر، فقال لى: رئيس المركز يدعوك لافتتاح احتفال دينى سيحضره كبار المسئولين ورئيس إذاعة القرآن الكريم، والحفل سيقام بمسجد الزنفلى بمدينة ميت غمر، فقبلت الدعوة وذهبت لافتتاح الحفل، وسمعنى المرحوم الدكتور كامل البوهى، فقال لى: لماذا لم تتقدم لتكون قارئًا بالإذاعة وأنت صاحب مثل هذه الموهبة والإمكانات؟ وشجّعنى على الالتحاق بالإذاعة، فتقدمت بطلب، وجاءنى خطاب الاختبار عام ١٩٧٦».

لكن اللجنة قررت تأجيل قبول الشيخ لحين دراسة التلوين النغمى، وبالفعل ظل يدرس لمدة عامين فى معهد الموسيقى، إلى أن تقدّم مرة أخرى للإذاعة عام ١٩٧٩.

ويقول: «تقدمت بطلب للالتحاق بالإذاعة، وجاءنى الخطاب عام ١٩٧٦، ولكن اللجنة، رغم شدة إعجاب أعضائها بأدائى، قالت: أنت محتاج إلى مهلة لدراسة التلوين النغمى. فسألت الأستاذ محمود كامل والأستاذ أحمد صدقى عن كيفية الدراسة، فدلّنى الأستاذ محمود كامل على الالتحاق بالمعهد الحر للموسيقى، فالتحقت به ودرست لمدة عامين، حتى صرت متمكنًا من جميع المقامات الموسيقية بكفاءة عالية».

وفى عام ١٩٧٩ تقدمت بطلب للاختبار مرة ثانية، وطلب منى أحد أعضاء اللجنة أن أقرأ عشر دقائق، أنتقل خلالها من مقام إلى مقام آخر، مع الحفاظ على الأحكام ومخارج الألفاظ والتجويد، والالتزام فى كل شىء، خاصة التلوين النغمى. وبعدها أثنى أعضاء اللجنة على أدائى، وقدّموا لى بعض النصائح التى أحافظ بها على صوتى، وانهالت علىّ عبارات الثناء والتهانى، وتم اعتمادى قارئًا بالإذاعة عام ١٩٧٩.

وتم تحديد موعد لتسجيل بعض التلاوات القصيرة لتُذاع على موجات إذاعة القرآن الكريم، بالإضافة إلى الأذان وعدة تلاوات مدتها خمس دقائق، وعشر دقائق، وخمس عشرة دقيقة. وبعد اعتمادى قارئًا بالإذاعة بحوالى شهر فقط، كنت موجودًا فى استديو ٤١ للتسجيل يوم ١٦ ديسمبر ١٩٧٩، واتصل بى الأستاذ أحمد الملاح، المسئول عن الإذاعات الخارجية والتخطيط الدينى، وقال لى: أنت جاهز لقراءة قرآن الفجر، لأن القارئ اعتذر لظروف خاصة؟، فقلت: طبعًا أنا جاهز.

كانت مفاجأة لى، وفرحتى لا تُوصف، فأسرعت إلى القرية، وقطعت المسافة بين ميت غمر والقاهرة فى أقل من ساعة، لأخبر الأسرة وأهل القرية بأننى سأقرأ الفجر تلك الليلة. فعمّت الفرحة أرجاء القرية، ولم ينم أحد من أبنائها حتى قرأت الفجر، وعدت فوجدت مئات من المحبين والأهل والأقارب والأصدقاء فى انتظارى لتهنئتى، ليس على قراءة الفجر على الهواء فقط، بل على التوفيق أيضًا، لأن الله وفقنى كثيرًا.

وبعدها جاءتنى وفود من جميع محافظات مصر لتهنئتى، لأننى كنت مشهورًا فى جميع المحافظات قبل الالتحاق بالإذاعة.

وذات يوم قابله المرحوم الشيخ محمود البنا، وهنّأه على حسن أدائه وجمال صوته، ونصحه بالحفاظ على صوته، لأنه سيكون أحد مشاهير القرّاء البارزين. وقبل وفاته بأيام، قال الشيخ البنا للأستاذ عصمت الهوارى، وهو يستمع إليه فى قراءة الجمعة على الهواء: «الشيخ الشحات سيكون من أعلام مصر فى التلاوة».

جرس إلى قلوب الملايين

كان قرآن الفجر عبر موجات الإذاعة هو البوابة الرئيسية التى دخل منها الشيخ الشحات إلى قلوب الملايين من المستمعين بلا اقتحام. وساعده على ذلك بقاؤه فى مصر خلال شهر رمضان لمدة خمس سنوات بعد التحاقه بالإذاعة، ولأن قرآن الفجر كان مسموعًا على نطاق واسع، خاصة أن شهر رمضان كان يأتى فى فصل الصيف خلال تلك الفترة، وكان الناس يسهرون حتى مطلع الفجر.

بالإضافة إلى ذلك، كان يقرأ أربع مرات فى شهر رمضان على الهواء فى صلاة الفجر، وأربع مرات فى سرادق قصر عابدين بانتظام. وكان يتمكن من القراءة بإتقان بالغ، إذ كان يقرأ ما لا يقل عن ثلاثين جوابًا فى التلاوة الواحدة، وأحيانًا يصل جواب الجواب إلى أكثر من عشر مرات، مع تجديد والتزام شهد بهما المتخصصون فى علوم القرآن.

وفى عام ١٩٨٤، قرأ الشيخ الشحات فى الفجر أول سورة «غافر»، ثم قرأ فى الفجر الذى يليه بعد أسبوع من سورة «فاطر» عند قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، والتى حين سمعها الشيخ فرج الله الشاذلى وهو يسير فى مدينة إيتاى البارود، جرى فى الشارع مسرعًا ليتمكن من تسجيل بقيتها، حسب قوله.

وبعد الإذاعة، انضم الشيخ الشحات إلى نقابة القرّاء، وشارك فى إحياء ليالى شهر رمضان، ولم يترك قارة من قارات العالم إلا وذهب إليها قارئًا فى شهر رمضان، فسافر إلى: السعودية، ولبنان، وإيران، ولندن، ولوس أنجلوس، والأرجنتين، وإسبانيا، والنمسا، وفرنسا، والبرازيل، ونيجيريا، وتنزانيا، والمالديف، وجزر القمر، وزائير، والكاميرون.

وفى عام ٢٠٠١، فاز بالمركز الأول فى مسابقة الملك فيصل الدولية، متفوقًا على قرّاء العالم الإسلامى. وفى عام ٢٠٠٢، مُنح الدكتوراه الفخرية من جامعة البنورية بباكستان.

أما عن عائلته، فقد تزوج الشيخ الشحات من ابنة عمّه السيدة نعمات محمد كمال، وأنجب منها: نجلاء، وأمينة، وحسنات، وأنور، ومحمد، ومحمود، وكريمة، وأسماء، وضحى. وورث اثنان من أبنائه حسن التلاوة، وهما الشيخ محمود والشيخ أنور.

وتوفى الشيخ الشحات فى ١٣ يناير عام ٢٠٠٨، عن عمر ناهز ٥٨ عامًا.

كروان الفجر المتوج

مع ولادته عام ١٩٧٨، مصادفةً لالتحاق والده الشيخ الشحات بالإذاعة المصرية، جاء أنور الشحات أنور كتتويج لعصر النغم القرآنى، حيث حفظ القرآن فى الرابعة عشرة، وحصل على ليسانس أزهرى، تلاه دكتوراه فى اللغة العربية، لكن قلبه بقى معلّقًا بتلاوة الآيات. يلقب بالكروان، صوت يشبه أباه فى السلاسة، لكنه يضيف لمسة عصرية تجعل الحروف تطير.

كانت أول تلاوة رسمية له عام ١٩٩٤ أمام الرئيس مبارك فى المولد النبوى بالإسكندرية، حيث أذهل الجماهير بقراءته سورة «الانشراح»، صاعدة من نهاوند إلى صَبا، كأنها نسيم يلامس الروح.

أنور ليس قارئًا فحسب، بل معلم يدير ورش عمل فى فن التجويد، ويسهم فى نقابة القراء الأبوية، قائلًا: «تلاوة أبى علمتنى أن الصوت جسر إلى السماء».. فى زمن التحديات، يبقى عميد القرّاء حارسًا للتراث، صوته تينور درامى ينتقل بين المقامات ببراعة، يوقظ الأجيال على جمال القرآن.. إرث الشيخ الشحات يعيش فيه، كنجم يضىء فجر الأمة.

وارث امير النغم

فى أحضان إرث أبيه الشيخ الشحات محمد أنور، وُلد محمود الشحات عام ١٩٨٤، كأن القدر قد نسخ نغمًا من صوت الأب ليستمر فى السماء، حفظ القرآن الكريم فى الثانية عشرة من عمره، ويروى بفخر: «من حسن حظى أن والدى كان يتلو القرآن آناء الليل، فكنت أغرق فى بحر تلاواته قبل النوم»، كان الصوت يتردّد فى البيت كدعوة مستمرة، تُشكّل روحه قبل جسده.

كانت أولى تلاواته فى عزاء على يد والده نفسه، لسورة الضحى، ولم تتجاوز خمس دقائق، لكنها كشفت كنوزًا، قال الشيخ الشحات بدهشة: «محمود سيكون قارئًا خطيرًا عالميًا»، لم يخطئ التنبؤ، حيث سافر محمود العالم حاملًا لواء الأب إلى لندن، حيث أصبح أول مصرى يقرأ فى إذاعة الـBBC الشهيرة، وإندونيسيا بمساجدها المليونية، وأمريكا حيث أسلم على يديه سبعة عشر شخصًا من غير المسلمين، مفتونين بسحر تلاوته، وحصل على دكتوراه فخرية أمريكية، لكن جوهرته الحقيقية تكمن فى تلوينه النغمى الذى يجمع بين سلاسة الأب وجرأة الجيل الجديد، فى سورة الرحمن، يصعد من راست إلى حجاز، فيُبكى القلوب معه، مكملًا سلسلة أمير النغم التى لا تنتهى.