الإثنين 09 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

السماء الثامنة.. صرخة سلماوى بين غزة والإخوان

حرف

- كان لا يزال مأخوذًا بحالة الاحتجاج التى عاشها مع بقية الطلاب فى ساحة الجامعة

1

تجمع عدد كبير من الطلاب فى الساحة الرئيسية للجامعة فى وقفة احتجاجية نظمها عمر المهدى. ارتفعت اللافتات التى تندد بالحصار الذى فرضته إسرائيل على غزة إثر فوز حركة حماس لأول مرة فى انتخابات المجلس التشريعى فى غزة، وتعالت الهتافات المنددة بالاحتلال. كانت إسرائيل قد أعلنت غزة «منطقة مغلقة»، وفرضت عليها عقوبات شملت قيودًا على استيراد كثير من السلع الاستراتيجية وفى مقدمتها الوقود، كما فرضت قيودًا على حركة الأشخاص من وإلى القطاع. لم يعد بمقدور أبناء غزة السفر إلى الخارج أو استقبال ذويهم من بقية الأراضى الفلسطينية، وبذلك فصلت إسرائيل تمامًا بين غزة والضفة الغربية، وفرقت بين أفراد العائلة الواحدة، فكثير من العائلات كان مقسمًا بين الضفة وغزة. كما منعت الطلاب فى غزة من استكمال دراستهم فى جامعات الضفة، ومنعت المرضى من تلقى العلاج فى المستشفيات الواقعة خارج غزة.

كان عمر قد تحدث مع إيمان عن تلك الوقفة ومغزاها، فقررت تلقائيًّا أن تنضم إليها، ليس إيمانًا بعمر ومواقفه التى أصبحت تشكل فكرها فحسب، بل أيضًا لأنه كان بالنسبة إليها صاحب القرار، فما يقرره تفعله.

وقفت إيمان وسط الحشود، وقد ملأها الإعجاب بعمر الذى نظَّم الفعالية بنفسه وتمكَّن بأعجوبة من الحصول على التصاريح الأمنية اللازمة لإتمامها، بعدما اشترطت عليه سلطات الأمن فى الجامعة ألا تتحول الوقفة إلى مظاهرة تمتد إلى خارج أسوار الجامعة. ولم يكن عمر يرغب فى تنظيم مظاهرة، وإنما أراد أن يسجل أمام العالم رفض طلاب الجامعات المصرية الإجراءات غير الشرعية التى تنتهك بها إسرائيل جميع القوانين الدولية المنظمة للسياسة، والتى عليها كسلطة احتلال أن تتبعها فى الأراضى المحتلة.

ألقى عمر كلمة نارية ضد الاحتلال الصهيونى للأراضى العربية، وقال إن الأراضى المحتلة لا تقتصر فقط على الأراضى التى احتلتها إسرائيل فى حرب ١٩٦٧، وإنما أيضًا تلك التى احتلتها فى حرب ١٩٤٨ والتى تتجاوز كثيرًا ما حدده قرار التقسيم الصادر من الأمم المتحدة فى العام السابق على الحرب، وقال إن تلك الأراضى خصصتها الأمم المتحدة للدولة الفلسطينية المنصوص عليها فى قرار إنشاء إسرائيل نفسه، ولكن إسرائيل احتلتها بالقوة وبلا وجه حق، وقال إن علينا أن نعمل على تحرير جميع الأراضى المحتلة سواء فى ١٩٦٧ أو فى ١٩٤٨.

استمرت الوقفة ساعة ونصف الساعة تقريبًا، ألقى فيها عمر كلمته إضافةً إلى كلمات بعض الطلاب الآخرين وبعض الهتافات التى هتفت بها الجموع منددة بالاحتلال. وبعد انتهاء الوقفة هرعت إيمان إلى عمر تنتزعه من بين المحيطين به لتأخذه إلى خارج الجامعة، ليهدأ ويستريح بعد كل ما بذله من جهد خارق فى الإعداد لهذا اليوم.

ما إن غادرا الجامعة حتى اقترحت عليه أن يذهبا إلى كازينو الحمام على شاطئ النيل بالجيزة، وكانت تعرف أنه يحب الحمام. وفى الطريق إلى الكازينو دار حديثه معها حول قضية حصار غزة، وقال إنها ستكون لها تداعيات خطيرة نظرًا إلى الفصل الذى ستحدثه بين شقَّى الدولة الفلسطينية التى يتطلع الجميع إلى إقامتها، وذكر أنها خطة إسرائيلية شريرة لتعميق الانشقاق الفلسطينى على المستويات السياسية والاجتماعية، ثم شرح لها مطولًا أن حصار غزة وإضعافها ينالان فى النهاية من مصر، إذ يمثلان تهديدًا كبيرًا للأمن القومى المصرى، وأن رفضه ما يحدث فى غزة نابع أيضًا من حبه لمصر.

كان لا يزال مأخوذًا بحالة الاحتجاج التى عاشها مع بقية الطلاب فى ساحة الجامعة، ولكنه سرعان ما فطن للأمر وقال لإيمان بعد أن اتخذا مكانيهما فى الكازينو:

- آسف يا حبيبتى! هذا الموضوع يقلقنى كثيرًا، ولكنى أعدك بأننى لن أتحدث بكلمة أخرى فى السياسة!

ردت عليه فى هدوء:

- حبيبى، إن حبى لك لا ينفصل عن إيمانى بمواقفك الوطنية، فكلٌّ منهما يغذى الآخر!

نظر إليها من خلف نظارته الطبية نظرة لم ترها من قبل، إذ انبعثت من عينيه أشعة نور، وانطلقت منهما نجوم متلألئة، وشعرت هى بأنها وسط سحابة أثيرية تحلِّق فى الجو.

بعد قليل قالت:

- أشعر بأن حبنا يتطور بشكل غريب، ويمضى فى طريق يتسع تدريجيًّا نحو آفاق لا أستطيع أن أتبينها!

قال:

- لدىّ الإحساس نفسه، وقد يكون هذا هو الطريق إلى السماء الثامنة!

مد يده من تحت الطاولة وأمسك يدها، وساد الصمت بينهما للحظات لم تسمع خلالها سوى زقزقة العصافير التى بنت أعشاشها وسط غصون الأشجار المحيطة بهما فى حديقة الكازينو.

لم يكن يريد أن يترك يدها، ولكنه سحب يده بهدوء من تحت الطاولة وأخرج من جيبه ورقة مطوية وأعطاها لها من دون أن يتكلم، فسألته:

- ما هذه؟

قال:

- هذه رسالة لكِ.

فتحتها وراحت تقرأ:

تسألين يا حبيبتى

عن السماء الثامنة

إنها السماء التى

لا تصلها الطائرات

ولا تبلغها الصلوات

ولا تشملها الجغرافيا

بل تقيمها قبلة واحدة

وعناق تكونين فيه امرأة

ويكون الوطن طفلًا نائمًا على صدرك

كل العشاق

يقفون عند السابعة

يحبون أجسادًا

يقبِّلون شفاهًا

أما أنا فتخطيتهم

وصلت فى صلواتى

إلى التراتيل الأخيرة

فاختلط حبك بدمى

بنشيد الأرض الطيبة

وبدت صورتك ترفرف

فوق علم زرعه جندى مصرى

على ضفة القناة المحررة...

أُحضر الطعام فتوقفت إيمان عن القراءة، وطوت الورقة بسرعة ووضعتها فى جيبها كأنها لا تريد لأحد أن يراها أو يطلع على ما بها. ستقرأها فيما بعد، حين تختلى بنفسها. وضع النادل طبقًا به حمامة واحدة أمامها حسب طلبها، وطبقًا آخر به حمامتان أمام عمر، ثم ملأ الطاولة بشتى أنواع السلطات والمقبلات.

لم يشعر عمر بالجوع كما شعر به فى ذلك اليوم، خصوصًا بعد التوتر الذى لازمه طوال الفترة الصباحية. كان النهار قد أوشك على الانقضاء ولم يتناول إفطاره بعدُ، حيث نزل من بيته إلى الجامعة مباشرة لمتابعة ترتيبات الوقفة التى يترقبها.

قال لها:

- اعذرينى! سآكل الحمام بيدى!

فقالت: 

- يقولون إن الحمام لا يؤكل إلا باليد.

لم تأكل من طبقها إلا قليلًا. وسرعان ما أضاءت شمس المغيب السماء بلون وردى حالم أضفى على المكان جوًّا شاعريًّا لم يكن موجودًا عند وصولهما، وتمايلت الأشجار مع هبوب النسيم كأنها ترقص فرحًا بهما. مر أمامهما فى النيل مركب يحيط به الزينات الملونة من كل جانب، كراقصة أحاطت خصرها بالخرز والترتر، إضافةً إلى لمبات كهربائية متعددة الألوان تضىء وتنطفئ فى أرجاء المركب مع إيقاع موسيقى صادرة عن مكبرات الصوت. كان بالمركب عُرس صاخب تعالت فيه أصوات الطبول وتصاعدت أصداء الزغاريد حتى جابت ضفتَى النهر.

ظلت إيمان تتابع المركب حتى ابتعد وتلاشت أصواته، ثم عادت تنظر إلى عمر وهو يتناول طعامه. تأملت ملامحه التى أضفى عليها الضوء الخافت دفئًا وحميمية. سألت نفسها: «لماذا أحببت هذا الرجل؟». كان عمر يمتلك إيمانًا راسخًا بما يفعله، وطمأنينة وثقة بالنفس تستمد منهما إيمان قوتها. كان يملك مفاتيحها وإرادتها، وأدركت أنها لو فقدته فستفقد حياتها ودنياها. أحبته حبًّا جعلها ترى العالم كله من خلال عينيه، وأيقنت أنه قدرها، وقدرها لا مفر منه!

2

اعتادت إيمان زيارة والدتها أسبوعيًا فى فيلَّا جاردن سيتى التى نشأت وتربت بها. كان والدها قد تُوفى بعد زواجها بثلاث سنوات، وظلت عواطف هانم تقيم فى الفيلَّا وحدها إلى أن نال منها الزمن، فصعبت حركتها، وصارت تعتمد على المرافقة الطبية التى تحفظ مواعيد الأدوية، وتساعدها فى التنقل داخل المنزل، وفى ارتداء الملابس وتناول الطعام. تذهب إيمان لزيارتها يوم الثلاثاء من كل أسبوع، لأن إيهاب عادةً ما يتأخر فى هذا اليوم فى مكتبه، فهو يوم الاجتماع الأسبوعى للجنة التنفيذية التى تسيِّر أمور شركته الزراعية.

فى ذلك اليوم روت لها والدتها ما لم تتوقعه، قالت لها إن رجلًا غريبًا زارها بالأمس وعرض عليها مبلغًا خرافيًا لشراء الفيلَّا، وقد تصورت فى البداية أنه يرغب فى شرائها للإقامة بها، لكنه أخبرها أنه سيهدمها ليقيم على أرضها أبراجًا سكنية.

دُهشت إيمان وقالت لوالدتها:

- هل تنوين بيع الفيلَّا؟

فردت عواطف هانم:

- لا، لم أفكر فى ذلك على الإطلاق، وقد فوجئت بحديث الرجل. اتصل بى وطلب مقابلتى لأمر مهم يخص الفيلَّا، فتصورت أنه مندوب ضرائب أو أنه سيحدثنى بشأن العقارات التاريخية باعتبار أن الفيلَّا مصنفة كطراز مميز، أو كشىء من هذا القبيل.

سألتها إيمان:

- من هو؟ هل تعرفينه؟

قالت:

- لم أره من قبل، وقد أخذ رقم تليفونى من الحارس، وفوجئت بمظهره حين دخل علىَّ، فهو رجل إخوانى ملتحٍ يرتدى جلبابًا أبيض قصيرًا وفى يده مسبحة من الكهرمان الصناعى.

قالت إيمان:

- ليس كل ملتحٍ من الإخوان المسلمين!

قالت عواطف هانم:

لكنه منهم.

سألتها:

- ألم تخبريه أن الفيلَّا مسجلة كأثر معمارى على طراز «الآر ديكو»؟

ردت:

- قلت له إن الفيلَّا غير مسموح بهدمها لأنها عقار تاريخى، لكننى لم أقل له «آر ديكو» أو غيره، فما أدرى هؤلاء بالطرز المعمارية! لو أنه يفهم فى المعمار لما جرؤ على التفكير فى هدم فيلَّا كهذه صممها على لبيب جبر الذى صمم فيلَّا أم كلثوم. قلت له صراحة لو أنك أخبرتنى فى التليفون أنك تريد هدم الفيلَّا لشرحت لك أنه محظور هدمها ولوفرت عليك هذه الزيارة!

ابتسمت إيمان، وأدركت كم كانت والدتها دائمًا جافة ومباشرة فى تعاملاتها، خصوصًا مع من لا تحبهم! فقالت لها:

كان يكفى أن تشرحى له الوضع من دون أن تقولى له إن زيارته ليس لها لزوم!

قالت:

- لو أننى رأيت منظره قبل مجيئه لما سمحت له بدخول الفيلَّا أصلًا!

سألتها إيمان:

- وهل انتهى الموضوع عند هذا الحد؟

فقالت:

- لا، قال لى لا تقلقى يا هانم، اعتبرى قرار الهدم فى جيبى بإذن الله، وما عليكِ أنتِ إلا الموافقة على البيع وخلال أشهر قليلة ستجدين الأعمدة الخرسانية قد أقيمت فى الأرض.

قالت إيمان:

- ربما يكون نصابًا!

فقالت والدتها:

- ظل يؤكد لى أنه ليست لديه أى مشاكل فى الحصول على الموافقات الحكومية.

نظرت إليها إيمان وقالت:

- حتى لو كانت مخالفة للقانون؟

ردت:

قال إن الله ييسر الأمور لعباده الصالحين، وهناك حالات استثنائية يُسمح فيها بهدم المبانى التاريخية من أجل المنفعة العامة.

فاندهشت إيمان وقالت فى استنكار:

- وهل بناء الأبراج السكنية أصبح يندرج الآن تحت المنفعة العامة؟

ردت:

- يبدو ذلك. ماذا تنتظرين من الإخوان؟!

خيم الصمت عليهما، ثم عادت إيمان تسأل والدتها:

- وما المبلغ الذى عرضه؟

قالت:

- مائة وخمسون مليونًا، قال إنه سيدفع نصف المبلغ عند توقيع العقد والنصف الثانى عند تسلم الفيلَّا، شريطة أن يتم إخلاء الفيلَّا خلال ستة أشهر وإلا اعتبر العقد مفسوخًا من تلقاء نفسه.

اندهشت إيمان:

- يبدو أنكم ناقشتم كل التفاصيل! وماذا سيحدث فى هذه الحالة لنصف المبلغ الذى دفعه؟

قالت:

- نرده له كاملًا وفوقه مبلغ الشرط الجزائى لعدم التزامنا بالشروط.

قالت إيمان:

- أنا غير مرتاحة لهذا الموضوع.

ردت والدتها بسرعة:

- وأنا أيضًا، ولكنى أخشى نفوذ هؤلاء الإخوان!

قالت إيمان:

- الإخوان سقطوا يا أمى ولن يعودوا ثانية!

فردت:

- لقد سقطوا من الحكم، لكنهم ما زالوا موجودين بيننا ولم يختفوا، وهم يخدمون بعضهم بعضًا، ولا بد أن هناك من سيستخرج له تصريح الهدم هذا.

قالت إيمان:

- هل تودين أن أطلب من إيهاب أن يعرض الموضوع على المستشار القانونى للشركة؟

ردت:

- أفضَّل أن ألجأ إلى متخصص فى القضايا العقارية. سأتصل بالمستشار شاكر بك فوزى زوج صديقتى نعيمة هانم، ليجد لى مخرجًا من تلك الورطة. لا تتخيلى ما يسببه لى هذا الموضوع من توتر!

ثم تنهدت وهى تقول:

- إن ترك المنزل الذى عشت فيه عمرى والبحث عن منزل آخر فى سنى هذه مسألة ليست سهلة!

قالت إيمان:

- أعتقد أنكِ تهولين قليلًا يا أمى، فما دمتِ لا تنوين البيع لن يتمكن أحد من إخراجك من بيتك!

سكتت عواطف هانم لكن لم يبدُ عليها أنها اقتنعت بتطمينات ابنتها، فاكتفت بالقول:

- ربنا يستر.

بعد قليل نادت عواطف هانم على المرافقة لمساعدتها فى الانتقال من مقعدها إلى الكنبة المجاورة، فتذكرت إيمان كم جلست مع إيهاب على هذه الكنبة فى فترة الخطوبة حين انتقلت مقابلاتهما المنزلية من غرفة الصالون بالدور الأرضى فى البداية، إلى غرفة الجلوس هذه الأكثر حميمية فى الدور العلوى، وقالت لوالدتها:

- لا أتصور أن يُباع هذا المنزل ويُهدم! ستُهدم معه ذكريات عمر كامل!

كانت عواطف هانم قد استقرت فى جلستها الجديدة على الكنبة فردت:

- عمرنا كله يا بنتى فى هذا البيت! أتمنى ألا أرغم على تركه فى نهاية أيامى!

حاولت إيمان أن تطمئن والدتها من جديد فقالت:

- لا تفكرى فى هذا الموضوع يا أمى واعتبرى أنه لم يحدث. فليس هناك قانون يجبرك على البيع رغمًا عنكِ!

قالت الأم:

- أخشى أن يلجأ إلى وسائل أخرى غير القانون!

ردت إيمان على الفور:

- البلد ليست فوضى.

تنهدت الأم ثانية ولم ترد.