جورج ساندرز: بالكتابة أهدئ «عقلى القرد»!
- الأدب الجيد يطرح أسئلة بدلًا من إعطاء إجابات.. و الكتابة «فعل مقدس» يجعل الحياة أفضل
- قصص الأشباح أصدق من غيرها.. والموت يصبح أسهل عندما تقترب منه!
فى روايته الجديد «Vigil»، التى تصدر أواخر يناير الجارى، يحكى الروائى الأمريكى، جورج سوندرز، قصة الرئيس التنفيذى لواحدة من أكبر شركات النفط العالمية، وكيف قضى عمره بالتستر على الأدلة العلمية الخاصة بالتغيّر المناخى.
وأجرى موقع «الجارديان» البريطانى حوارًا مع «سوندرز»، الذى فازت أولى رواياته « Lincoln in the Bardo» بجائزة «البوكر» لعام 2017، تحدث فيه عن روايته الجديدة، ومعارضته لنظام الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، وغيرها من التفاصيل الأخرى، فى الحوار الذى تترجمه «حرف» فيما يلى:

الأشباح أكثر صدقًا
تزخر رواية جورج سوندرز الجديدة بالأشباح، تمامًا كما روايته السابقة. تتكاثر الأرواح حول الشخصية المحورية بالرواية، فى لحظة موته تحديدًا، لتجبره على مواجهة إرثه وما خلفه وراءه.
عن الأسباب التى تجذب «سوندرز» للأشباح يقول: «لو تخيّلتُ أننا نتحدث الآن داخل قصة، وسمحتُ بدخول شبح من أربعينيات القرن الماضى، يصبح المشهد أكثر إثارة. السبب أن الأشباح، بطريقة ما، حاضرون هنا فعلًا حولنا. وحتى إن لم نتحدث عن أشباح، فإن لكل منا ذكريات أشخاص أحببناهم ثم رحلوا. هؤلاء حاضرون معنا الآن، لأن عقولنا ما زالت تحتفظ بذكراهم بقوة».
ويضيف: «قصص الأشباح قد تكون أصدق من غيرها! إذا أردنا أن نكون صادقين فى وصف هذه اللحظة. فهل من المنطقى أن نحصرها فقط فى هذا اليوم، وكأن الماضى غير موجود؟!»، معتبرًا أن «قصص الأشباح تدفعنا إلى التفكير فى موتنا. ومن خلال ذلك تجعلنا ننظر إلى الحياة بشكل مختلف: ماذا يبقى حين نزيل كل الانشغالات اليومية التافهة التى نضيع فيها وقتنا؟!».
ويواصل: «الموت بالنسبة لى كان دائمًا موضوعًا حاضرًا بقوة. من الصعب تصديق أنه سيحدث لنا نحن أيضًا. ومع التقدم فى العمر يصبح الأمر أكثر (يغيّر صوته مازحًا) إثارة للاهتمام».
جورج سوندرز، الذى يبلغ ٦٧ عامًا، خشن الملامح، رقيق القلب. يتحدث بهدوء رغم حيويته الظاهرة فى كتاباته. ويقول إن التفكير فى الموت أصبح هاجسًا يثير قلقه لأنه يشعر بأنه غير مستعد له.
قبل نحو ٢٥ عامًا، كان «سوندرز» على متن طائرة ركاب اصطدمت بها طيور الإوز بعد إقلاعها مباشرة من شيكاجو. دوّى صوت انفجار عنيف، وبدأت الطائرة تصدر أصواتًا مرعبة، وامتلأت المقصورة بدخان أسود، وراح الركاب يصرخون. فيما بدت أضواء المدينة وكأنها تقترب بسرعة مخيفة. فى تلك اللحظة، كان «سوندرز» على يقين بأنه سيموت.

فى ذلك الوقت، كان يعيش ذروة انشغاله الروحى، بوذيًا تبتيًا يتأمل ٣ ساعات يوميًا، ومع ذلك اجتاحه رعب خالص. يقول: «كان الأمر وكأن كل جوانب هويتى اختفت. لم أعد أفكر فى الكتابة، ولم أستطع التفكير فى عائلتى، لم يبقَ سوى ذات أولية على وشك الفقدان».
هبطت الطائرة بسلام فى شيكاجو، ولمدة أسبوع تقريبًا بعد ذلك، شعر «سوندرز» بنشوة غامرة. يؤمن البوذيون بأن الوعى الحقيقى بفنائنا الشخصى يمكّن الإنسان من احتضان روعة الحياة كاملة.
يقول: «يشبه الأمر بدعوتك لحفلة رائعة ستنتهى فى الساعة ١١:٣٠، وأخبروك بذلك مسبقًا. هذا يغير شعورك وتجربتك، مقارنةً بأن يقال لك: هذه حفلة ستستمر ٦ أيام، أو حفلة لا نهائية»!.

جائزة العبقرية
فاز جورج سوندرز بمنحة «ماك آرثر للعبقرية»، فى عام ٢٠٠٦. ويُعرف أكثر بقصصه القصيرة. نشر ٥ مجموعات قصصية، وعددًا من الروايات القصيرة، وهى أعمال مظلمة وساخرة. غالبًا ما تقع أحداثها فى عوالم خيالية أو مستقبلية، مثل منتزهات غريبة أو سجون مستقبلية. فى هذه العوالم، يعرض المجتمع الأمريكى بطريقة مُبالغ فيها، مبرزًا أكثر الجوانب غرابة وسخافة وقسوة.
قصصه مليئة بالرحمة، وهو يرى الكتابة «فعلًا مقدسًا»، ويؤمن أن الأدب يمكن أن يجعلنا أفضل، لأنه يدفع الكاتب والقارئ لتجاوز غرائزهم الأولية، وممارسة التأمل والتعاطف والتفكير العميق فى الآخرين والعالم من حولهم.

تمامًا كما يفعل عندما يتأمل، يمارس تصورًا ذهنيًا لتوليد الرحمة. مثلًا يتخيل شخصًا يحبه كثيرًا وهو ينجرف فى نهر، ومع شعوره بالرغبة فى مساعدته، يحاول أن يوسع هذا الشعور ليشمل الجميع. وجد أن الكتابة تساعده على توسيع قدرته فى التعاطف مع الآخرين. فهى تدفعه إلى ما يصفه بنظرة للأشياء ترى «كل شخص كأنه أنا فى يوم آخر أو فى حياة مختلفة».
فى روايتى «Lincoln in the Bardo» و«Vigil»، تستطيع الأشباح التعاطف بطريقة مباشرة، من خلال دخول عقول بعضهم البعض.
تروى «Vigil» قصة «جيل بلاين»، شبح فتاة لطيفة تبلغ ٢٢ عامًا، قُتلت فى انفجار سيارة، ثم دخلت عقل قاتلها. هدفها هو مواساة المحتضرين، وفلسفتها تُدعى «السمو»، أى الإيمان بأن حياتنا بكل نجاحاتها وإخفاقاتها، كانت محكومة بقوى خارجة عن إرادتنا.

تسأل «جيل بلاين» الملياردير «كيه جى بوون»: «هل كنت تستطيع أن تكون أى شخص آخر غير نفسك؟ طوال حياتك ظننت أنك تتخذ قرارات، لكن فى الحقيقة اختياراتك كانت محددة سلفًا بعقلك وجسدك وطبيعتك، وكأن حياتك كانت سجنًا فخمًا».
يسأل «سوندرز»: «هل هى محقة؟ لم يقرر بعد. ويعتقد أن الأدب الجيد يجب أن يطرح أسئلة بدلًا من إعطاء إجابات». ويضيف: «عملى ككاتب أن أصنع مفاجآت كبيرة ومثيرة فى القصة، والمعنى يأتى بعد ذلك».
يتذكر «سوندرز» عندما كان فى السادسة أو السابعة من عمره، وأن شخصًا قال له: «أنت فتى طيب» ففكر «أنا لم أختَر أى شىء من هذا، هذه هى طبيعتى فقط». ويتذكر أيضًا عندما كان أصغر، فى الثالثة أو الرابعة، كيف أسقط إبريق القهوة وأحرق أخته، ثم شعر بالقلق هل فعل ذلك عن قصد.

كان دائمًا قلقًا، يميل للتفكير الزائد، يشبه «اضطراب الوسواس القهرى»، رغم أنه لم يُشخّص رسميًا، ويصف هذه الأفكار المتكررة بأنها «عقله القرد»، أى عقله الذى يقفز من فكرة لفكرة بلا توقف. الكتابة بالنسبة له تساعده على تهدئة هذه الأفكار والسيطرة عليها

تقليد همنجواى
نشأ «سوندرز» فى «أوك فورست»، جنوب شيكاجو، حيث كان والده يعمل فى شركة فحم، قبل أن يمتلك لاحقًا ويدير مطعم دجاج مقلى. كان قارئًا فضوليًا يلتهم الكتب التى يتركها له والده قبل ذهابه إلى العمل، وهى خليط غير متجانس، شمل «الأمير» لـ«ميكافيللى»، و«أمريكا الأخرى»، ذلك التحقيق الصادم فى الفقر الأمريكى للكاتب الاشتراكى، مايكل هارينجتون.

التحق بمدرسة «كولورادو للمناجم» لدراسة الهندسة الجيوفيزيائية، وكان يقرأ فى أوقات فراغه، لكنه، على حد تعبيره، لم يكن يمتلك «ذائقة حقيقية» بعد. يقول: «آين راند كانت الروائية الوحيدة التى أحببتها لفترة، ولم أشعر بأى شىء مزيف فى كتاباتها. ولأننى كنت صغيرًا، اعتقدت أن هذا هو الواقع».
بعد التخرج، عمل مع فريق للتنقيب عن النفط فى سومطرة الإندونيسية، وواصل كتابة القصص فى أوقات فراغه، محاولًا تقليد همنجواى. يقول: «لو رأيت ما كنت أكتبه فى الخامسة والعشرين، لما ظننت أبدًا أن هذا الشخص سيُنشر له شىء. كنت ستشعر بالشفقة عليه».

ويكشف أن ما أنقذه آنذاك كان ثقة مفرطة غير مستحقة. يقول: «أعتقد أن هذا صحيح، وهو حتى مبدأ فى الكتابة: إذا قررت. سأفعل هذا. ولم تسمح أن توقفك الصعوبات، فسوف تُحل المشكلة فى النهاية».
بعد عودته من آسيا، كتب قصة مختلفة مستوحاة من حلم عن مدينة ملاهى بلا جاذبية. نُشرت فى «Northwest Review»، ما ساعده على الحصول على منحة ماجستير فى «سيراكيوز»، حيث قضى أول أسابيعه نائمًا فى شاحنة.
هناك، التقى الروائية بولا ريديك، ووقع فى حبها بسرعة لدرجة أنه خطبها بعد ٣ أسابيع، وتزوجا فى أقل من عام بعد ذلك. لديهما ابنتان ويعيشان معًا فى لوس أنجلوس.
يقول «سوندرز»: «إنها حياة رائعة». يكتب هو و«بولا» فى مكتبيهما المنفصلين، ويلتقيان لتناول الغداء، ويمشيان مع الكلب، ويقرآن أعمال بعضهما. رغم أنها أفضل قراءة منه. يعرف أنه إذا لم تثير القصة رد فعل عاطفى قوى لديها، فهى ليست جاهزة. يدفعان بعضهما لإنتاج أعمال ذات عمق روحى: «الذكاء أو السخرية ليست كافية، نريد أن يكون هناك جانب أعمق ومستمر».
كيف عرف «سوندرز» بسرعة أنها الشخص المناسب؟. يجيب: «لا يمكن إنكار ذلك، شعرت أننى يجب أن أكون معها». كلاهما نشأ فى عائلات متدينة. هو كان كاثوليكيًا متشددًا، وما زالا محافظين على روحانيتهما. يقول: «هذا جزء من حياتنا: هل نصبح أشخاصًا أفضل ونستعد للنهاية؟».
ويضيف: «بولا كانت جميلة جدًا. وذات مرة مازحته الكاتبة زادى سميث بالقول إنه فى الصور القديمة، يبدو وكأنه يختطف بولا بسبب تسريحة شعره وشاربه».
أكمل «سوندرز» دراسته عن بعد. ويقول إن رسالته كانت سيئة لأنه حاول كتابة أدب جاد، وكتب نصوصًا مملة.
بعد فترة، عاد «سوندرز» لكتابة القصص القصيرة، لكن هذه المرة مضحكة. فى ١٩٩٦ نشر مجموعته الأولى، وبعد عام بدأ التدريس فى جامعة «سيراكيوز»، حيث يعمل أستاذًا للكتابة الإبداعية.
يرى أن الفرق بين الكتابة الجيدة والعظيمة يكون أحيانًا فى السماح لما بداخلك أن يظهر فى الكتابة. و«بالنسبة لى، الشىء الذى أضفته هو الفكاهة».

نادى القصة
جورج سوندرز معلم شغوف جدًا. منذ عام ٢٠٢١، بدأ صفحة «Story Club» على «Substack»، والتى ينشر فيها مقالات عن كيفية الكتابة كل أسبوعين. فى البداية كان يظن أنه سيستمر سنة واحدة فقط، لكنه وجد الأمر ممتعًا جدًا.
اليوم لديه أكثر من ٣١٥ ألف مشترك، منهم حوالى ٣٠ ألفًا يدفعون مقابل المحتوى. يقول عن التعليقات: «الناس هنا أذكياء وطيبون جدًا، وهذا شىء مختلف عن الإنترنت العادى». يعتبر ذلك تعويضًا لطيفًا عن الجو السياسى السلبى. أحيانًا يتساءل: «كيف يوجد كل هذا اللطف والكرم، وفى نفس الوقت تحدث أمور صعبة مثل حملات الترحيل؟».
يتحدث «سوندرز» عن مخاوفه من سلطة ترامب. يقول: «كنت أفكر: الناس لن تقبل هذا، لكن الحقيقة أنهم يقبلونه». رغم ذلك، يشعر أحيانًا بالانزعاج عند الحديث عن السياسة.
ويضيف: «فى حفلة عائلية، إذا بدأت أجادل فى السياسة، فأنا مجرد رجل عجوز لديه آراء، وهذا ليس ممتعًا». والكثير من آرائه، كما يقول، مجرد أفكار أخذها من الإعلام بدون تفكير عميق.
لكن عندما يكتب قصصًا، يصبح مختلفًا سياسيًا. يجبر نفسه على النظر من وجهات نظر متعددة. يقول: «الكتابة تجعلنى أبطأ فى الحكم وأكثر هدوءًا وأفكر أكثر. هذا يجعلنى أقل يأسًا من الخلافات السياسية الكبيرة. هناك دائمًا فرصة، حتى لو صغيرة، أن نصبح أكثر وعيًا للحظات قصيرة، وعندها الأمور ليست مخيفة جدًا. المشكلة فقط فى العدد: إذا فعل شخص واحد فقط هذا، لا شىء سيتغير».
بدأ جورج «سوندرز» كتابة «Vigil» أو «يقظة» بـ«دافع الفضول لمعرفة ما إذا كان الأشخاص الذين أمضوا عقودًا فى التغطية على تغيّر المناخ يشعرون الآن بالندم. خاصة بعد كل ما يحدث من تغيرات فى المناخ». التحدى، ويعتبره تحديًا أخلاقيًا، كان فى «محاولة تخيّل كيف يمكن أن يبدو هذا الفعل، الذى يبدو لك سيئًا جدًا، جيدًا بالنسبة لذلك الشخص».
الأمر يتعلق جزئيًا بالمهارة الأدبية. يقول: «يمكن أن تُنفَّذ الفكرة بطريقة سهلة وسطحية أو بطريقة معقدة وحقيقية. ولا يمكن معرفة الفرق إلا من خلال النص نفسه. إذا لم تُنجزها بشكل صحيح، يتحول التعاطف إلى شىء سطحى. يشبه ذلك التعاطف الليبرالى السهل، حيث يقوم شخص بإيذائك وأنت تقول شكرًا على شماعة المعاطف».
بمعنى آخر، لم يكن «سوندرز» يريد أن يظهر شخصية «كى جى بوون» بطريقة تجعل القارئ يتعاطف معها أو يبرر أفعالها، لكنه أراد أن يجعلها مفهومة، إنسانية ومعقدة، وهى الصفات التى غالبًا ما نكافح لرؤيتها فى خصومنا خلال النقاشات السياسية الحادة.
ما زال «سوندرز» يفكر فى كيفية التحدث عن السياسة، خلال جولته للترويج لرواية «Vigil»، فى فبراير المقبل، مع الأخذ فى الاعتبار تأثير منصته. يقول: «إذا تكلمت مع الناس الذين يوافقوننى الرأى بنفس الكلمات المألوفة لديهم، فسيكون الأمر سهلًا جدًا. أما شخصيتى، فأنا أميل عادة إلى أن أجمع الناس وأهدئ الأمور. لكن هذا خطير الآن، لأننى لا أريد أن أكون وسيطًا أو صانع سلام لهذا النظام».
حاليًا يستمتع ببضعة أشهر من الهدوء. يمشى مع الكلب، ويفكر فى مشاريع كتابة محتملة. يقول: «الشىء الوحيد الذى أضاعف جهدى فيه هو الاستمرار فى بناء عوالم تخييلية. حسّن جودة تفكيرك، وحسّن جودة تعاطفك، عبر هذا التمرين الطقوسى، وبعدها، أيًا كان ما عليك فعله، ستكون أكثر استعدادًا».







