الأربعاء 21 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

فلسفة الزعيم والكاتب.. جوناثان سمولين: عبدالناصر قال لإحسان بعد اعتقاله «أنا بعالجك»!

جوناثان سمولين
جوناثان سمولين

تعتبر الفترة الناصرية مرحلة مفصلية فى التاريخ المصرى الحديث، امتزجت فيها السياسة بالحياة اليومية، وصاغ الخطاب العاطفى لجمال عبدالناصر علاقة معقدة بين الشعب والسلطة، جذبت اهتمام كثير من الباحثين والكُتّاب، ليس فى مصر وحدها، بل فى الكثير من دول العالم.

وتمتلئ أرفف المكتبات بالعديد من الكتب التى تدور حول هذه الفترة، أحدثها كتاب «The Politics of Melodrama: The Cultural and Political Lives of Ihsan Abdel Kouddous and Gamal Abdel Nasser»، أو «سياسات الميلودراما: الحياة الثقافية والسياسية لإحسان عبدالقدوس وجمال عبدالناصر»، للبروفيسور الأمريكى جوناثان سمولين.

فى هذا الكتاب، يقدم «سمولين» قراءة معمقة لـ«ميلودراما» إحسان عبدالقدوس، وكيف انعكست فى رواياته تجربة المصريين السياسية والعاطفية، وهو ما تحاوره «حرف» بشأنه فى السطور التالية.

■فى كتابك الأخير «The Politics of Melodrama» تحاول أن تقرأ لحظة محورية من تاريخ مصر الحديث من خلال تداخل الأدب والسياسة والعاطفة الجماعية.. ما الفكرة الأساسية التى ينطلق منها هذا الكتاب.. ولماذا اخترت إحسان عبدالقدوس وجمال عبدالناصر تحديدًا لفهم هذه اللحظة؟

- قرأت أعمال إحسان عبدالقدوس، وأنا أعلم ما يعلمه المصريون جميعًا، أنه كان الكاتب الروائى الأكثر شعبية وإنتاجية فى جيله، وأن النقاد غالبًا ما انتقدوه لهذا السبب بالذات. فى البداية، قرأته بالطريقة المعتادة كميلودراما ورومانسية. لكن بعد ذلك بدأت أعود إلى افتتاحياته الأصلية فى «روزاليوسف».

بعد العودة إلى هذه الافتتاحيات اكتشفت شخصية مختلفة تمامًا: صحفى سياسى منخرط بشدة فى الكفاح ضد الاستعمار، ومرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ«الضباط الأحرار»، وحتى له علاقة شخصية مع جمال عبدالناصر.

لاحظت أن كل فصل من رواياته كان يُنشر أسبوعيًا بجانب افتتاحياته السياسية. وعندما قارنت بين ما يكتبه أدبيًا وسياسيًا فى نفس الوقت، بدأت الروايات تبدو مختلفة. لم تكن مجرد قصص حب. بل مليئة بالصراعات والآمال والخيانات نفسها التى شكلت نشاطه السياسى وعلاقته بالثورة.

هذا الاكتشاف جعلنى أرى أعماله الروائية بطريقة جديدة، وأعاد تعريف الثقافة الشعبية بالنسبة لى. فلم تكن هروبًا من الواقع، بل شكلًا من أشكال الانخراط السياسى وأحيانًا من أشكال المعارضة.

■ تستخدم مفهوم «الميلودراما» بوصفه مفتاحًا لقراءة السياسة والثقافة معًا.. لماذا «الميلودراما» تحديدًا؟

- «الميلودراما» مهمة لأنها تكشف لنا كيف كانت السياسة تُعاش بالفعل. نحن غالبًا ما نفكر فى السياسة من خلال مفاهيم مثل «الأيديولوجيا» أو «البروباجندا»، وكأن الناس يتعاملون مع السلطة عبر تحليل الأفكار أو استيعاب الرسائل. لكن فى العهد الناصرى، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لمعظم الناس. لقد عاشوا السياسة شعوريًا: بالأمل والامتنان والفخر والقلق وخيبة الأمل.

قصص إحسان عبدالقدوس كانت تجعل القراء يشعرون بالسياسة عبر الحب والخيانة والصراع الأخلاقى. ونفس المشاعر هذه هى التى شكلت علاقتهم بـ«ناصر» والثورة. «الميلودراما» تساعدنا على فهم سبب استمرار تعلق الناس حتى عندما تُخلف الوعود، ولماذا كان النقد يبدو لهم خيانة، ولماذا كانت الحياة السياسية غالبًا تجربة عاطفية مليئة بالولاء والانكسار، لا مجرد نقاش حول برامج وخطط. باختصار، «الميلودراما» تظهر لنا عالمًا لم تكن فيه السياسة مجرد جدل أو نقاش، بل شعور يُعاش ويُحس فى كل لحظة.

■ «الميلودراما» فى «مصر الناصرية» كانت أداة بيد السلطة، أم لغة تفاوض بينها وبين المجتمع؟

كلاهما معًا. فسرعان ما أدركت الدولة أن «الميلودراما» مهمة لأنها تشكل طريقة شعور الناس بالسلطة. فقد كان «ناصر» نفسه يقرأ الفصول الأسبوعية لـ«عبدالقدوس»، ويتفاعل معها، وأحيانًا يتدخل لتغيير الحبكة. هذا يدل على أن تلك القصص لم تكن هامشية، بل كانت جزءًا من المجال السياسى، ووسيلة مركزية لبناء المشروع الناصرى.

لكن «الميلودراما» لم تكن مملوكة بالكامل للدولة. فقد استخدم كُتّاب مثل إحسام عبدالقدوس نفس اللغة العاطفية للتعبير عن الشك وخيبة الأمل والانزعاج الأخلاقى، بطرق لم يكن بالإمكان قولها صراحة.

وهكذا أصبحت الثقافة الشعبية مساحة يحاول فيها النظام توجيه المشاعر، وفى الوقت نفسه يدفع فيها الكُتَّاب والقراء ردود فعل هادئة. كانت محادثة غير متكافئة، لكنها كانت محادثة بالفعل.

■ كيف غيّرت تجربة السجن عام ١٩٥٤ من بنية السرد والمشاعر فى كتابات «عبدالقدوس».. هل أصبح الخوف جزءًا من أسلوبه؟

- تجربة السجن وما تبعها من أحداث «سريالية» لم تترك أثرًا نفسيًا فى «عبدالقدوس» فقط، بل غيّرت بالكامل الطريقة التى يكتب بها ويعبر عن مشاعره. فبعد ٩٥ يومًا من العزلة والإساءة وعدم اليقين، خرج ليجد نفسه فى علاقة مع السلطة، كانت فى الوقت نفسه حميمة ومرعبة.

أُطلق سراحه دون أى تفسير، لكنه كان يُستدعى تقريبًا كل يوم للغداء مع الرجل نفسه الذى أصدر أمر اعتقاله، والذى كان يمزح بطريقة تهدد حياته قائلًا: «أنا بعملك علاج نفسى يا إحسان». هذه التجربة كانت مليئة بالخوف واليأس والقلق: أرق السجن، والخوف من لطف السلطة المفاجئ والمهدد، ثم الألم الأعمق المتمثل فى اضطراره للعودة للتعامل مع مصدر هذا الرعب مباشرة.

بعد ذلك تغيرت رواياته. أصبحت أكثر توترًا وانطواءً، والشخصيات لم تعد تمضى بثقة نحو تحقيق رغباتها. لم يعد بالإمكان النوم أو الاستقرار أو الثقة بالحب. لم تعد «الميلودراما» تمنح شعور الإشباع أو التنفيس العاطفى. بل تعلم القارئ كيف يعيش مع الخوف، وكيف يكتشف الخيانة دون أن ينطق بها، وكيف يصمد فى عالم يمكن للسلطة أن تؤذيك وتنكر هذه الأذية، وفى نفس الوقت تطلب حبك!

■ إلى أى مدى كانت «الدولة الناصرية» واعية باستخدام «الميلودراما» فى خطابها.. أم أن ذلك كان نتاجًا ثقافيًا غير مخطط؟

- لم يكن هناك خطة واحدة لـ«الميلودراما» مكتوبة فى مكتب وزارة ما، لكن السرد العاطفى كان جزءًا مهمًا من الثقافة السياسية فى تلك الفترة. «الدولة الناصرية»، ومنذ البداية، أدركت أن الشرعية لا تُبنى فقط من خلال السياسات أو الإكراه، بل من خلال المشاعر أيضًا.

استثمرت الدولة بشكل كبير فى وسائل الإعلام الجماهيرية، وكان «عبدالناصر» نفسه يولى اهتمامًا وثيقًا للثقافة الشعبية، يقرأ الروايات ويتفاعل معها. وهذا وحده يدل على أن القصص والمشاعر كانت تُعتبر ذات أثر سياسى.

فى الوقت نفسه، لم تكن الدولة قد حددت بشكل كامل طريقة عمل «الميلودراما» فى المجتمع. فقد نشأت من لحظة تاريخية كان الناس فيها مرتبطين فعليًا بوعد التغيير والتحول. لم يكن كُتَّاب مثل «عبدالقدوس» ينتجون دعاية، بل كانوا يستعينون بالأشكال العاطفية المألوفة لفهم عالم مُشكّل بالأمل وخيبة الأمل.

والنتيجة كانت مساحة ثقافية يمكن للحكام من خلالها محاولة توجيه المشاعر، بينما استخدم الكُتَّاب نفس اللغة للتشكيك فيما أصبحت عليه السلطة. وبالتالى، كانت «الميلودراما» مدروسة وفى الوقت نفسه غير متوقعة، لغة تعلمت الدولة كيف تستخدمها، لكنها لم تستطع السيطرة عليها بالكامل.

■ إلى أى مدى أسهم الخطاب العاطفى لـ«جمال عبدالناصر» فى جعل انتقاده صعبًا.. بحيث بدا الاعتراض عليه أقرب إلى «خيانة» منه إلى «خلاف سياسى»؟

- نجحت خطابات جمال عبدالناصر لأنها ربطت السياسة بالمشاعر بطريقة عميقة. لم يكن يقدم نفسه مجرد زعيم لديه برنامج سياسى محدد، بل كان يجسد الأمل الجماعى، والأذى الذى عانى منه الناس، وفرص الخلاص فى الوقت ذاته. كان يتحدث بلغة التضحية والحميمية، وكأنه والشعب شخص واحد، يعيشان نفس الأحداث والمِحن معًا، كما لو كانت حياتهما متشابكة فى دراما واحدة مشتركة.

فى هذا السياق، لم يعد الخلاف يبدو مجرد نقاش حول السياسات، بل بدأ يُحس كنوع من «الانفصال العاطفى». فانتقاد «ناصر» لم يكن مجرد تحدٍ لقرار أو سياسة معينة، بل كان يُحس كجرح فى علاقة شخصية عميقة شكّلت أساس شعور الناس بالكرامة والفخر وآمالهم فى المستقبل. وكان من السهل جدًا تصوير أى معارضة له على أنها «خيانة»، لأن العلاقة بينه وبين الشعب كانت مؤطرة ليس فقط بالسياسة، بل بالأخلاق والارتباط الشخصى العاطفى.

لذلك، لم تكن خيبة الأمل مجرد إحباط سياسى، بل كانت شعورًا بانكسار القلب، وكان التعبير عن المعارضة أو الاختلاف يحمل نفس الثقل العاطفى الذى يحمله شعور الخيانة. هذا يوضح كيف أن السياسة فى تلك الفترة لم تكن مجرد صراع على السلطة بل كانت تجربة يُعاش فيها الشعور بالولاء والخيانة والأمل والخيبة بشكل متداخل ومعقد.

■ تشير ضمنيًا إلى أن السينما والروايات الرومانسية مثلت نوعًا من «الأرشيف البديل». فما الذى تكشفه هذه الأشكال الثقافية عن الواقع السياسى والاجتماعى والذى تظل الوثائق الرسمية عاجزة عن نقله؟

- تحافظ هذه الأعمال الثقافية على ما لا تكشفه السجلات الرسمية تقريبًا، أى الطريقة التى كان يُعاش بها الواقع السياسى على المستوى العاطفى والشعورى. فالوثائق الحكومية تزودنا بالمعلومات حول ما تم اتخاذه من قرارات، ومتى تم تمرير قانون محدد، وكيف تم تبرير سياسات معينة. إنها سجلات للأفعال والنوايا، تُوثّق ما تم القيام به وما كان يُراد تحقيقه.

على النقيض من ذلك، كانت السينما والروايات الرومانسية تُسجّل المزاج النفسى للناس والتوق والقلق، وخيبة الأمل التى عايشوها فى حياتهم اليومية وفى علاقتهم بالسلطة. ففى قصص «عبدالقدوس» وتجسيداتها السينمائية، يمكن للقارئ أو المُشاهِد أن يدرك معنى الانتظار والشعور بالأمل، وتجربة الحب والخوف، والشعور بالخيانة والإحباط العاطفى.

تُظهر هذه الأعمال العقود العاطفية غير المعلنة التى تربط الحكام بالمحكومين. التوقعات التى حملها الناس فى قلوبهم وعقولهم، والجرح النفسى الذى تراكم لديهم عندما خاب أملهم أو لم تُلبَّ تلك التوقعات. 

هذه التجربة الإنسانية العاطفية التى تحملها الثقافة الشعبية لا يمكن لأى أرشيف رسمى للقرارات واللوائح أن يوثقها أو يقدمها. لأنها تمس المشاعر، والتجربة الداخلية للناس، والعلاقة الحية بين السلطة والشعب على نحو عميق ومعقد.

■ لو كان إحسان عبدالقدوس يكتب اليوم.. ما الشكل الذى كانت ستأخذه «ميلودراماه» فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى؟

- سيظل «عبدالقدوس» كاتبًا حيًا. لأن ما كان يجعل أعماله قوية وملهمة هو قدرته الفريدة على جعل الناس ينتظرون بفارغ الصبر كل جزء جديد من روايته، ويتسارعون إلى الأكشاك للحصول على النسخ، ويظلّون متورطين عاطفيًا مع الأحداث لأسابيع وأشهر وسنوات. لم يكن الأمر مجرد قراءة قصة، بل تجربة تراكمية تتطلب صبرًا واهتمامًا مستمرًا، تجعل القارئ يعيش مع الشخصيات، ويشاركها آمالها وخيباتها وعواطفها المتقلبة.

اليوم، لم يعد من الممكن أن يحدث هذا النوع من التفاعل والانخراط فى الصحف أو المجلات الأسبوعية وحدها. بل ستكون التجربة ممتدة على الشاشات الرقمية، من خلال مقاطع الفيديو وسلاسل المنشورات والخيوط الرقمية، والقصص التى تمزج بين الاعترافات الشخصية والأداء العام أمام الآخرين، حيث يصبح كل جزء من التجربة متاحًا ومتابعًا ومعايشًا بشكل مستمر.

شخصياته كانت لتعيش الآن فى التعليقات على المنصات وفى الرسائل المباشرة، وفى الفضائح التى تنتشر بسرعة ثم تختفى، وفى قصص الحب التى تتم تحت مراقبة مستمرة واهتمام عام. لكن الجوهر الأساسى لهذه القصص سيظل كما هو دائمًا: تركيز شديد على موضوعات التعلق العاطفى والخيانة والطريقة التى تتدخل بها السلطة فى الحياة العاطفية للأفراد، وكيف تؤثر على مشاعرهم وعلاقاتهم الشخصية.

■ هل يمكن القول إن «عبدالناصر» نفسه كان يُقدَّم للجمهور داخل إطار «ميلودرامى»؟

- نعم، وهذه واحدة من أبرز الأنماط فى روايات إحسان عبدالقدوس. كما أذكر فى كتابى، يظهر «عبدالناصر» أكثر من مرة بشكل متخفٍ، كشخصية مزدوجة: رجل ذكورى وسيم وجذاب، يعد بالحب والحماية والوفاء للشخصية النسائية الراوية فى القصة، التى غالبًا ما تعكس مشاعر «عبدالقدوس» نفسه.

هؤلاء الرجال يقدمون أنفسهم كمنقذين وكمصادر للكرامة والأمان، لكنهم يخونون هذه الوعود لاحقًا. هذا البناء الأدبى يعكس بشكل واضح العلاقة الواقعية للجمهور مع «عبدالناصر» فى الخمسينيات وأوائل الستينيات.

بوضع شخصية شبيهة بـ«عبدالناصر» فى قلب أشهر «الميلودرامات الشعبية» فى تلك الحقبة، يحوّل «عبدالقدوس» السياسة إلى قصة حب، ثم يترك هذه القصة تتصدع. رواياته تظهر لنا شعور الوقوع فى حب السلطة، والصدمة التى تأتى عندما لا يُبادل هذا الحب.