الخميس 26 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

المؤرخ الإيرانى هوما كاتو زيان: إسرائيل لن تواصل الحرب إذا قررت واشنطن الانسحاب

حرف

- الحرب تنتهى بمجرد أن يدرك ترامب تكلفتها الباهظة

- تكرار نموذج الحرب الإيرانية العراقية الطويلة مستبعد هذه المرة

- حل الصراع ممكن إذا توقف أطرافه عن الاعتقاد بتعرضهم إلى الهزيمة

فى لحظة إقليمية تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وتتسم بقدر غير مسبوق من السيولة والتوتر، وتداخل الحسابات العسكرية مع إرث طويل من التحولات السياسية، يقدّم هوما كاتوزيان، المؤرخ الإيرانى، مقاربة تحليلية تبتعد عن التفسيرات المباشرة للحرب الجارية، لتضعها فى سياق تاريخى أعمق. 

فالصراع الحالى، من وجهة نظر «كاتوزيان»، فى حواره التالى مع «حرف»، لا يمكن فهمه بوصفه مجرد مواجهة بين أطراف متنازعة، بل هو امتداد لمسار طويل من العلاقة المُركَّبة بين الدولة والمجتمع داخل إيران، وانعكاس لتشابكات إقليمية ودولية أعادت تشكيل المنطقة مرّات عدة.

ينطلق «كاتوزيان» من فكرة مركزية، مفادها بأن التاريخ الإيرانى، بما يحمله من دورات متكررة من الاستبداد والتمرد، يظل حاضرًا بقوة فى تفسير الحاضر، دون أن يعنى ذلك بالضرورة أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا. من هذا المنظور، تبدو الحرب الراهنة كحلقة ضمن سلسلة أوسع من التفاعلات التى لا تُحسم فقط فى ساحات القتال، بل فى توازنات دقيقة بين الداخل والخارج، والشرعية السياسية والضغوط الدولية.

كما يرى أن أخطر ما يمكن أن تئول إليه المواجهة الحالية ليس استمرارها فحسب، بل الطريقة التى قد تنتهى بها. إذ إن الشرق الأوسط، الذى يعانى أصلًا من هشاشة بنيوية، قد يزداد اضطرابًا إذا ما أُعيد إنتاج منطق «المنتصر والمهزوم».

■ فى كتابك الذى سيصدر قريبًا «Iran and the Revolution: A History»، تقدم قراءة تاريخية للثورة الإيرانية باعتبارها نتيجة مسار طويل من التفاعلات بين الدولة والمجتمع، وليس مجرد انفجار سياسى فى عام ١٩٧٩.. ما الفرضية الأساسية التى ينطلق منها الكتاب لإعادة تفسير الثورة؟

- منذ العصور القديمة، إيران خاضعة لنمط من الحكم الاستبدادى التعسفى «ذى الطابع الفرعونى». لم يكن «الشاه» مجرد حاكم على قمة السلطة، بل كان قائمًا فوق المجتمع ذاته، وكان جميع الناس، بغض النظر عن ثرواتهم أو مواقعهم، يُعاملون بوصفهم رعيته. وكان فى وسعه أن يسلبهم حياتهم وممتلكاتهم متى شاء، ودون أى إجراءات قانونية.

نتيجة لذلك، ظلّ الصراع قائمًا على الدوام بين المجتمع والدولة، ما أدى إلى موجات متكررة من التمرد، كانت الدولة تنجح غالبًا فى قمعها. لكن فى الحالات التى كانت تنجح فيها تلك التمردات، كانت تعقبها الفوضى.

فى أوائل القرن العشرين اندلعت ثورة ناجحة، وكانت الأولى من نوعها التى لم ترفع فقط مطلب العدالة، بل سعت أيضًا إلى إنهاء الاستبداد التعسفى. وكما جرت العادة، انتفض فيها المجتمع بأكمله ضد الدولة. غير أنه بعد عقد واحد فقط، عاد النظام ذاته للظهور، ولكن فى صورة حديثة.

أما فى ثورة فبراير ١٩٧٩، فقد نهض المجتمع بأسره ضد الدولة، وكان الهدف المشترك هو «الشاه» نفسه. وقد مثّلت هذه الثورة مزيجًا من قوى وأيديولوجيات سياسية متعددة، غير أن التيار الإسلامى، إلى جانب مختلف الفصائل الماركسية- اللينينية، كان لهما اليد العليا هذه المرة.

■ تعود بالكتاب إلى لحظة انقلاب ١٩٥٣ ضد حكومة محمد مصدق، بوصفها محطة مفصلية فى التاريخ الإيرانى الحديث.. إلى أى مدى شكّل هذا الحدث نقطة التحول التى أعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع، ومهدت الطريق لاحقًا لانفجار الثورة؟

- أدى الانقلاب إلى قيام نظام ديكتاتورى تحالف فيه كبار مُلاك الأراضى والمؤسسة الدينية تحت قيادة «الشاه»، وأسهم فى تصاعد مشاعر العداء الواسعة للولايات المتحدة بين عامة الناس.

هزّ الركود الاقتصادى فى أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات هذا النظام، إلا أن «الشاه»، بحلول عام ١٩٦٣، لم ينجح فقط فى القضاء على الجبهة الوطنية الإيرانية، وأنصار الإصلاح الموالين له، بل تخلّى أيضًا، من خلال ما عُرف بـ«الثورة البيضاء»، عن حلفائه الذين ساندوه فى الانقلاب، وهم مُلاك الأراضى ورجال الدين.

أدى ذلك إلى اندلاع انتفاضة يونيو ١٩٦٣، التى قُمِعَت بعنف شديد. ومنذ ذلك الحين وحتى انطلاق حركة الاحتجاج عام ١٩٧٧، ساد حكم الفرد الواحد، وتم إلغاء الحياة السياسية بالكامل. ويُعدّ هذا الوضع، أكثر من انقلاب ١٩٥٣ ذاته، المنبع الحقيقى للثورة التى اندلعت عام ١٩٧٩.

■ الدولة فى إيران كثيرًا ما اتسمت بطابع مركزى قوى يقابله مجتمع متقلب ومضطرب. كيف أسهم هذا النمط التاريخى من العلاقة بين الدولة والمجتمع فى إنتاج لحظة ثورية مثل عام ١٩٧٩؟ 

- أوضحتُ بإيجاز فيما سبق الخلفيات والأصول التى أفضت إلى ثورة عام ١٩٧٩. ومع ذلك، لا يوجد فى «الجمهورية الإسلامية» حكم قائم على الفرد الواحد، وهناك حياة سياسية مُقيّدة لكنها قائمة، وهو ما يمثل الفارق الجوهرى بينها وبين النظام السابق. لكن، وبطبيعة الحال، أدّى مجمل هذه الظروف إلى حالة من تراجع شعبية الدولة على نطاق واسع، وإن لم تصل إلى حد الرفض الشامل.

■ الثورة الإيرانية لم تكن نتاج تيار واحد، بل نتيجة تحالف واسع بين قوى متباينة: إسلامية ويسارية وقومية.. كيف تفسر تشكل هذا التحالف المؤقت؟ ولماذا انهار سريعًا بعد نجاح الثورة؟

- كان الأمر كذلك بالفعل. فلم يقتصر الدعم للثورة على عامة الشعب فحسب، بل شمل أيضًا جميع القوى السياسية المُنظَمَة، التى توحّدت بهدف واحد هو إسقاط «الشاه». غير أنه، وما إن تحقق هذا الهدف، حتى دخلت البلاد فى حالة من الفوضى، إلى جانب صراع حاد حول أىّ القوى ينبغى أن تتولى خلافة النظام السابق، وهو ما انتهى فى نهاية المطاف بانتصار التيار الإسلامى.

■ بالنسبة للدور المعقد للدين فى الثورة الإيرانية.. هل كان الدين إطار أيديولوجى حاسم قاد الثورة، أم أنه كان لغة رمزية استخدمتها قوى اجتماعية متعددة للتعبير عن مطالب سياسية واجتماعية أوسع؟

- الأقرب إلى الصواب هو الاحتمال الثانى. فبما أن الهدف كان إسقاط «الشاه»، فقد توحّدت كلٌّ من القوى الدينية والعلمانية حول هذا الهدف. وبالنظر إلى طبيعة المجتمع الإيرانى، فحتى لو كان هناك سياسى علمانى قد تصدّر المشهد بوصفه القائد الرمزى للحركة، فمن المرجّح أن النتيجة كانت ستكون مشابهة إلى حدّ كبير.

■ إلى أى مدى لعبت سياسات الولايات المتحدة والغرب تجاه إيران دورًا فى تعميق الأزمة السياسية التى أدت إلى سقوط نظام «الشاه» قديمًا؟ وكيف يمكن فهم التوترات العسكرية الحالية بين إيران وخصومها الإقليميين، وهل يمكن أن يكون لها تأثير مشابه فى إعادة تشكيل المشهد السياسى الداخلى حاليًا؟

- لم تلعب الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، ولا الغرب عمومًا، أى دور فى تشجيع الثورة. صحيح أن موقف الرئيس جيمى كارتر من حقوق الإنسان قد أسهم، بشكل غير مقصود، فى تحفيز حركة الاحتجاج ضد «الشاه»، الذى كان يعانى بالفعل من صورة سلبية فى الغرب على هذا الصعيد، والذى اعتقد الإيرانيون، على نحو خاطئ، أنه مجرد دمية بيد الولايات المتحدة، لكن لم تكن لدى الغرب مصلحة أو نية فى الإطاحة به.

مع ذلك، لعب الرأى العام الغربى دورًا فى منعه من قمع الانتفاضة بعنف شديد، على النحو الذى فعله عام ١٩٦٣. ويكفى الاستشهاد بأن الرئيس جيمى كارتر و«الشاه» احتفلا معًا برأس السنة فى طهران، فى الأول من يناير ١٩٧٨، حين وصف «كارتر» إيران آنذاك بأنها «جزيرة الاستقرار فى الشرق الأوسط».

أما الوضع فى ظل «الجمهورية الإسلامية»، فقد كان ولا يزال على النقيض تمامًا. بدءًا من القطيعة مع الولايات المتحدة بعد أشهر قليلة من الثورة، مرورًا بالحرب التى استمرت ٨ سنوات مع صدام حسين، وحظى خلالها بدعم غربى علنى، ثم حالة العداء الحاد بين إيران وإسرائيل، وصولًا إلى الاتفاق بشأن الملف النووى الذى أجهضه الرئيس دونالد ترامب، وأخيرًا المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتى لا تزال مستمرة.

■ إذا استمرت المواجهة بين إيران، والولايات المتحدة وإسرائيل، هل تعتقدون أن إيران قد تدخل مرحلة تاريخية جديدة شبيهة بالتحولات الكبرى التى شهدتها فى النصف الثانى من القرن العشرين؟

- من الصعب للغاية التكهن بذلك، لأن الأمر يعتمد إلى حدّ كبير على الكيفية التى ستنتهى بها هذه الحرب.

■ فى كتابك «Iranian History and Politics: The Dialectic of State and Society»، يبدو أن المجتمع الإيرانى غالبًا ما يتأثر بالتغيرات الاقتصادية والسياسية قبل أن يترجم احتجاجه إلى تحرك جماعى.. كيف تفسر إمكانيات الاحتجاجات الاجتماعية الحالية فى إيران فى ظل الحرب أو الضغوط الدولية؟ وهل يمكن أن تنتج تغييرات فعلية كما حدث فى فترات تاريخية سابقة؟

- يُعدّ الاحتجاج ضد الدولة سمة متجذّرة فى إيران، بغضّ النظر عن طبيعة السلطة أو القائمين عليها. وعندما لا تتوافر فرصة للتعبير العلنى، ينشط ما يمكن تسميته بـ«السوق غير الرسمية» للنكات والتهكّم والمعلومات المضلِّلة ونظريات المؤامرة الموجّهة ضد الدولة. وهذه عادة ضاربة فى القِدم، ومن الصعب أن تختفى بسهولة.

■ إيران اليوم تشن هجمات على دول الخليج، بينما تواجه تهديدًا مباشرًا من أمريكا وإسرائيل. من منظورك كمؤرخ، هل هذا التصعيد يمثل استراتيجية طويلة المدى لإيران، أم استجابة انفعالية لضغوط تاريخية؟

- تتركز الهجمات على دول الخليج أساسًا على أهداف أمريكية، بوصفها شكلًا من أشكال الدفاع عن النفس. ولا توجد لها سابقة تاريخية واضحة. كما أنه من المشكوك فيه أن تكون لها آثار حاسمة فى تحديد طبيعة العلاقات المستقبلية بين إيران وتلك الدول.

■ هل يمكن مقارنة سياسات إيران العسكرية الحالية بالأنماط السابقة من الردود على الضغوط الدولية؟ 

- شارك الجيش فى انقلاب ١٩٥٣ بدافع من مخططى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. أما فى ثورة ١٩٧٩، فقد أعلن الجيش حياده عندما كان رأسه الفعّال «الشاه» خارج البلاد، وكانوا يخشون اندلاع حرب أهلية. ولا يشبه أى منهما الوضع الحالى، فالآن يتمتع الجيش بقوة واستقلالية واضحة.

■ ما تصورك لمستقبل الحرب الحالية؟ وهل من المرجح أن تؤدى الضغوط الخارجية إلى تغيير جذرى فى النظام الإيرانى؟ 

- من الصعب جدًا التكهن بذلك أيضًا. فكل شىء يعتمد على كيفية تطوّر الأحداث ومسارها.

■ إذا استمرت المواجهة الحالية.. ما السيناريوهات التاريخية الممكنة لتطور الصراع؟

- من المرجح أن ينتهى هذا الصراع بمجرد أن يرى الرئيس «ترامب» أن التكلفة الإجمالية للحرب أصبحت باهظة إلى حد لا يمكن تحمّله. كما أنه من المستبعد أن تواصل إسرائيل الحرب إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب منها.

آثار ضربة أمريكية على إيران

■ هل تتوقع تحول الحرب الحالية إلى نزاع طويل الأمد مشابه للحروب الإيرانية العراقية فى ثمانينيات القرن الماضى؟

- لا شىء مستحيلًا، لكن من غير المرجح أن يمتد هذا الصراع لفترة طويلة على غرار تلك الحرب.

■ كيف تقيّم احتمال أن تؤدى الحرب الحالية إلى إعادة ترتيب النفوذ الإيرانى فى المنطقة؟

- يتوقف ذلك كله على كيفية انتهاء الحرب وتوقيتها، ومن المبكر جدًا التكهن بهذا الأمر فى الوقت الراهن.

■ بالنظر إلى السياق الإقليمى والدولى ما تأثير الحرب الحالية على الاستقرار فى الشرق الأوسط بشكل عام؟

- لقد أسهمت هذه الحرب بالفعل فى زيادة حالة عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط مقارنة بما كانت عليه سابقًا. ومع ذلك، قد يكون تحقيق قدر أكبر من الاستقرار ممكنًا، إذا لم يُنظر إلى أى من أطراف الصراع على أنه قد تعرّض لهزيمة.