الخميس 02 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

صائدة «مصريبثيكس».. شروق الأشقر: تخيلوا معى مطاردة ضرس ملقى فى الصحراء منذ 18 مليون سنة!

شروق الأشقر
شروق الأشقر

- لم يكن تحركنا عشوائيًا أو قائمًا على المصادفة بل امتلكنا تصورًا واضحًا 

- عندما عثرنا على العينة الأولى أدركنا أننا أمام شىء استثنائى

- الاكتشاف الجديد يقع فى موقع متميز فى الشجرة التطورية للقردة العليا

- لم تأت علينا أى لحظات شك أو يأس فى إيجاد ما نبحث عنه أبدًا

فى لحظة نادرة، لا يكتفى العلم فيها بإضافة جديدة إلى سجلاته، بل يعيد كتابة سطور كاملة من تاريخه، جاء اكتشاف نوع جديد من القردة العليا يحمل اسم Masripithecus moghraensis أو «مصريبثيكس»، ليضع شمال إفريقيا فى قلب واحدة من أقدم الحكايات البيولوجية ألا وهى قصة النشأة والتطور. 

فالاكتشاف الذى نُشر فى مجلة «Science» أعرق دورية علمية بالعالم لا يمثل فقط إنجازًا علميًا لافتًا، بل يفتح بابًا واسعًا لإعادة التفكير فى المسارات التى سلكتها الكائنات الأولى قبل ملايين السنين.

فى حوارها مع «حرف»، تكشف الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة الرئيسية فى الفريق البحثى لهذا الاكتشاف، عن رحلة استمرت سنوات من العمل الميدانى الشاق فى صحراء مصر، كما تتحدث عن الاكتشاف الذى طرح أسئلة جديدة عن شمال إفريقيا، وهل كانت نقطة الانطلاق الأولى للبشرية؟ وهل نحن أمام تحوّل حقيقى فى السردية العلمية الراسخة منذ عقود؟.

■ نشر بحث فى مجلة Science ليست خطوة عادية.. متى شعرتم أنكم أمام اكتشاف سيُغيّر السرد العلمى وليس مجرد إضافة جديدة؟

- منذ اللحظة الأولى لانطلاقنا فى هذا المشروع، لم يكن تحركنا عشوائيًا أو قائمًا على المصادفة، بل كنا نمتلك تصورًا واضحًا عن وجهتنا العلمية وما نسعى للعثور عليه. وعندما عثرنا على العينة الأولى، لم نتعامل معها بوصفها اكتشافًا عابرًا ضمن سياق البحث، بل أدركنا على الفور أننا أمام شىء استثنائى.

تلك اللحظة كانت حاسمة. إذ تبلورت لدينا قناعة مبكرة بأن ما بين أيدينا لا يمثل مجرد إضافة جديدة إلى المعرفة العلمية، بل يحمل إمكانية إحداث تحول حقيقى فى السرد العلمى القائم، وإعادة النظر فى تصورات ظلّت مستقرة لسنوات طويلة.

■ هل كنتم مدركين منذ البداية أن هذا الاكتشاف قد يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا؟

- بالتأكيد، فمنذ اللحظة الأولى لتخطيطنا البحثى كنا نضع هدفًا واضحًا يتمثل فى البحث عن أسلاف القردة العليا. وبناءً على هذا التصور العلمى، كان من الضرورى التوجه إلى هذا الموقع تحديدًا، باعتباره الأكثر احتمالًا لاحتضان مثل هذه الحفريات. بالفعل، توجهنا إليه وواصلنا العمل عبر عدة رحلات ميدانية متتالية منذ ٢٠٢١ و حتى ٢٠٢٤، إلى أن تمكّنا فى النهاية من العثور على الحفريات المؤكدة التى كنا نسعى إليها.

■ ما الذى يميز Masripithecus moghraensis عن باقى الحفريات التى تم اكتشافها من قبل؟

- هذا سؤال مهم للغاية. لقد أجرينا مقارنة بين الحفريات التى اكتشفناها، وتلك التى تم اكتشافها سابقًا فى مناطق أخرى، سواء فى إفريقيا أو أوروبا، ومن خلال الدراسة والمقارنة تبيّن أنها مختلفة تمامًا عن أى نوع من أنواع القردة العليا الأخرى. ونؤكد، من خلال ما توصلنا إليه فى الدراسات التى أجريناها، أن الاكتشاف الجديد يقع فى موقع متميز فى الشجرة التطورية، أو شجرة الأنساب الخاصة بالقردة العليا.

■ هل يمكن القول إن هذا الاكتشاف ينقل مركز نشأة القردة العليا من شرق إفريقيا إلى شمالها؟ وهل هناك أماكن فى دول الشمال بها حفريات مماثلة؟

- نعم بالتأكيد، فكل دول المنطقة التى تحتوى على الصخور الحاملة لبقايا الكائنات التى عاشت فى فترة الميوسينى من المحتمل أن يتم العثور فيها على حفريات أخرى، وبالنسبة للتعاون مع دول أخرى فى شمال إفريقيا لاستكمال التنقيب لديها، فهو أمر غير واضح بعد.

■ كيف يغيّر هذا الاكتشاف السيناريو المعروف لتطور القردة العليا.. وهل يمكن أن يؤدى إلى إعادة النظر جزئيًا فى نظرية تطور الإنسان؟

- ليس الإنسان بشكل مباشر دعينا نكن محددين. لكن السؤال العلمى السائد الذى حيّر العلماء لفترة طويلة هو، أين ومتى نشأت القردة العليا؟ طالما كانت الإجابة التقليدية تشير إلى شرق إفريقيا، وكانت كل العينات المكتشفة سابقًا من هذا المكان، لم يكن هناك حيادية فى الطرح أو فى النظرية المقدمة، رغم صحة النظرية ضمن المعايير المتاحة والحفريات المكتشفة. لكن عندما يظهر معطى جديد من منطقة جديدة وحفرية لم تُكتشف من قبل، يصبح من الضرورى إعادة النظر فى السيناريو القديم. فالطرح تغير من اعتبار شرق إفريقيا مركز نشأة القردة العليا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وبذلك نكون قد أسهمنا فى تغيير السيناريو السائد أو السردية القائمة وقدمنا سردية ونظرية جديدة تمامًا، مدعومة بكل الأدلة والتحليلات. وربما يختلف أثر هذه الاكتشافات حسب المجتمع العلمى أو الشخص العادى أو المؤسسات. فالمجتمع العلمى سيستفيد من معرفة الأصل والمنشأ، وكيف كانت القردة العليا والكائنات الأخرى فى زمن مختلف، وكيف تكيفت وتفاعلت مع المتغيرات عبر التاريخ التطورى، ما يتيح تقديم استنتاجات ورؤى مستقبلية. دراسة الماضى بهذه الطريقة توفر معطيات مهمة للتعامل مع الحاضر ورؤية مستقبلية للتنبؤ بما قد يحدث لاحقًا.

■ إلى أى مدى واجهتم صعوبات فى تنفيذ هذا البحث الضخم.. وإلى أى مدى كانت تحديات نشره فى مجلة بحجم Scienc؟

- النشر بمجلة Science يعتبر تحديًا بحد ذاته. فالمجلة تقبل ٦ أبحاث فقط من بين كل ١٠٠ بحث. ولو تحدثنا عن تحديات النشر فيها، فأولها هو العثور على عينات. فقد بدأنا البحث فى ٢٠٢١ ووجدنا العينات فى ٢٠٢٤، وهذا كان التحدى الأكبر. تخيلى معى شخص اقتلع أحد أضراسه وألقاه بالصحراء منذ ١٨ مليون سنة، ومن المفترض أن نبحث نحن فى هذه الصحراء عن هذا الضرس المدفون! الأمر كان بهذه الصعوبة، ورغم ذلك لم تأت علينا أى لحظات شك أو يأس فى إيجاد ما نبحث عنه أبدًا. فدائمًا ما كان يتجدد حماسنا وأملنا مع كل رحلة. الأمل والحماس كانا شريكى الفريق ودليلنا فى رحلة البحث. كانا الخط العام فى تعامل الفريق بقيادة الدكتور هشام سلام، الذى يحرص دائمًا على التفاؤل والأمل، وهو ما تعلمناه جميعًا على المستويين العملى والشخصى، فحتى إذا لم نعثر على ما نبحث عنه، نعتبر ذلك إضافة ومعرفة جديدة، ولم نفقد الأمل أبدًا طوال رحلتنا.

أيضًا كان من أكبر التحديات هى الظروف المناخية والجوية، فأحيانًا كنا نضطر للخروج لرحلة بحث فى الصحراء فى شهر أغسطس تحت درجات حرارة مرتفعة جدًا، حتى إنه فى أحد الأيام وجدنا الطعام قد تم طهيه بالفعل من شدة الحرارة.

أيضًا من التحديات فى الموقع كانت العقارب والحيات السامة، التى استطعنا رؤيتها والتعامل معها بشكل علمى وبيئى صحيح، حيث احتجزناها فى أقفاص خاصة مع إدخال طعام لها، وبعد إنهائنا مهمتنا الاستكشافية أطلقنا سراحها لتعود إلى بيئتها الطبيعية، حتى لا يشكل وجودنا خللًا فى النظام البيئى للمكان.

لكن التحديات الخاصة بالنشر فى المجلة كانت أكبر بكثير، فالمجلة لا تنشر أبحاثًا فقط بل تنشر طفرات علمية. فلا بد من تقديم جديد ومؤثر للعلم للفوز فى هذه المنافسة الشرسة للنشر فى المجلة، وأنا أعنى منافسة شرسة، والتى لا تكون فى تخصص واحد بل فى كل التخصصات كالطبية والبيئية والكيميائية والفلكية وغيرها، ولا يفوز بالنشر منها إلا ٦٪. فعندما نفوز بهذا النشر وسط تلك المنافسة الأقرب للمعركة، فهو شىء عظيم جدًا.

فريق جامعة المنصورة صاحب الإنجاز العلمى

■ هل تتوقعون مقاومة من بعض العلماء لهذا الاكتشاف لأنه يغيّر سردًا مستقرًا؟

- لا، بالعكس، فالمجتمع العلمى الصحيح والعلماء الحقيقيون دائمًا ما يشيدون بالصحيح، والحمد لله من خلال المراجعة الدقيقة جدًا جدًا للبحث على يد أكبر العلماء فى تخصص القردة العليا تحديدًا، أشادوا بدراستنا وبالتحليلات التى تمت من خلال الدراسة. وفور نشر البحث واطلاع المتخصصين من الدارسين والمتخصصين فى دراسة القردة العليا فى المنطقة لدينا والمناطق المختلفة فى شرق إفريقيا وأوروبا، أشادوا جميعهم بقوة البحث ودقة التحليلات المستخدمة.

■ ما الخطوة التالية بعد هذا الاكتشاف؟

- مواصلة البحث والاكتشاف فى خرائط أخرى متصلة بالقردة العليا، فمثلًا نحن حتى الآن لا نعرف كيف كانت القردة العليا تمشى؟ هل على اثنين، أقصد ساقين تستطيعان حمل الجسد والسير به وتسلق الأشجار؟ أم كان يعتمد على أطرافه الأربعة فى المشى؟ وهى نقاط جوهرية ومهمة للغاية فى فهم تطور المشى حتى نصل إلى المرحلة الحالية من أننا كبشر نسير على قدمين منتصبى القامة.

فدراسة تطور السير على قدمين تأتى من المرحلة التى كان يعيش فيها بمصر، أساس اكتشافنا. فالعثور على أى حفرية خاصة من الأطراف فهى مهمة للغاية، وأيضًا العثور على حفرية لجمجمة بها مخ أو تفاصيل وجه، تعتبر جميعها إضافات مفيدة وستسهم بشكل كبير جدًا فى إكمال الصورة وفى تقويم سيناريو تطور القردة العليا.

■ هناك تيار كبير من المتشددين فيما يتعلق بالقردة العليا. بمعنى أنهم يرفضون نظرية التطور.. معتبرين أن الإنسان لم يتطور من أى كائن آخر، بل خُلق كبشر على هيئته الحالية. هؤلاء غالبًا يستندون إلى منظور دينى. كيف نرد على مثل هذه المواقف؟ 

- يمكننى القول باختصار شديد أن الرد الصحيح يكون فقط على النقد المنشور فى ورقة علمية محكمة. هذا النوع من النقد هو ما يستحق الرد عليه، أما ما دون ذلك فلا يمكن التعامل معه بأى شكل علمى، وأى محاولة للرد تكون فى إطار العبث ولا تحمل قيمة علمية.

■ ما المقومات والدعم الذى يحتاجه البحث العلمى فى مصر ليتمكن من التوسع وتحقيق تأثير أوسع وإنتاج علمى رفيع المستوى؟

- بالنسبة للباحثين، من الضرورى ألا يستهينوا بذكائهم وقدراتهم، كما فعلنا نحن فى «سلام لاب». لقد اجتهدنا كثيرًا حتى أصبحنا فريقًا يحظى بالاحترام فى مجال نشر العلوم، وذلك بفضل التركيز على دراسة الأسئلة العلمية الصحيحة التى تستحق البحث والإجابة، والتى تُفيد المجتمع العلمى. 

على كل باحث أن يواكب كل ما هو جديد ويهتم بما يُطرح من أبحاث، فالإيمان الداخلى المقرون بالسعى والاجتهاد هو ما يؤدى فى النهاية إلى النتائج، حتى وإن لم تكن قريبة، فهى موجودة بالتأكيد. كما أن الدعم المادى لا يقل أهمية، فالبحث العلمى قائم على توفر الموارد اللازمة.

لكن قبل الوصول إلى مرحلة الباحثين، يجب الاهتمام بالنشء منذ الصغر. نحن فى «سلام لاب» نولى اهتمامًا كبيرًا بالتواصل المجتمعى، أى بكيفية تقريب العلم إلى العامة وإظهار أمثلة حية يحتذى بها على مستويات مختلفة. 

نفخر حاليًا بجيل صغير من المنتمين لمركزنا من مختلف المراحل التعليمية، بدءًا من الصف الخامس الابتدائى، الذين كانوا شهود عيان على أبحاثنا. فالتاريخ العلمى يتغير الآن، حيث يرى الأطفال الباحث والمستكشف عن قرب، ويشاركونه رحلات المعمل والبحث، ما يغرس فى نفوسهم احترام العلم وحب المعرفة.

كما أن للصحافة العلمية دورًا كبيرًا فى توعية المجتمع بأهمية العلم، ويجب إيجاد تيار توعوى يُبرز قيمة العلم لجميع فئات الناس. فى «سلام لاب» ننظم رحلات إلى المدارس ونتحدث مع الطلاب، بالإضافة إلى استقبال الأطفال فى المركز، حيث يحضرون ويشاركون منذ صغرهم، ويظهر معظمهم اهتمامًا بالعلوم بشكل عام. يُعد «سلام لاب» نموذجًا فريدًا يفتح أبوابه للعامة، ونتمنى أن تتكرر هذه التجربة فى جميع المعامل والمراكز البحثية، حتى لو لم يصبح هؤلاء الأطفال علماء فى المستقبل، فإنهم سيكبرون مثقفين علميًا، يعرفون معنى العلم، سواء كانوا فنانين أو حرفيين أو غيرهم.

يطلع الأطفال على مصادر كل الاكتشافات، ويشاركون فى رحلاتنا الاستكشافية فى الصحراء، بل يسهم بعضهم فى الأسئلة والتفكير وفى ترميم وحفظ العينات التى نعثر عليها، ويشاركون فى العمل كاملًا، وينخرطون فى النقاشات العلمية. وهذا ما حدث فى البحث الأخير، حيث تم إشراكهم فى مناقشة الأسئلة التى طرحها المراجعون، وعندما نشرت الورقة العلمية ورأوا مساهمتهم، غمرهم شعور الفخر لأنهم شاركوا فى هذا الإنجاز العلمى، وهو أمر يمثل نقطة مهمة للغاية بالنسبة لنا.

■ هل للحدس دور فى العلم.. أم أن كل شىء محكوم بالبيانات فقط؟

- لكى نتمكن من البحث عن نوع معين من الكائنات، يجب أولًا أن نعرف الكائنات نفسها ونفهم صخور الفترة الزمنية التى عاشت فيها، وأيضًا طبيعة البيئة التى كانت موجودة. بمعنى آخر، علينا أن نحدد الصخور الصحيحة والبيئة الصحيحة التى من المحتمل أن تكون قد عاشت فيها القردة العليا. فى حالتنا، كانت وجهتنا للبحث هى وادى مغرة فى منخفض القطارة بشمال الصحراء الغربية فى مصر، حيث كانت الظروف مناسبة للعثور على أسلاف القردة العليا.

والمقصود بالبيئة الصحيحة هنا هى البيئة المناسبة للعثور على حفرية معينة. ففى حالتنا، القردة العليا كائن برى، لذلك كان من الضرورى البحث فى صخور بيئة برية، وليس فى صخور بيئة بحرية، حيث لن نجد أى شىء. وبالمثل، إذا أردنا البحث عن كائنات بحرية، فلا بد أن نبحث فى البيئة البحرية.