الجمعة 08 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

اليهودى عدو الصهيونية.. إيلان بابيه: إسرائيل على حافة الهاوية وتعيش عُزلة

حرف

- تزايد ابتعاد المجتمعات اليهودية خاصة الشباب عن الصهيونية وإسرائيل

- اقتصاد الحرب يستنزف قدرة «الدولة» على توفير الاحتياجات الأساسية للمواطنين

فى ظل الحرب المشتعلة وتداعياتها المتسارعة على المستويين الإقليمى والدولى، وما تثيره من أسئلة جوهرية حول مستقبل الصراع فى المنطقة، تبرز الحاجة إلى قراءات تحليلية تتجاوز اللحظة الراهنة نحو جذور الأزمة وبنيتها التاريخية والسياسية.

يُعد المؤرخ الإسرائيلى البروفيسور إيلان بابيه من أبرز الأصوات النقدية فى قراءة تاريخ إسرائيل وفلسطين، إذ عُرف بمواقفه المناهضة للنزعة الاستيطانية الإسرائيلية وتفنيده للروايات الرسمية التى تكرّس الاحتلال.

حول رؤيته لتحولات المشهد الراهن، واستراتيجيات إسرائيل العدوانية الممتدة للسيطرة على الأرض الفلسطينية، أجرت «حرف» مع البروفيسور إيلان بابيه الحوار التالى.

■ فى ١٩٩٦، وربما من قبلها فى الثمانينيات، ظهرت وثيقة صهيونية أمريكية بعنوان «A Clean Break»، بين المخابرات الأمريكية وإسرائيل، تضع استراتيجية طويلة المدى لإعادة ترتيب خريطة الشرق الأوسط بشن حروب وتفكيك دول المنطقة خاصة، العراق والسودان وسوريا ولبنان واليمن والصومال وأخيرًا إيران.. بالحرب الحالية على إيران هل نعتبر أن تلك الخطة نجحت؟ 

- لا شكّ فى أن مراكز الفكر ذات التوجّه المحافظ الجديد فى الولايات المتحدة، ورئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو، قد تبنّوا رؤية متقاربة بشأن الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية المطلوبة فى الشرق الأوسط. ومن المرجّح أن تلك الاستراتيجية، التى تبلورت فى تسعينيات القرن الماضى، تقف جزئيًا خلف الحرب الدائرة اليوم. ومع ذلك، لا أرى أنها تمثّل السبب الرئيسى للهجوم الحالى على إيران أو لبنان.

فى تقديرى، ما يجرى هو مزيج من عدة عوامل: أولًا، أجندة شخصية واضحة لنتنياهو، فى ظل تراجع شعبيته واستمراره فى مواجهة اتهامات قانونية. ثانيًا، وجود نخبة ذات نزعة «خلاصية» (مسيانية) أقل اهتمامًا بتفكيك الدول، وأكثر انشغالًا بإعادة تشكيل ما تعتبره «المملكة التوراتية» لإسرائيل كأقوى دولة فى الإقليم. وأخيرًا، هناك سعى لإزالة أى عوائق أمام عملية نزع الطابع العربى بالكامل عن فلسطين التاريخية.

■ هل تعتقد أن دولًا عربية لم تُذكر صراحة فى الوثيقة، مثل مصر، كانت مستهدفة ضمن أهداف استراتيجية غير معلنة؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يؤثر ذلك على فهمنا للصراعات الإقليمية؟

- أعتقد أنكِ تفترضين وجود استراتيجية مُحكمة الصياغة، وهو ما أشكّ فى وجوده من الأساس. فالمصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية، فى تقديرى، لا تتركّز على مصر على الإطلاق. أمّا بالنسبة إلى الأردن، فإن النخبة ذات النزعة «الخلاصية» الحالية تنظر إليه بوصفها جزءًا من «إسرائيل المستقبل»، بينما لا تزال التيارات الأكثر براجماتية داخل الجيش والمؤسسة الأمنية والسياسية تُقدّر أهمية السلام مع الأردن. فى المقابل، فإن جنوب سوريا وجنوب لبنان هما المنطقتان اللتان تحظيان باهتمام خاص من النظام القائم حاليًا بإسرائيل.

■ حرب إسرائيلية على غزة ولبنان ثم إيران وهذا فى الأشهر الأخيرة فقط، كلها بمساعدات عسكرية أمريكية، متى وكيف سيتخلص العالم من هذه «البلطجة» الأمريكية الإسرائيلية؟

- هناك سيناريوهان محتملان لذلك: إمّا أن يتشكّل تحالف عالمى جديد، قائم على قوى المجتمع المدنى فى الشمال العالمى والجنوب العالمى، بحيث يكون فاعلًا ومؤثرًا وقادرًا على المطالبة بنظام عالمى جديد، أو أن تنضج ديناميات التغيير التى بدأت بالفعل فى الولايات المتحدة، بما يفضى إلى بروز رؤية أمريكية مختلفة جذريًا تجاه قضايا العالم.

■ أمريكا خربت العالم أجمع تقريبًا عندما شنت حروبًا وصراعات أدت إلى تفكيك وفصل أغلب دول العالم، وكل هذا تحت مسمى «حملة عسكرية».. متى ننتهى من شرعية هذه الحملة العسكرية التى لا تحتاج إذنًا أو تصريحًا من الكونجرس؟

- نحن بحاجة إلى إعادة بناء النظام القانونى الدولى الذى شُيّد بعد الحرب العالمية الثانية على يد الغرب، فى وقت كان فيه جزء كبير من العالم لا يزال خاضعًا للاستعمار. 

ومن الواضح أنه لا القانون الدولى ولا الأمم المتحدة يمتلكان تأثيرًا يُذكر على الولايات المتحدة، وهو ما يزعزع استقرار المنظومة الدولية برمّتها، ويجعل من قوانين الحرب وقواعد التدخل الدولى موضع سخرية. ومن دون هذه القواعد، لن يكون العالم قادرًا على التعامل مع التحديات العالمية مثل الاحتباس الحرارى، والهجرة والفقر.

فى النهاية، تعود المسألة إلى قدرتنا على بناء تحالف مضاد يضم دولًا وأقليات، وشعوبًا أصلية ونقابات عمالية ومجتمعات مدنية، تسعى إلى إدارة العالم بطريقة مختلفة.

■ لماذا لا يحقق الضغط الشعبى داخل أمريكا أى تأثير على صناعة القرار، رغم كل هذه المظاهرات والاحتجاجات فى أغلب الولايات خاصة بعدما تأثر الشعب الأمريكى نفسه بالحروب التى يشنها قادته تحقيقًا لمصالح إسرائيل؟

- يرتبط ذلك بعاملين أساسيين: أولهما طبيعة النظام الانتخابى، الذى قد يتيح للرئيس سيطرة شبه كاملة على «الكابيتول هيل» ومؤسسات الحكم فى دولة شاسعة، لا تكون فيها القضايا الخارجية دائمًا فى صدارة اهتمامات الناخبين.

أما فيما يتعلق بإسرائيل وفلسطين، فإن الفجوة بين المجتمع والسياسيين تعود أيضًا إلى قوة التوجهات المؤيدة لإسرائيل فى صناعة القرار، إذ لا يزال كثير من السياسيين يخشون نفوذ جماعات الضغط أكثر مما يخشون حكم الناخبين.

■ لنتحدث الآن عن واحد من أهم كتبك «الضغط من أجل الصهيونية على جانبى الأطلسى».. ما الجذور الاجتماعية والسياسية والدينية التى أدت إلى تشكل أولى «اللوبيات» الصهيونية فى بريطانيا وأمريكا؟

- الترويج لإقامة دولة يهودية فى فلسطين، فى المقام الأول، كان فكرة تبشيرية مسيحية إنجيلية. كان هؤلاء أوائل جماعات الضغط فى هذا الاتجاه. غير أن البداية الفعلية كانت فى بريطانيا، حيث تشكّل تحالفًا بين أرستقراطيين يحملون توجهات معادية لليهود مثل آرثر بلفور، وأرستقراطيين يهود بريطانيين كانوا يخشون أن تؤدى موجات «معاداة السامية» فى روسيا إلى تدفّق اليهود الروس إلى بريطانيا.

تحالف هؤلاء مع إمبرياليين سعوا إلى توسيع نفوذ الإمبراطورية البريطانية داخل ولايات الدولة العثمانية، ومع رأسماليين مثل عائلة «روتشيلد» كانوا يبحثون عن أسواق جديدة، وهى توجهات تبلورت فى بريطانيا بين عامى ١٩٠٦ و١٩١٧.

أما فى الولايات المتحدة، فقد تحوّل الأمر إلى «لوبى» مُنظم بعد الحرب العالمية الأولى، حين سعى بعض اليهود الأمريكيين الذين كان كثير منهم يميلون للاشتراكية، إلى التوفيق بين الاشتراكية والصهيونية عبر دعم مشروع استعمار فلسطين، رغم أنهم لم يكونوا ينوون الهجرة إليها بأنفسهم. هكذا تركز النشاط فى البداية داخل الحزب الديمقراطى وقاعدته، مع حملة ضغط فعّالة كانت تُدار من لندن.

■ إلى أى مدى يمكن القول إن «اللوبيات» المبكرة استغلت أزمات عالمية، مثل الحربين العالميتين أو الهجرة اليهودية من أوروبا، لتعزيز موقفها السياسى؟

- هذا يعتمد إلى حدّ كبير على الفترة التاريخية التى نتحدث عنها. فقبل «الهولوكوست»، لم يكن الشعور بالذنب عاملًا حاضرًا، بل كان المشهد مزيجًا من «معاداة السامية» والتعاطف معها، والأصولية المسيحية والرأسمالية والإمبريالية والإسلاموفوبيا.

أما بعد «الهولوكوست»، فيمكن بالتأكيد الحديث عن بُعد جديد أُضيف إلى المعادلة، خاصة فى الطريقة التى خضعت بها أوروبا لضغوط «اللوبيات». ويأخذ هذا الشعور بالذنب شكلين: أولًا، لم تقتصر المسئولية على ألمانيا وحدها، بل إن دولًا أوروبية عديدة، خلال فترة الاحتلال النازى، أسهمت بدرجات مختلفة فى الإبادة الجماعية لليهود. وثانيًا، تمكّنت الصهيونية و«اللوبيات» من إقناع هذه الدول بأن إسرائيل تمثّل جميع ضحايا تلك الإبادة. كما طُرح خيار دعم انتقال يهود أوروبا إلى فلسطين بدلًا من تشجيعهم على البقاء والمساهمة فى بناء أوروبا جديدة.

■ هل الأسباب التاريخية التى شكلت «اللوبيات» فى القرن العشرين هى نفسها التى حافظت على قوتها اليوم، أم ظهرت أسباب جديدة أعادت ترسيخ نفوذها؟

- بالأساس نحن أمام «الأيديولوجيا» والمنهجية ذاتها. غير أن مرور الزمن أضاف بُعدين جديدين: الأول، أن جماعات الضغط، خاصة فى الولايات المتحدة، بلغت درجة من النفوذ جعلتها، فى بعض الأحيان، تسعى إلى ممارسة القوة من أجل ترسيخ قوتها بحد ذاتها. لذلك اتخذت أحيانًا مواقف أو خطوات ضد بعض السياسيين حتى دون طلب مباشر من إسرائيل، فقط لضمان بقاء هيبتها وتأثيرها. أما البُعد الثانى، فهو أن «إيباك» وكذلك جماعات الضغط فى بريطانيا، أدركت أن السيطرة على النخب السياسية ووسائل الإعلام الرئيسية لم تعد كافية. إذ لا يمكن تجاهل الرأى العام أو المجتمع المدنى. لكن فى المقابل، وجدت هذه الجماعات صعوبة فى استخدام أساليب الضغط التقليدية مثل الترهيب أو الإغراء، فى مواجهة مجتمع مدنى بات أكثر نقدًا لإسرائيل والصهيونية.

■ قوة «اللوبيات» اليوم تعتمد أكثر على الماضى التاريخى أم على شبكات نفوذ حديثة، مثل العلاقات مع الإعلام والمؤسسات الأكاديمية والمالية؟

- مزيج من عوامل متعددة. وبسبب امتداد هذا النفوذ عبر الزمن، فإنه يعتمد بدرجة كبيرة على قوته التاريخية، لكنه فى الوقت نفسه يحاول التكيّف مع عصر «الإنترنت بشكل خاص». وبما أن السياسة فى الغرب، حتى الآن، لم تتغير كثيرًا من حيث الجوهر، إذ يظل المال والمسار المهنى أكثر أهمية فى كثير من الأحيان من الاعتبارات الأخلاقية أو القيمية، فإن المنهج المتبع فى التعامل مع النخب لم يشهد تغييرًا حقيقيًا.

■ ما المفتاح لفهم استمرار «اللوبيات اليوم»؟ هل هو بقاء الأسباب القديمة صالحة وفعالة، أم أن هناك «ديناميات» جديدة أكثر قوة جعلتها أكثر نفوذًا؟

- أولًا، إسرائيل بحاجة إليهم أكثر من أى وقت مضى، وهذه هى أحد الأسباب الرئيسية لاستمرارهم. ثانيًا، هذه المنظومة تعمل كجهة توظيف، توفر عملًا لعدد كبير من العاملين، الذين لا يملكون حافزًا حقيقيًا للبحث عن وظائف بديلة فى أماكن أخرى. ومع ذلك، فهى لا تزال فعّالة فى التأثير على النخب السياسية، حتى وإن كان هذا النفوذ يشهد تآكلًا تدريجيًا.

■ تشير إلى أن الصهيونية و«اللوبيات» الداعمة لها لم تستهدف بناء تأييد شعبى واسع، بل ركّزت جهودها على النخب. هل ترى أن هذا التحوّل كان نتيجة استراتيجيات متعمدة منذ البداية؟

- أعتقد أن الأمر كان حسابًا باردًا للغاية، يقوم على فكرة أن ما يحدد السياسة الخارجية ليس الجماهير بل النخب. ومع ذلك، أظن أنهم أدركوا أيضًا أن مخاطبة الرأى العام تتطلب تبريرًا أخلاقيًا، وقد فهموا منذ البداية أن هناك صعوبة حقيقية فى هذا الجانب، وبالتالى قد يكون من غير المجدى محاولة كسب المجتمعات، والأجدى هو التركيز على النخب بدلًا من ذلك.

■ فى كتابك «إسرائيل على حافة الهاوية» تصف إسرائيل بأنها على حافة الانهيار بعد سلسلة من الأحداث السياسية والعسكرية؟ ما الجذور الداخلية والخارجية التى أوصلتها إلى هذه النقطة؟

- يشمل ذلك حالة تفكك اجتماعى داخلى ناتجة عن غياب أرضية مشتركة بين الصهيونية العلمانية والدينية. كما أن اقتصاد الحرب يستنزف قدرة «الدولة» على توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها.

يضاف إلى ذلك تزايد العزلة الدولية التى تواجهها إسرائيل، وتزايد ابتعاد المجتمعات اليهودية، خاصة الشباب اليهود الأمريكيين، عن الصهيونية وعن إسرائيل. كما يمكن إضافة عامل آخر يتمثل فى إنهاك الجيش، ليس سلاح الجو تحديدًا، بل الجيش النظامى، الذى يعانى حاجة مُلِحّة ومتزايدة إلى مزيد من القوى البشرية.

■ من بين الثورات الثمانى التى اقترحتها، أى منها تعتقد أنه الأساس الضرورى لبقية الثورات؟ وأيها الأكثر قابلية للتطبيق فى ظل الوضع السياسى الحالى؟

- نعم، هى سيناريوهات واقعية، وبعضها يحدث بالفعل بشكل غير معلن أو على مستوى منخفض. ولو كانت قد تحققت بالكامل لما كنت قد طرحتها أصلًا. لذلك فهى جميعًا لا تزال فى طور التشكل والتكوّن.

■ هل يمكن أن نصف الصراع الحالى بأنه صراع استعمار قائم على تفكيك الهوية والذاكرة، وليس مجرد نزاع على الأرض؟

- الأمر أكثر تعقيدًا وتدرّجًا من ذلك. فهو صراع بين دولة استيطانية استعمارية والسكان الأصليين لفلسطين، وبالتالى تظل قضية الأرض عنصرًا محوريًا وأساسيًا. غير أن الخلاف حول الأرض، ومحاولات محو الذاكرة وتفكيك الهوية، ليست أهدافًا فى حد ذاتها بقدر ما هى وسائل وأدوات ضمن هذا الصراع.

■ هل ترى أن الانقسامات السياسية الفلسطينية الداخلية أعطت إسرائيل فرصة لإدامة سيطرتها أم أن هذا تفسير مبسط؟

- من الأسهل دائمًا التعامل مع الفلسطينيين عندما يكونون مجزّأين ومنقسمين. لكن هذه ليست الصورة الكاملة. إذ إن قمع الفلسطينيين ما كان ممكنًا دون وجود تحالف عالمى اعتبر هذا الواقع مفيدًا، ورأى فى إسرائيل أصلًا استراتيجيًا يخدم مصالحه.