السبت 27 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

تحذير ما قبل الكارثة.. المفكر البريطانى بول ميسون: «الذكاء الاصطناعى» سيدمر وظائف الطبقة الوسط

بول ميسون
بول ميسون

- النظام العالمى القائم على القواعد ينهار

- السياسات الاقتصادية الأمريكية تعمق الفجوة بين الشمال والجنوب

- مستقبل البشرية فى قدرتنا على تنظيم التكنولوجيا لا الخوف من الآلة

فى عالم يعيش تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية المتصاعدة، يخرج بول ميسون، المفكر والكاتب البريطانى، ليطرح تحديات جديدة لفهم شكل المستقبل، ويكشف عن أبعاد التحولات الجذرية التى تهز النظام الرأسمالى التقليدى.

وخلال أعماله المتعددة التى تزخر بها المكتبات العالمية، مثل «ما بعد الرأسمالية» و«مستقبل مشرق وواضح: كيف يمكن أن نعيش فى عالم تحكمه التكنولوجيا؟»، و«لماذا تشتعل فى كل مكان؟»، و«كيف نوقف الفاشية؟»، يعيد «ميسون» النظر فى معنى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، فى زمن تتسارع فيه التغيرات التكنولوجية، وتغرق السياسات الجيوسياسية فى متاهات المجهول.

فى حواره التالى مع «حرف»، يتحدث المفكر والكاتب البريطانى عن أبرز هذه الكتب وأفكارها الأساسية، متطرقًا فى الوقت ذاته إلى تأثير سياسات الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، على الاقتصاد العالمى، وكيف أن هذه السياسات قد تكون جزءًا من صورة أوسع تشير إلى الانهيار التدريجى لـ«النظام العالمى القائم على القواعد».

■ فى كتابك «ما بعد الرأسمالية» تتحدث عن أزمات النظام الرأسمالى.. كيف ترى تأثير سياسات دونالد ترامب على الاقتصاد العالمى؟

- الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية هو عملية طويلة الأمد تدفعها التغيرات التكنولوجية. فالتكنولوجيا تقوّض قدرة الرأسمالية على تحقيق الأرباح من عمل العمال، لأنها تستبعدهم من عملية الإنتاج، وتجعل من اقتصاد المشاركة أمرًا أكثر منطقية، وقائمًا على الملكية الخاصة.

ما قلته فى كتابى «ما بعد الرأسمالية»، هو أنه مع تعرضها لضغوط متزايدة بفعل هذا المسار التكنولوجى الطويل الأمد، تلجأ الرأسمالية إلى ردود أفعال سلبية، فإما أن تفرض التكاليف على العمال فى الداخل، أو ينهار الاقتصاد العالمى مع اتجاه الجميع نحو السياسات الحمائية.

■ فى حال حدوث ركود اقتصادى هل يمكن أن تسهم هذه الأزمات فى تسريع التحولات التى تناولها كتابك.. وربما تؤدى إلى نشوء نظام اقتصادى عالمى جديد؟

- من الواضح أن «النظام العالمى القائم على القواعد فى طريقه إلى الانهيار». المرة الأخيرة التى حدث فيها شىء كهذا كان فى ثلاثينيات القرن الماضى، تفكك الاقتصاد العالمى إلى كتل تجارية شبه مكتفية ذاتيًا، وانهارت التجارة، ولم تتعافَ سوى الدول التى لجأت إلى التدخل الحكومى والملكية العامة، وإعادة التسلح لتحفيز النمو.

■ لا أعتقد أن النظام الاقتصادى «ما بعد الرأسمالية» هو ما سيأتى لاحقًا. الأرجح أنه سيكون نوعًا من الرأسمالية الموجَهة بقوة من الدولة. والسؤال هو: هل يمكن أن تكون «رأسمالية خضراء»؟

- أعتقد أنه ينبغى أن تكون كذلك. نحن بحاجة إلى تحالف من الدول المصمّمة على تحقيق صافى انبعاثات صفرية، والحفاظ على انفتاح تجارى فيما بينها، والسعى نحو نتائج ديمقراطية.

■ كيف تؤثر السياسات الاقتصادية الأمريكية الحالية على الدول النامية.. وهل يمكن أن تؤدى إلى تعميق الفجوة بين الشمال والجنوب العالمى؟

- بكل تأكيد ستعمق هذه السياسات الاقتصادية الفجوة بين العالمين. الولايات المتحدة أعلنت مؤخرًا عن «حرب تجارية» على كل دولة مصدّرة أو صناعية فى الجنوب العالمى. و«الحرب التجارية» هنا ليست مجازًا، بل هى فعل حقيقى من أفعال الإكراه.

ومع ذلك، إذا تمكن تحالف واسع من دول الشمال العالمى، مثل الاتحاد الأوروبى، والمملكة المتحدة والنرويج وأستراليا واليابان وغيرها، من تبنى علاقة بنّاءة مع جيرانهم فى الجنوب العالمى، فإن أمامنا فرصة لسد هذه الفجوة.

مثلًا، التصنيع الذى طالما كان حلمًا فى منطقة المغرب العربى بات اليوم أمرًا منطقيًا، بجانب إنشاء نظام طاقة متوسطى مشترك واسع النطاق.

هذا ما أود أن يفكر فيه الاتحاد الأوروبى، أن يعملوا على إعادة توطين الإنتاج لدى شركاء موثوقين فى المغرب العربى، وإبرام صفقة رابحة للطرفين، يتم بموجبها خفض أسعار الطاقة فى أوروبا عبر الطاقة الشمسية المنتَجَة فى إفريقيا، مقابل علاقة تجارية أكثر عدالة.

■ لماذا تعتبر أن الرأسمالية الحالية غير قادرة على الاستمرار.. وما العوامل الرئيسية التى جعلتك تصل إلى هذا الاستنتاج؟

- تُظهر المعلومات خاصية جوهرية تدفع بها نحو الإتاحة المجانية والتحرر من الاحتكار. «الرقمنة» تقلّل من التكاليف الحدّية «كلفة إنتاج الكمية الزائدة» لجميع السلع، وليس البرمجيات فقط، بشكل ضخم، إلى درجة أن القواعد التقليدية للإنتاج من أجل الربح لا يمكن أن تنطبق إلا فى ظل احتكار واسع النطاق. لكن الاحتكار يقتل الابتكار.

وحتى الآن، لم نرَ سوى التأثيرات الاقتصادية للبرمجيات والشبكات. أما حين تنطلق ثورة «الذكاء الاصطناعى» بشكل كامل، فسنشهد «أتمتة/ automation» أو تنفيذ آلى للمهام، واسع النطاق للوظائف التى يشغلها أفراد من الطبقة الوسطى.

جوهر الحجة التى أطرحها فى «ما بعد الرأسمالية» هو أن الرأسمالية نظام قابل للتكيّف، لكن التكنولوجيا الرقمية تُفقده القدرة على التكيّف، وهذا بالضبط ما يحدث الآن.

لذا، فإن النظام الذى ينبغى أن نتخيله فى المستقبل هو نظام يقوم على تقليص العمل، وزيادة «الأتمتة»، وتوزيع مزيد من السلع خارج آليات السوق، وتحقيق صفر انبعاثات كربونية.

ما قادنى إلى هذه الاستنتاجات هو إعادة التفكير فى التحليل الماركسى التقليدى، فى ضوء الخصائص الفريدة لتكنولوجيا المعلومات، وذلك على مدار ٢٠ عامًا من العمل كصحفى اقتصادى، أدركت خلالها أن حتى أفضل الاقتصاديين فى التيار السائد لا يفهمون الطبيعة الزمنية المحدودة للرأسمالية.

■ من واقع كتابك «مستقبل مشرق وواضح: كيف يمكن أن نعيش فى عالم تحكمه التكنولوجيا».. كيف ترى تأثير «الذكاء الاصطناعى» على الفجوة بين الدول الغنية والدول النامية؟

- فى الوقت الحالى، أعمل على كتابى المقبل. فالأعمال البحثية التى كنت قد أسندتها إلى خريج شاب، أصبح بإمكانى الآن إنجازها باستخدام «نماذج اللغة الكبيرة»، وأنا حاليًا أستخدم «Perplexity.ai» مثلًا فى إعداد قوائم المراجع أو ترجمة النصوص، و«اGoogle Translate» لترجمة مذكرات كاملة لشخصية شيوعية روسية، وهى خدمة مجانية. هل يمكنك تخيل ما كان سيكلفنى ذلك لو أن مترجمًا بشريًا أدى هذا العمل، أو لو كان على باحث مبتدئ أن يكتب قائمة المراجع؟ هذا هو ما سيحدث لجميع وظائف الخدمة الأولية البسيطة، سيكون الأمر مدمّرًا.

بالتأكيد لا بد من التحقق مما ينتجه «الذكاء الاصطناعى» وخدمات الترجمة، لكننى كنت سأضطر إلى فعل ذلك مع متدرب بشرى أيضًا.

لكن السؤال هو: كيف يمكن لشخص أن يصبح كاتبًا أو مؤرخًا أو اقتصاديًا ذا خبرة، إذا كانت الوظائف الأساسية التى تتيح له اكتساب الخبرة لم تعد موجودة؟ نحن بالكاد بدأنا نفهم تأثير ذلك، وأعتقد أن هذا هو السبب فى أن ثورة «الذكاء الاصطناعى» ستطرح كل الأسئلة التى أطرحها فى «ما بعد الرأسمالية» بشكل حاد.

■ بالتأكيد تابعت بحث جون هوبفيلد وجيفرى هينتون فى مجال «التعلم الآلى» وتطوير «الذكاء الاصطناعى»، الذى نالا عنه جائزة «نوبل» العام الماضى.. باختراعات كهذه هل يمكن أن تصل البشرية قريبًا إلى سيناريوهات كنا نظنها خيالًا علميًا مثل استقلال الآلة فى التفكير بشكل كامل، لدرجة لا تنتظر أوامر البشر وتعمل من تلقاء نفسها أو حتى ربما تستعبد البشر؟!

- من المتوقع أن يتطور «الذكاء الاصطناعى» بشكل أسرع مما كنت أتوقع، خلال القرن الحالى. لكن سواء عملت أنظمة «الذكاء الاصطناعى» تلك بشكل مستقل، أو فرضت سيطرتها على البشر، فإن ذلك يعتمد كليًا على كيفية تعاملنا نحن البشر معها. بإمكاننا تنظيم «الذكاء الاصطناعى»، ويجب أن نعمل على ذلك بذكاء وبفاعلية.

■ تناولت ثورات «الربيع العربى» فى كتابك «لماذا تشتعل فى كل مكان؟».. كيف ترى تطور الأحداث فى تلك المنطقة الآن مقارنة باللحظة التى كتبته فيها؟

- كنت فى مصر خلال «الربيع العربى»، وشهدت كيف أن جماعة «الإخوان» حكمت بطريقة غير عادلة. الأحداث فى الشرق الأوسط تشكل تهديدًا. فإسرائيل تعمل على خلق منطقة نفوذ وسيطرة أكبر، وشاهدنا الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتطوراتها. كما أن السابع من أكتوبر أحد أكثر الأفعال الكارثية التى ارتكبتها «حماس»، بدعم من «حزب الله» وإيران.

يمكن أن يكون هناك سلام وديمقراطية فى المنطقة، لكننى أخشى أنه ما دام «ترامب» و«نتنياهو» مصمميّن على تحدى القانون الدولى، وإيران مستعدة للعب لعبة «حافة الهاوية النووية»، علينا نحن الأوروبيين أن نفعل كل ما فى وسعنا للحفاظ على الهدوء وتعزيز النتائج العادلة والديمقراطية.

■ كيف ترى الاختلاف بين الحركات الاحتجاجية التى شهدناها فى الكتاب، مثل «الربيع العربى» و«احتلال وول ستريت»؟ هل كانت هذه الحركات مدفوعةً بالجماهير فقط، أم كان هناك قادة فكريون يوجهون المشاركين فيها؟

- كان هناك شىء مشترك بين «الربيع العربى» وحركات «Occupy»، وهو أن قادتها كانوا شبابًا متعلمين تمكنوا فجأة من استخدام الشبكات الاجتماعية. لكن الحكام المستبدين كان لديهم رد فعل سريع، فى البداية حاولوا إيقاف هذه الشبكات، لكنهم فشلوا ثم لجئوا إلى القمع، وأخيرًا وجدوا حلًا فعالًا وغمروا الشبكات بـ«الضوضاء». أصبح «الإنترنت» مليئًا بالتضليل الإعلامى والكراهية والإباحية والتحرش، وهو ما يهيمن الآن.

■ فى كتابك «كيف نوقف الفاشية؟: التاريخ.. الأيديولوجيا.. المقاومة» تناقش صعود الفاشية واليمين المتطرف.. كيف ترى دور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بأوروبا فى تمهيد الطريق لهذا الصعود؟

- اليمين المتطرف فى أوروبا يواجه تحديًا كبيرًا الآن. فبعد دعمه الكامل لـ«ترامب»، ها هو يواجه حربًا اقتصادية يشنها على دولهم. قريبًا، قد يجد أولئك أنفسهم فى وضع مشابه لـ«اللورد هو هو /Lord Haw-Haw»، البريطانى الأرستقراطى الذى وقف مع ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، ما لم يغيروا موقفهم.

رغم أن اليمين المتطرف يهدد الديمقراطيات الأضعف، فإنه فى ظل إعادة التسلح والاقتصادات الموجهة من الدولة التى علينا بناؤها، يمكننا معالجة بعض المظالم التى يستفيد منها ذلك اليمين المتطرف.

■ أحد المحاور التى تناقشها فى الكتاب هو أزمة الهوية الوطنية.. هل تعتقد أن هذه القضية هى المحرك الرئيسى وراء صعود اليمين المتطرف فى أوروبا؟

الهوية الوطنية ليست فى أزمة حقيقية. إنها بالأحرى أزمة ما أسميه «الذات النيوليبرالية»، الذات التى قيل لها «أطيعِ السوق، وكل شىء سيكون بخير»، والآن بعدما تم دحض ذلك، بدأ الناس يبحثون عن إجابات.

اليمين يقدم القومية العرقية، بينما يقدم الإسلام «الراديكالى» طريقًا مسدودًا آخر. أعتقد أنه هناك مجال لوجود نوع من الوطنية التقدمية، المرتبطة بالدفاع عن القيم الديمقراطية.

■ تتحدث عن دور وسائل الإعلام فى تعزيز أو مقاومة اليمين المتطرف.. كيف تقيم دور وسائل الإعلام الأوروبية فى تشكيل رأى الجمهور حول هذه الحركات؟

- بالتأكيد، وسائل التواصل الاجتماعى لها تأثير كبير، وأصبح هذا التأثير فى الغالب سلبيًا فى الوقت الحالى. ما أطمح إليه هو أن يتم فرض تنظيمات صارمة على هذه المنصات، خاصة فى ظل استخدامها كأداة لزعزعة الاستقرار الاجتماعى والسياسى، ونشر الكراهية والعداء بين الأفراد والمجتمعات.

■ ما الدور الذى يجب أن يلعبه المثقفون ووسائل الإعلام فى مقاومة اليمين المتطرف؟

- لا أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعى يمكن إعادة توجيهها لصالح السياسة التقدمية فى الوقت الراهن. المليارديرات الليبرتاريون اليمينيون الذين يساندون «ترامب»، بالإضافة إلى مالكى «تيك توك» من الصين، ربما يفضلون أن تُدمر هذه المنصات تمامًا بدلًا من أن تصبح أكثر ديمقراطية.

ما يجب على المثقفين القيام به الآن هو إظهار القيادة الفكرية، فجميع الإجابات موجودة فى الحكمة التى توفرها الفلسفة الليبرالية والإنسانية عبر العصور. إذا تم تطبيق هذه الحكمة على الوضع المعاصر، فإنها تدعونا ببساطة للكفاح من أجل نظام عالمى ديمقراطى قائم على العدالة الاجتماعية. لكن، من أجل الوصول إلى ذلك، يتعين علينا تسريع إصلاح نموذجنا الاقتصادى.

■ هل تعتقد أن العالم يشهد فترة انتقالية نحوشكل جديد من الحركات السياسية والاجتماعية؟

يجب أن تكون الأشكال الجديدة للاحتجاج لها هدف. هذا واحد من الأسباب التى دفعتنى لكتابة «ما بعد الرأسمالية»، لأننى سئمت من رؤية الشباب يهدرون طاقتهم ببساطة فى مقاومة آثار النظام، دون أن يكون لديهم فكرة عما سيأتى بعد ذلك.

لكن الاحتجاج ليس النشاط الرئيسى الذى أوصى به الشباب الذين يطمحون للديمقراطية والتقدم. نحن بحاجة إلى أحزاب وحركات سياسية يمكنها تقديم بديل شامل غير خليط «ترامب» من القومية الاقتصادية والعنصرية.