الأحد 28 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

رسالة خاصة من الكاتب الكبير محمد سلماوى: السياسة استجابت للثقافة فى 30 يونيو

حرف

- المثقفون لم يتخلوا عن دورهم لكن أدواتهم تتغير من عصر لعصر

- الحوار بين الثقافة والسياسة أساس النهضة والتقدم.. ودون منصات الحوار لا يكتمل دور المثقفين

الصديق العزيز الدكتور محمد الباز 

بعد التحية..

طالعت باهتمام شديد ما كتبته، مؤخرًا، فى «حرف» بعنوان «المهمة المفقودة»، وتساؤلك المشروع: أين ذهبت كتيبة مثقفى ٣٠ يونيو؟ وقد تعرضت فى المقال للدور المهم الذى قام به المثقفون المصريون فى ثورة ٣٠ يونيو وفى التحضير لها، وجاءت إشارتك فى محلها للاعتصام الذى قام به المثقفون بوزارة الثقافة، وإن كنت وجدتك قد أغفلت ما قام به كتّاب وأدباء مصر حين عقدوا، فى ذلك الوقت، جمعية عمومية غير عادية أقدموا خلالها على خطوة غير مسبوقة، حيث أعلنوا عن سحب الثقة من رئيس الجمهورية الإخوانى، الدكتور محمد مرسى، الذى ثبت أن ولاءه للجماعة يعلو فوق أى ولاء آخر؛ بما فى ذلك الولاء للوطن، الذى أقسم على صونه واحترامه فى حلفه لليمين الدستورية عند توليه الرئاسة. 

إن دور المثقفين فى التصدى لجماعة الإخوان وفكرها المنحرف، سواء خلال ثورة ٣٠ يونيو، أو قبلها وبعدها لا يمكن إنكاره، فقد كان ذلك الفكر قد تغلغل فى المجتمع بسياسة تشجيعية خلال دولة الرئيس السادات، وبسياسة غض الطرف خلال دولة الرئيس مبارك، وقد اكتفت الدولة فى الحالتين بالتصدى أمنيًا، فقط، لحوادث الإرهاب حين تقع، شأنها شأن أى جريمة أخرى، بينما تصدى المثقفون وحدهم لمنابع ذلك الفكر الهدام، فى كتاباتهم وأعمالهم الإبداعية، ولست بحاجة للتذكير بالأعمال الفنية التى تصدت لهذا الاتجاه فى المسرح، مثل «الجنزير» و«أهلًا يا بكوات»، وفى السينما، مثل «الإرهاب والكباب» وغيرها، ولا يغيب عنا مَن دفعوا حياتهم ثمنًا لتصديهم لفكر الإخوان المنحرف، مثل الدكتور فرج فودة، ولا مَن تعرضوا لمحاولات الاغتيال، سواء الجسدية أو المعنوية، مثل نجيب محفوظ ومكرم محمد أحمد والدكتور نصر حامد أبوزيد. 

إن تلك المحاولات لم تثن المثقفين عن القيام بدورهم التنويرى المقدس، فمثل هذا الدور هو علة وجودهم وغايته raison d’être، فهم ليسوا مثل موتور السيارة الذى يُدار بمفتاح حينًا ويُغلق حينًا آخر، فمصر دولة ثقافة فى الأساس، ومثل هذه الدول يظل موتور سيارتها دائرًا ما وجدت، يمضى بها على طريق التقدم والازدهار وبناء الحضارة؛ رغم ما قد يقابلها على الطريق من عقبات وعثرات، وإن كتائب المثقفين الذين تتحدث عنهم، كانت على امتداد تاريخنا كله هى القوى الناعمة لمصر، وهى التى صنعت مجدها من وقت أجدادنا رواد الحضارة الإنسانية، الذين ما تركوا لنا إلا إنجازات تلك القوى من المعمار والفن والفكر والأدب، وقد استمر هذا الدور حتى العصر الحديث، من خلال الريادة الثقافية التى عرفتها مصر فى العصر الحديث فى الأدب «طه حسين، وتوفيق الحكيم، والعقاد، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وغيرهم»، والسينما «صلاح أبوسيف، ويوسف شاهين، وعاطف الطيب، وغيرهم»، والموسيقى «سيد درويش، وعبدالوهاب، وأم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وغيرهم»، والفن التشكيلى «محمود سعيد، وعبدالهادى الجزار، وسيف، وأدهم وانلى، وتحية حليم، وجاذبية سرى، وسعيد العدوى، وغيرهم»، فماذا حدث بعد ٣٠ يونيو؟ هل توقف حقًا دور المثقفين بعد ما قاموا به فى الثورة وانتهى تأثيرهم؟ 

كما سبق القول، فإن دور المثقفين فى مصر بحكم التعريف لا يتوقف، وما عدد الذين تمت مطاردتهم من المثقفين وفصلهم أو اعتقالهم على مر العهود الماضية؛ إلا دليل واضح على أنهم لم يتخلوا عن دورهم فى مناصرة الحق حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة مع الدولة، لكن ما قد لا يكون واضحًا للبعض هو أن هذا الدور قد يتغير من عصر إلى عصر، أو تتبدل وسائله وأدواته من عهد إلى آخر حسب المتغيرات التى تحدث فى المجتمع. وأذكر فى حديث تليفزيونى أخير أن قالت لى محاورتى فيما يُشبه الاستنكار: أين اختفى المثقفون؟ لماذا لم يصبح لهم دور الآن؟ وضربت أمثلة للدور الذى أصبحت تفتقده، فقالت: لقد شاهدنا فى الماضى صنع الله إبراهيم يعلن عن معارضته للدولة ويرفض جائزة من وزارة الثقافة، ووجدناك أنت تتعرض للفصل من عملك وللاعتقال بسبب مواقفك المعارضة، فلماذا لم نعد نرى هذا الآن؟

إن مثل هذا التساؤل الذى عبّرت عنه المحاورة، الذى كثيرًا ما يتردد فى الإعلام، يقوم على فهم خاطئ لدور المثقف، وهو أن المثقف يجب أن يكون معارضًا دائمًا للدولة، مهما تغيرت طبيعة تلك الدولة، وهذا غير صحيح، لذلك قلت فى ذلك الحديث إن العلاقة بين الثقافة والسياسة يجب أن تكون علاقة تحاور دائم، وليست بالضرورة علاقة صدام، فدور المثقف أن يتحاور مع الدولة فيتفق أو يختلف، ويؤيد أو يعارض، ويدافع أو يصطدم، وهذا هو الفارق بينه وبين الحزب المعارض الذى يستمد كيانه وسبب وجوده من معارضته المبدئية للحكومة، وأخشى أن عدم الحرص على هذا الفرق الجوهرى بين الاثنين هو خلط معيب للأوراق. 

إن حالة التحاور المطلوبة بين السياسة والثقافة هى ما وجدنا كبار القيادات السياسية تحرص عليه، فعبر التاريخ كانت أقوى النماذج القيادية هى تلك التى تدرك أن السلطة دون ثقافة تتحول إلى مجرد إدارة عسكرية، وهكذا وجدنا الإسكندر الأكبر بتأثير من معلمه فيلسوف العصر أرسطو، يستمد أهميته التاريخية ليس فقط من فتوحاته العسكرية، بل من الدور الحضارى الذى لعبته اليونان القديمة تحت قيادته، وفى روما وجدنا الإمبراطور أغسطس وعلاقته بالشاعر فيرجيل صاحب «الإنيادة»، الذى لم يكن مجرد شاعر البلاط، بل كان صوتًا ثقافيًا لمشروع بناء الإمبراطورية، يُنسب إليه واحد من أبهى عصور النهضة فى تاريخ روما، كما أن مثال شارل ديجول وعلاقته المعروفة بالمثقف الفرنسى الأكبر أندريه مالرو ليست ببعيدة. 

تلك العلاقة بين الثقافة والسياسة لا تعنى بالضرورة التطابق بين الاثنين، فللثقافة أيضًا دور تقويمى لا يجب إغفاله، وهو دور قد يصل إلى حد الخلاف الكامل فى المواقف، فإن حدث هذا فى إطار الحوار الدائر بين الجانين فهو يصب فى مصلحة الوطن، وإن حدث فى غيبة ذلك الحوار أدى إلى صدام لا يفيد الوطن فى شىء، بل غالبًا ما يضره، كما حدث فى صراع السادات مع المثقفين الذين كان يسميهم «الأفنديات» الذى أدى لأحداث سبتمبر ١٩٨١ وحملة الاعتقالات الواسعة التى أضرت بصالح الوطن كل الضرر. 

العكس من ذلك تمامًا حدث فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، حيث شهدت البلاد تحولًا جذريًا جاء نتاجًا مباشرًا لالتقاء السياسة والثقافة، فكان مثالًا نادرًا لتطابق الرؤى بين الجانبين، بل لعلنا نقول إن السياسة هنا استجابت لما طالبت به الثقافة من خلال الوقائع سالفة الذكر فى اعتصام وزارة الثقافة واجتماع اتحاد الكتاب، ونفذت ما طالبت به الملايين التى نزلت إلى الشارع فى ذلك اليوم، فقامت ثورة ٣٠ يونيو بريادة المثقفين وباستجابة من الجيش، بتصحيح مسار البلاد، وإسقاط الدولة الخاضعة لجماعة دينية ذات أيديولوجية ظلامية لا تؤمن بالحرية، بل بالسمع والطاعة، ولا تؤمن بالمساواة بين الأجناس، بل بتفوق الرجل وعبودية المرأة، ولا تؤمن بالمواطنة، بل بالتفرقة الطائفية ليس فقط بين المسلمين وغير المسلمين، بل بين طائفة مسلمة وأخرى، وقد تم وضع دستور جديد يؤسس للدولة البديلة الحديثة، وبناء على الدستور تمت الانتخابات وقامت دولة جديدة. 

من هنا، فإن الموقف الذى اتخذه المثقفون المعارضون لدولة الإخوان لم يعد من المطلوب، ولا من المعقول المطالبة به فى ظل دولة جاءت بديلة ونقيضة للدولة التى رفضها المثقفون وثاروا عليها، ومع ذلك أسارع فأقول إن هذا لا يلغى إمكانية الاختلاف حول سياسات كثيرة قد يكون لبعض المثقفين والمفكرين رأى مغاير فيها، وقد كنت أتمنى أن تنتهز أحزابنا السياسية تلك اللحظة التاريخية المواتية لتقوم من غفوتها التى طالت وتؤدى دورها فى إثراء الحوار بينها وبين الحكومة، وذلك بتبنى الأفكار والمواقف البديلة التى يعبر عنها المثقفون والكتاب يوميًا فى الصحف وأجهزة الإعلام، ومن خلال أعمالهم الإبداعية والفكرية. 

إن لدينا فى مصر ما يزيد على مائة حزب سياسى يكاد لا يكون لها وجود، وقد كانت تلك الأحزاب تصلح كمنصة لوجهات النظر التى يقدمها المثقفون لإثراء الحوار المطلوب بين السياسة والثقافة، لكننى أبحث عن تلك الأحزاب فلا أجدها، بل لقد كانت الدولة وليست أحزاب المعارضة هى التى أتاحت منصة لمثل هذا الحوار بإقامة الحوار الوطنى الذى أسهم على مدى سنتين، تقريبًا، فى خلق حالة من الحوار المجتمعى الثرى شاركت فيه قطاعات عريضة من المواطنين من مختلف المجالات، وكانت له نتائج إيجابية فى عدد من الملفات المهمة. 

على إن المثقفين يقومون بدورهم فى جميع الأحوال، وقد وجدناهم على سبيل المثال يتصدون فى الآونة الأخيرة لعدد من مشاريع القوانين التى كانت لهم فيها وجهة نظر مغايرة للحكومة، وتمت إعادة مناقشتها فى البرلمان نتيجة للخلافات التى دارت حولها. كما كان للمثقفين دور مهم فى بلورة الرأى العام وتعبئته ضد مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، وكذلك فى حملة مقاطعة منتجات الشركات الداعمة لدولة الاحتلال، التى كان لها تأثير كبير نتج عنه إغلاق بعض منافذ تلك المنتجات، لكن يبقى علينا أن ندرك أهمية الحوار بين السياسة والثقافة، وأن نعمل على إتاحة الأطر المطلوبة لاستمراره ونموه، فمن غير ذلك لا يكتمل الدور المنوط بالمثقفين، فالتكامل بين السياسة والثقافة كان على مر التاريخ هو أساس نهضة الشعوب وتقدمها.