التحول إلى عرب.. البروفيسور يوسف رابوبورت: فلاحو مصر لم يتحدثوا العربية إلا بعد 3 قرون من الفتح
- سكان القرى فى مصر وبلاد الشام أصبحوا عربًا تدريجيًا أواخر العصور الوسطى
- معظم الفلاحين فى مصر العباسية والفاطمية ظلوا يحتفظون بأسماء قبطية
- استمرار حياة الفلاح المصرى على حالها منذ عصر الفراعنة اعتقاد خاطئ
يعد البروفيسور يوسف رابوبورت أحد أبرز المؤرخين المتخصصين فى التاريخ الإسلامى الوسيط بجامعة «كوين مارى» البريطانية، مع خبرة تمتد إلى دراسة المجتمعات الريفية والهويات العربية فى مصر وبلاد الشام.
فى كتابه الأخير «التحول إلى عرب: تشكّل الهوية العربية فى الشرق الأوسط خلال العصور الوسطى»، يستعرض «رابوبورت» كيف أصبح سكان القرى فى مصر والشام تحديدًا، بشكل تدريجى، عربًا ثقافيًا واجتماعيًا بين القرنين الـ11 والـ15، معتمدين على هويات عشائرية، ولهجات تُعرف اليوم بـ«اللهجات البدوية».
ويبين الكتاب أن هذا التحول لم يكن نتيجة للهجرات القبلية أو اللغة، بل تفاعل مع التحولات الدينية والاجتماعية، مثل اعتناق الإسلام، ونظام الإقطاع، ليصبح القرويون قوة فاعلة فى المجتمع، يعبرون عن هويتهم العربية الجديدة من خلال الثقافة الشعبية واللغة والهيكل الاجتماعى لعشائرهم.
فى حواره التالى مع «حرف»، يكشف البروفيسور يوسف رابوبورت كيف تشكّلت العشائر القروية العربية، وأهمية الريف فى هذه العملية.

■ صدر مؤخرًا كتابك «التحول إلى عرب: تشكّل الهوية العربية فى الشرق الأوسط خلال العصور الوسطى»، هل يمكن أن تقدمه لقرّائنا؟
- الكتاب يروى تاريخ سكان القرى فى الشرق الأوسط خلال العصور الوسطى. فعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من سكان المنطقة كانوا من الفلاحين والمزارعين، فإن تاريخهم نادرًا ما حظى بالدراسة. وعندما أتحدث عن تاريخ الفلاحين، فأنا أعنى دراسة الكيفية التى تغيّرت بها حياتهم وهوياتهم وتشكّلاتهم الاجتماعية عبر الزمن.
سادت صورة نمطية راسخة خاصة بالفلاح المصرى، مفادها أن حياته ظلت على حالها منذ عصر الفراعنة، وطوال الحقبة الإسلامية. وبصفتى مؤرخًا أطّلع عن كثب على المصادر والوثائق، أرفض هذه الصورة النمطية رفضًا قاطعًا. كما أرفض الافتراض القائل بأن فلاحى الشرق الأوسط كانوا دومًا سلبيين ولا يمتلكون أى قدرة أو تأثير، وهو اعتقاد جعلنا نغفل بعضًا من أهم جوانب ماضى الشرق الأوسط.
بالاستناد إلى قراءة دقيقة لوثائق إسلامية من العصور الوسطى، تقوم نظريتى فى الكتاب على أن سكان القرى فى مصر وفلسطين وبلاد الشام الكبرى أصبحوا عربًا تدريجيًا خلال أواخر العصور الوسطى، من القرن الـ١١ إلى القرن الـ١٥.
كانوا قد بدأوا بالفعل فى التحدث بالعربية بحلول نهاية القرن التاسع، أى بعد نحو ٣ قرون من الفتح العربى. لكن منذ القرن الـ١٢، خاصة فى العصرين الأيوبى والمملوكى، بدأ الفلاحون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم أعضاءً فى عشائر قروية تعود أصولها إلى شبه الجزيرة العربية، واعتمدوا لهجة كانوا يعدّونها عربية، وهى ما نسمّيه اليوم «اللهجة البدوية»، إلى جانب تبنى ارتداء اللثام، الذى اعتُبر آنذاك زيًّا عربيًا.
الأهم من ذلك أنهم بدأوا فى تداول «السيّر»، أى القصص الملحمية التى تتناول بطولات العرب العِظام فى الجاهلية وبدايات الإسلام، مثل سيرة عنترة، التى لم تبدأ فى الانتشار إلا فى القرن الـ١٢.
وقد ثار سكان القرى فى صعيد مصر ضد سلاطين المماليك وجُباة الضرائب تحت راية التضامن العربى. فى حين دخل قرويو سوريا وفلسطين فى صراعات مع قرى مجاورة باسم التحالفات القبلية بين قيس ويمن.
ويخلص الكتاب إلى أن تشكّل العشائر القروية العربية فى أنحاء مصر وبلاد الشام الكبرى، كان أهم تحوّل شهده الريف فى الشرق الأوسط خلال العصر الإسلامى، وهو تحوّل ترك بصمته العميقة على ما نعرفه اليوم من ثقافات وهويات عربية وبدوية.

■ ما الذى دفعك للتركيز على مصر وبلاد الشام الكبرى تحديدًا؟
- بدأت دراستى بالبحث عن مصادر تتناول تاريخ القرى فى الفترة الإسلامية. كنت أرغب فى معرفة كيف عاش الفلاحون، وكيف كانوا ينظرون إلى أنفسهم، وما الذى كانوا يقاتلون من أجله.
كثير من الدراسات التاريخية السابقة اعتمدت على المدوّنات التى كُتبت فى مدن مثل القاهرة ودمشق خلال العصر المملوكى، وبشكل خاص على أعمال المقريزى. لكن بالنسبة للفترات الفاطمية والأيوبية والمملوكية، لدينا عدد كبير من الوثائق والنصوص القادمة من الريف، وهذه الوثائق تتيح لنا قراءة تاريخ القرى من القاعدة إلى الأعلى.
على سبيل المثال، تم الكشف عن آلاف الوثائق من صعيد مصر والفُيوم خلال التنقيبات الأثرية أو اكتشفها قرويون معاصرون، وهى الآن محفوظة فى المتاحف فى مصر وأوروبا. كما يحتفظ دير سانت كاترين فى سيناء بأكثر من ١٠٠٠ مرسوم وعريضة ووثيقة قانونية من أواخر العصر الفاطمى والأيوبى والمملوكى. وبالنسبة للقرن الـ١٤، توجد مجموعة من الوثائق القانونية من «ديوان القاضى» فى القدس، تضم نحو ١٠٠٠ صك، بينها بعض الوثائق المتعلقة بالقرى الموهوبة لصالح الحرم الشريف فى القدس.
لدينا أيضًا كتاب قرى الفُيوم «بلاد الفُيوم» لـ«الناصرى النابلسى»، فى القرن الـ١٣، والذى يُعرف أحيانًا بـ«تاريخ الفُيوم»، وهو مسح لما يقرب من ١٠٠ قرية فى الفُيوم، يصف سكانها، والضرائب التى دفعوها. كما توجد قواميس تراجمية «طبقات» كتبها رجال من أصول ريفية، مثل «الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد» لـ«الإدفوى».
ولدينا حتى سير ذاتية لأشخاص نشأوا فى القرى، وتوضح بجلاء أن القرويين فى مصر وسوريا كانوا يرون أنفسهم أعضاءً فى عشائر قروية. على سبيل المثال، يذكر شهاب الدين أحمد القلقشندى، البيروقراطى المملوكى المعروف، المولود عام ١٣٥٥ ميلادية، أن جميع سكان قريته «قلقشندة» فى القليوبية كانوا ينتمون إلى عشيرة «بنى بدر» من «الفزارة». بينما يشير الفقيه والمتكلم برهان الدين البقاعى، المولود عام ١٤٠٦، إلى أن جميع سكان قريته «خربة روحا» فى البقاع ينتمون إلى عشيرة «بنى حسن»، وأنهم يدعون النسب إلى الصحابى سعد بن أبى وقاص.
■ فى الكتاب تبرز الفترة بين القرنين الـ١١ والـ١٣ كمرحلة محورية.. ما الذى يجعل هذه الحقبة ميلادًا للهوية العربية بمعناها الثقافى والاجتماعى؟
- كان التحوّل نحو العشائر القروية العربية فى مصر وسوريا، فى أواخر العصور الوسطى، مدفوعًا بعاملين رئيسيين، الأول هو أن الريف شهد تحوّلًا جماعيًا نحو الإسلام. وبعد اعتناقهم الإسلام، تبنّى القرويون الجدد الهوية العربية لأنهم رغبوا فى اكتساب المكانة الاجتماعية والهيبة المرتبطة بها. يجب أن نتذكر أنه فى مصر العباسية والفاطمية المبكرة، ظل معظم الفلاحين يحتفظون بأسماء قبطية، وكانت الكنائس والأديرة منتشرة بشكل واسع حتى حوالى عام ١٠٠٠ م. أما التحول الريفى إلى الإسلام فقد تسارع بعد هزيمة الفاطميين والصليبيين.
أما السبب الثانى الرئيس لانتشار العشائر القروية فكان إدخال نظام الإقطاع فى القرن الـ١٢. لقد حوّل الإقطاع الفلاحين من مالكى الأراضى إلى مستأجرين. ففى القرون الإسلامية المبكرة، كانت الملكية الخاصة للأرض شائعة، ولكن مع بداية القرن الـ١٢، تولّت الدولة ملكية معظم المحاصيل الحقلية، ثم منحت ضباطها العسكريين حقوقًا لتحصيل الضرائب من القرى، وهى الحقوق المعروفة باسم «منح الإقطاع».
فى ظل نظام الإقطاع، كان فلاحو مصر وسوريا يزرعون الأراضى المملوكة للدولة بموجب عقود إيجار جماعية. وكان رؤساء القرى «شيوخ فى مصر، رؤساء فى فلسطين» مسئولين عن ضمان أن تكون حقوق الاستئجار مُتَاحة فقط لأعضاء المجتمع القروى، الذى أصبح الآن عشائر.
لقد حرم نظام الإقطاع القرويين من الحقوق طويلة الأمد على الأراضى التى يزرعونها، وكانوا دائمًا عرضة للطرد عند انتهاء عقودهم. وفى هذه المرحلة، بدأ الفلاحون يُعرفون ليس بالأرض التى يزرعونها، بل بالعشيرة التى ينتمون إليها.

■ هل تعتقد أن المدن الكبرى مثل القاهرة أو دمشق كانت فى البداية مقاومة لفكرة «التعريب»؟
- لا، على العكس. كانت المدن الإسلامية المبكرة أكثر عربًا من القرى. ففى القرون الإسلامية المبكرة، كانت النخبة العربية المسلمة التى غزت الشرق الأوسط تعيش أساسًا فى المدن، سواء فى المدن ما قبل الإسلام مثل دمشق، أو فى الأمصار.
لكن حوالى القرنين الـ١١ والـ١٢، الهوية العربية انتشرت فى الريف، بسبب اعتناق عدد كبير من القرويين للإسلام، وبسبب نظام الإقطاع، الذى دفع الفلاحين لتشكيل عشائر قروية. فى هذه الفترة، وتحديدًا تحت حكم الأيوبيين والمماليك، كانت هوية العشيرة لدى القرويين مهمة للحماية ولمقاومة الضرائب وللمكانة الاجتماعية. أما سكان المدن، فلم يواجهوا مثل هذه التحديات، وبالتالى لم يشكلوا عشائر. فالمجتمع الحضرى لم يتحول إلى مجتمع قبلى.

■ إلى أى مدى أعادت الهجرات القبلية من شبه الجزيرة العربية تشكيل البنية الاجتماعية للريف المصرى والسورى، كما تصفها؟
- الرؤية السائدة، سواء بين العامة أو الأكاديميين، هى أن القبائل دائمًا تنشأ فى الصحراء وترتبط بالحياة البدوية. وعندما يجد المؤرخون أدلة على وجود مجتمعات قروية كانت تعرف نفسها على أنها عشائر، يقول المؤرخون المعاصرون غالبًا إن هذه كانت قبائل بدوية استقرت فى مكانها.
معظم المؤرخين يرفضون تصور أن القبائل والعشائر يمكن أن تظهر بين المجتمعات القروية. كما أنهم يميلون إلى رؤية القبائل العربية كمجموعة هامشية لم تكن جزءًا من السكان الفعليين من الفلاحين.
لكن هذه الرؤية لا تبدو منطقية بالكامل. أولًا، سكان شبه الجزيرة العربية لم يكونوا كثرًا بما يكفى لإرسال قبائل مهاجرة بشكل مستمر إلى باقى أنحاء الشرق الأوسط، ويجب أن يكون عدد الأشخاص الذين هاجروا بهذه الطريقة قليلًا، مقارنة بالسكان الكثر لمصر وفلسطين وسوريا. صحيح أن هناك هجرات لقبائل خلال زمن الفتح، لكن لا توجد أدلة على هجرات جماعية بعد القرن الـ١.
ثانيًا، إذا كانت كل هذه القبائل تهاجر إلى المناطق الزراعية فى مصر وسوريا، فماذا حدث للفلاحين المحليين؟ أين ذهبوا جميعًا؟
وأخيرًا، ظلت أسماء القرى فى الغالب كما هى، كما تعلمين جيدًا، حتى اليوم ما زال العديد من القرى فى مصر تحمل أسماءً قبطية، حتى لو كان سكانها مسلمين، ويتحدثون العربية، ويعرفون أنفسهم كأعضاء فى قبيلة عربية.
هناك الافتراض القائل إن العشائر القروية العربية نشأت من هجرة واستقرار البدو، وهو ما يقوم على الارتباط العقائدى بين القبائل والعشائر والمجتمعات البدوية، ويقوم أيضًا على القصص التى كان القرويون يروونها عن أنفسهم. فعندما أعادت المجتمعات القروية تنظيم نفسها على شكل عشائر عربية، أصبح ذكر الهجرة جزءًا من هويتها. إذا كانت المطالبة بالنسب العربى تتطلب من القرويين تخيّل أن أسلافهم كانوا بدوًا استقروا فى موقع القرية الحالية.

■ فى الكتاب، تعرض اللغة كأحد مؤشرات التحوّل. هل ترى أن انتشار العربية بين الفلاحين كان سببًا فى تكوّن الهوية أم نتيجة لها؟
- كما ذكرت سابقًا، بدأ قرويو مصر وفلسطين وبلاد الشام الكبرى يتحدثون العربية بحلول نهاية القرن الـ٩ الميلادى، أى بعد ٣ قرون من الفتح العربى. لكن هذا لم يكن يعنى أنهم اعتبروا أنفسهم عربًا. ففى العصر العباسى، ظل معظم القرويين مسيحيين، وحتى الذين اعتنقوا الإسلام لم يروا أنفسهم كأعضاء فى عشائر عربية.
مع ذلك، عندما اعتمدت المجتمعات القروية الهويات العشائرية العربية، ابتداءً من القرن الـ١٢، رغب القرويون فى التعبير عن عروبتهم من خلال كلامهم. وكان من أبرز مظاهر العربية فى الحديث هو نطق حرف «قاف» كـ«g»، وهى سمة ما زالت موجودة فى اللهجات «البدوية» حتى اليوم، فى اللهجة الصعيدية، وفى مناطق عديدة من الدلتا.
وفى العصور الوسطى، عُرفت هذه الظاهرة باسم «القاف المعقودة» أو«قاف العرب»، وبدأ لأول مرة هذا المصطلح فى أواخر القرن الـ١١، لكنه أصبح بحلول القرن الـ١٥ شائعًا فى ريف صعيد مصر وشمال إفريقيا.
■ هل تعتبر تصورك لـ«العروبة» فى هذا الكتاب وصفًا تاريخيًا لظاهرة اجتماعية، أم محاولة لإعادة تعريف المصطلح نفسه خارج إطار القومية الحديثة؟
- هذا كتاب عن التاريخ الوسيط. ومهنتى كمؤرخ، وواجبى أيضًا، أن أُظهر الأدلة التى وجدتها. ويشمل ذلك سرد تاريخ القرويين كقوة فاعلة فى المجتمع. الأدلة التى عثرت عليها تظهر أن الفلاحين المسلمين فى مصر وسوريا المملوكية كانوا يرون أنفسهم «عربًا»، كل قرية كانت تُعرف بعشيرتها، مثل «بنى عامر» أو «بنى ربيعة»، وكانت هذه العشائر تدّعى أن أصولها من شبه الجزيرة العربية. وقد عرّفوا عروبتهم من خلال قصص سيرة عنترة، أو عبر نطق القاف بالطريقة البدوية «g»، أو من خلال ارتداء زى يُعد عربيًا.
الهوية العربية والبدوية الحديثة، مثل العشائر القروية فى الإسلام الوسيط المتأخر، هى بناءات أيديولوجية. القبائل والعشائر ليست فطرية أو ثابتة فى مجتمعات الشرق الأوسط، تظهر وتختفى استجابة للتفاعلات مع الدولة واحتياجات المجتمعات الريفية.
اليوم، معظم الريفيين الذين يرون أنفسهم بدوًا أو عربًا ليسوا رحّلًا، بل يعيشون فى قرى. لكن الأشخاص الذين يُعرفون بالبدو اليوم، سواء كانوا متنقلين أو مستقرين، هم أقلية من السكان المسلمين الريفيين فى مصر وبلاد الشام الكبرى.
لم يكن هذا هو الحال فى أواخر العصور الوسطى، عندما كانت العشائر العربية تسكن تقريبًا جميع القرى ذات الغالبية المسلمة المعروفة لدينا.
يسعى كتابى إلى إظهار أن الهوية العربية تغيّرت مع الزمن. كان العرب فى عصور الأيوبيين والمماليك يشملون غالبية سكان القرى، ولذلك كانوا فئة أوسع بكثير من البدو المعاصرين. وآمل أن يقدم كل هذا منظورًا تاريخيًا جديدًا حول معنى أن تكون عربيًا: فلا ينبغى أن نأخذ إدعاءات النسب فى العصور الوسطى كحقائق، بل كوسيلة للمطالبة بالسلطة الاجتماعية والمكانة الدينية.
■ هل وجدت فى المصادر التى درستها أى آثار للثقافة الشعبية.. مثل الأمثال والشعر والحكايات الشعبية.. تعكس بروز وعى جماعى جديد بالهوية العربية؟
- بدأت الملحمات الشعبية العربية أو «السيّر» بالانتشار فى القرن الـ12، ولا توجد لدينا أدلة على وجودها قبل ذلك الزمن. وكانت السير موجودة بصيغتين: شفوية ومكتوبة، وبمزج بين العربية الكلاسيكية واللهجة العامية. وأصبحت هذه الملحمات شديدة الشعبية، فى الدول التى يحكمها المماليك، بحلول القرنين الـ14 والـ15، عندما تم تأكيد أول مخطوطات سيرة عنترة.
قدمت سيرة عنترة والسير الأخرى للفلاحين والأميين مخزنًا بديلًا للذاكرة التاريخية. بالنسبة لسكان القرى، كانت هذه طريقة لنشر القيم العربية والهوية العربية. وكانت بطولات عنترة الأسود وصراعه لكسب اعتراف قبيلته «عبس» نموذجًا للفلاحين، إذ سمحت لهم بالتفكر فى ديناميات العشيرة فى قراهم الخاصة.
فى هذه الفترة، أصبحت أعمال هؤلاء الأبطال العرب فى الجاهلية وبدايات الإسلام جزءًا أساسيًا من الثقافة القروية. واستند البيروقراطى المملوكى القلقشندى إلى معرفته بملحمة عنترة ليعيد قراءة تاريخ ومكانة «بنى بدر»، عشيرة قريته «قلقشندة».
ومثلما ارتبطت الأهمية الثقافية بنطق «القاف العربى»، ظهرت الملاحم الشعبية التى تتناول التاريخ العربى حول القرن الـ12 كوسائل للتعبير عن الهوية العربية الجديدة وتثبيتها لدى المجتمعات القروية.







