الإثنين 10 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

حتى لا يأتى الطوفان مجددًا.. صورة مُصغرة لدولة تنهار وإسلاميين يصعدون

حرف

- كاتبة بريطانية توثق مأساة النساء فى أفغانستان تحت حكم «طالبان»

- الكتاب يوثق قصة مطاردة «طالبان» للقاضيات الأفغانيات.. ويكشف تخلى الغرب عن دعمهن

- وجدت قاضية تحاكم قاتلًا وبعد أسابيع رأيتها مختبئة منه بعد إطلاق سراحه

- اغتيال القاضيتين قدرية ياسينى وزكية هراوى بدم بارد 

فازت الصحفية والكاتبة البريطانية كارين بارتليت الأسبوع الماضى بجائزة أورويل للكتابة السياسية عن كتابها «الهروب من كابول»، الذى يوثق قصة القاضيات الأفغانيات اللاتى وجدن أنفسهن مطاردات بعد عودة طالبان إلى السلطة فى أغسطس 2021. 

فى هذا العمل، تجمع كارين بارتليت بين التحقيق الصحفى والسرد الإنسانى، مقدمة قراءة عميقة لانهيار الدولة وتراجع سيادة القانون فى أفغانستان، وترك الغرب للنساء دون أى حماية.

وتُعرف كارين بارتليت بأعمالها التى تتناول القضايا التاريخية والسياسية والإنسانية من زوايا غير تقليدية، إذ أثارت اهتمامًا واسعًا بكتابها «مهندسو الموت»، الذى كشف دور شركة هندسية ألمانية فى تصميم محارق معسكرات الإبادة النازية.

عن تتويجها بالجائزة، وعن كتابها وما يتضمنه من تفاصيل صادمة حول حياة هؤلاء القاضيات، أجرت «حرف» مع البريطانية كارين بارتليت الحوار التالى.

■ اخترتِ عنوان «الهروب من كابول»، لكن أثناء القراءة يبدو أن الهروب لم يكن من مدينة، بل من انهيار عالم كامل. هل كان الهروب الحقيقى من طالبان أم من انهيار فكرة الدولة نفسها؟

- كلا الأمرين. لكن ما ظل عالقًا فى ذهنى حقًا هو الثانى. كان الخطر المباشر يأتى من طالبان. فهؤلاء النساء كنّ قاضيات أصدرن أحكامًا بحق عناصر من الحركة ومجرمين خطرين. وعندما فُتحت السجون فى أغسطس٢٠٢١، خرج الرجال الذين سبق أن أدانتهن القاضيات وبدأوا فى مطاردتهن.

لكن الكارثة الأعمق كانت انهيار كل ما أمضت هؤلاء القاضيات سنوات فى بنائه وكرّسن حياتهن له. فالقاضى لا يكون قاضيًا إلا فى ظل دولة تعمل ومؤسسات قائمة، وسلطته تستمد مشروعيتها من سلطة الدولة نفسها. وعندما انهارت الجمهورية، لم تفقد هؤلاء النساء أمنهن فحسب بل فقدن أيضًا الإطار الذى منح حياتهن معنى، والغاية التى كرسن أنفسهن من أجلها.

لذلك نعم، كنّ يهربن من طالبان لكن ما كنّ ينعينه، وما لا تزال كثيرات منهن ينعينه حتى اليوم فى المنفى هو الفكرة ذاتها، فكرة أن القانون يمكن أن يسمو على العنف والفوضى فى أفغانستان. وهذا ما يؤكده الكتاب وهو أن سيادة القانون أكثر هشاشة مما نتصور.

■ بعد عشرات المقابلات التى أجريتها ما أكثر فكرة تغيرت لديك عن أفغانستان مقارنة بما كنتِ تعتقدينه قبل بدء البحث؟

- أعتقد أننى مثل كثير من المراقبين الغربيين، كنت قد تبنيت بشكل جزئى فكرة مفادها أن حقوق المرأة فى أفغانستان كانت فى الأساس مشروعًا مستوردًا بعد عام ٢٠٠١. أى أنها كانت شيئًا أنشأه الوجود الدولى ثم جاءت حركة طالبان لتحطمه. لكن المقابلات التى أجريتها نسفت هذه الفكرة تمامًا.

فقد عيّنت أفغانستان أول قاضية امرأة عام ١٩٦٩، فى عهد آخر ملوك البلاد. وكانت بعض القاضيات الأكبر سنًا ممن تحدثت إليهن قد درسن القانون وبنين مسيرتهن المهنية خلال عقود الإصلاح فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، أى قبل وقت طويل من وصول أى جندى من قوات «الناتو». 

وبحلول عام ٢٠٢١، وُجدت نحو ٢٧٠ قاضية فى البلاد. لم تكن هؤلاء النساء نتاج مشروع أجنبى بل كنّ جزءًا من تقليد أفغانى حقيقى فى مجال الدستورية والحياة المهنية للنساء، وهو تقليد كان قد نجح بالفعل فى الصمود خلال فترة سابقة من حكم طالبان. فلم يصنع الغرب هؤلاء النساء لكنه قطع لهن وعودًا ثم تخلى عنهن.

■ القاضيات اللاتى يروى الكتاب قصصهن كنّ يحكمن على عناصر طالبان ومجرمين خطرين، ثم أصبحن هن المطاردات. كيف تقرئين هذا الانقلاب الكامل فى مفهوم العدالة؟

- إنه واحد من أقسى التحولات الصادمة التى كتبت عنها على الإطلاق. فقد وجدت امرأة كانت تجلس ذات يوم على منصة القضاء بينما يقف أمامها قاتل مُدان، نفسها بعد أسابيع قليلة مختبئة فى منزل أحد أقاربها، فى الوقت الذى كان فيه الرجل نفسه الذى أُطلق سراحه بعد فتح السجون، يطاردها.

إن ما تعلمته من هذا الانقلاب هو أن وجود العدالة مشروط بوجود المؤسسات، فالقوة القادرة على إنفاذ القانون مستعدة لحماية تلك العدالة. ففى الديمقراطيات الراسخة يميل الناس إلى اعتبار سيادة القانون أمرًا مسلمًا به مضمونًا. فهى موجودة ولا يفكرون كثيرًا فى وجودها.

أما القاضيات الأفغانيات فيدركن أن سيادة القانون شىء يجب الحفاظ عليه ومراقبته بيقظة دائمة، فهى ليست أمرًا مضمونًا بل قيمة تحتاج إلى رعاية واستدامة.

■ يوجه كتابك انتقادًا واضحًا للطريقة التى انتهى بها الوجود الغربى فى أفغانستان. فى رأيك، هل كان ما حدث مجرد فشل سياسى أم إخلال أخلاقى تجاه أشخاص خاطروا بحياتهم ثقةً بالوعود الغربية؟

- كان الأمر مزيجًا من الفشل السياسى والأخلاقى. على المستوى السياسى، فقد كُتب الكثير عن أوجه هذا الفشل، بدءًا من اتفاقية الدوحة التى أُبرمت مع طالبان من دون إشراك الحكومة الأفغانية المنتخبة، مرورًا بجدول الانسحاب الذى لم يراعِ الوقائع على الأرض، ووصولًا إلى الإفراج عن آلاف السجناء، وانتهاءً بانهيار أى خطة حقيقية وموثوقة لحماية من تُركوا لمصيرهم فى أفغانستان.

أما الفشل الأخلاقى فهو أكثر تحديدًا، ويتحمل مسئوليته أفراد بعينهم. فعلى مدى عشرين عامًا، شجّع الغرب النساء على أن يرفعن أصواتهن ويظهرن بالعلن، ويضعن أسماءهن على الأحكام القضائية. كان الظهور العلنى يُنظر إليه باعتباره دليلًا على التقدم. ثم انسحب الغرب وترك هؤلاء النساء مكشوفات معروفات الهوية، يسهل الوصول إليهن دون حماية.

عندما تطلب من شخص ما أن يخاطر اعتمادًا على وعودك، فإنك تتحمل تجاهه دينًا أخلاقيًا. وفى رأيى، لم يُوفّ بهذا الدين.

■ هناك من يرى أن الغرب استخدم خطاب حقوق المرأة طوال عشرين عامًا لتبرير وجوده العسكرى، ثم تخلى عن النساء بمجرد انسحابه. إلى أى مدى توافقين على هذا التوصيف؟

- أميل إلى الاتفاق مع هذا الرأى، وإن كنت آمل ألا تكون الدوافع دائمًا بهذا القدر من البراجماتية. فلا شك أن المكاسب التى حققتها النساء الأفغانيات كانت حقيقية. فالمدارس وكليات الحقوق وقاعات المحاكم لم تكن مجرد أدوات للدعاية. كما أن كثيرين داخل الحكومات الغربية والمنظمات غير الحكومية كرّسوا سنوات طويلة من العمل الصادق والشجاع لتحقيق هذه الإنجازات. والقاضيات أنفسهن لديهن وعى شديد بتلك المسألة. إنهن لا يرغبن فى أن يكنّ مجرد رموز فى رواية يكتبها الآخرون. 

لكن بالنسبة لى، فإن الخيانة الحقيقية لا تكمن فى أن إيمان الغرب بالنساء الأفغانيات كان زائفًا أو غير صادق، بل فى أن حقوقهن عوملت باعتبارها نتيجة جانبية للسياسة، وليس باعتبارها التزامًا يجب أن يستمر حتى عندما تتغير السياسات.

لا ينبغى أن تكون الحقوق رهينة للسياسة الخارجية. وهذا هو الدرس الذى أُجبرت هؤلاء النساء الأفغانيات على تعلّمه مرتين خلال حياة واحدة.

■ بطلات كتابك لسن ضحايا فقط، بل نساء شغلن أعلى المناصب القضائية. لماذا تعتقدين أن هذه الصورة غابت عن التغطية الإعلامية العالمية؟

- الضحية هى القصة الأسهل فى السرد، وقد ترسّخت هذه الصورة عن المرأة الأفغانية لعقود طويلة، البرقع والنظرة المنكسرة والنساء اللاتى يحتجن إلى من ينقذهن. لكن وجود قاضية فى محكمة جنائية أمضت صباحها فى إصدار حكم بحق أحد قادة طالبان يعقّد هذه الصورة، ولا ينسجم بسهولة مع قالب صحفى جاهز.

كانت هناك أيضًا قيود حقيقية تتعلق بإمكانية الوصول إلى هؤلاء النساء وسلامتهن، خاصة بعد عام ٢٠٢١، فكان الكشف عن أسمائهن أو نشر صورهن قد يعرضهن للقتل.

لكننى أعتقد أن هناك جانبًا آخر لهذه المسألة أيضًا. فجزء من هدف الكتاب هو تقديم قصة أكثر دقة وتعقيدًا عن أفغانستان. إذ يجب أن نفهم الدور الذى لعبته القاضيات فى بناء الدولة. كما يجب أن نتساءل عما إذا كانت حقوق الإنسان وحقوق المرأة نابعة من الداخل أم أنها كانت مستوردة، وأن ندرك بعض التعقيدات الإثنية فى البلاد. فهذه دولة تضم من بين مجموعات أخرى، البشتون والطاجيك والهزارة إلى جانب المسلمين الشيعة والسنة.

■ يقرأ البعض سقوط كابول باعتباره حدثًا وقع فى أغسطس ٢٠٢١، بينما يوحى كتابك بأنه كان نتيجة عشرين عامًا من الأخطاء المتراكمة. متى بدأ سقوط كابول بالنسبة لك؟

- من الصعب تحديد لحظة واحدة بعينها. لكن يمكن القول إن نقطة التحول كانت فى فبراير ٢٠٢٠، عندما وُقّعت اتفاقية الدوحة مع طالبان، دون إشراك الحكومة الأفغانية المنتخبة، ونصّت على الإفراج عن آلاف السجناء من الحركة. منذ ذلك اليوم، أدرك الجميع فى أفغانستان إلى أين تتجه الأمور.

لكن يمكن أيضًا العودة إلى سنوات سبقت ذلك، حين أخذ الفساد يتفاقم تدريجيًا حتى نخر مؤسسات الدولة من الداخل. وقد روت القاضيات الأفغانيات هذا التدهور بدقة لافتة.

أما بالنسبة إلى النساء اللاتى يروى الكتاب قصصهن، فكانت هناك لحظة فاصلة لا يمكن تجاهلها. صباح أحد أيام يناير ٢٠٢١، عندما اغتيلت القاضيتان قدرية ياسينى وزكية هراوى بدم بارد، وهما فى طريقهما إلى العمل. لم تكن طالبان قد وصلت بعد إلى مشارف كابول، لكن النهاية كانت قد باتت واضحة.

وبحلول أغسطس٢٠٢١، كانت تلك النهاية قد وقعت بالفعل، أما المشاهد التى تابعناها على شاشات التليفزيون فلم تكن سوى الفصل الأخير من القصة.

■ هل كانت هناك شهادات قررتِ عدم نشرها حمايةً لصاحباتها؟ وكيف يتعامل الكاتب مع هذا النوع من المسئولية الأخلاقية؟ 

- إلى حدٍ كبير، كانت النساء اللاتى يروى الكتاب قصصهن قد اخترن بأنفسهن المشاركة فيه. وقد أُتيحت لكل واحدة منهن فرصة قراءة ما كُتب عنها ومراجعته وتعديله أكثر من مرة. وكان يهمنى قبل كل شىء أن يشعرن بالأمان، وأن يكنّ راضيات عن الطريقة التى رُويت بها قصصهن. وفى النهاية، كانت سلامتهن وسلامة عائلاتهن أهم بالنسبة إلىّ من الكتاب نفسه.

■ هل شعرتِ فى أى لحظة بأنكِ تكتبين شهادة للتاريخ أكثر مما تكتبين كتابًا للقارئ؟

- بالتأكيد، وهذا ما شكّل طبيعة الكتاب الذى أردتُ أن أكتبه. فقد أدركت أننا ربما لن نشهد وجود قاضيات أفغانيات مرة أخرى خلال حياتنا، ولذلك شعرت بأن من الضرورى توثيق قصص هؤلاء النساء وحياتهن والعمل الذى قدمنه.

لم أرد لهذا الكتاب أن يكون مجرد حكاية عن الهروب، بل أردته أن يحفظ ذاكرة جيل كامل. أردت أن يقرأه الناس بعد سنوات، فيدركوا أن أفغانستان كانت تمتلك يومًا تاريخًا طويلًا ومشرقًا للنساء فى سلك القضاء، وأن هؤلاء القاضيات كنّ شريكات حقيقيات فى بناء وطنهن.

■ بعد الانتهاء من الكتاب، هل غيّرتِ نظرتك إلى فكرة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان من خلال التدخل الخارجى؟

- أعتقد اليوم أن هناك فرقًا مهمًا يجب التمييز بينه. فلا يمكن بناء مؤسسات دولة أو ترسيخ نظام دستورى بمجرد تدخل عسكرى من الخارج، وما حدث فى أفغانستان خلال عشرين عامًا خير دليل على ذلك.

لكن هذا لا يعنى أن كل ما جرى كان محكومًا عليه بالفشل منذ البداية. فالنساء اللاتى يروى الكتاب قصصهن يثبتن العكس. لم تكن القاضيات الأفغانيات صناعة غربية، بل كن امتدادًا لتاريخ أفغانى بدأ منذ تعيين أول قاضية فى البلاد عام ١٩٦٩.

وفى الحقيقة، فإن التقدم الذى تحقق فى مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة جاء بفضل الأفغان أنفسهم، وفى مقدمتهم هؤلاء القاضيات وليس بفضل الغرب.

ربما كان دور تدخل «الناتو» هو توفير بيئة آمنة تسمح للمؤسسات المحلية بالنمو والاستمرار. لكن هذه الحماية انتهت قبل أن تترسخ تلك المؤسسات. لذلك أرى أن ما فشل فى أفغانستان لم يكن الإيمان بالديمقراطية وحقوق الإنسان، بل الالتزام بحماية من آمنوا بهما والوفاء بالوعود التى قُطعت لهم.

■ فى كتابكِ «Architects of Death» أو «مهندسو الموت» اخترتِ أن تروى قصة الهولوكوست من خلال المهندسين الذين صمموا محارق معسكرات الإبادة، لا من خلال الضحايا أو القادة النازيين. لماذا رأيتِ أن هذه الزاوية تكشف جانبًا لم ينتبه إليه كثير من المؤرخين؟

- لأن الهولوكوست لم يكن مجرد قرار صدر بالأوامر، بل كان عملية صُنعت ونُفذت على أرض الواقع. وصناعة شىء بهذا الحجم تتطلب سلسلة إمداد من الخبرات العادية التى لا تنسجم مع الرواية المألوفة التى تركز فقط على الأيديولوجيين والضحايا.

كانت شركة «توبف وأبناؤه» شركة هندسية عائلية محترمة فى مدينة إرفورت الألمانية، وكانت تصنع معدات التخمير الخاصة بمصانع البيرة. ولم تكن محارق الجثث سوى جزء صغير جدًا من أعمالها. ومع ذلك، صمّم مهندسو الشركة وبنوا الأفران المستخدمة فى «أوشفيتز- بيركيناو وبوخنفالد وداخاو، وماوتهاوزن». وفى ذروة عملها، كان هناك ٦٦ فرنًا ثلاثى الغرف من إنتاج «توبف» قيد التشغيل، كان ٤٦ منها فى «أوشفيتز». ولا يزال اسم الشركة محفورًا على الأفران الحديدية هناك.

تكشف هذه الزاوية عن البنية التحتية المدنية للإبادة الجماعية من لوحات التصميم الهندسية والفواتير وزيارات المواقع وطلبات براءات الاختراع. لقد قررت قوات الأمن الخاصة أن ملايين البشر سيموتون، لكن شركة هندسية محلية وضعت الطريقة التى ستختفى بها جثثهم، وفعلت ذلك طواعية بل وبحماس.

يصعب على معظمنا أن يتخيل نفسه فى موقع حارس من قوات الأمن الخاصة أو أحد القتلة النازيين، وربما يمنحنا ذلك شعورًا بالراحة. لكن هؤلاء كانوا رجالًا ونساءً عاديين يعملون فى مكاتب وتحركهم مشاعر قد تبدو مألوفة لكثير منا كالغيرة والطموح وصراعات النفوذ داخل بيئة العمل والجشع.

كتاب «مهندسو الموت» «Architects of Death» هو أيضًا قصة أحد أفراد العائلة الأصغر سنًا، وهو هارتموت توبف. كان هارتموت توبف ابن عم لعائلة توبف، وقد نشأ فى برلين خلال الحرب العالمية الثانية.

عندما تقدم به العمر اعترف بالكامل بماضى عائلته وتعمد كشف الحقيقة، وحرص على إتاحة أرشيف الجرائم والفظائع التى ارتكبتها شركة «توبف» أمام الجميع للاطلاع عليها فى أحد المتاحف. كما أدان علنًا أقاربه الذين حاولوا استعادة ممتلكات العائلة فى مدينة إرفورت بعد إعادة توحيد ألمانيا عام ١٩٩٠. كان رجلًا يتحلى بنزاهة وشرف كبيرين.

■ يحمل الكتاب عنوانًا صادمًا، وكأنه يقول إن الموت نفسه أصبح مشروعًا هندسيًا. هل أردتِ أن تبرهنى أن الإبادة الجماعية عملية شارك فيها العلم والهندسة والصناعة بجانب السياسة؟

- هذا صحيح إلى حدّ ما. فما وجدته فى الأرشيف هو أن الموت عومل باعتباره مشكلة صناعية تحتاج إلى حل. فقد تعامل مهندسو شركة توبف مع معسكرات الاعتقال بالطريقة نفسها التى كانوا يتعاملون بها مع عقد لتوريد معدات إلى مصنع بيرة، حسابات السعة وكفاءة استهلاك الوقود وجداول التسليم وتطوير التصميم.

كان كورت بروفر كبير مهندسى المحارق فى الشركة، يواصل تحسين تصميماته، منتقلًا من الأفران ذات الغرفتين إلى الأفران ذات الغرف الثلاث، ومقترحًا إنشاءات أكبر حجمًا بمبادرة منه. وكان يحركه الطموح والمنافسة مع رجال آخرين فى المكتب كانوا يفعلون الشىء نفسه.

فالقرار السياسى وحده لا يستطيع أن يقتل ملايين البشر ويخفيهم. بل يحتاج إلى صناعة وتواطؤ عدد كبير من الأشخاص. وقصة شركة «توبف وأبناؤه» هى قصة أسوأ أنواع الابتكار. ابتكار وُجّه لخدمة الموت والإبادة.

■ كثير من المهندسين المشاركين فى تصميم المحارق لم يكونوا سوى مهنيين عاديين، فهل كان أكثر ما أرعبكِ هو اكتشاف أن الشر قد يُمارَس باسم الكفاءة المهنية؟

- نعم، وهذا تحديدًا ما أقلقنى، لأنه جرّدنى من كل التفسيرات المريحة. فالأخوان توبف، لودفيج وإرنست فولفجانج، لم يكونا وحشين أيديولوجيين، بل رجلَى أعمال طموحين لهما عيوبهما البشرية، تشغلهما العلاقات العاطفية والديون والمنافسات.

والأهم أن مهندسى الشركة لم يكونوا مُكرهين على ما فعلوه. فالسجلات تُظهر أن الشركة كانت كثيرًا ما تتأخر فى تنفيذ طلبات قوات الأمن الخاصة، بل وكانت ترفض بعض الأعمال دون أن تتعرض لأى عقاب. كان بإمكانهم ببساطة أن يقولوا «لا» لكنهم لم يفعلوا، لأن ما دفعهم لم يكن الكراهية وحدها، بل دوافع أكثر اعتيادًا وأقرب إلى الحياة اليومية.

كان الطموح والتنافس بين الزملاء والشعور بالرضا عن حل مشكلة هندسية بإتقان، هى المحركات الحقيقية لكثير منهم. وهذا بالنسبة لى هو الجانب الأكثر رعبًا.

فمن السهل أن نبتعد عن التعصب الأعمى ونقنع أنفسنا بأننا لا نشبه أصحابه. أما الاحترافية التى جسّدتها شركة «توبف وأبناؤه»، فكانت تبدو عادية تمامًا، موظفون يرتدون قمصانًا بيضاء، يذهبون إلى مكاتبهم فى مواعيد منتظمة ويقدّمون طلبات للحصول على براءات اختراع. وهذا هو ما يجعل القصة مخيفة إلى هذا الحد.

■ كيف تنظرين إلى مسئولية العلماء والمهندسين اليوم، خاصة مع التطور المتسارع فى مجالات الذكاء الاصطناعى والتقنيات العسكرية؟ هل ترين تشابهًا يستحق التوقف عنده؟

- أعتقد أنه يجب أن نكون حذرين عند عقد المقارنات، وأتحفظ بشكل خاص على تشبيه أى حدث بالهولوكوست. فلكل مأساة سياقها الخاص، ولا أريد أن أنتقص من معاناة الذين فقدوا حياتهم فى الهولوكوست أو فى أى إبادة جماعية أو صراع آخر حول العالم.

لكن قصة «شركة توبف وأبناؤه» تحمل درسًا لا يزال صالحًا حتى اليوم. فالكارثة الأخلاقية لا تحدث دفعة واحدة، بل تتشكل من سلسلة من المهام الصغيرة، يبدو كل منها بريئًا فى حد ذاته. لم يكن أى من العاملين فى الشركة يرى نفسه قاتلًا جماعيًا. كانوا يعتقدون أنهم يعالجون مشكلة فى تدفق الهواء أو يحسنون نظامًا صحيًا.

واليوم، ومع تطور التكنولوجيا، أصبحت المسافة أكبر بين من يبتكر الشىء والنتائج التى تترتب عليه. لذلك لا يكفى أن نسأل «هل يعمل هذا الابتكار؟» بل يجب أن نسأل أيضًا «لأى غرض سيُستخدم؟».

ففى محاكمات نورمبرج، لم يكن قول «كنت أقوم بعملى» دفاعًا مقبولًا، بل ثبت أنه لا يعفى أحدًا من المسئولية.

وربما يكون أهم ما تعلمته من هذه القصة هو ضرورة طرح الأسئلة التى لا يطرحها الآخرون، والتفكير دائمًا فى أثر ما نبتكره على البشر. فهذا جزء أساسى من مسئوليتنا الأخلاقية، خصوصًا فى عصر أصبحت فيه ابتكاراتنا أكثر قوة وتأثيرًا من أى وقت مضى.

■ ما أصعب مقابلة أجريتها خلال إعداد الكتاب ولماذا بقيت عالقة فى ذاكرتك؟

- كان هناك أكثر من موقف ترك أثرًا عميقًا فى نفسى. من أصعبها الحديث مع ابنى القاضية قدرية ياسينى، فقد شعرت بحجم الألم الذى عاشاه بعد اغتيال والدتهما وهى فى طريقها إلى العمل. كانا أصغر من أن يختبرا هذا النوع من الفقد الرهيب.

لكن كانت هناك لحظات أخرى، ربما أقل صخبًا إلا أنها لم تكن أقل تأثيرًا. فقد لمست شعور القاضيات بفقدان هويتهن عندما غادرن وطنهن، وهن يدركن أن كثيرات منهن قد لا يعدن إليه مرة أخرى. لقد فقدن كل شىء.

ومع ذلك، فالكتاب لا يتحدث عن أحداث كبرى فقط بل عن بشر وحيواتهم. أتذكر أن نفيسة كابلى انفجرت بالبكاء وهى تروى لى كيف فقدت والدتها وهى لا تزال طفلة، ولم أتمكن أنا أيضًا من حبس دموعى.