الخميس 24 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الهوية الفاعلة.. هل نجح مؤتمر مكتبة الإسكندرية فى تجاوز الواقع والانطلاق للمستقبل؟

حرف

- كلى أمل وثقة فى مكتبة الإسكندرية ومؤتمراتها وندواتها

ما الذى نعنيه بالهوية الوطنية المصرية؟ الهوية الوطنية ليست مجرد شعور بالانتماء إلى الوطن، وإنما منظومة من الانتماء والمعرفة والذاكرة والقيم والثقة والمشاركة والممارسة، تتجدد عبر الزمن وتنعكس فى قدرة الفرد والجماعة على الإسهام فى المجتمع وصناعة مستقبله.

وعندما ينعقد مؤتمر للهوية الوطنية برعاية رئيس الجمهورية وتحت مظلة مكتبة الإسكندرية حاضنة العلم ومشعل التنوير فى مصر والعالم بقيادة العلامة الكبير دكتور أحمد زايد- فإن سقف الطموح يرتفع، وتشرئب الأعناق ويكون التطلع لحديث جديد عن الهوية المصرية يتجنب التركيز على عناصر الماضى والتراث، بل لحديث يرتقى لبحث مدى قدرة هذه العناصر على أن تتحول إلى رؤية مستقبلية قابلة للتطبيق.

بدعوة كريمة من إدارة المكتبة الأعرق فى العالم سعدتُ بحضورى فعاليات مؤتمر الهوية الوطنية الذى سيكون ما دار فيه من مناقشات محلًا للبحث والنقاش فى مقالات قادمة وللحوار فى برنامج «أطياف»، مع القامات المصرية السامقة التى قدمت رؤى ومداخلات تستحق تعميق النقاش من أجل مزيد من الفائدة.

تحركت مناقشات المؤتمر على مدى ثلاثة أيام فى أربع دوائر كبرى هى: 

- الهوية بوصفها رصيدًا موجودًا: الانتماء، الذاكرة، الثقافة، القيم والمواطنة.

- الهوية تحت الضغط: التحولات الرقمية، الأسرة، اللغة، الدين، الإعلام، التأثيرات الخارجية.

- المؤسسات التى تشكل الهوية: الأسرة، التعليم، المؤسسات الدينية، الإعلام والدراما، المجتمع المدنى، والمؤسسات الثقافية والشباب.

- المستقبل: بناء الإنسان، المشاركة، التمكين، الابتكار، وتجديد الهوية لمواجهة التحولات. 

وقد نجح المؤتمر فى تشخيص حالة الهوية المصرية، فالهوية المصرية لديها رصيد تاريخى وشعورى قوى، وهى تتغير وتتفاعل، ولا توجد أزمة بالمعنى المباشر، لكن هناك فجوات فى المعرفة والثقة والمشاركة.

وبذل منظمو المؤتمر جهدًا واضحًا فى محاولة تغطية الهوية من زوايا متعددة.

ونجح المؤتمر فى توصيف الوضع الحالى لعناصر الهوية، ففى البرنامج لدينا «الهوية بين الماضى والحاضر والمستقبل»، ولدينا «الابتكار وتعزيز الهوية الوطنية»، ولدينا فى الجلسة العلمية الثالثة عنوان يتحدث عن بناء الإنسان لمواجهة تحديات المستقبل.

وهناك محور عن المخاطر، ومحور عن المؤسسات والسياسات، ومحاور عن التعليم والأسرة والاقتصاد والابتكار والرقمنة.

لكن المحور الأهم الذى غاب هو المحور الذى يجيب عن السؤال المهم: كيف نبنى ثقافة الإنجاز والتقدم والمستقبل؟

ليس فقط «كيف نحمى الهوية»، بل ما الصفات والقيم الجديدة التى تحتاج الهوية المصرية إلى تنميتها لكى تصبح هوية منتجة للمستقبل؟

ما مكونات الهوية التى نحتاج إلى إضافتها أو إعادة ترتيبها من أجل المستقبل؟

لدينا هوية تعرف كيف تصبر وتبقى، لكن هل لدينا بالقدر نفسه هوية تنجز وتتقدم وتخطط للمستقبل؟

من الأوراق البحثية المهمة التى دار النقاش حولها بالمؤتمر ورقة د. سعيد المصرى، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب، جامعة القاهرة.

الهوية المصرية لديها رصيد شعورى مرتفع، وأن الانتماء الوطنى قوى. لكن المشكلة تظهر عندما ننتقل من الشعور بالانتماء إلى السلوك العام.

فالمفارقة تكمن فى قوة الانتماء والوعى بالحقوق والواجبات، مقابل ضعف المشاركة المدنية والسياسية، كما ترصد ضعف الثقة العامة خارج الدوائر القريبة من الأسرة والأصدقاء والجيرة، مع بقاء الثقة الشخصية أعلى بكثير. 

أى أن المصرى قد يكون شديد الارتباط بالوطن، لكن هذا الارتباط لا يتحول بالضرورة إلى فعل عام، وهذا يدعو للبحث والتساؤل: ما الذى يمنع الانتماء الوطنى من التحول إلى طاقة اجتماعية منتجة؟

قد تكون إحدى مشكلات الهوية الوطنية المصرية أن قوتها تظهر بوضوح فى لحظات الخطر والأزمات، بينما يظل تحويلها إلى ممارسة يومية منتظمة فى الإنجاز والمشاركة والثقة والعمل العام تحديًا مختلفًًا.

من الأوراق التى تدق ناقوس الخطر ورقة الدكتورة أمانى مسعود، أستاذة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، التى تؤكد أن الهوية لا يمكن فصلها عن العدالة التوزيعية ونوعية الحياة والفرص الاقتصادية، وتربط غياب الفرص والثقة فى المؤسسات وتراجع الرضا العام بمشكلات الهوية. 

ودَعت لبث تأثير الهوية الوطنية على الاستعداد لدفع الضرائب، ودعم المنتجات المحلية، وقبول سياسات الإصلاح الاقتصادى، والثقة فى المؤسسات، والاستثمار.

من الأوراق المهمة ورقة الكاتب صلاح سالم، فهو لم يتحدث عن الهوية بوصفها تراثًا أو رموزًا ثقافية، وإنما اقترب من البنية التى يعيش فيها المصريون اليوم: الانقسام المكانى، والانقسام التعليمى والعقلى، والتفاوت الاقتصادى والطبقى، ثم ربط تجاوز هذه الانقسامات بثقافة التقدم، ومنها الجودة واحترام الوقت.

وأهمية نقاش الكاتب صلاح سالم أنه نقل النقاش من ما هى الهوية إلى ما الذى يحدث للمجتمع الذى يحمل هذه الهوية؟، إذا كانت هناك مجتمعات مصرية تعيش فى فضاءات منفصلة، ونظم تعليمية متباعدة، وفجوات اقتصادية وثقافية كبيرة، فالسؤال يصبح: هل يمكن أن نتحدث عن هوية وطنية فاعلة دون أن تكون هناك خبرة وطنية مشتركة؟ ما تأثير تناقص المساحات المشتركة التى تجعل المصريين يعيشون هذه الهوية معًا؟

وكعادته قدم الكاتب والمفكر سمير مرقص مداخلة مهمة ركزت على أن الهوية المصرية مركبة تاريخيًا وثقافيًا، وأنه لا يمكن اختزال الهوية المصرية فى مرحلة واحدة أو رؤية أحادية؛ فهى نتاج تداخل مراحل تاريخية وثقافية متعددة. وأن الهوية ليست ثابتة، وإنما هى «مركب ديناميكى» ومن ثم فإن الاختلاف والتعايش والاندماج ليست تهديدًا للهوية بالضرورة، بل يمكن أن تكون جزءًا من استمرارها. 

والأهم أن تجديد الخطاب لا يبدأ بتغيير الخطاب، بل بتغيير منظومة إنتاجه، فتجديد الخطاب الثقافى أو الدينى يحتاج أولًا إلى مراجعة وتطوير منظومة العقل والفكر التى تنتج هذا الخطاب. 

ورغم سعادتى وإحساسى بالتشبع الذهنى من المناقشات الجادة والرصينة فإن لى عدة ملاحظات أطرحها من باب الحرص على الصالح العام، والرغبة فى أن تحقق مثل هذه الجهود المقدرة الفائدة القصوى منها، وأن نتحول من هوية العمل والإنجاز الفردى إلى هوية العمل المؤسسى وليس العمل الجماعى فحسب، فمثل هذا المؤتمر بأيامه الثلاثة وبحوثه والمتحدثين والمشاركين و.. و.. كلها نتاج جهد جمعى كبير، لكن أرصد بحذر غياب الجانب المؤسسى المنضبط فى بعض جوانبه.

ولى نوعان من الملاحظات التى تحتمل النقاش: 

أولًا- الملاحظات الإجرائية: 

١- إذا كان المؤتمر قد استغرق أكثر من عام، وربما أكثر من عامين وفق تصريح الدكتور أحمد زايد مدير المكتبة، فجودة التحضير نفسها تصبح جزءًا من تقييم تجربة المؤتمر. وإذا كان المؤتمر يقدم نفسه بوصفه مؤتمرًا فكريًا/ علميًا حول الهوية الوطنية، فماذا كان يتم خلال هذه المدة الطويلة؟

هل كانت المدة مخصصة لـ: بناء إطار نظرى للهوية؟، استطلاعات ودراسات ميدانية؟ بناء مؤشرات لقياس الهوية؟ صياغة أولية لوثيقة الهوية؟ أم كان معظمها تنسيقًا بين الجهات والاستعدادات التنظيمية؟ 

٢- ما يخص المحاور والموضوعات: كيف تم اختيار المشاركين؟ مَن شكل اللجنة العلمية؟ من اقترح أسماء الباحثين؟ هل وُجهت دعوة مفتوحة لتقديم أوراق بحثية؟ هل كانت هناك لجنة تحكيم علمية؟ 

فقد ضم برنامج المؤتمر علومًا سياسية، واقتصادًا، ودراسات دينية، ولغة، وإعلامًا ودراما، ومجتمعًا مدنيًا، وأسرة، وشبابًا، وذكاءً اصطناعيًا، وفنًا وتراثًا وتعليمًا. وشارك بالفعل وزراء وخبراء وكتاب وباحثون وفنانون. 

لكن الروح العلمية للمؤتمر تجسد ميلًا واضحًا لمعالجة الهوية من خلال العلوم الاجتماعية والسياسية والمؤسساتية، حتى الموضوعات الثقافية والفنية تُعاد صياغتها غالبًا باعتبارها أدوات لتشكيل الهوية.

صحيح أن المؤتمر متعدد التخصصات من حيث الموضوعات، لكنه لم يكن متعدد المنظورات بالقدر نفسه، رغم أن دراسة الهوية الوطنية فى الأدبيات العلمية «كما تعلمنا من أساتذتنا وعلى رأسهم الدكتور أحمد زايد» مجال متعدد التخصصات أصلًا، وليس حكرًا على علم الاجتماع. الأدبيات الحديثة تجمع بين علم النفس الاجتماعى، والعلوم السياسية، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والفلسفة وغيرها.

٣- لم يقدم المؤتمر فى بدايته تعريفًا مشتركًا للهوية الوطنية المصرية، قبل الانتقال إلى بحث تهديداتها ومؤسسات تشكيلها ووسائل حمايتها وتجديدها.

ولم يسبق المؤتمر وضع إطار مفاهيمى يحدد العلاقة بين الهوية والانتماء والمواطنة والذاكرة والثقافة والقيم والثقة والمشاركة. لذا تساءل بعض الحضور ومن بينهم الكاتبة سلوى بكر: لماذا لم يتم تحديد مفهوم الهوية؟

ثانيًا- ملاحظات تنظيمية لا تقلل من تقديرى للجهود التى بذلها فريق المكتبة والجهات المنظمة، لكنها رصد لخضوع إدارة المؤتمر لبعض المكونات السلبية للهوية الوطنية المصرية، وعدم القدرة على تجاوزها والفكاك منها.. منها مثلًا: 

* تأخر افتتاح المؤتمر عن موعده نحو الساعة.. وطول مدة الجلسة الافتتاحية لتجاوز المتحدثين الوقت المفروض لكل متحدث. 

* طول كلمة الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالى، لنحو نصف الساعة، رغم أنه لكل متحدث وقت محدد، ما يعنى أن المسئول يتعامل مع الوقت المخصص له باعتباره مساحة مفتوحة، لا موردًا مشتركًا يجب احترامه.

* بدء كل مسئول بسرد أسماء الحاضرين وشكرهم فردًا فردًا، وتكرر ذلك من متحدث إلى آخر، ما يعنى أن جزءًا معتبرًا من زمن المؤتمر يذهب إلى مراسم المجاملة بدلًا من مضمون المؤتمر.

وهذا يطرح السؤال الأهم: هل ما زالت ثقافة المؤتمرات تنطلق مِن «مَن حضر ومَن يجب شكره» أكثر مما تنطلق من «ما المشكلة التى جئنا لحلها؟» وهى تكريس لمكون من المكونات السلبية فى الهوية المصرية. 

وهذه الملاحظات وإن بدت اعتيادية فى غيرها من المناسبات إلا أنها لا تصح أن تقع فى مكتبة الإسكندرية ولا فى هذا المؤتمر تحديدًا، لأنها تكشف عن فجوة محتملة بين القيم التى يناقشها الخطاب الرسمى، وبين بعض أنماط الممارسة المؤسسية التى صاحبت إنتاج هذا الخطاب.

فإذا كانت الهوية الوطنية تتضمن قيمًا مثل احترام الوقت، والانضباط، والمسئولية، والعمل الجماعى، فإن المؤسسات التى تتحدث عن هذه القيم مُطالبة بأن تختبرها فى ممارستها اليومية، لا أن تكتفى بالدعوة إليها.

والمؤتمر نفسه يمكن أن يُقرأ بوصفه حالة اختبار للقيم التى يناقشها.

إن نجاح مؤتمر الهوية لا يتحقق بكثرة عدد الجلسات أو أسماء المشاركين أو قوة العبارات الواردة فى الوثيقة.

المعيار الأهم هو: ماذا سيتغير فى حياة الإنسان المصرى بعد المؤتمر؟

هل أصبح لدينا فهم أدق لقيم المصريين وتغيرها؟

هل حددنا صفات الإنسان الذى نريد بناءه؟

هل تحولت التوصيات إلى برامج فى التعليم والثقافة والإعلام والشباب والعمل؟

هل توجد مؤشرات زمنية لقياس التنفيذ؟

هل سيعود المؤتمر بعد عام ليعرض ما تحقق وما لم يتحقق؟

• وكلى دائمًا أمل وثقة فى مكتبة الإسكندرية ومؤتمراتها وندواتها وما تستطيع أن تحققه من ترسيخ لقيم الهوية الوطنية التى نصبو إليها من إعلاء العقل، والرؤية النقدية والعمل المؤسسى.