الخطأ والخطيئة.. محاكمة ما جرى لكاتبات القصة القصيرة
ملاحظات فى متن التفكير العقلى الذى طالب به الفيلسوف مراد وهبة وعلى هامش حجب الجائزة الأولى للقصة القصيرة.. التى غاب عنها التفكير العقلى، فما حدث لا يمت للعلم ولا التفكير العقلى بصلة، إنما هو انعكاس لعشوائية وفوضى غير خلاقة وإن تمت بحسن نية.
- يخضع التحكيم والاختيار لمجموعة من الشروط الشكلية والموضوعية التى يتفق عليها أعضاء لجنة التحكيم.
ومن الضرورى أن تكون هذه الشروط محددة ومكتوبة ومتفقًا عليها من كل أعضاء لجنة التحكيم قبل البدء فى تحكيم الأعمال المقدمة. ويمكن لهذه الشروط أن تتغير ويتم إبدال أو حذف شرط بعد الانتهاء من مرحلة من المراحل بناء على الاطلاع على الأعمال المقدمة وتصفيتها مرحلة تلو الأخرى. ويحق لعضو الجنة أن ينسحب من التحكيم إذا لم تتوافق هذه الشروط والمحددات التحكيمية مع قناعاته أو ذائقته.

- يعطى كل محكم كل العمل من الأعمال المتقدمة فى المسابقة درجة من ١٠، وتكون هذه الدرجة هى متوسط درجات الشروط المتفق عليها، وتكون الدرجة النهائية الممنوحة للعمل هى متوسط درجات كل أعضاء لجنة التحكيم، ويتم ترتيب الأعمال حسب درجاتها، ويتم منح الأعلى فى المتوسط، الترتيب الأعلى فى مراحل التصفية الأولى ويعاد التقييم أيضًا فى مرحلة التصفية النهائية.
لا أعتقد أن اللجنة الموقرة المحكمة للجائزة قامت بهذه الإجراءات؛ لأنها إذا قامت بها فإن النزاهة تقتضى أن تمنح المركز الأول لمن حصل على أعلى الدرجات وفقًا للتقييم الذى اتفقوا عليه أولًا، ولا يحق لهم إنزال المركز أو إلغاؤه لأنه من المسلمات العقلية أيضًا.
- نتيجة المسابقات والجوائز هى نتائج داخل إطار محدد، وهو الأعمال المقدمة لهذه المسابقة، فأحسن رواية أو قصة أو ديوان هى الأحسن فيما تقدم من أعمال لهذه المسابقة. وليس الأحسن على إطلاقه.
ومن ثم فما قامت به اللجنة من إقصاء المركز الثانى فهو خطأ إجرائى، وحتى لا يكون ما أكتبه مجرد انعكاس للفوضى، أطالب لجنة التحكيم وقد أنهت عملها وأمانة الجائزة؛ حفاظًا على سمعتيهما، واحترامًا لحق الشك والسؤال أن تنشرا مجموعة الشروط الشكلية والموضوعية التى اتفق عليها طوال فترة التحكيم. وهذه الشروط تحفظ حق كل من تقدم للمسابقة، وتؤكد نزاهة اللجنة من حيث المبدأ، وتؤكد أن ما تم خطأ إجرائى وليس تصدعًا فى بنية لجنة التحكيم.

هذا عن الخطأ، أما عن الخطيئة فهى الديباجة العاطفية والخطبة التى تمت قراءتها أو ارتجالها على المسرح، فبعد قراءتى المجموعات الأربع فى القائمة القصيرة للجائزة، فإننى أكتب وكلى شفقة على أعضاء اللجنة الموقرة أن قرارها واختيارها لم يصدر عن تحكيم نقدى أدبى، بل عن سلطة تحكيم محافظة ورجعية رأت فى المجموعات الأربع وما بها من أفكار ومعالجات تجاوزات وخروقات، لم تستطع اللجنة أن تغض البصر عنها وقد تجمعت فى بؤرة واحدة، فكأنها شعاع شمس سقط على مرآة عدسة محدبة فزاده تركيزًا، فوجود المجموعات الأربع فى قائمة واحدة نبه أحد ما لخطورة ما يحدث فى الواقع الأدبى وفى المجتمع المصرى من انزياح المركز وتسيد الهامش، أن تتجمع أربع كاتبات فى قائمة، والأهم أن ما يكتبنه ليس ما اعتاد المجتمع تلقيه من كتابة- مقدرة كتعبير تاريخى عن واقعه- عن مشاكل وقهر المرأة، تعاسة المرأة، اضطهاد المرأة، حيرة المرأة، فيشعر المجتمع البطريركى بالزهو وهو يمنح الكاتبات بعضًا من حرية التعبير عن المعاناة والألم فى عالم النساء، ويقهقه على المقاهى والمنتديات ويشير باستعلاء «كتابة نسوية» ويمضى مستريح الخاطر.
ويغض الطرف عن كل كتابة صادمة، تكتب عن النساء الفاعلات، القويات، اللا مباليات وعن الرجال العاجزين، المترددين، الحائرين..
وينقلب السحر على الساحر، ويتحول الموضوع إلى ذات تكتب عن موضوع آخر.
الكتابة الفعل العلوى المقدس المرتبط بالسطوة والهيمنة، ينتقل برشاقة وإجادة ليد كاتبات يكتبن
ليس فقد المرأة، لكنه فقد الرجل حيرته.. حين يفقد ساقه، تطلب زوجته منه الطلاق دون أن توضح سبب ذلك، تظهر شعرة بيضاء فى رأسه، ويسمع كلمة يا عجوز، ضعف الأب والشيخوخة، التعلق بالأم أم بمن نفقد من أعزاء، حين يكون بدون ملامح مثل الآخرين ولا يمكن تمييزه.. كل هذه الأحوال يمكن أن تكون الساردة فيها امرأة، لكن وقع هذا الفقد لم يكن ليحظى بهذا الثقل والكثافة والدهشة.

بتراكم هذه الكتابات التى تجعل الذكر هو موضوع الكتابة، موضع الفحص والتمحيص والرصد لكل التأثيرات المجتمعية والمتغيرات الجديدة فى علاقة الإنسان بعالمه المضطرب، إظهار إنسانية وخوف وقلق وتردد وحيرة الرجال أبطال، ينزل بهم من علياء المنة والحكم لنرى كيف يقاومون ويحاولون التماسك.
هنا لا أب ولا زوج ولا أخ قاسيًا.. هنا رجال متخبطون، حائرون، بشر من لحم ودم تشفق عليهم، وأفكار تعرف أنها موجودة لكنها مخبوءة تحت زيف الموروث.
هل خشيت لجنة التحكيم من التشجيع على انتشار الكتابة التى تعرى روح الرجال، التى تكشف عن هشاشتهم وادعاءهم.. هذه كتابة ضد المنظومة السلطوية، تجاوز فيها الخطاب السردى مظلومية النساء، وامتد بشجاعة ليضع نصف المجتمع «الذكور» على طاولة التشريح، لتصبح هذه المجموعات صوت الذكور، المرآة التى يجدون فيها أنفسهم، فى مواجهة مخاوفهم وفقدهم وتيههم، بلا غطرسة أو غرور، فهل هذا ما أقلق اللجنة ووضعها فى حرج؟

هل لم ترتق المجموعات إلى المرتبة الأولى؛ لأن الكاتبات لم يسايرين النمط التقليدى فى الكتابة حيث التعبير عن عالم النساء المطحونات المقهورات، وتجرأن على الكتابة عن نساء فاعلات، قادرات، يمتلكن القدرة على اختيار رجل ما وعدم التردد فى نبذه وهجره إذا لم يحقق احتياجهن، دون ندم أو شعور بالخزى لإساءة الاختيار؟
هل تعرضت اللجنة لصدمة من أفكار المجموعات عن اللا يقين والملامح الضائعة، عن الفقد والذبول والتلاشى؟ فرأت ألا تشجع الكتاب الشباب على سبر أغوار هذه الكتابة والتريث والتمهل فى التعبير عن هذه الأفكار التى قد تعكر صفو التمام.
لقد كشفت الكاتبات عن وعى عميق بالمجتمع وما يتم فيه من تغيرات وما يحيطه من تحديات،
هذه المجموعات شديدة الواقعية، وما ميلها للتعبير عن عالم الكوابيس والأحلام إلا تأكيد لواقعيتها الشديدة عن لحظة الالتباس واللا يقين التى نعيشها. ونجاح أى أدب أو فن هو قدرته فى التعبير عن لحظته والتعاطى مع هشاشته وضعف مفرداته حتى إن دفن البعض رأسه فى الرمال.



