أطياف جريئة.. سلطة السينما.. وسينما السلطة
- «أطياف الرئيس» ليس مجرد كتاب نقد سينمائى بل هو دراسة ثقافية- سياسية جريئة
فى عالم يتسارع فيه تأثير الصورة البصرية على الوعى الجماعى، تظل السينما واحدة من أقوى الأدوات فى تشكيل التصورات الاجتماعية والسياسية. ومن بين الشخصيات التى تحمل أثقل الدلالات الرمزية فى هذا الفن السابع يبرز «رئيس الدولة» أو «الحاكم» كشخصية محورية، تجمع بين السلطة المطلقة والإنسانية المتشققة، بين البطولة المُمجدة والضعف المكشوف، وبين الرمز الوطنى والفرد المعرض للنقد والسخرية، يأتى كتاب «أطياف الرئيس.. صورة الحكام فى السينما»، للكاتبة والإعلامية الدكتورة صفاء النجار، ليفتح نافذة عميقة ودقيقة على هذا الملف الحساس، مقدمًا دراسة بحثية شاملة ومتميزة فى جهدها وتوثيقها.
ألاحظ- كقارئ متأمل- أن هذا الكتاب يمثل جهدًا كبيرًا ومتميزًا من جانب مؤلفته، حيث يعكس بحثًا معمقًا، تدقيقًا علميًا، وتوثيقًا دقيقًا يمتد عبر عقود من التاريخ السينمائى. الدكتورة صفاء النجار- الحاصلة على الدكتوراه فى الإعلام من جامعة القاهرة، ومقدمة برنامج «أطياف» الثقافى على قناة «الحياة»، وصاحبة أعمال روائية وقصصية معروفة- تجمع بين الخلفية الأكاديمية الرصينة والحس الإعلامى الحاد، مما مكنها من تقديم عمل يجمع بين التحليل السينمائى والقراءة السياسية والاجتماعية ببراعة.

يمتاز الكتاب بكثرة الأمثلة المتنوعة التى يستقيها من السينما العالمية والمصرية على حد سواء، ليدعم كل فصل من فصوله بأدلة فنية وتاريخية ملموسة. فمنذ بدايات السينما فى عصر الملوك والشاه «كما فى إيران مع مظفر الدين شاه»، مرورًا بالسينما الأمريكية فى علاقتها بهوليوود والرؤساء من ويلسون إلى روزفلت وما بعده، وصولًا إلى السينما المصرية، يقدم الكتاب لوحة بانورامية غنية.
يتناول الكتاب صورة الرئيس بكل تفاصيلها المعقدة: السمات الديموغرافية «النوع، العمر، الخلفية»، الأبعاد العقلية والنفسية «القرار، الضغط، الانهيار، الجنون أحيانًا»، والأبعاد الاجتماعية «العلاقة بالشعب، السلطة، الإعلام». وهو لا يقتصر على السينما المصرية- التى شهدت تمجيدًا لشخصيات مثل عبدالناصر والسادات فى أفلام مثل «ناصر ٥٦» و«أيام السادات»- بل يمتد إلى السينما الأمريكية من «لينكولن» إلى «نيكسون»، والأوروبية، والإيرانية، وحتى السياقات الاستعمارية والثورية فى دول مختلفة.
بهذا التنوع الزمنى والجغرافى والنظامى «ديمقراطيات، ملكيات، أنظمة شمولية، ثورات»، ينجح الكتاب فى رسم «أطياف» متعددة لنفس الشخصية: الرئيس كبطل مخلص، كضحية للسلطة، كديكتاتور، كإنسان يعانى، أو كرمز يُستخدم لأغراض دعائية أو نقدية. وفى كل ذلك، يبرز دور السينما كمرآة للسلطة، وكأداة تشكل الوعى الجماعى، سواء بالتمجيد أو بالنقد أو بالسخرية.
فى كتابها «أطياف الرئيس.. صورة الحكام فى السينما»، تأخذنا د. صفاء النجار فى رحلة لنعرف كيف يظهر الرئيس، فى السينما، كرمز للقوة والسلطة، مع أمثلة من السينما المصرية التى تناولت شخصية ووظيفة رئيس الدولة منها: يا مهلبية يا- الجاسوسة حكمت فهمى- رسالة إلى الوالى- جواز بقرار جمهورى- أمير الظلام. ثم تناولت بالتحليل المعمق ٢٥ فيلمًا أمريكيًا، و٧ أفلام مصرية تم إنتاجها فى الفترة من عام ١٩٩٠ إلى ٢٠٢٤، وهى: امرأة هزت عرش مصر- ناصر ٥٦- جمال عبدالناصر- أيام السادات- ظاظا رئيس جمهورية- طباخ الريس- الديكتاتور.

يناقش الكتاب كيف تُستخدم السينما لتعزيز الصورة الإيجابية للحكام، لكنها أيضًا تكشف عن التناقضات، مثل الصراع بين السلطة والشعب. وكيف تعكس السينما التحولات السياسية، «ناصر ٥٦»، الذى يصور تأميم قناة السويس كلحظة تاريخية. ويناقش الكتاب دور السينما فى تعزيز الوعى الوطنى، وكيف يُصور الحكام كرموز للثورة أو الاستبداد، أو صورة الرئيس فى سياقات الحرب والسلام، مع ذكر أفلام تاريخية تصف الرؤساء كقادة فى أزمات عالمية. ويأخذنا هذا الكتاب التوثيقى إلى جانب مهم أو هو تساؤل مهم: كيف تسهم الأفلام فى تشكيل الذاكرة الجماعية عن الحكام؟. وبين دفتى هذا الكتاب سوف يتأكد داخلك أن السينما ليست مجرد ترفيه، بل أداة لنقد السلطة وتعزيز الوعى الاجتماعى.
الكتاب يُبرز كيف كانت السينما فى بداياتها أداة سلطوية مباشرة فى يد الحكام «كما فى إيران مع مظفر الدين شاه»، ثم تطورت لتصبح أداة سياسية ونفسية فى تصوير السلطة والحكم «كما فى أمثلة أوروبية مثل كاليجارى»، مع إشارات إلى تأثيرها فى السياقات العربية والإسلامية «مصر، تركيا، الأردن». التركيز الرئيسى هو الارتباط التاريخى بين بداية السينما والسلطة الملكية، وكيف استخدم الحكام الكاميرا لتوثيق أنفسهم وتعزيز صورتهم.
وفقًا لكتاب د. صفاء النجار تُعد السينما المصرية رائدة فى تصوير الحكام كرموز وطنية. فيلم «ناصر ٥٦» (١٩٩٦) يصور جمال عبدالناصر كبطل يواجه الاستعمار، مع التركيز على تأميم قناة السويس. أما «أيام السادات» (٢٠٠١)، فيركز على أنور السادات كقائد يبحث عن السلام، لكنه يواجه التحديات الداخلية. فيلم «البرىء» (١٩٨٦) ينتقد السلطة بشكل غير مباشر، بينما «الإرهاب والكباب» (١٩٩٢) يسخر من الفساد السياسى. هذه الأفلام تُظهر الرئيس كشخصية مركبة، بين البطولة والإنسانية.

ثم تأخذنا بهدوئها المعتاد لإلقاء نظرة على علاقة السينما بالسلطة والرؤساء فى أمريكا ودول أخرى. حيث تبدأ بالعلاقة القديمة بين هوليوود والسياسة، مشيرة إلى فيلم «الحضارة» الذى عرض فى عهد الرئيس ويلسون، ويظهر فيه المسيح وقد تجسد فى هيئة مهندس فى غواصة يبعث ويبشر العالم بإنجيل السلام، مع نهايته تبرز أمنيات الرئيس للسلام. يُذكر أن الفيلم يعبّر عن شعار «الابتعاد عن الحرب»، وهو الذى نتج أثناء اشتعال الحرب العالمية الأولى. السينما الأمريكية غنية بتصوير الرؤساء كأبطال أو ضحايا. فيلم «Lincoln» (٢٠١٢) يصور لنكولن كمخلص للأمة. بينما فيلم «Nixon» (١٩٩٥) يستكشف شخصية ريتشارد نيكسون المعقدة، أما فيلم «Frost/Nixon» (٢٠٠٨) فيركز على سقوطه. وفيلم «W» (٢٠٠٨) ينتقد جورج بوش الابن، هذه الأفلام تُبرز الجانب الإنسانى للسلطة.
ثم تأخذنا الصفحات التالية وقلم د. صفاء إلى السينما الألمانية ورحلة بين كواليسها، وفيها غالبًا ما يُصور الحكام كرموز تاريخيين. فيلم «The Great King» (١٩٤٢) يصور فريدريك الكبير كقائد عسكرى، مع لمسات دعائية، وما قدمته من أعمال عن شخصية هتلر. أو غيرها من الأفلام التى تركز على الجانب النفسى للسلطة.
وتجد نفسك فى قلب عالم سينمائى له سمته الخاص، وهو عالم «السينما الإيرانية»، وفيها غالبًا ما تكون صورة الحكام نقدية بسبب الرقابة. فيلم «The President» (٢٠١٤) يصور ديكتاتورًا يهرب من الثورة، مُصورًا التوتر بين السلطة والشعب. وأفلام مثل «I am Rouhani» (٢٠١٤) تُروج للرئيس، لكنها تُنتقد كدعاية. هذه الأفلام تعكس الصراع السياسى فى إيران.
ولا أعتقد أن كثيرًا منا يهتم بالسينما الكوبية، لكن بين دفات الكتاب ستتعرف على الكثير عنها، حيث تُصور السينما الكوبية الحكام فى سياق الثورة. فيلم «Cuba» (١٩٧٩) يركز على سقوط باتيستا وصعود كاسترو. «The Lost City» (٢٠٠٥) ينتقد الثورة من منظور المنفيين. أفلام مثل «I Am Cuba» (١٩٦٤) تمجد الثورة، مُعكسة التوترات السياسية.
أما صورة الرئيس فى السينما الروسية، التى بدأت عروضها فى روسيا فى مايو عام ١٨٩٦ أثناء احتفال نيكول الثانى بعيد تتويجه، فأرسل لوميير بعض معاونيه لعرض بعض الأفلام فى روسيا، وفى عام ١٩٠٨ عُرض أول فيلم روسى أخرجه ألكسندر درانكوف- لاحظ اهتمام الكاتبة بإثراء الوجبة الثقافية عبر السطور التأريخية مع كل فصل جديد- ثم بعد الثورة البلشفية اعتبر البلاشفة السينما أداة متميزة لتقديم رسالتهم إلى الشعب، وكانوا يهدفون إلى استخدامها أكثر من أى وسيط فنى آخر لخلق الإنسان الاشتراكى الجديد، وكان لينين يقول: «إن السينما فى رأيى أهم الفنون جميعًا بالنسبة إلينا». ومنذ أواخر الثلاثينيات حتى وفاة ستالين عام ١٩٥٣ كان ستالين هو الرقيب الأعلى الذى يرى بنفسه الأفلام ويضع تصديقه على كل فيلم، ومثلما كان يفعل جوبلز فى ألمانيا النازية، فإن ستالين قام بالإشراف الدقيق على السينما، فكان يقترح تغييرات فى العناوين ويدعم الممثلين والمخرجين الذين يفضلهم، كما يقوم بتنقيح السيناريوهات، وفى بعض الأفلام ذات الحساسية السياسية، مثل فيلم «المواطن العظيم» (١٩٣٩)، كانت التغيرات أكثر من جوهرية حتى إنه يمكن اعتبار ستالين شريكًا فى تأليف الفيلم.

وتنتقل بنا الكاتبة د. صفاء النجار فى رحلة ممتعة إلى السلطة والسينما فى مصر، الملك فاروق والسينما- السينما وثورة يوليو ١٩٥٢- عبدالناصر والسينما- الرئيس السادات والسينما- الرئيس مبارك والسينما. قبل أن تنتقل إلى الفصل الثانى عن تطور صورة رئيس الدولة فى السينما: الأمريكية- الفرنسية- البريطانية- الروسية- الألمانية- الإيطالية- الدنماركية- الكورية- الإيرانية- العراقية.
أما الفصل الثالث فهو عن تطور صورة رئيس الدولة فى مصر ورحلة سينمائية عبر: سلامة فى خير- لاشين- أمير الانتقام- نور الدين والبحارة الثلاثة- شهرزاد- أميرة الجزيرة- شمشون الجبار- وإسلاماه- ألمظ وعبده الحامولى- الناصر صلاح الدين- حكم قراقوش- صاحب الجلالة- أمير الدهاء- تنابلة السلطان- المماليك.
والفصل الرابع، وهو الأكثر توغلًا فى هذا العالم، تم وضعه تحت عنوان: «سمات وأداء الرئيس فى السينما الأمريكية. وهو الذى يمتد عبر ٥٠ صفحة من التعمق والتدقيق فى مقومات الشخصية والسلوكيات والسمات النفسية والجسدية والعمرية... إلخ.
والفصل التالى متخصص أكثر فى السينما المصرية، بعنوان: «سمات وأداء الرئيس فى السينما المصرية»، قبل أن نصل إلى الخاتمة، وملحق صور بالألوان كتأكيد للثقة وللدقة التى تلازمنا منذ لحظة البدء فى الكتاب حتى نهايته.
إن «أطياف الرئيس» ليس مجرد كتاب نقد سينمائى، بل هو دراسة ثقافية- سياسية جريئة، تكشف العلاقة المعقدة بين الفن والسلطة، وتدعو القارئ إلى التأمل فى كيف تصنع الصورة السينمائية جزءًا من هويتنا السياسية والاجتماعية. جهد الدكتورة صفاء النجار فى جمع هذه المادة الثرية وتحليلها بعمق يجعل الكتاب مرجعًا قيمًا للباحثين فى السينما، الإعلام، والعلوم السياسية، ولكل مهتم بفهم كيف يُرى الحاكم من خلال عدسة الكاميرا عبر الأزمنة والأماكن المختلفة.







