الثلاثاء 22 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

ماذا يكتب العالم؟

فرط كتابة.. عن المؤلفين الذين لا يتركون القلم أبدًا

حرف

- الإلهام لا يحتاج إلى انتظار بل يمكن إجباره

- يحسد الكتاب غزيرى الإنتاج ويستهان بهم فى وقت واحد

كان يستيقظ كل صباح فى تمام الساعة السابعة، ويتناول فطوره سريعًا حوالى الساعة الثامنة، ثم يجلس إلى مكتبه بانتظام فى موعد أقصاه التاسعة، ليكتب بعدها بجد لمدة خمس ساعات متواصلة، حتى يكتب ما لا يقل عن ألفى كلمة. 

وبهذا الجدول الزمنى، تمكن تشارلز ديكنز من تأليف رواية «ديفيد كوبرفيلد»، على الرغم من أن تقلبات النشر المتسلسل، أدت إلى تأخير ظهور الرواية من عام ١٨٤٩ إلى عام ١٨٥٠. 

يتأمل بطل الرواية، ديفيد كوبرفيلد، فى أكثر روايات ديكنز ذاتية: «لم أفكر قط، عندما كنت أقرأ الكتب، فى مدى صعوبة كتابتها. أما الكتابة، فلها سحرها الخاص». وقد حفظت الغرف المختلفة التى كتب فيها ديكنز، من كينت إلى العاصمة، باحترام كبير فى متاحف منزلية مخصصة له.

جيمس باترسون
جيمس باترسون

فى متحف تشارلز ديكنز فى لندن، يمكنك مشاهدة مكتب سكرتيره المصنوع من خشب الماهوجنى الأحمر، إلى جانب كرسيه المتين، موضوعين على سجادة خضراء ثقيلة، مزينة بنمط هندسى، وكان الترتيب عموديًا على النافذة الجانبية، المحاطة بستائر حمراء ثقيلة، وذلك لئلا يتشتت انتباه الكاتب، بما كان يحدث فى الخارج.

يمكن للمرء أن يتخيل الكاتب منحنيًا فوق ورق النشاف المائل على مكتبه، يفتح بين الحين والآخر، أحد أدراجه العديدة المزخرفة بنقوشها ليأخذ ورقة أخرى، ولا يسمع سوى صوت حفيف القلم، بينما يتسلل ضوء الشمس المشرقة عبر النافذة. 

زنزانة ناسك، كهف رهبانى، حرم داخلى، لكن بالنسبة لديكنز، المحترف الكفء المتقن لعمله، كان الأمر أكثر أهمية مكتبًا. 

انتقل ذلك المكتب والكرسى مع مسيرته المهنية، من منزله ذى الجدران البيضاء فى كينت، حيث كتب رواية ديفيد كوبرفيلد، إلى لندن، حيث كتب قصة مدينتين عام ١٨٥٩، وفى المدينة نفسها نشرت رواية آمال عظيمة، بعد عام واحد فقط.

إن معدل إنتاج ديكنز الغزير- روايتان كلاسيكيتان خلال اثنى عشر شهرًا- يجسد جوهر براعته. يقول ديفيد كوبرفيلد، وهو كاتب أيضًا: «لم أكن لأستطيع فعل ما فعلت، لولا عادات الالتزام بالمواعيد والنظام والاجتهاد، ولولا العزيمة على تركيز نفسى على هدف واحد». 

وقد أثمر هذا الجدول الزمنى الثابت خمس عشرة رواية، وخمس روايات قصيرة، ومئات المقالات والقصص القصيرة والمحاضرات- أى ما يقارب خمسة ملايين كلمة منشورة، خلال مسيرة ديكنز الأدبية.

على الرغم من شهرة ديكنز الأدبية، مؤلف روايات ضخمة مثل أوليفر تويست ونيكولاس نيكلبى، فإن رائحة النزعة التجارية لا تزال تلاحقه. حتى بعد مرور أكثر من قرن، لا يزال البعض ينسب أسلوبه المعقد، إلى ميل المحررين المزعوم للدفع، مقابل كل كلمة. 

وبناءً على هذه التقديرات، يبدو أن ديكنز مدفوع بضغوط المواعيد النهائية المتكررة، أكثر من دافعه الإلهى- أى إنه كان كاتبًا مجتهدًا.

يجسد عمل بوز، وردود الفعل عليه، ازدواجية الكاتب غزير الإنتاج، وهو نوع من المؤلفين يحظى بالإعجاب والاستهانة فى آن واحد. فمقابل كل كاتب غزير الإنتاج يشاد به، ليس فقط لغزارة إنتاجه، بل لجودة أسلوبه النثرى، مثل مارجريت أتوود «١٨ رواية، ١٨ مجموعة شعرية، ١١ كتابًا غير روائى، تسع مجموعات قصصية قصيرة، وروايتان مصورتان».

ستيفن كينج
ستيفن كينج

وجويس كارول أوتس «٦٣ رواية، ٤٧ مجموعة قصصية قصيرة، إلى جانب مسرحيات ومقالات وكتب أطفال»، أو حتى ستيفن كينج «٦٥ رواية، إلخ» الذى لم ينل التقدير النقدى الذى يستحقه إلا مؤخرًا، هناك من ينظر إليهم، عن حق، على أنهم كتاب رديئون يتبعون أسلوبًا جماعيًا فى الكتابة، مثل دين كونتز «أكثر من مائة رواية»، ودانييل ستيل «أكثر من مائتى رواية»، وجيمس باترسون «حوالى ٢٨٥ رواية».

هذا قبل أن نتطرق إلى التطرف الحقيقى لكتاب الروايات الشعبية مثل ل. رون هوبارد، الذى ألف أكثر من ألف كتاب، أو الروائى الإسبانى كورين تيلادو، الذى كتب أكثر من أربعة آلاف. 

وبقدر سهولة السخرية من كونتز أو باترسون، يصعب فعل ذلك مع ديكنز، ففى مثال بوز، ثمة احتمال أن يكون أسلوبه فى الكتابة ملهمًا، بل وربما غامضًا، جزئيًا لأنه كان عملًا شاقًا. مع ديكنز، نجد احتمالًا بأن الإلهام لا يحتاج إلى انتظار، بل يمكن إجباره.

يحسد الكتاب غزيرى الإنتاج ويستهان بهم فى آن واحد، يعجب بهم ويسخر منهم. ثمة شعور بأن الكاتب قد يفرط فى الكتابة، وأن أى نتيجة مهما كانت، لن تكون جيدة. 

لننظر إلى مقال عام ٢٠١٥ من المجلة الطبية البريطانية، بعنوان «هل غزارة إنتاج الكتاب أمر جيد أكثر من اللازم؟». ثقافيًا، ينظر إلى الإنتاج المحدود، وإلى العملية المركزة والمكثفة والصابرة التى تميز هاربر لى «روايتان»، وجيه. دى. سالينجر «رواية واحدة منشورة، وبعض القصص القصيرة»، وإميلى برونتى «رواية واحدة بعنوان «مرتفعات وذرينج»، نظرة إيجابية. 

لكن لا توجد علاقة بين السيرة الذاتية القصيرة والعبقرية، ولا العكس. برونتى وأوتس كاتبتان بارعتان، على الرغم من اختلاف حجم أعمالهما، وبينما قد لا ينصح بأسلوب هوبارد، فإن هناك العديد من الكتاب الذين حققوا نجاحًا واحدًا فقط، وكان من الأفضل لهم لو تركوا تلك الرواية حبيسة أدراجهم. 

على الرغم من بساطة الأمر، فإن هناك كتابًا غزيرى الإنتاج جيدين وسيئين، وكتابًا غير منتجين جيدين وسيئين.

ما أود طرحه هو أن غزارة الإنتاج تتعلق بشىء آخر، وأنه بمجرد استبعاد أولئك الذين يديرون مصنعًا للإنتاج مع العديد من المساعدين، وتذكر أولئك الذين كتبوا بالفعل عددًا لا يحصى من العناوين بأنفسهم، سواء أكانت أجاثا كريستى «٦٦ رواية، و١٥٠ قصة قصيرة، و٢٥ مسرحية»، أو كاتب روايات الغموض البلجيكى جورج سيمينون «٤٠٠ رواية و٢١ مذكرات»، أو ركيزة الخيال العلمى وكل شىء آخر إسحاق أسيموف «أكثر من ٥٠٠ كتاب»، فإننا نحتاج إلى مراعاة متطلبات غزارة الإنتاج.

لأن الكتاب غزيرى الإنتاج، غالبًا ما يكونون كتابًا منهجيين، مثل فيليب روث «ثلاثون رواية» الذى صرح لتينا براون فى صحيفة «ذا ديلى بيست» قائلًا: «أعمل معظم الأيام، وإذا عملت معظم الأيام وأنجزت صفحة واحدة على الأقل يوميًا، فستكون قد أنجزت ٣٦٥ صفحة فى نهاية العام». 

أو جون أبدايك «٢٣ رواية، ١٨ مجموعة قصصية، ١٢ كتابًا غير روائى، ١٢ ديوان شعر» الذى استأجر مكتبًا فوق مطعم فى إيبسويتش، ماساتشوستس، حيث كان يلتزم بساعات عمل منتظمة، فقد يشعر المرء أحيانا بأن سحر الكتابة قد فقد. فقد قال ويليام بريتشارد عن أبدايك: «لا بد أنه كان لديه فكرة لم تنشر، لكنك لم تستطع معرفة ذلك».

غالبًا ما ينظر إلى الكاتب المعذب نظرة إيجابية، أولئك الأدباء الشباب الحزانى الذين يجلسون فى الحانات، يكتبون فى دفاترهم بينما يدخنون سجائر «أمريكان سبيريت»، فى حين أن من يستأجر مكتبًا، قد يكون محاسبًا. 

ثم هناك شك بأن غزارة الإنتاج، فى أقصى حالاتها، ليست مسألة عمل، بل هى أقرب إلى الهوس- استعراض منها إلى أدب. ماذا لو، مع ذلك، ودون التقليل من شأن من يكتبون كثيرًا أو قليلًا، اعتبرنا أن نهج الكتابة الشاق، وإن كان دنيئًا، قد يكون مشرقًا بالنسبة للأول؟ وأن هناك، فى الواقع، مسحة من التصوف متأصلة فى شخصية الكاتب، وأن دافع الإنتاج ليس مناقضًا للإلهام، بل هو امتداد له؟

لست كاتبًا مثاليًا، كما تشهد بعض التعليقات، لكننى غزير الإنتاج «١٦ كتابًا، ست مجموعات، ومئات المقالات». لاحظت، من خلال تجاربى الشخصية، أن الأسئلة التى أتلقاها فى جلسات القراءة، تركز على الإنتاج بقدر تركيزها على المحتوى، وسأكون كاذبًا لو أنكرت وجود قدر من الفخر فى ذلك، ولكن أيضا قلق من وجود افتراض ضمنى، بأن هذا النوع من الكتابة، يتسم بالتدفق السريع أكثر من التدفق السلس. 

وهناك أيضًا، بطبيعة الحال، مسألة تقديم النصائح، مع أننى لا أملك أى رأى فى استراتيجيات مبتكرة مثل طريقة بومودورو أو استخدام جهاز فرى رايت ترافيلر.

دانييل ستيل
دانييل ستيل

بل على العكس، لطالما شككت فى أن مثل هذه الأساليب، تعلم الناس أنهم بحاجة إلى ظروف مثالية للكتابة، بينما وجدت أن تقبل النقص، لأن نقيضه نادرًا ما يتحقق، أكثر فائدة بكثير.

بصفتى أبًا متفرغًا لرعاية أطفالى الصغار، تعلمت كيف أكتب وطفلى الرضيع نائم مربوط بين ذراعى؛ وبصفتى شخصًا قضى ساعات طويلة جالسًا فى حافلات المدينة أو مترو الأنفاق، فقد أتقنت كتابة ملاحظات مبهمة لنفسى عبر الرسائل النصية أو ابتكار وسائل تذكيرية، لأتذكر ما كتبته.

كثيرًا ما أخبرت الناس أن أفضل ما يُجدى نفعًا، هو أن أصبح مدمنًا متعافيًا مع مشاكل فى الاعتدال، حيث قد أستبدل إدمانًا بآخر، ولكن على الأقل بعد جلسة كتابة ماراثونية من ٥٠٠٠ كلمة، نادرًا ما أستيقظ فى كومة قمامة مغطاة بقيئى. 

ولكن الأهم من ذلك كله، أن الإجابة تكمُن فى شىء آخر- وهو أننى أكتب، لأننى مضطر للكتابة. شىء ما فى طبيعتى يحتم علىّ ذلك، وبينما لا يجعلنى هذا كاتبًا أفضل أو أسوأ فى حد ذاته، إلا أنه العنصر الأساسى الذى جعلنى كاتبًا غزير الإنتاج.

ادعى جورج أورويل، فى مقولة شهيرة، أن «كتابة كتاب صراع مرير ومرهق، أشبه بنوبة طويلة من مرض مؤلم»، لكننى لم أجد الأمر كذلك قط. فى الواقع، أنا محظوظ جدًا لنشر أعمالى، وممتن لوجود قراء، ولكن حتى لو لم يكن الأمر كذلك، لكنت ما زلت أكتب. 

ذلك لأننى لطالما فهمت الكتابة على أنها وصفة للوجود، وطريقة لتنظيم فهمى للعالم؛ بل إن الكتابة بالنسبة لى تعادل التفكير، إذ غالبًا ما أشعر وكأننى لم أقرأ شيئًا حقا أو لم أفهمه بالتأكيد، حتى أكتب عنه، وكأن تجربتى للعالم، يجب أن تتوسطها معالجة النصوص.

فى أقصى حالاتها، يتحدث علماء النفس عن «فرط الكتابة»، حيث يغطى الكتاب الإيصالات والأكياس الورقية بخط متشعب أو يحتفظون بمذكرات شخصية تصل إلى ١٠٠ ألف صفحة. 

هناك جمال فى هذا الجنون. تقول أليس فلاهيرتى، عالمة الأعصاب وخبيرة الكتابة المفرطة، فى كتابها «مرض منتصف الليل: دافع الكتابة، وعجز الكاتب، والدماغ المبدع»: «يسألنى العلماء كيف أصف الكتابة بأنها مهنة وليست إدمانًا، مع أننى لم أعد أرى سببًا للتمييز بينهما. فأنا مدمنة على التنفس بنفس الطريقة. أكتب لأننى عندما لا أكتب، أشعر بالاختناق. أكتب لأن شيئًا أعظم منى بكثير يتدفق إلى، فيغمر الصفحة والعالم بالمعنى».

وبالمثل، عندما سأل روبرت فيليبس من مجلة «باريس ريفيو أوتس» عما إذا كانت مذنبة بـ«الإنتاج المفرط»، وكيف يمكن التوفيق بين إنتاجها والظروف غير المثالية أحيانًا للكتابة نفسها، أجابت قائلة: «يجب أن يكون المرء قاسيًا بشأن مسألة «المزاج». 

بمعنى ما، ستخلق الكتابة المزاج. إذا كان الفن، كما أعتقد، وظيفة متعالية حقًا- وسيلة نرتقى بها من حالات العقل المحدودة والضيقة- فلا ينبغى أن يهم كثيرًا ما هى حالاتنا العقلية أو العاطفية».

أعتقد أن ما يجمع بين المصابين بهوس الكتابة، هو إعطاء الأولوية للعملية على حساب الناتج، ولتجربة الكتابة بقدر ما يولونها لنتيجتها. فالكتابة بالنسبة لنا وسيلة للوجود. 

أما بالنسبة لمن يعانون من نقص الكتابة، فإن «الكتابة» بالنسبة لنا فعل أكثر منها اسم. فى عصرنا الغريب هذا، عصر الذكاء الاصطناعى، حيث أصبحت «الكتابة» تنجز بضغطة زر، قد يبدو وضع الكتابة المفرطة المنعزل أكثر غرابة، ولكنه فى الوقت نفسه، أكثر إنسانية.

كان جون ميلتون يلحن أبيات الفردوس المفقود البديعة فى ذهنه ليلًا، ثم يحتاج إلى كاتب، ليدون أبيات الشاعر الكفيف، عند استيقاظه. 

وصف ماركس هذا النوع من العمل، الذى لم يكن مرتبطًا بموعد نهائى أو بربح مادى، بأنه أنتج الشعر «كما تنتج دودة القز الحرير»- لأن الكاتب كان مُضطرًا لذلك. وعند مراقبة دودة القز، يمكن القول إن غزلها للشبكة قد يكون بجمال الشبكة نفسها، وأن العمل بحد ذاته هو الأهم.