التلاعب بالعقول.. أحمد فاروق: «AI» لا ينشر الأكاذيب فقط.. بل يجعلنا نشك فى الحقائق
- «الذكاء الاصطناعى» يجعل التضليل أسرع وأرخص وأكثر تخصيصًا
- بناء الثقة والوعى أهم من مطاردة ملايين الرسائل المضللة
- يمكن مواجهة التضليل والتلاعب بالعقول بسلاح «المناعة الفكرية»
فى كتابه «التلاعب بالعقول: من الإسكندر إلى غزة»، يتتبع الدكتور أحمد محمد فاروق، تطور عمليات التأثير فى الوعى من الحروب القديمة إلى الصراعات الحديثة، متوقفًا عند العمليات السيكولوجية بوصفها إحدى أهم أدوات الصراع على إرادة الشعوب.
الحرب فى تصوره لا تُحسم فقط فى ساحات القتال، وإنما يمتد جانب أساسى منها إلى العقول، حيث يصبح التأثير فى الإدراك والمشاعر والاختيارات جزءًا من معركة أوسع لفرض الإرادة.
وفى عصر «الذكاء الاصطناعى»، تكتسب هذه المعركة أبعادًا أكثر تعقيدًا. إذ أتاحت تقنيات تحليل البيانات فهم سلوك المجتمعات وتخصيص الرسائل والتنبؤ بردود الأفعال على نحو غير مسبوق.
فى الحوار التالى مع «حرف»، يناقش الدكتور أحمد محمد فاروق العلاقة بين تحليل السلوك والتأثير فيه، وحدود قدرة العمليات السيكولوجية على إعادة تشكيل إرادة المجتمعات، وأهمية «المناعة الفكرية» فى مواجهة التضليل.

■ فى كتابك «التلاعب بالعقول: من الإسكندر إلى غزة» تنطلق من فكرة أن السيطرة على العقل قد تسبق السيطرة على الأرض، وأن الحروب الحديثة أصبحت صراعًا على الإرادة بقدر ما هى صراع عسكرى. هل يعنى ذلك أن هزيمة إرادة المجتمع قد تكون الهدف النهائى للحرب، حتى قبل تحقيق أى مكسب عسكرى؟ وما الذى يجعل إرادة مجتمع ما عَصية على الكسر؟
- فى البداية يلزم توضيح أن فرض الإرادة على العدو هو الهدف النهائى لأى صراع عسكرى، وبالتالى فإن المكاسب العسكرية التى تتوج بهزيمة الخصم ما هى إلا مرحلة تمهيدية لفرض الإرادة عليه. ويجب أن نضع فى الاعتبار أن تحقيق الأهداف السياسية المُعلنة فى بداية أى صراع، وليس حجم الخسائر العسكرية، هو المعيار الحقيقى لتحديد الطرف المنتصر فى الحرب. وفرض الإرادة لا يتحقق أبدًا فى حالة وجود تماسك مجتمعى، أو بمعنى آخر تماسك للجبهة الداخلية حتى لو كانت هناك هزيمة عسكرية.
أما العوامل الداعمة للتماسك المجتمعى فتتمثل فى تحصين العقول من خلال بناء «المناعة الفكرية» ومقاومة الشائعات وحماية الهوية الوطنية، دون إغفال تنمية التفكير والوعى النقدى لفهم الدعاية وكشف التضليل، مع الحفاظ على الهوية عبر الدين والثقافة واللغة والتاريخ، وبناء إعلام واعٍ ينافس المحتوى الهدام، ومواصلة تطوير منظومة التعليم بالتركيز على التفكير والتحليل والفهم أيضًا، وتقوية التماسك الأسرى، وتعزيز الانتماء «الشعور النفسى بالارتباط بالوطن»، والولاء «السلوك العملى للدفاع عن الوطن».

■ تتحدث فى الكتاب عن دخول «الذكاء الاصطناعى» وتحليل البيانات إلى مجال «العمليات السيكولوجية» بما يتيح فهم سلوك الجمهور ودوافعه بدرجة غير مسبوقة. هل أصبح امتلاك القدرة على تحليل سلوك المجتمع والتنبؤ بردود أفعاله عنصرًا من عناصر القوة الاستراتيجية، وربما أخطر من امتلاك القدرة على التأثير فيه؟
- لتوضيح هذا الجزء يجب أن نضع فى اعتبارنا أن امتلاك القدرة على تحليل سلوك أى مجتمع والتنبؤ بردود أفعاله خطوة تمهيدية وضرورية لامتلاك القدرة على التأثير فيه، خاصة أننا نتحدث عن علاقة تكاملية بين تحليل السلوك والقدرة على التأثير فيه.
■ ربطت فى الكتاب نجاح العمليات السيكولوجية بقدرتها على فهم احتياجات المجتمع ودوافع أفراده، وتشير إلى إمكانية استغلال الفقر والخوف والانقسام والبحث عن الانتماء. هل المشكلة إذن فى قوة الرسالة التى تستهدف المجتمع، أم فى نقاط الضعف الموجودة داخله أصلًا؟ وهل يمكن لمجتمع أن يكون مُحصنًا تمامًا ضد هذا النوع من الاستغلال؟
- نقاط الضعف الموجودة فى أى مجتمع تعد عاملًا رئيسيًا مؤثرًا فى قوة الرسالة، فالرسائل السيكولوجية تُصاغ بالارتكاز على نقاط ضعف المجتمعات. وإن كانت هناك عوامل أخرى داعمة لنجاح العمليات السيكولوجية، فى مقدمتها تكامل ودقة المعلومات عن المجتمع المستهدف، والاستغلال الأمثل للدوافع والحاجات الأساسية للجنس البشرى بشكل عام ولأفراد هذا المجتمع على وجه الخصوص. ويرتبط وجود مجتمعات مُحصنَة بمدى قدرة الدول على بناء «المناعة الفكرية» ومقاومة التضليل وحماية الهوية الوطنية وتنمية شعور الانتماء والولاء، وهى أمور نسبية.

■ تطرح مفهوم «المناعة الفكرية» باعتباره خط الدفاع الأول فى مواجهة التضليل وغسيل المخ، وتدعو إلى تعزيز الوعى النقدى والثقافة والقدرة على التحقق من المعلومات. لكن كيف نضمن ألا تتحول محاولة «تحصين» المجتمع فكريًا إلى توجيه جديد للوعى نفسه؟ وأين تضع الحد الفاصل بين حماية العقل والتأثير فيه؟
- السؤال الأهم هنا هو مَن يؤثر؟ وبأى سلطة؟ وبأى وسائل؟ عندما تكون الدولة بمؤسساتها وأهدافها الاستراتيجية هى الطرف المؤثر، فإنها تؤدى أحد أدوارها الرئيسية للحفاظ على مجتمعها وتجنب محاولات اختراقه وتفكيكه. والقضية هنا ليست فى وضع حد فاصل بين حماية العقل أو التأثير فيه، فالتربية والتعليم والإعلام والتأطير الثقافى والعادات والتقاليد والتاريخ واللغة فى أى مجتمع، تسهم فى تشكيل الوعى البناء بما يحقق مصالح وأهداف الدولة العليا.
يمكن التمييز بين حماية العقل بمعنى توعيته، وزيادة قدرته على الفحص والتحقق من المصادر وكشف المغالطات، وعرض وجهات النظر، وتشجيع السؤال المنهجى، وبين توجيه العقل، والذى يبدأ حين تصبح الغاية طمس ملامح الهوية الوطنية وإعادة صياغة القيم والمفاهيم.
ويرتبط التحصين الصحى للمجتمع بتوفير الأدوات المناسبة لكشف التلاعب. لذلك يكون التعريف الأفضل للحد الفاصل هو أنه «التأثير الذى يزيد قدرة الإنسان على الاختيار المبنى على الوعى النقدى». أما التأثير الذى يقلل قدرته على الاختيار فيقترب من الدعاية.

■ تتوقف فى الكتاب عند «التسميم السياسى» بوصفه عملية تستهدف القيم والهوية والروابط الاجتماعية. كما تناقش ما تسميه «المعارضة الخارجية الهدامة».. كيف يمكن التمييز بدقة بين عملية منظمة تستهدف تفكيك المجتمع، والنقد السياسى المشروع أو التحولات الطبيعية فى أفكار المجتمع وقيمه؟
- للتمييز بدقة بين هذه العملية المنظمة والنقد السياسى سنجد أن عملية تفكيك المجتمع ترتكز على مسخ الهوية وتغيير العادات والتقاليد، ونشر أنماط جديدة باستمرار عبر الإعلانات والمؤثرين لتصبح أكثر قبولًا بمرور الوقت، وتدفع الشباب إلى تبنى أنماط وسلوكيات جديدة مختلفة عن العادات والتقاليد السائدة.
هناك عدة آليات لتحقيق ذلك، من ضمنها التلاعب اللفظى وإطلاق مصطلحات جديدة ودخيلة على المجتمع لتجنب إطلاق المصطلحات الحقيقية المرفوضة مجتمعيًا. على سبيل المثال إطلاق لفظ «المساكنة» لتجنب استخدام لفظ «الزنا»، و«سوء التعبير» بدلًا من «الكذب».
ومن المهم ملاحظة أن بعض هذه التغييرات لا يكون هدفها دائمًا «إخفاء الحقيقة»، بل قد يكون الهدف تخفيف الوصمة الاجتماعية وإعادة تسويق فكرة أو سلوك بصورة أكثر قبولًا. كذلك استخدام الموضة لنشر الأزياء التى تتعارض مع عادات وتقاليد المجتمعات المحافظة واتهام من لا يلتزم بها بالتخلف والرجعية. من ضمنها أيضًا استخدام الدراما لدفع المجتمع للتعاطف مع بعض التصرفات والتى حتمًا ستكون مرفوضة، بل ومنبوذة لو عُرضت بشكل مجرد.
أما النقد السياسى المشروع فيرتبط بنقد بعض القوانين والقرارات، أو مواقف الأحزاب. وغير المشروع فيرتبط بالتحريض على العنف والتهديد، استهداف الأشخاص بسبب هويتهم أو اختلاق معلومات بقصد الإضرار بهم.

■ تستشهد بالحرب الأمريكية فى أفغانستان لتوضح كيف يمكن لدولة أن تدرس البيئة الدينية والعرقية والسياسية والاقتصادية للمجتمع، وتوظف هذه المعرفة فى عملياتها النفسية، ومع ذلك انتهى الأمر بانسحاب الولايات المتحدة وعودة «طالبان». هل تكشف أفغانستان فى النهاية، عن حدود قدرة العمليات السيكولوجية على إعادة تشكيل إرادة الشعوب؟
- عرضت أفغانستان كمثال عملى للعمليات السيكولوجية، ولم أشر إلى نجاحه، لكن عرضتها فى سياق الحملات السيكولوجية فى العصر الحديث، التى تمت فيها دراسة دقيقة للأهداف المخاطبة، وأشرت خلال عرض هذا المثال إلى تأثر الشخصية الأفغانية بالتعاليم الدينية بشدة عبر العصور، ما ساعد على وصول حركة طالبان للحكم والسيطرة عليه بالكامل عام ١٩٩٦.
أيضًا تأثر الشخصية الأفغانية بالطبيعة الجبلية، التى أكسبتها سمات التعنت والقسوة، والقدرة على التحمل والجَلَد، وصعوبة الاندماج مع الغرباء. وكان تأثير هذه السمات واضحًا على مواصلة حركة «طالبان» المقاومة والإصرار عليها لحين انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وعودة «طالبان» للحكم، رغم طول الفترة الزمنية والتى امتدت من أكتوبر ٢٠٠١ إلى أغسطس ٢٠٢١ لمدة تقارب ٢٠ عامًا.
■ فى نهاية الكتاب تنتقل من تشخيص أدوات التلاعب إلى سؤال المواجهة: الوعى، سرعة تقديم المعلومات، تفنيد الشائعات، وبناء الثقة والمناعة الفكرية. لكن إذا كانت التكنولوجيا تتطور أسرع من قدرة المؤسسات والمجتمعات على فهمها، فهل نحن قادرون فعلًا على بناء دفاع يواكب التلاعب المدعوم بـ«الذكاء الاصطناعى»، أم أننا دخلنا عصرًا ستكون فيه معركة الوعى غير متكافئة من الأساس؟
- أتفق مع هذا الرأى، فهناك خلل حقيقى فى تكافؤ السرعات، لكن ذلك لا يعنى أن النتيجة الحتمية هى أن معركة الوعى خاسرة. لكن محاولة الدفاع بالطرق التقليدية عن طريق مؤسسات تكتشف التضليل، ثم تتحقق منه وتصححه لن تواكب سرعة منظومات لديها القدرة على إنتاج ملايين الرسائل والصور والفيديوهات.
مع انتشار تطبيقات «الذكاء الاصطناعى»، ستصبح تكلفة إنتاج الرسائل المضللة منخفضة، لذلك لن يكون الحل المناسب هو التحقق بالأدوات التقليدية، والأفضل هو بناء الوعى والثقة ومهارات التفكير النقدى التى تجعل اكتشاف مصدر المعلومة وسياقها وسجل تعديلها أسهل، وتمنح المؤسسات والأفراد أدوات للتحقق قبل أن تتحول المعلومة إلى قناعة جماعية.
أخيرًا، فإن الوصول لتحقيق «المناعة الفكرية» يجب أن يشمل قدرًا من الوعى يرتكز على التمهل أمام المحتوى شديد الإثارة، والتمييز بين الخبر والتحليل والرأى والدعاية، مع البحث دائمًا عن المصادر الأصلية بدلًا من الإسراع فى إعادة النشر.
أحد المخاطر الإضافية أيضًا التى يجب وضعها فى الاعتبار، هى تحول «الذكاء الاصطناعى» إلى أداة للتشكيك فى الحقائق وفقدان الثقة فى المعلومات الرسمية بجانب نشر الأكاذيب. لذلك يجب أن يتم توسيع مجال جهات التحقق، لتشمل إلى جانب القضاء والمؤسسات الرقابية، كلًا من المؤسسات الأكاديمية والصحفية والباحثين والمنصات التقنية والمجتمع المدنى، فبناء المجتمع الذى يملك مؤسسات موثوقة قد يكون أكثر قدرة على المقاومة حتى لو لم يستطع كشف كل محاولات التضليل.
ربما هذا هو التحول الأهم الذى يفرضه انتشار استخدامات «الذكاء الاصطناعى»، إذ يجب تطوير الهدف، فبدلًا من أن نسعى إلى بناء مجتمع لا يمكن تضليله، يجب أن نسعى إلى بناء مجتمع يستطيع اكتشاف التضليل وعدم المشاركة فى نشره، وبما يعنى التوعية المستمرة، وهو أحد الأدوار التى تقوم بها الدولة من خلال الأكاديميات والمؤسسات العلمية والتعليمية.

■ هل أصبحنا أكثر عُرضة للتضليل أم أقل قدرة على معرفة الحقيقة وسط التدفق الهائل للمعلومات؟
- أرى أن المشكلة اليوم ليست فقط أننا أكثر عرضة للتضليل، بل إننا نعيش فى بيئة تجعل الوصول إلى الحقيقة أصعب حتى عندما تكون المعلومات الصحيحة مُتاحَة، خاصة فى ظل ضخامة كمية الأخبار المعروضة وسرعة تداولها وتعدد مصادرها، والانحيازات الشخصية، والتى تفوق قدرة الإنسان على التحقق والمقارنة.
فالتضليل والدعاية والشائعات كانت موجودة منذ فجر التاريخ، الجديد هو سرعة انتشارها وحجمها وقدرتها على تخصيص الرسالة لكل فرد، وانهيار بعض الحواجز بين الخبر والرأى والدعاية. لذلك ربما تكون المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الشائعات أو المعلومات المغلوطة والحقائق، وإنما بين الوعى الذى يستطيع ترتيب الأدلة والبيئة الرقمية التى تدفع إلى الاستجابة الأسرع والأكثر إثارة.







