الخيال الصينى.. ملحق خاص
محمد عبدالحميد: أقدم الصين للقارئ بعيدًا عن «القوالب الجاهزة»
- المترجم النابه هو الذى يمتلك رادارًا لغويًا يلتقط «الانحيازات»
- العقل العربى ظل لعقود يقرأ الصين عبر عدسات وسيطة أغلبها غربية
- من يقف خارج عالم اللغة الصينية يرى البلاد مجرد معجزة اقتصادية فقط
- خضت غمار أكثر من 70 كتابًا تنوعت بين التاريخ والأدب والسياسة
ليست الترجمة من لغة إلى أخرى مجرد عبور للكلمات، خصوصًا حين تكون اللغة حاملة لتاريخ وثقافة وحضارة ممتدة كالصينية، وهو المبدأ الذى يعتنقه المترجم محمد عبدالحميد.
فى تجربته كمترجم لأكثر من 70 كتابًا فى الأدب والتاريخ والسياسة، ينظر محمد عبدالحميد إلى الترجمة بوصفها محاولة لفك شفرة ثقافية كاملة، لا مجرد نقلٍ للنص من ضفة إلى أخرى.
فى حوار مع «حرف»، نتوقف معه عند ما تكشفه اللغة الصينية عن الصين، وحدود الأمانة للمؤلف ومسئولية المترجم تجاه القارئ، ومأزق نقل المفاهيم التى لا تجد مقابلات دقيقة فى العربية، وصولًا إلى السؤال الذى يفرض نفسه اليوم: ماذا يبقى للمترجم حين تدخل الآلة إلى قلب مهنته؟

■ ما الذى اكتشفته عن الصين ولم تكن تستطيع أن تراه من خارج اللغة؟.. وهل غيّرت الترجمة نفسها موقفك من الصين؟
- اللغة هى الشفرة الوراثية للثقافة، ففرضية سابير وورف تتبنى رؤية أن بنية اللغة لا تعبر عن الثقافة، بل تُشكل طريقة تفكير متحدثيها ورؤيتهم للعالم، مما يجعل اللغة الوعاء الأساسى الذى تُبنى فيه الثقافة. كما ذهب فرانز فينون إلى أن التحدث بلغة معينة يعنى ضمنًا تبنى الثقافة والعالم اللذين تنتمى إليهما هذه اللغة، وأن اللغة تتحمل «ثقل الحضارة».
ومن هذا المنطلق، فإن المترجم هو أول من يقع على عاتقه فك تلك الشفرة، ونقلها بشكل مفهوم يحافظ على هويتها ويبرز خصائصها.
إن من يقف خارج عالم اللغة الصينية يرى الصين غالبًا معجزة اقتصادية حديثة أو بلغة الأعمال، مصنع ضخم، لكن من يغوص فى نصوصها ويستنطق رموزها، يكتشف أن ما نراه اليوم هو امتداد طبيعى لحضارة لم ينقطع سريانها يومًا. فالصناعة الصينية التى تبهر العالم اليوم، هى نفسها التى تغنى بها القدماء من أمثال ابن بطوطة والجاحظ والمسعودى والسيرافى.
وباعتبارى مترجمًا خضت غمار أكثر من ٧٠ كتابًا تنوعت بين التاريخ والأدب والسياسة، والرواية والقصة القصيرة، اكتشفت أن العقلية الصينية تتحرك دائمًا بمنطق «الزمن الطويل» والتراكم التدريجى، وليس بمنطق الطفرات المفاجئة. لقد غيرت الترجمة موقفى من الانبهار بالنتائج، إلى الاحترام العميق لصيرورة للعملية نفسها. إن الصينيين يمتلكون قدرة مذهلة على استدعاء ماضيهم الفلسفى والتاريخى وتطويعه لخدمة حاضرهم العملى المعقد.

■ عندما لا يكون للمفهوم الصينى مقابل عربى دقيق، كيف تختار المصطلح؟ وهل يمكن أن تؤدى الترجمة أحيانًا إلى تحميل المفهوم الصينى دلالات عربية ليست موجودة فيه أصلًا؟
- هذا السؤال يمس جوهر التحدى فى ترجمة كتاب معقد مثل «السياسة الصينية المعاصرة: الأساس والتطور»، فالكتاب نفسه يشير فى مقدمته بوضوح إلى أن السياسة الصينية الحديثة تسبب للمراقبين «بعض الالتباس»، لأنهم يتساءلون دائمًا هل يجب أن تتبع هذه السياسة «المنطق الغربى أم المنطق الصينى؟».
ولتجاوز هذا الالتباس، يضع الكتاب قاعدة ذهبية أتبناها كمترجم وهى «وجوب الانطلاق من الصين لفهم السياسة الصينية».
وعندما أواجه مفهومًا صينيًا ليس له مقابل عربى دقيق، فإننى لا أبحث عن الكلمة الأقرب فى القاموس، بل أبحث عن الجذور الاجتماعية والتاريخية التى شكلت المصطلح وصاغته. فعلى سبيل المثال مفهوم الدولة وتلازمه مع المجتمع. فى السياق السياسى الغربى والحديث، نرى فصلًا واضحًا بينهما، حيث تشكل الدولة مع المجتمع علاقات البنية الثنائية. ففى نظرية «العقد الاجتماعى» يرى جون لوك أن الأفراد كوّنوا المجتمع أولًا لحماية حقوقهم الطبيعية «الحياة، الحرية، الملكية»، ثم قام هذا المجتمع بتفويض جزء من سلطاته لتأسيس الدولة «الحكومة» لتعمل كحارس لهذه الحقوق.
كما تظهر البنية الثنائية واضحة عند هيجل فى «أصول فلسفة الحق»، من حيث التقسيم الواضح بين المجتمع الذى يمثل المصالح الجزئية، والدولة التى تمثل الإرادة الكلية التى تضبط فوضى المجتمع. بينما الصين لا تتبع هذا التمايز الواضح.
يوضح الكتاب أن الصين والدول الشرقية قامت على أساس «تنظيمات قبلية» تحولت إلى مجتمعات زراعية أسرية. وبالتالى فإن المفهوم الصينى للدولة ينطلق من فكرة تجمع الأسر لتصبح دولة، ففى الصين القديمة، «الدولة والمجتمع صنوان لا يفترقان». لذا، عند اختيار المصطلحات، أحرص على نحت كلمات تنقل هذا التداخل العضوى بين الأسرة والمجتمع والدولة، وأتجنب المصطلحات العربية التى تعكس فصلًا سياسيًا حديثًا لا وجود له فى الأصل الصينى. مثال آخر محورى فى الكتاب هو مصطلح «التوحيد الكبير». لو ترجمته ببساطة إلى «الوحدة»، لفقدت حمولته الفلسفية. الكتاب يوضح أن التوحيد الكبير ليس مجرد نمط سياسى، بل هو «نمط حضارى للبقاء والتطور ابتكره الصينيون». إنه يمثل «التوحيد الكبير الجامع بين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة».
أما عن الشق الثانى من السؤال، فهل يمكن للترجمة أن تُحمّل المفهوم الصينى دلالات عربية «أو غربية» غير موجودة فيه؟ الإجابة هى: نعم، وهذا هو الخطر الأكبر الذى يهدد النص. الكتاب يحذر صراحة من خطورة تجريد المبادئ والقيم السياسية لتحويلها إلى عمومية وشمولية إنسانية تُفرض على الكيانات الأخرى. عندما يقوم المترجم بإسقاط مصطلحاته المحملة بتاريخه على النص الصينى بخفة، فإنه يكرر ما فعله المفكرون الغربيون الذين حاولوا «ضخ المبادئ والروح السياسية الغربية» فى مجتمعات تختلف عنهم جذريًا. والنتيجة الحتمية لهذا الإسقاط المفاهيمى، كما يؤكد الكتاب، هى أن تفقد الدول مبادراتها، ابداعاتها، وحقها فى التعبير.
ومهمتى كمترجم هى حماية النص الصينى من هذا الإسقاط المفاهيمى، وتقديم الصين للقارئ العربى بمنطقها الداخلى وتاريخها الخاص، وليس من خلال قوالبنا الجاهزة.

■ كيف تضمن ألا تتحول الترجمة إلى أداة للترويج للصورة التى يريد النص الأصلى تقديمها عن الصين؟ وأين تنتهى أمانة المترجم للنص وتبدأ مسئوليته تجاه القارئ؟
- هذا السؤال يضع أصبعه على الجرح الدقيق لمهنة الترجمة، ويلامس الجوهر الحقيقى للدور الثقافى للمترجم. فهو ليس مجرد جسر تعبر عليه الكلمات، بل هو حارس أمين يقف فى منطقة تقاطع نيران بين سردية المؤلف الأصلى ووعى القارئ المتلقى. عند التعامل مع نصوص محملة بأبعاد تاريخية وثقافية كبرى كالموسوعات التاريخية، أو الروايات الكلاسيكية، أو حتى نصوص التراث الفلسفى، تتجلى هذه المعضلة بوضوح. وللخروج من هذا المأزق، يمكن تفكيك الإجابة إلى عدة استراتيجيات منهجية وأخلاقية.

أولًا: الوعى بالحمولة الأيديولوجية للمصطلح. إن الترويج غير المقصود يبدأ من الانزياح وراء «المصطلحات الملغمة».
كل لغة تحمل فى طياتها انحيازات سياسية وتاريخية خاصة بها، والمترجم النابه هو الذى يمتلك رادارًا لغويًا يلتقط هذه الانحيازات. والحل هنا هو نقل المصطلح بدقة دون إضفاء هالة تفخيمية من اللغة العربية لا يقتضيها النص الأصلى. الأمانة تقتضى نقل الصورة كما أرادها الكاتب، ولكن بأسلوب موضوعى مجرد لا يجعل المترجم يبدو وكأنه يتبنى هذه الصورة عاطفيًا أو فكريًا.
ثانيًا: التفرقة بين نقل السردية وتبنى السردية، فأمانة المترجم للنص لا تعنى أبدًا أنه يقر بحقيقته المطلقة، بل تعنى أنه ينقل للقارئ العربى كيف ترى الصين نفسها وكيف تقدم تاريخها للعالم. ومن حق القارئ العربى، بل ومن مصلحته أن يقرأ النص الصينى بانحيازاته وتوجهاته «سواء كانت تمجيدًا لنموذج اقتصادى أو تأطيرًا لتاريخ سياسى».
وبصفتى مترجمًا، فإننى أرى أن التدخل لتخفيف هذه النبرة بحجة «حماية القارئ» هو خيانة للنص وتجهيل للمتلقى، ومسئوليتى هنا تتمثل فى توفير وثيقة دقيقة تتيح للباحث أو القارئ العربى تحليل العقلية الصينية كما هى، لا كما نتمنى أن تكون.
ثالثًا: هوامش المترجم، وأعتبر شخصيًا أن هذه هى مساحة فك الاشتباك، فهنا تنتهى أمانة المترجم المطلقة للنص، وتبدأ مسئوليته المباشرة تجاه القارئ. النص ملك لمؤلفه، لكن «ما يحيط بالنص» أراه المساحة السيادية للمترجم.
عندما يورد النص إحالة تاريخية أحادية الجانب، أو يستخدم تسميات خلافية «سواء فى الجغرافيا التاريخية أو الشخصيات»، يمكن للمترجم أن يتدخل بهامش موضوعى محايد يوضح السياق، ويشير إلى وجود وجهات نظر أخرى دون الدخول فى سجال أيديولوجى مع المؤلف. فى كثير من الأعمال الأدبية أو التاريخية الكبرى، تحاول النصوص التركيز على المركزية، وهنا يتجلى دور المترجم الذى يسعى للتوازن حيث يتقن نقل اللحظات الإنسانية العابرة للأيديولوجيا، كالتفاصيل الدقيقة فى الحياة اليومية، أو التفاعلات البشرية، أو الفنون والحرف بنفس العناية التى يُنقل بها المتن السياسى أو التاريخى. هذا يمنح القارئ صورة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على الوجه الرسمى أو الدعائى. إن مسئولية المترجم تجاه القارئ لا تتحقق بتطهير النص أو تبييضه من انحيازاته، بل تتحقق بالتأطير الواعى. المترجم يقدم للقارئ العربى خريطة دقيقة لتضاريس النص الصينى بكل ما فيه من جبال ووديان وحقول ألغام، ويتركه يتجول فيها وعيناه مفتوحتان، مسلحًا بالسياق الذى يوفره له المترجم فى هوامشه.

■ هل واجهت مفهومًا صينيًا شعرت بأن ترجمته إلى العربية كانت مستحيلة دون خسارة جزء من روحه؟ وكيف تتصرف فى هذه اللحظة: تشرح، أم تعرّب، أم تترك للقارئ مساحة من الغموض؟
- هذا السؤال يلمس صميم التجربة الفكرية للمترجم، فالترجمة من لغة شديدة الخصوصية والعمق كالصينية ليست مجرد استبدال كلمات بأخرى، بل هى تفكيك لشفرة حضارية كاملة وإعادة تركيبها فى بيئة ثقافية وتاريخية مختلفة تمامًا. تتشابك اللغة الصينية مع الفلسفة والتاريخ بشكل يجعل من الصعب أحيانًا إيجاد مرادف عربى لا يبتر جزءًا من روح الكلمة.
ويتجلى ذلك بوضوح فى المفاهيم الفلسفية والسياسية مثل مفهوم «تيان شيا» الذى يُترجم حرفيًا إلى «ما تحت السماء»، وهو لا يعنى مجرد العالم أو الدولة، بل يحمل دلالة سياسية وأخلاقية تشير إلى النظام الكونى تحت رعاية الإمبراطور، أو المفهوم الأخلاقى الكونفوشيوسى «رين» الذى تظلمه ترجمات قاصرة مثل «الإحسان» أو «الإنسانية»، ناهيك عن الألقاب التأبينية للأباطرة، ومسميات الفترات التاريخية، وأسماء سنوات حكم الأباطرة، والمسميات التراثية التى لا مقابل لها فى تاريخنا.
وفى لحظات الاصطدام بهذه المفاهيم، لا أعتمد حلًا أحاديًا، بل ألجأ إلى مزيج مرن يوازن بين النقل والشرح وإبراز الغرابة؛ فأبدأ بالتعريب اللفظى للمفاهيم التى تمثل مفاتيح ثقافية لا غنى عنها، مع الالتزام الصارم قدر الإمكان بقواعد النطق الصحيحة.
ويترافق هذا النقل اللفظى مع استخدام هوامش المترجم فى الظهور الأول للمصطلح لتفكيك حمولته الثقافية والتاريخية، مما يمنح القارئ مفتاحًا للفهم دون إثقال المتن بشروح تفسد إيقاعه الأدبى.

■ هل وصلت فى تجربتك إلى مرحلة أصبحت فيها تلتقط ما وراء الكلمات: النبرة، والإحالة التاريخية، وما يريد الكاتب قوله دون أن يقوله صراحة؟ وهل تعتقد أن المترجم الجيد للصينية يحتاج إلى أن يكون مؤرخًا أو عالم اجتماع بقدر حاجته إلى إتقان اللغة؟
- بالتأكيد، فاللغة الصينية بطبيعتها لغة تصويرية شديدة التكثيف وتعتمد بشكل جوهرى على السياق، ومع توالى سنوات الغوص فى ترجمة الأعمال الأدبية والتاريخية، تتلاشى تدريجيًا قشرة المفردات لتتكشف البنية التحتية للنص، وتصبح قراءة «ما لم يُقَل» مهارة حتمية؛ ففى كثير من الأحيان، تحمل إحالة عابرة لبيت شعر كلاسيكى، أو استخدام لقب تاريخى معين، أو حتى خيار أسلوبى فى وصف مشهد يومى، رسائل مبطنة ومواقف فكرية يمررها الكاتب ببراعة.
إن هذا العمق يجعلنى أؤمن تمامًا بأن إتقان القواعد اللغوية ليس سوى تذكرة دخول مبدئية لعالم الترجمة، بينما العبء الحقيقى يكمن فى فهم التراكم الحضاري؛ فالمترجم الجيد للصينية لا بد أن يكون باحثًا نِصفُه مؤرخ ونِصفُه عالم اجتماع، لأنه لا ينقل مجرد جمل، بل يعيد بناء عوالم كاملة بتبدلاتها الأسرية، وتراتبيتها الاجتماعية، وفلسفاتها الأخلاقية، سواء كان يترجم موسوعة تاريخية ضخمة، أو ملحمة أدبية، أو حتى نصًا تراثيًا عن فنون الطهى وثقافة الطعام

■ هل ساهمت الترجمة المباشرة من الصينية فى تغيير الطريقة التى يرى بها القارئ العربى الصين؟
- لعقود طويلة، ظل العقل العربى يقرأ الصين عبر عدسات وسيطة، غربية فى أغلبها، مما جعل الصورة التى تصلنا مصبوغة بهواجس وانحيازات هذا الوسيط ومؤطرة باهتماماته. كانت الصين تُقدم فى الوعى الجماهيرى إما كمصنع العالم الذى لا يهدأ، أو ككيان سياسى جامد وملغز، وهى صورة تسطح آلاف السنين من التراكم الحضارى وتتجاهل النبض الإنسانى الحى. وهنا يأتى الدور المفصلى للترجمة المباشرة من الصينية، التى أحدثت بالفعل تصدعًا مهمًا فى هذه المرايا العاكسة؛ فعندما ننقل الأدب والتاريخ والفلسفة من لغتها الأم مباشرة، فنحن لا ننقل مجرد نصوص، بل نمنح الثقافة الصينية حنجرتها الخاصة لتتحدث بصوتها الأصلى دون فلترة أو وصاية من طرف ثالث.







