الأربعاء 19 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

التدين الفاسد.. الأوراق المخفية فى جريمة مهندس 15 مايو

حرف

- لقطات من فيديو متداول للمتهم يتحدث عن دوافعه لارتكاب الجريمة متشبهًا بأساليب وأفكار وتفسيرات جماعة الإخوان الإرهابية

- المتهم بدا أمامى مثل الانتحاريين الذين يسجلون جريمتهم قبل أن يرتكبوها

- كفّر المجتمع من خلال تصوير قانون الأحوال الشخصية على أنه يخالف ما استقر عليه الشرع

ببيان واضح ومفصل حسمت النيابة العامة ما جرى فى مذبحة ١٥ مايو على يد مهندس معمارى كان ولا يزال مجهولًا حتى الآن. 

قامت النيابة بما عليها، عالجت الجريمة- التى ارتكبها مهندس معمارى فى حق أسرته والتى أسفرت عن مقتل ابنته وثلاثة من عائلة طليقته وإصابة ابنه برصاصة فى قدمه اليمنى- معالجة جنائية احترافية لا غبار عليها من أى ناحية. 

فعندما تلقت النيابة إخطارًا بوقوع حادث إطلاق أعيرة نارية داخل إحدى الشقق السكنية بدائرة قسم شرطة ١٥ مايو أسفر عن وفاة أربعة أشخاص وإصابة آخر، وتمكن الأهالى من ضبط المتهم وتسليمه إلى جهات الشرطة- انتقل فريق إلى مكان الحادث، وبرفقته خبراء الإدارة العامة لتحقيق الأدلة الجنائية. 

أجرى الفريق المعاينة اللازمة، وضبط السلاح النارى المستخدم فى الواقعة وكمية من الذخائر، وسلاحًا أبيض، وحقيبة تحوى عددًا من الأدوات وقناعًا لإخفاء الوجه، وناظر جثامين المتوفين، وضبط آلات المراقبة بمحيط الواقعة. 

استجوبت النيابة المتهم فأقر بقتل ابنته وثلاثة من أهل مطلقته عمدًا مع سبق الإصرار، والشروع فى قتل نجله، بسبب خلافات أسرية بينه وبين مطلقته، وقال إنه حدد موعدًا للقاء المجنى عليهم بمنزل أحدهم لتسوية الخلافات بينهم، وتوجه إلى محل الواقعة حاملًا السلاح النارى وكمية من الذخائر، ثم أطلق صوبهم أعيرة نارية قاصدًا قتلهم. 

وأقر المتهم كذلك أمام النيابة بحصوله على السلاح والذخائر من خلال أحد المواقع على شبكة الإنترنت المظلم «الدارك ويب» مقابل مبلغ مالى. 

استمعت النيابة إلى أقوال شهود الواقعة، ومن بينهم ستة كانوا موجودين بالشقة محل الواقعة، فضلًا عن مطلقته وزوجة أحد المجنى عليهم، اللتين كانتا بشقة أخرى بالعقار ذاته، وأحد الجيران الذى كان موجودًا بشقة أخرى. 

جاءت أقوال الشهود مؤيدة لاعتراف المتهم، كما قدمت إحدى الشاهدات اللاتى كن بمحل الواقعة تسجيلًا صوتيًا يتضمن الحوار الذى دار بين المتهم والمجنى عليهم، أعقبه دوى إطلاق أعيرة نارية، وقد أقر المتهم بصحته. 

ثبت للنيابة من تفريغ تسجيلات المراقبة حضور المتهم محل الواقعة وبحوزته الحقيبة المضبوطة، فأمرت بحبسه أربعة أيام احتياطيًا.. وجارٍ استكمال التحقيقات. 

بيان النيابة الأول الذى صدر منذ أربعة أيام، قدم معالجة جنائية للحادث، وهو البيان الذى يمكن أن نمر عليه كما نمر على غيره من بيانات جرائم القتل التى أصبحت متكررة بصورة اعتيادية، للدرجة التى لم يعد يفزعنا فيها خبر عن جريمة قتل.. فقط نهز أكتافنا ونحن نوشوش أنفسنا: وما الجديد؟ 

فالمتهم زوج طلّق زوجته بسبب خلافات بينهما، وقد أحدثت هذه الخلافات أثرها فى نفسه، للدرجة التى جعلته يرتكب جريمته، وينتهى الأمر على ذلك، فالمجرم حتمًا من تفصيلات ووقائع البيان سيصل إلى حبل المشنقة، وهو جزاء عادل لما اقترفته يداه، ويمكننا أن نتابع بقية الإجراءات التى ستصدر بحقه، تجديد حبس أو إحالة عاجلة للمحاكمة الجنائية، ثم محاكمته والحكم عليه. 

كان يمكن لنا أن نكتفى بهذا البيان على اعتبار أننا أمام جريمة جنائية وينتهى الأمر، لكن ما أحاط بمرتكب الجريمة وما تكشف عنه- وهو قليل جدًا- يجعلنا أمام حدث يستحق القراءة من زوايا عديدة، ربما أقلها الزاوية الجنائية التى حسمتها النيابة ببيانها. 

لقد جرت بالفعل قراءات لشخصية مرتكب الحادث، لكنها للأسف الشديد جاءت من على السطح، ربما لأنه لا تتوافر لنا معلومات كافية عنه، ولا أدرى ما الذى حدث لمحررى الحوادث عندنا؟ فمجرم مثل هذا لو كان ارتكب جريمته فى أوقات سابقة، لوجدنا أمامنا سيلًا متدفقًا من المعلومات عن كل شىء يخصه، لكن يبدو أن الكسل المهنى أصبح مسيطرًا على الجميع. 

القراءة السطحية قادتنا إلى وضع المتهم فى خانة محددة، أخذناها من بعض التسجيلات التى قام بها على شبكات التواصل الاجتماعى سواء وهو يقرأ بعض الآيات القرآنية أو يفسرها، وتم تأسيسًا عليها تبنى وجهة نظر تقول إننا أمام شخص يدّعى التدين، لكنه ليس متدينًا، فلو كان متدينًا لما أقدم على هذه الجريمة. 

وكان طبيعيًا أن نجر المتهم إلى المساحة المتوقعة، فهو يشبه فى أدائه جماعة الإخوان الإرهابية، فقد رأينا أفرادًا من هذه الجماعة يتحدثون بالقرآن والسنة، ويتشفعون بقال الله وقال الرسول رغم أنهم أبعد ما يكونون عن ذلك، فقد قابلنا سلوكيات لعناصر تنتمى إلى الجماعة لا تتفق أبدًا مع صحيح الدين. 

من خلال مطالعتى فيديوهات القاتل، وتحديدًا الفيديو الذى يتحدث فيه عن دوافعه لارتكاب جريمته، ويهتف فى نهايته: مَن يبايعنى على الموت؟ تأكدت أننا لسنا أمام قاتل عادى، ولسنا كذلك أمام جريمة جنائية عادية، فالحدث جنائى لكنه يكشف عما هو سياسى ودينى وثقافى أيضًا، وهنا يمكننا أن نفتح ملف هذه القضية من خلال أوراقها المخفية، وأعتقد أنها كثيرة. 

ما هو سياسى فى كلام قاتل ابنته وأقارب زوجته وأعتقد أنه كان يستهدف قتل زوجته نفسها- يتضح من خلال حديثه الذى يحمل من الرموز أكثر من الكلام الواضح الصريح. 

فلا يمكن لنا أن نقرأ الكلام بألفاظه، فدلالات الكلام مهمة، وتصويره لوضع بيته وأسرته ومحاولة اختطافها منه وما وصلت إليه من أحوال لا يرضى عنها، يمكن أن يكون طعنًا منه ومن التيار الذى يمثله فيما جرى فى مصر بعد ٣٠ يونيو، خاصة أن جماعة الإخوان ومن يتحالفون معها من جماعات متطرفة ينظرون إلى ما جرى على أنه انقلاب واختطاف لما حصلوا عليه، وأنهم لو كانوا موجودين حتى الآن لكانت الأمور فى وضع أفضل. 

فالقاتل يتحدث عن أسرته التى كانت هادئة وملتزمة، لكن تبدل حالها بعد الطلاق، وما إشارته إلى خطبة ابنته من مطرب شعبى ورقصها معه، وخلع أبنائه الحجاب إلا إشارة واضحة على أنه لا يرضى عن وضعهم الجديد، كما لا ترضى الجماعة وحلفاؤها عن الوضع الجديد الذى وصلت إليه مصر. 

ولذلك فإننى لا أعتبر ما قاله القاتل فى تسجيل يتداوله الناس إلا حديثًا للجماعات التى ينتمى إليها، ودعوة صريحة منه لأن تتحرك وتغير الأوضاع بالقوة، حتى لو وصلت هذه القوة إلى القتل، الذى هو حقه تمامًا، وهو ما يريده منه الله، رغم أن الله لا يريد من الناس قتلًا أبدًا. 

لقد سلك سفاح ١٥ مايو مسلك أعضاء الجماعات الانتحارية، فلو أن قضيته كانت شخصية، ما حرص على توثيق جريمته قبل أن يرتكبها، ولكنه بدا أمامى مثل الانتحاريين الذين يسجلون جريمتهم قبل أن يرتكبوها، يتباهون بها ويحرضون الآخرين عليها. 

لقد حرض السفاح من يتبعونه ويراهم صامتين ليخرجوا علينا بالقوة، فالأسرة التى وصفها بأنها مثل «الصائل»، والشرع الذى يؤمن به المهندس المعمارى القاتل يحرض على دفع الصائل ودفع المعتدى بالقوة، وكأنه يشرعن العنف ضد المجتمع الذى صوره من خلال أسرته بأنه كافر وخارج عن الدين ولا بد من عقابه. 

تكفير المجتمع تم من خلال كلام القاتل عن قانون الأحوال الشخصية الذى صوره على أنه يخالف ما استقر عليه الشرع، وهو حديث لا بد من تفنيده والرد عليه، قبل أن يتبنى أحد ما يقوله هذا المختل دينيًا، ويخرج علينا به، ويصبح له ألتراس ينافس ألتراس ضياء العوضى طبيب التغذية، الذى أضر بأكبر مما أفاد، لكن لا يزال هناك من يستمعون إليه، ويتبنون وجهة نظره ويروجون لها. 

وهنا يأتى المدخل الدينى لقراءة هذه الواقعة. 

ما رأيته فى حديث سفاح ١٥ مايو يؤكد أن المنتمين إلى الجماعات المتطرفة الذين يأخذون من الدين ستارًا يتخفون خلفه، يعانون وبشدة من اضطراب دينى حقيقى، سواء على مستوى فهمهم النصوص الشرعية، أو على مستوى تمكين هذه النصوص فى المجتمع، وهذه هى الكارثة التى تغافلنا عنها كثيرًا، فقد تركنا الدين نهبًا لجهلة وغير ناضجين، إنسانيًا وفكريًا، ليقرأوه ويفسروه بالطريقة التى تروق لهم، وليس على الوجه الصحيح. 

إننا أمام كارثة حقيقية، ليس بسبب هذه الجريمة، ولكن بسبب ما كشفته، فبيننا يعيش كثيرون يعتنقون أفكارًا ضد المجتمع كله، وضد قيمه وثوابته التى توافقنا عليها، وقد تكون هبّة المجتمع المصرى ضد الإخوان بسبب أننا رأينا محاولة من الجماعة للتمكين لأفكارها، فرفضنا ذلك، لكننا نغفل عن الذئاب التى يبدو أنها لم تعد منفردة، فمؤكد أن هناك كثيرين مثل قاتل أسرته، يفكرون مثله، ويريدون أن يحدثوا فى المجتمع مثل ما أحدث. 

أما ما هو ثقافى ولا بد أن نتوقف أمامه كثيرًا فهو رؤية هذه الفئة للمجتمع ولشكل العلاقات التى من المفروض أن تكون طبيعية بين الأزواج والزوجات من ناحية، وبين الآباء والأبناء من ناحية. 

فقاتل ١٥ مايو يتعامل مع زوجته على أنها ملكية خاصة يفعل فيها وبها ما يريد، وأن أبناءه كذلك ملكية خاصة له، يصوغهم كما يشاء، يتحكم فى حياتهم كما يريد، والمصيبة أنه يرفع الدين فى وجوهنا، ويأخذ منه سندًا لتنفيذ ما يدّعيه. 

لا بد من مواجهة هذه الصورة ومقاومتها، فليس معقولًا أن نترك الناس يشكلون صورة معينة عن المجتمع وعن الشكل الذى يجب أن يكون عليه، ثم نشكو بعد ذلك عندما يتعامل هؤلاء مع المجتمع بالطريقة التى يعتقدون أنها صحيحة، وتُرضى الله.

إننا مسئولون بشكل أو بآخر عن وجود الكائنات المشوهة بيننا، وعندما أقول إننا فإننى لا أستثنى أحدًا.. لا داخل الدولة بمؤسساتها السياسية والثقافية والدينية ولا المجتمع المدنى بكل تكويناته، ولا نحن من نعمل فى حقول الصحافة والثقافة والفكر، فكلنا نتحمل مسئولية انحراف من ينتمون إلى هذه الجماعات وتحولهم إلى قنابل موقوتة وآلات قتل لن تتوقف إذا ما أتيحت لها الفرصة المناسبة والمواتية لذلك. 

يبقى أمامى هذا الكائن المشوه الذى من المؤكد أنه تربى على أفكار زعماء التطرف، قرأ لهم واستمع منهم، لا بد أن نعرف عنه كل شىء، فهو بالنسبة لى حالة كاملة ومكتملة لما يصبح عليه الشخص الذى يفسد دينه وتضطرب عقيدته. 

المعلومات المتاحة عن قاتل ١٥ مايو أنه مهندس معمارى، وكان يعمل فى إحدى الدول الخليجية، لم يخبرنا أحد شيئًا آخر عنه، لا نعرف خلفيته الاجتماعية ولا خلفيته الثقافية، ولا تكوينه الدينى ولا ماهية الأفكار التى يحملها ولا مصدرها، فلا بد أن يكون لهذا المسخ الذى ظهر علينا شيوخ نعرفهم بالاسم، ولا بد أنه تلقى دروسًا من بعضهم، كوّن على أساسها فكرته وحدد سلوكه الذى هو ضد المجتمع كله. 

لقد قرأت مطالبات بضرورة إخضاع قاتل ١٥ مايو لتحليل نفسى، وهو أمر قد يكون مطلوبًا، لأننى كما قلت لكم هو حالة ممثلة لتيارات وجماعات تعيش بيننا وتتحرك بحرية كبيرة، وحتمًا سيضع التحليل النفسى لهذا المجرم أيدينا على سمات وصفات هذه الفئة المشوهة. 

لقد رأيته يتحدث بيقين كامل، وكأنه يملك الحقيقة المطلقة، ينطلق من أرضية فوقية تمامًا، فما يراه هو الصحيح، وما يريده هو الحق، وعلى الناس أن يخضعوا لرؤيته وتفكيره، وهو نموذج حى لما رأينا عليه الجماعات المتطرفة التى تريد أن تحكم المجتمع لأنها تعرف مصلحته، وأنها وحدها من تعرف هذه المصلحة، لأنهم وكلاء لله على الأرض، يقومون بتنفيذ مراده وتحقيق أهدافه. 

إننى على ثقة كاملة أن جريمة سفاح ١٥ مايو لم تكن حربًا على مطلقته وأبنائه الذين خرجوا عن طوعه وشقوا عليه عصا الطاعة، ولكنها كانت حربًا على الدولة بكل ما تمثله وعلى المجتمع بكل ما فيه، فهو ينتمى إلى فئة تريد أن تصوغ المجتمع كله بالصورة التى يتخيلون أنها صحيحة وأن الله هو الذى يريدها.. وإذا لم ننتبه إليه وإلى من يمثلهم أعتقد أننا سنكون أمام كارثة محققة.. إن لم تقع اليوم.. فحتمًا ستقع غدًا.