الأحد 04 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

البركان الهادئ.. فى وداع حمدى البطران

حرف

- وزارة الثقافة دافعت عن رواية «وليمة لأعشاب البحر» من منطق الحرص على حرية التعبير

- إذا كان هناك ميت يكون الصراخ طويلًا وراسخًا ثم تعقبه فترة راحة ويعود الصراخ من جديد

هناك كُتَّاب لا تنتهى حكايتهم بانتهاء أعمارهم، لأن ما تركوه من كلمات يظل قادرًا على أن يفتح الأسئلة نفسها من جديد، وأن يقود القارئ إلى مناطق لم تتوقف فيها الحياة عن إثارة الجدل.

فى هذا الملف، تستعيد «حرف» بعضًا من مقالات اللواء الراحل حمدى البطران، تلك الكتابات التى نُشرت على صفحات الجريدة خلال الفترة الماضية، وظلت شاهدة على قلم لم يتعامل مع الصحافة باعتبارها مجرد تسجيل للأحداث، وإنما بوصفها محاولة لفهم ما وراءها.

من «الجامعة الأمريكية ورواية الخبز الحافى» إلى «حكاية هوى»، ومن «دماء على أوراق الفكر» إلى «طلاب الأزهر يتظاهرون بسبب رواية»، وصولًا إلى «مذكرات سفير إسرائيلى فى مصر»، تتعدد الموضوعات، لكن يجمعها قلمٌ يفتش فى التفاصيل، ويضع الأفكار والوقائع أمام القارئ دون أن يفقد حس الحكاية.

رحل الكاتب والروائى حمدى البطران، الأربعاء الماضى، عن عمر ناهز 76 عامًا، بعد مسيرة امتدت أكثر من 3 عقود، جمعت بين العمل الشرطى والكتابة الأدبية والسياسية والتاريخية، وترك خلالها عددًا من الروايات والمجموعات القصصية والكتب، كان أبرزها رواية «يوميات ضابط فى الأرياف» التى ارتبط اسمه بها وأثارت جدلًا واسعًا فى حياته. 

قضية الشيخ الذهبى

منذ منتصف السبعينيات برزت الجماعات المتطرفة على الساحة السياسية للدولة. لم يكن ظهورها شرعيًا، لكنها ظهرت من خلال عدة عمليات قتل وترويع. 

وقد بدأ نشاط تلك الجماعات يزدهر فى أعقاب زيارة السادات إلى القدس وعقد معاهدة الصلح مع إسرائيل عام ١٩٧٧. 

كانت تلك الجماعات لها أهداف سياسية واضحة، وهى الوصول للحكم. وكان القتل وسيلتهم بالإضافة إلى التعدى على ممتلكات الأقباط، ومحاولة التأثير على الاستقرار الداخلى للدولة، عن طريق إثارة القلاقل بإثارة النعرة الطائفية واستفزاز الأقباط، بهدف إظهار الحكومة بمظهر العجز عن السيطرة على الأمن داخل البلاد. 

صحيح أن الحكومة وقتها كانت تميل إلى التعاون معهم، ضد الاشتراكيين والشيوعيين الذين هيمنوا على الأنشطة الشعبية والطلابية، لم يتوقع السادات وحكومته وقتها أن هذا التيار الجديد سيتنامى ويتحول إلى كيان هائل تصعب السيطرة عليه. 

تحول هذا الكيان إلى عدة تنظيمات تشمل الجماعات المتطرفة مثل التكفير والهجرة والجماعة الإسلامية وتنظيم الناجون من النار وغيرها من الجماعات التى قامت بعمليات كان هدفها إحراج الدولة بقتل رجال الشرطة والأقباط والأدباء والمفكرين والكتاب، كما شملت تلك العمليات رجال الدين أيضًا. 

وفى تطور لاحق تمكنت تلك الجماعات من إحداث خسائر هائلة لاقتصاد الدولة عن طريق ضرب السياحة بالتعدى على السياح والمنشآت السياحية. فقاموا بإطلاق الرصاص على السياح فى المتحف المصرى، وقاموا بتفجير مقهى وادى النيل، والتعدى على السياح فى الفنادق. وكانت أشد عملياتهم ضراوة هى التى قتلوا فيها أعدادًا كبيرة من السياح فى معبد حتشبسوت بالأقصر المدينة السياحية الأكثر جذبًا للسياح الأجانب فى مصر.

وقتلوا السادات فى أكتوبر ١٩٨١.

وعندما بدأ المفكرون والكتاب ورجال الدين فى رصد الظاهرة والتصدى لها بدأت هجماتهم تتحول إلى المثقفين ورجال الدين المستنيرين. 

كانت أولى عمليات تلك الجماعات والتى قام تنظيم التكفير والهجرة ضد الشيخ محمد سيد حسين الذهبى وزير الأوقاف عام ١٩٧٨ فى أيام السادات.

والدكتور الذهبى تخرج فى الأزهر الشريف وحصل على شهادة الدكتوراه وعين أستاذًا فى جامعة الأزهر. تقلب فى مناصب التدريس فى الجامعة الأزهرية. ومن أهم مؤلفاته كتاب التفسير والمفسرون، وفيه نقد لمناهج أهل البدع والأهواء كالصوفية والخوارج والمعتزلة والشيعة ومن نحا نحوهم من أصحاب المذاهب، وبعد وفاته قام ورثته بنشر كتيبات أهمها. الإسرائيليات، نور اليقين فى هدى خاتم النبيين، وجوب الاحتكام إلى شريعة الله، ومشكلات الدعوة والدعاة. والكتاب الأخير عبارة عن تقرير كان قد قدمه لمجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية عن فساد الدعوة فى المساجد ووضح فيه أسباب هذا الفساد.

كما أصدرت وزارة الأوقاف فى عهد الدكتور الذهبى كتابًا ليس من تأليفه يهاجم الجماعات المتطرفة.

وفى التعديل الوزارى الذى أجراه السادات عام ١٩٧٧ خرج الشيخ الذهبى من الوزارة. قبل خروجه كان الشيخ قد قدم بلاغًا إبان توليه الوزارة اتهم فيه عددًا من المسئولين الكبار فى وزارة الأوقاف بأنهم باعوا بعض الأراضى التابعة للوزارة بقيمة تقل كثيرًا عن قيمتها الحقيقية، ولما خرج الشيخ من الوزارة كان مطلوبًا للشهادة أمام محكمة الجنايات فى أكتوبر ١٩٧٧.

وفى ٣ يوليو ١٩٧٧ قامت جماعة مسلحة باختطاف الشيخ الذهبى من منزله فى ضاحية حدائق حلوان فى الساعة الثانية وعشر دقائق صباحًا واقتادوه إلى سيارة فيات كانت تنتظرهم أسفل المنزل. ادعى المختطفون أنهم من رجال الشرطة، وعندما حاولت الحراسة المعينة على منزل الشيخ -باعتباره وزيرًا سابقًا- قاموا بإطلاق النيران تجاههم. 

تعطلت السيارة التى تقل الخاطفين ومعهم الشيخ فتركوها واستقلوا سيارة أخرى استوقفوها لهذا الغرض. 

فر أحد المسلحين ووقع قائد السيارة التى تعطلت، فى قبضة الجيران، الذين استيقظوا على صراخ ابنة الشيخ وإطلاق النيران، كما قام الأهالى بتفريغ إطارات السيارة التى تعطلت. 

فى الساعة الثانية والربع اتصلت ابنة الشيخ ببوليس النجدة وأبلغت عن الحادث. كما قامت بعدها بالاتصال بأحد الصحفيين من أصدقاء الشيخ، هو نشأت التغلبى، الصحفى بالحوادث اللبنانية، وكان موجودًا بالقاهرة، لطلب معونته لسرعة إحضار رجال الأمن. وعلى الفور وصل الصحفى إلى منزل الشيخ. 

فى الساعة الرابعة وصل ضابط شرطة وبعده أربعة من الجنود. وتوالى بعدها وصول رجال الأمن والمحققين ورجال السلطة والنيابة.

أعلن المختطفون عن طريق وكالات الأنباء أنهم من جماعة التكفير والهجرة، وأن لهم مطالب لدى الدولة مقابل الإفراج عن الشيخ الذهبى وتركزت هذه المطالب، حسب ما جاء فى كتاب اللواء فؤاد علام» الإخوان وأنا»:

- الإفراج عن جميع المضبوطين من أعضاء الجماعة.

- دفع مبلغ مائة وخمسين ألف جنيه كتعويض عما أصاب الجماعة من أضرار بسبب الإجراءات الأمنية السابق اتخاذها حيالهم.

- اعتبار أن القضايا السابق اتهام أعضاء بها كأن لم تكن.

فى البداية حاولت الدولة الاستجابة لمطالب المختطفين. وتطوع أحد رجال الأعمال القريبين من السلطة هو عثمان أحمد عثمان، أن يجهز المبلغ المطلوب، على أن تتولى الدولة تنفيذ ما يخصها فى باقى المطالب. وعند عودة حسن أبوباشا، رئيس جهاز أمن الدولة من الخارج، طلب على الفور تشكيل لجان تحرٍ جديدة، ورفض الإذعان لمطالب المختطفين. 

وكشفت التحريات بعد سؤال السائق الذى قبض عليه، والاستعانة ببعض المسجونين من أفراد الجماعة، وتم القبض على أفراد الجماعة وضبطت لديهم أوراق تنظيمية. وتبين وجود طفل صغير معهم، كما عثر على آثار تدل على وجود شكرى مصطفى زعيم جماعة التكفير والهجرة. وفى اليوم التالى تم ضبطه. كما تم القبض على عضو آخر بالجماعة، وعندما أمسكه رجال الأمن حاول ابتلاع ورقة، عندما أخرجوها من فمه، تبين أن بها تكليفًا لأحد أفراد التنظيم بالتخلص من الجثة، وإلقائها فى ترعة المريوطية، بعد وضع كمية من النشادر بها. 

كشفت التحريات عن مكان وجود الشيخ المحتجز فى شقة بأحد الشوارع الجانبية بشارع الهرم. وعندما توجهت القوات إلى المكان تبين وجود جثة الشيخ ملقاة على أحد الأسرة وقد أصيب بطلق نارى وصل إلى المخ.

كشفت التحقيقات عن أبعاد التنظيم بالكامل ومخططاتهم وأهدافهم، وتم اعتقال جميع أفراده، وقامت الشرطة بالاتصال بالمسئولين فى المؤسسات الدينية الأزهر والأوقاف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والمجلس القومى للبحوث الجنائية وطلبوا منهم المساعدة العلمية عن أسباب انتشار تلك الأفكار فى أوساط الشباب، كان هذا عام ١٨٧٧.

وقدمت القضية إلى المحكمة العسكرية وحكم بالإعدام على كل من:

- شكرى أحمد مصطفى.

- ماهر عبدالعزيز بكرى.

- محمد عبدالمقصود السيد غازى.

- أحمد طارق عبدالعليم.

كما حكمت المحكمة العسكرية على باقى أعضاء التنظيم بعقوبات تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤبدة والسجن سنة.

وقد خرجت تلك الأبحاث والندوات التى عقدت بنتائج أهمها:

- أن تلك الأفكار ليست بجديدة على الإسلام.

- أن المؤسسات الدينية فى مصر ليست لديها اهتمامات بالبحث فيما يسوقه هؤلاء من أدلة على صحة أفكارهم.

وبدأ مسلسل القتل الذى عانت منه مصر الكثير، كما عانت منه حرية التعبير أكثر.

طلاب الأزهر يتظاهرون بسبب رواية

فى نوفمبر ١٩٩٩، نُشرت رواية للكاتب السورى حيدر حيدر بعنوان «وليمة لأعشاب البحر» فى سلسلة من سلاسل الهيئة العامة لقصور الثقافة، التى يرأسها الناقد المعروف على أبوشادى. والسلسلة يرأس تحريرها الكاتب المعروف إبراهيم أصلان. وتصدر هذه السلسلة مؤلفات وروايات سبق نشرها لكتاب عرب، الرواية المذكورة سبق نشرها عام ١٩٨٣.

تدور أحداث الرواية حول مثقفين عراقيين غادرا بلدهما هربًا من بطش الرئيس العراقى صدام حسين فى أواخر السبعينيات، يحمل المثقفان الأنظمة الديكتاتورية والحركات المحافظة والأصولية مسئولية القهر السياسى الذى تعانى منه الدول العربية.

وقيل وقتها إن بالرواية أمورًا تمس العقيدة الإسلامية.

وبمجرد صدور الرواية قادت صحيفة الشعب الناطقة باسم حزب العمل حملة عنيفة على الرواية، ونشرت مقاطع منها، واتهمت مؤلف الرواية بأنه أهان الله وأهان رسوله، وأنه يستخف بالقرآن الكريم، ويصف الرسول- صلى الله عليه وسلم- بأنه مزواج. كما وصفت الصحيفة مؤلف الرواية بأنه سلمان رشدى جديد، ودعا كاتب المقال المواطنين إلى مبايعته على الموت انتقامًا من كل من: كاتب الرواية، ورئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة التى تتبعها السلسلة التى نشرت الرواية، والمشرف على السلسلة. 

ووصفت الجريدة كلًا من الكاتب والناشر والطابع بأنه «الفاجر ابن الفاجر. الفاسق ابن الفاسق. الكافر ابن الكافر»، كما قام بعض خطباء المساجد بلعن المؤلف والناشر والطابع والموزع على منابر المساجد. وقامت جماعة الإخوان المسلمين بإصدار بيان هاجمت فيه الرواية وطالبت النائب العام بالتدخل. لأول مرة منذ سنوات طويلة، يخرج طلاب جامعة الأزهر بمظاهرة، المعروف أن طلبة الأزهر لا يشاركون فى المظاهرات السياسية التى يقوم بها طلبة الجامعات الأخرى قبل ذلك.

كانت مظاهرات وهتافات طلبة جامعة الأزهر تبدأ من بعد صلاة الفجر، وهو ما أقلق سكان منطقة الحى السادس الموجودة بها مقار جامعة الأزهر والمدينة الجامعية. 

ولأول مرة أيضًا تشترك معهم طالبات الأزهر ، وفى تلك المظاهرات وزعت الطالبات منشورات جاء فيها:

- «نحن طالبات وطلبة جامعة الأزهر نوجه نداء إلى كل مسلم ومسلمة أن يضموا صوتهم إلى صوتنا مطالبين معنا بإهدار دم الكاتب السورى اللعين الذى أصدر كتابًا بعنوان- وليمة لأعشاب البحر- والذى يتطاول فيه على الذات الإلهية، ويقول إن الله جل وعلى له قرون، ويهبط من السماء ليقابل عشيقته، فطالبوا معنا بالإفراج عن إخواننا الطلبة مع عدم تعرضهم لأى أذى. وإقالة الوزير فاروق حسنى وزير الثقافة، ونحن نعلمكم أننا قد تعرضنا أمس الأول الإثنين يوم ٨ مايو للضرب والسب والأذى من قوات الأمن، فلا تصدقوا ما قالته وكالات الأخبار فى وسائل الإعلام جميعًا. ونعرفكم أننا صامدون للنهاية. وكل ما نرجوه منكم هو الوقوف بجانبنا فالقضية عامة وليست خاصة بطلبة وطالبات الأزهر فقط».

كما قام رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب، وهو فى نفس الوقت رئيس جامعة الأزهر، بإلقاء بيان شديد اللهجة، وأعلن فى اللجنة العامة للمجلس عن أن كاتب الرواية مرتد ويجب أن يقتل، كما يجب محاسبة كل من قام على عملية نشر الرواية . تصدى الكاتب إبراهيم سعدة رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «أخبار اليوم» لفضيلة الدكتور رئيس جامعة الأزهر ورئيس اللجنة الدينية لمجلس الشعب، وهاجمه بضراوة عنيفة، الأمر الذى دعا رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب إلى مهاجمة الصحافة فى جلسة مجلس الشعب التى ناقشت موضوع الرواية بسبب مقال إبراهيم سعدة.

ومن المعروف أن الكاتب إبراهيم سعدة يتبنى وجهة نظر الحكومة دائمًا فى مقالاته. ويعد رأيه بمثابة قراءة لفكر الدولة الرسمى. 

كما هاجم فضيلته وزارة الثقافة، وحاول أن يؤلب الحكومة على الصحافة، ما دعا وزير شئون مجلسى الشعب والشورى إلى الرد عليه وتحذيره من مهاجمة الصحافة أو محاولة استعداء الحكومة عليها، وقال وزير شئون مجلسى الشعب والشورى إن رئيس جامعة الأزهر ورئيس اللجنة لم يتحمل الصحافة وهو رئيس جامعة، فكيف يتحملها وهو وزير.

وكان وزير شئون مجلسى الشعب والشورى وهو سياسى نافذ، يلمح إلى احتمال أن يصبح رئيس جامعة الأزهر وزيرًا فى التعديلات الوزارية المقبلة. فى محاولة منه الى إسكاته.

حاصرت قوات الشرطة طلبة الأزهر والمدينة الجامعية التى يقيمون فيها. وتدخل الأزهر الشريف، وأثير وقتها جدل حول حق الأزهر الشريف فى مصادرة الأعمال الإبداعية.

عندما اندلعت تلك القضية كان فضيلة شيخ الأزهر خارج البلاد، وعندما عاد أصدر بيانًا ألقى فيه اللوم على وزارة الثقافة، وحملها مسئولية ما حدث لأنها لم تتصل بالأزهر لاستئذانه فى نشر الكتب التى تريد أن تصدرها.

وقامت الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة باستطلاع رأى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى رواية «وليمة لأعشاب البحر»، وبيان ما بها من مخالفات شرعية.

كما قام رئيس مجلس الشعب أيضًا فى نفس التوقيت بمخاطبة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لإبداء الرأى فى الرواية ذاتها.

والغريب أن الهيئات الرسمية تجاهلت رأى وزير الثقافة. 

ولم يلجأ مجلس الشعب إلى لجنته للثقافة والإعلام التابعة للمجلس. 

الحق أن وزير الثقافة وقف إلى جانب المثقفين. 

وقام بالدفاع عن الرواية من منطلق حرصه على حرية التعبير، وبالتالى وقف كل المثقفين بجانب الوزير فى مصر وخارجها.

وفى جلسة مجلس الشعب التى عقدت يوم ١٠ مايو ٢٠٠٠ أعلن وزير الثقافة أن الرواية المعنية سبق نشرها وطرحها فى الأسواق منذ عام ١٩٨٣، ولم يعترض عليها أحد، وقال إن ما نشر عن اتهام للرواية بالتطاول على القيم المقدسة هو تحريف متعمد، وقال إن الوزارة لم تنشر خلال تاريخها أى كتب تمتهن الأديان.

ومع ذلك فبعد أن عاد الوزير من مجلس الشعب، أقال الروائى إبراهيم أصلان رئيس تحرير السلسلة التى نشرت الكتاب. وهو ما يعد نكوصًا من الوزير فى دفاعه عن حرية التعبير، وكأن الوزير يوحى بهذا التصرف بأنه يوجد خطأ، وأن الخطأ يتحمله رئيس تحرير السلسلة.

وفى اليوم التالى استدعت النيابة العامة الكاتب إبراهيم أصلان رئيس تحرير السلسلة المذكور لسؤاله. 

فى نفس العام عقد مؤتمر أدباء الأقاليم الذى تشرف على إعداده وزارة الثقافة وتموله فى ١٧ سبتمبر ٢٠٠٠ ، وقام هذا المؤتمر بتكريم الكاتب الروائى إبراهيم أصلان رئيس سلسلة آفاق التى أصدرت رواية وليمة لأعشاب البحر، فى محاولة من المثقفين لإثبات خطأ قرار الوزير وتحديه بتكريم المغضوب عليه من جانب الوزير .

وفى قضية الروايات الثلاث فيما بعد الشهيرة أقال وزير الثقافة المسئولين عن نشر الروايات الثلاث معترفًا بوجود خطأ من جانبهم وتحميلهم المسئولية.

كما قام فضيلة الإمام الأكبر د‏.‏ محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر بتأييده لمصادرة أى عمل من شأنه التطاول على ثوابت ديننا الإسلامى الحنيف‏،‏ أو إشاعة الفاحشة بين الناس‏.

ووقف علماء الأزهر الرسميين مؤيدين لطلب الإحاطة الذى تقدم به كل من الدكتور عبدالمعطى بيومى عميد كليه أصول الدين، والدكتور عبدالرحمن العدوى الأستاذ بجامعة الأزهر، وأعضاء لجنه الشئون الدينية فى مجلس الشعب‏. من ضرورة التثبت من منهج وسياسة وزارة الثقافة فى نشر الكتب والروايات‏،‏ وسؤال الوزير عن الخط الثقافى والسياسى الذى تتبناه الوزارة وسبل الحفاظ على الهوية الثقافية والإسلامية‏،‏ وكشف الانحرافات فى وزارة الثقافة وكيفية ضمان عدم تكرار ما حدث‏.

الجامعة الأمريكية ورواية «الخبز الحافى»

رواية «الخبز الحافى»، لمؤلفها الكاتب المغربى الشهير محمد شكرى، عبارة عن اعتراف مذهل عن سيرة كاتبها المغربى الذاتية.

كتب عنها الدكتور عبدالقادر القط فى «الأهرام» ٧ يوليو ١٩٩٩. 

«الخبز الحافى»، ومعناه بالعامية المصرية «الخبز الحاف»، سيرة ذاتية لمؤلفها الأديب المغربى محمد شكرى‏،‏ منذ طفولته وصباه حتى بلغ الواحدة والعشرين‏.‏ وقد سماها كاتبها سيرة ذاتية روائية‏،‏ وقد تقترب السيرة من الفن الروائى إذا قامت على انتقاء واعٍ للمواقف ورسم فنى للشخصيات‏،‏ وأسلوب أدبى يتلون حسب طبيعة المواقف والشخصيات‏.‏             

على أن السيرة الذاتية، سواء أكانت قريبة من الفن الروائى أو بعيده عنه‏،‏ ليست مجرد تسجيل لما جرى لصاحبها من أحداث‏،‏ التافه منها والمكرر والمتشابه‏،‏ بل هى اختيار لما كان له أثر فى بناء شخصيته أو تكوين فكره أو توجيه عواطفه‏،‏ أو ما كان فيه تعبير عن طبيعة العصر أو صورة الحياة فى مواطن الشخصية‏،‏ أو تقديم لبعض المواقف الاجتماعية أو النماذج البشرية‏. وقد عاش صاحب هذه السيرة متنقلًا بين تطوان وطنجة ووهران منذ أن كان صبيًا صغيرًا حتى بلغ الواحدة والعشرين‏،‏ واحترف كل ما أتاحت له الظروف من عمل‏،‏ فكان عاملًا فى مصنع للآجر الطوب وآخر للفخار‏،‏ وكان صبيًا فى مقهى وماسح أحذية وبائع صحف وحمّالًا ومساعدًا فى نقل المهربات‏.‏ وهى كلها أعمال تفرض على صاحبها تجارب إنسانية متنوعة يلتقى فيها نماذج بشرية عديدة ومواقف دالة أو طريفة‏،‏ وقد تقدح فى نفسه شرر وعى اجتماعى باكر تمتزج فيه المعاناة الشخصية بالملاحظة التى تفرضها عليه ممارسته الشقية للحياة.       ‏

قبل أن تقرر الجامعة على طلابها دراسة رواية «الخبز الحافى» نشبت أزمة فى الجامعة الأمريكية فى مطلع العام الدراسى الجديد ١٩٩٨، بسبب كتاب يتم تدريسه من تأليف المستشرق الفرنسى ماكسيم رودنسون، يتحدث عن حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

المدرس الفرنسى باحث، يعيش فى مصر منذ تسع سنوات، يعد لرسالة دكتوراه من السوربون بفرنسا بعنوان «الحركات الإسلامية الوطنية». يعمل بالتدريس فى كلية الألسن جامعة القاهرة بالإضافة إلى الجامعة الأمريكية، ويتمتع باحترام المثقفين المصريين وعدد من المصريين الذين عاشوا فى باريس قبل ١٩٨٥، وهو أحد نشطاء جمعيات مناهضة العنصرية ضد العرب، وكان ينظم كل عام احتفالية فى جامعة السوربون بيوم الأرض الفلسطينى. 

وفى ١٠ مايو ١٩٩٨ تقدمت مجموعة من خريجى الجامعة الأمريكية لإدارة الجامعة بشكوى ضد المدرس الفرنسى، الذى يدرس مادة تاريخ العرب، يتهمونه فيها بالإساءة إلى الإسلام. واتهموه فى البلاغ بتقرير كتابين، الأول كتاب «حياة محمد» للكاتب ماكسيم رودنسون، والثانى كتاب «تاريخ العرب» تأليف الأمريكيين ديفيس وجرين، والأخير هو الكتاب الرئيسى فى مادة تاريخ المجتمع العربى التى تدرس فى الجامعة الأمريكية.

وفى ١٣ مايو ١٩٩٨ كتب الصحفى المعروف صلاح منتصر، فى عموده اليومى فى جريدة الأهرام «مجرد رأى»، مطالبًا بمصادرة كتاب المستشرق الفرنسى ماكسيم رودنسون الذى يدرس فى الجامعة الأمريكية. وقال صلاح منتصر إن رسالة وصلته من ولى أمر طالبة فى الجامعة الأمريكية ترى أن الكتاب يسىء لشخصية الرسول.

بدا فى الأفق أن هناك حملة من الصحف المصرية ستواجه الجامعة الأمريكية. يقودها بعض المتدينين وأصحاب الفكر اليسارى، باعتبار أن الجامعة الأمريكية تمثل الفكر الإمبريالى، ومؤلف الكتاب يهودى يمثل الصهيونية العالمية، والمدرس فرنسى يمثل ما يدعيه مثقفو الغرب بفكرة صدام الحضارات، ومما زاد فى تأجج الحملة أن أحد الكتب يتحدث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم. 

وعلى الفور تحركت الحكومة، ممثلة فى وزير التعليم العالى الدكتور مفيد شهاب، الذى وجّه أمرًا إلى رئيس الجامعة الأمريكية بسحب نسخ الكتابين فورًا من مكتبات الجامعة ومنافذ البيع.

وفى ١٤ مايو ١٩٩٨ نشر رئيس الجامعة الأمريكية اعتذارًا رسميًا عن هذا الخطأ، وأشار فى الاعتذار إلى أنه قام بمجرد علمه بسحب نسخ الكتابين فورًا من مكتبات الجامعة ومنافذ البيع، وألغى التعاقد مع مدرس الكتاب الفرنسى الجنسية.

هدأت الضجة قليلًا، ولكن بعض الصحف المصرية العقلانية التى تحترم مكانة المؤسسة العلمية، وبديهيات التخصص العلمى والقراءة النقدية والانفتاح على الرأى الآخر، دافعت عن الكتاب الأول، ومؤلفه ومدرسه، وعابت على الجامعة الأمريكية موقفها المتخاذل.

كما اعترض عدد من أساتذة الجامعة الأمريكية على قرارات رئيس الجامعة، متهمين إياه بأنه تخلى عن النظام التعليمى العريق للجامعة، الذى يقوم على التعليم الحر والتحليل النقدى.

وقامت عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الأمريكية بإعداد بيان تنتقد فيه رئيس الجامعة، وترد على تدخلات الحكومة المصرية المباشر فى مناهج التعليم الجامعى بشكل عام. فى نفس الوقت، أصيب المدرس الفرنسى ماكسيم رودنسون بحالة ذعر واختفى عن الأنظار فى مكان ما، لأن أحدًا ما أخبره بأن المتطرفين يبحثون عنه ليقتلوه. 

فى نفس العام الدراسى ١٩٩٨، الذى حدثت فيه قضية الفرنسى رودنسون، كانت الدكتورة سامية محرز، الأستاذة بالجامعة الأمريكية، تدرس لطلابها فى قسم اللغة العربية رواية «الخبز الحافى» للكاتب المغربى المعروف محمد شكرى، وعلى غرار ما حدث فى قضية كتاب رودنسون، تقدم بعض أولياء أمور طلاب قسم اللغة العربية بالجامعة الأمريكية بشكوى باللغة الإنجليزية على شكل رسالة مكتوبة إلى رئيس الجامعة، وسلموها إلى طبيب يعمل فى العيادة الخارجية بالجامعة، قام الطبيب بدوره بتوصيل شكوى أولياء الأمور إلى رئيس الجامعة. 

هدد أولياء الأمور، فى رسالتهم، بفضح الجامعة الأمريكية على صفحات الصحف والجرائد ومكاتب المسئولين، كما اتهم أولياء أمور الطلبة، فى رسالتهم، المدرسة بأنها تتحرش جنسيًا بأبنائهم المراهقين عن طريق رواية «الخبز الحافى» سيئة السمعة التى تدور أحداثها فى الحوارى، وقالوا إن أولادهم وبناتهم يخجلون من تدريس تلك الرواية، وطالبوا بمنع تدريس رواية «الخبز الحافى»، المخلّة بالآداب، من قائمة الكتب التى تدرسها الجامعة، وحددوا صفحات معينة من الرواية. خطاب أولياء الأمور بدون توقيعات، أى بمثابة شكوى مجهولة، والجامعة الأمريكية شأنها شأن الهيئات ذات المراكز الخاصة لا يجوز لها أن تتعامل مع الشكاوى أو الخطابات التى يرسلها أصحابها بدون توقيعات، لخوف أصحابها من الظهور العلنى. 

حمدى البطران
حمدى البطران

تعاملت الجامعة مع رسالة أولياء الأمور بجدية، وعلى الفور تم تحويل الدكتورة سامية محرز للتحقيق، أمام لجنة من إدارة الجامعة، بعد توزيع ترجمة إنجليزية للصفحات التى ذكرها أولياء الأمور، ليتمكن أعضاء اللجنة الأجانب من قراءتها، وبعد ساعتين من التداول تم استبعاد الرواية، وطرحت أمام الطلاب خيارات أخرى بديلة لاستكمال مشروعهم النقدى، وأوصت اللجنة بعدم تدريس كتاب «الخبز الحافى» مرة أخرى. 

الدكتورة سامية محرز تقوم بتدريس الأدب العربى فى الجامعة الأمريكية منذ ١٩٩١، وسبق أن درست رواية «الخبز الحافى» مرتين، ولم تحدث مشكلة فى المرتين السابقتين، وكانت قد قررت تدريس عدد من الروايات، منها: موسم الهجرة للشمال للروائى السودانى الطيب صالح، ورواية مسك الغزال للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ، ورواية أصوات للمصرى سليمان فياض.. وكلها أعمال توظف الجنس وعلاقاته على المستوى الرمزى والمضمون. كما تناولت رواية «موسم الهجرة للشمال» إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب من خلال علاقات جنسية، وبعضها يتناول فكرة الاغتراب والبحث عن هوية، وكلها تدخل أيضًا فى إطار الحداثة الذى يميز الكتابات الجديدة للروائيين العرب. 

على مدى ستة أشهر أصبحت مشكلة رواية «الخبز الحافى» خارج أسوار الجامعة، وبدأت تتحول إلى قضية رأى عام، تتداولها الصحف العربية والأجنبية كمادة لتبادل وجهات النظر، شارك فيها العديد من المثقفين العرب والأجانب.

كانت أهم تلك الكتابات ما كتب فى جريدة «الوفد» المصرية المعارضة بتاريخ ١١ يناير ١٩٩٩، بتوقيع رئيس قسم اللغة العربية فى الجامعة الأمريكية، تبنى فيه وجهة نظر الجامعة الأمريكية وموقفها من سامية محرز، وموقف الجامعة من كتاب رودنسون، وقال إن الجامعة أصابت عندما طردت الأستاذ الفرنسى الذى درس الكتاب للطلاب، واعتبر أن هناك خطأ فرديًا ارتكبته الدكتورة سامية محرز، وأنها تستحق العقاب.

لم تنته المشكلة عند هذا الحد، حيث فوجئ وزير التعليم العالى، الدكتور مفيد شهاب، باستجواب فى مجلس الشعب، وفى معرض رد الوزير على الاستجواب طالب بمعاقبة المدرسة وعزلها عن التدريس فى الجامعة.

وكحل وسط عرضت الجامعة على الدكتورة سامية محرز أن تحصل على إجازة من الجامعة حنى تستقر الأمور.

تصاعدت الأزمة، وبدا أنها تقترب شيئًا فشيئًا من التحول إلى قضية شبيهة بقضية الدكتور نصر حامد أبوزيد، الذى قُضى بالتفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، وغادر مصر نهائيًا إلى الخارج حتى توفى هناك.

قالت الأستاذة سامية محرز إنها عندما أطلعها رئيس الجامعة على الخطاب، فوجئت بأنه يحتوى على جمل بأكملها تمثل تمثيلًا حرفيًا لبعض المعارك التى كانت دائرة بالفعل داخل أروقة قسم الدراسات العربية بالجامعة، وأيقنت أن أولياء الأمور وبعض الزملاء قد اتفقوا فى مصالحهم مع الإرهابيين!

وأعلنت المعلمة عن أنها لو عوقبت أو مُنعت من التدريس فإنها ستقاضى رئيس الجامعة الأمريكية لتعديه على الحرية الأكاديمية المفترضة فى الجامعة. 

تراجع وزير التعليم العالى عن مطالبه، وكانت القضية قد وصلت إلى جامعات العالم، وتلقت المعلمة عروضًا للعمل فى جامعات أوروبا. 

كما قام عدد من أساتذة الجامعات بمساندة الدكتورة سامية محرز، ونشروا نداءات على الإنترنت للتنديد بموقف الجامعة الأمريكية التى خضعت للابتزاز ومرّغت حريتها الأكاديمية فى الوحل. كما انهالت على الجامعة الأمريكية رسائل تتضامن مع الدكتورة فى موقفها.

ربما كان أهم ما فى الأمر أن الجامعة الأمريكية دعت المفكر والأكاديمى الفلسطينى إدوارد سعيد، الذى يدرس فى جامعات أمريكا، لتمنحه درجة الدكتوراه الفخرية فى فبراير ١٩٩٩، وانتهز الرجل الفرصة، ففى خطبة التكريم دافع عن حرية التعبير والحرية الأكاديمية، ولقّن الجامعة الأمريكية درسًا فى ضرورة مراعاة حرية البحث العلمى والحرية الأكاديمية. 

اقرأ أيضًا:

فصل من روايته الأخيرة.. حكايـة هوى