السبت 03 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مسكن الكينونة.. الكاتب الإسبانى خوسيه ساريا يكتب عن «أشعار» أحمد الشهاوى

حرف

- الشهاوى من أعمق الأصوات وأكثرها أصالة

ليست الشعرية الحقّة معنيّة بأن تصف العالم، بل بأن توسّعه. فهى لا تكتفى بتسمية الأشياء، وإنما تعيدها إلى حالتها الأولى، حين لم يكن الاستعمال قد أنهك اللغة بعد، وحين كانت الكلمات لا تزال تحتفظ، كاملةً، بقدرتها على الكشف. وقد كتب مارتن هايدجر فى رسالته الشهيرة «رسالة فى النزعة الإنسانية»: «اللغة هى مسكن الكينونة. وفى مسكنها يقيم الإنسان. والمفكرون والشعراء هم حرّاس هذا المسكن».

هذه هى الحقيقة الأعمق التى تنهض عليها مجموعة «سماء باسمى» للشاعر المصرى أحمد الشهاوى. فهذا الديوان لا يقترح تمثيل الواقع، أو وصفه، أو تجميله؛ بل إن غايته، بالأحرى، أن يؤسّسه عبر الكلمة، رافعًا الشعر إلى شكل صافٍ من أشكال المعرفة، فى فعلٍ يستعيد المعنى الأصلى للغة.

لا نجد فى أبيات الشاعر مجاملةً جماليةً ولا استعراضًا لفظيًّا، بل اقتراحًا غريبًا جذريًّا عن كل إغراء زخرفى، تنبثق منه إرادة حاسمة فى التوغّل داخل منطقة بالغة العمق، حيث يقترب الشعر من التجربة التأملية فى التقاليد الصوفية الكبرى، من غير أن يفقد، مع ذلك، شرطه المعاصر تمامًا.

وكما يحدث فى أعمال كبار كتّاب التقليد الصوفى والروحانى — ابن جبيرول، ويهوذا اللاوى، وابن عربى، وجلال الدين الرومى، وسانتا تيريزا دى خيسوس، وفراى لويس دى ليون، وسان خوان دى لا كروث، ورابندرانات طاغور — فإن شعر الشهاوى لا يسعى إلى تفسير السرِّ؛ إنما يطمح فقط إلى الوقوف عند العتبة التى يبدأ منها السرّ فى التجلى، ذلك الحيِّز من الكشف الذى تطفو فيه «رقعة من الإضاءات»، على حدِّ تعبير الأستاذ جييرمو أرانجو فى عتبة النص.

يبدو شعر الشهاوى كأنه يقوم على إرادة جازمة لإعادة وصل الخيوط الخفية التى تربط الإنسان بالكون، والجسد بالروح، والكلمة بذلك الصمت الخصب الذى تنبثق منه كل رؤيا؛ تلك العتبة التى لا يكون فيها البطل الحقيقى للكتاب هو الله، ولا حتى الحب، بل الكلمة، بوصفها أصلًا ومعرفةً وإمكانًا للتجاوز. إن شعره يطارد اللغة فى أنقى حالاتها: تلك التى لا تصف السرّ، بل تسكنه وتجعله مرئيًا، متخليةً عن وظيفتها التواصلية كى تستعيد شرطها القديم بوصفها تجلّيًا، كما أدركت ماريا ثامبرانو فى كتابها «الفلسفة والشعر» حين قالت إن «الكلمة الشعرية لا يمكن أبدًا أن تكون مفهومًا».

وتبلغ هذه الطاقة الكاشفة إحدى ذراها فى قصيدة «الذى يعيش بين مئذنتين»، ولعلها من القصائد الجوهرية فى الكتاب. 

هناك يعلن الشاعر: «أنا ألف شخص/ باسم واحد/ وألسنة كثيرة». لا تعود الهوية تُفهم بوصفها حقيقة ثابتة، بل تتحول إلى فضاء من التحول الدائم، حتى تنتهى إلى عبارة ذات صدى فلسفى عميق: «أنا آخر/ أنا لست أنا»، فى حوار تناصى واضح مع مقولة آرثر رامبو الشهيرة: «أنا هو آخر».

غير أنه من الخطأ اختزال هذه الكتابة فى خانة الشعر الصوفى. إنها كذلك، بلا ريب، ولكن فقط بالقدر الذى ينتهى فيه كل شعر عظيم إلى مساءلة سرّ الوجود. فى الحقيقة، يكتب الشهاوى من موضع أكثر تركيبًا بكثير، تلتقى فيه الميتافيزيقا، والتجربة العشقية، والتقليد القرآنى، والذاكرة المصرية، والتأمل فى اللغة، ووعى بالغ الحداثة بالهوية. تعبر قصائده إشارات إلى الحلاج، والقرآن، والأنبياء، والنيل، والألِف، وحروف الأبجدية، لكنها كلها تخضع لإعادة صياغة رمزية عميقة، حتى تندمج فى شعرية شخصية تمامًا.

خوسيه ساريا
خوسيه ساريا

فى هذا العمل إرادة دائمة للعودة إلى الأصل. لا إلى الأصل التاريخى، بل إلى اللحظة الأولى التى كانت الكلمات فيها لا تزال تحتفظ بقوتها الخالقة كاملةً. يحاول الشاعر أن يفتح صدعًا فى الواقع اليومى، مقيمًا نظامًا سحيقًا من التراسلات، حيث تعود الرموز — الاسم، السماء، الماء، الظل، الحرف، الواحد، الصفر، الجسد الأنثوى، الفعل/ الكلمة — إلى الظهور باستمرار كى توسّع مجال دلالتها، على نحو ما يحدث فى المعماريات الصوفية الكبرى، حيث لا شىء زائدًا أو عرضيًّا؛ فكل صورة تضىء ما سبقها بأثر رجعى، وتمهّد لما سيأتى بعدها، بحيث ينتهى الديوان إلى العمل كشبكة هائلة من الأصداء الداخلية.

لكن ما يجعل هذا الكتاب عملًا استثنائيًّا حقًا هو قدرته على مصالحة بُعدين غالبًا ما يبدوان منفصلين فى الشعر المعاصر: التجربة الروحية والوعى الحديث. يكتب الشهاوى من داخل تقليد يمتد آلاف السنين، لكن صوته ينتمى، بلا التباس، إلى المعاصرة. إن تشظّى الذات، والقلق بشأن الهوية، والوعى بالفقد، والاقتلاع، والارتياب الدائم فى اللغة، واستحالة بلوغ حقيقة نهائية، كلها عناصر تخترق الكتاب من أوله إلى آخره. غير أن الفارق يكمن فى أن هذا الارتياب، خلافًا لجزء كبير من الشعر الغربى الراهن، لا يفضى إلى العدمية، بل إلى بحث لا ينقطع عن المعنى: «ماذا ستكتب قبل النهاية بثوانٍ؟.../... أعطونى أوراقًا وأقلامًا/ كى لا يخنق القبر أحلامى».

وعلى الرغم من أن الكتاب يبسط كونًا رمزيًّا بالغ التعقيد، فإنه لا يسقط أبدًا فى الغموض المجانى. يكتب الشهاوى بطمأنينة من يعرف أن السرَّ لا يحتاج إلى أن يُعتَّم كى يكون عميقًا. قصائده قصيرة، تكاد تكون شذرات فى بعض الأحيان، لكن كل واحدة منها تبدو كأنها تحتوى كثافة فكرية استثنائية. كأن الشاعر ظلَّ يجرِّد اللغة من كل ما هو زائد، حتى لم يُبقِ فيها إلا ما لا غنى عنه. وفى هذا الجانب يسير على خطى جورج شتاينر، حين يلمِّح إلى أن ما لا يُقال لا يستدعى الصمت دائمًا؛ فقد يطالب أحيانًا بشكل آخر من اللغة. وتلك «الطريقة الأخرى» هى بالضبط الشعر الذى نجده هنا: كتابة لا تفسِّر السرَّ، بل تجعله مرئيًّا.

ثمة لحظة كاشفة على نحو خاص حين يكتب: «لا يزال لدىَّ الكثير لأقوله». لا تبدو هذه عبارة مؤلف يرى أن عمله غير كافٍ، بل اعتراف شخص يعى تمامًا أن اللغة لا تستنفد السرّ أبدًا. فكل كلمة أصيلة تحمل فى داخلها وعيًا بقصورها هى نفسها. لعل تلك هى تواضع الشاعر الحقيقى: أن يعرف أن القصيدة تأتى دائمًا بعد الشىء الذى تحاول تسميته، ومع ذلك لا بد من مواصلة الكتابة، لأن الإنسان لا يستطيع الاقتراب من اللامقول إلا عبر هذه المحاولة التى لا تنتهى.

فى زمن يتسم بالآنية، والتكاثر اللفظى، وبشعر كثيرًا ما يخلط الاعتراف بالمعرفة، يعيد إلينا أحمد الشهاوى قناعة كدنا ننساها: أن القصيدة يمكن أن تظل طريقًا إلى الكينونة، لا لأنها تقدم إجابات، بل لأنها تردّ إلى اللغة كرامتها القديمة بوصفها كشفًا.

كتب «هايدجر» أن الشعراء هم حرّاس مسكن الكينونة. ولعل عظمة «سماء باسمى» تكمن، فى نهاية المطاف، هنا بالذات: لا فى كمال صوره، ولا فى ثراء رموزه، ولا حتى فى تلك العفوية المدهشة التى يحاور بها التقليد الصوفى والقرآنى والكونى. إن علوَّه الحقيقى يتمثل فى أنه أعاد إلى الشعر واحدة من أقدم وظائفه، وفى الوقت نفسه واحدة من أكثرها ضرورة: أن يذكِّرنا بأن الكلمات لم تولد لكى تصف الواقع، بل لكى تجعله قابلًا للسكنى من جديد.

يكتب الشهاوى من ذلك الموضع الذى تكفُّ فيه القصيدة عن أن تكون أدبًا، لتصير، ببساطة، شكلًا من أشكال المعرفة. وأعتقد، من دون أى مبالغة، أننا أمام واحد من أعمق الأصوات وأكثرها أصالة فى الشعر العربى المعاصر، وأن «سماء باسمى» هو من تلك الأعمال التى لا تنتهى بانتهاء قراءتها، لأنها تواصل كتابة نفسها بصمت فى وعى من أحسن الإصغاء إلى التنفّس السرى لكلماتها.