الأحد 12 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

آفة حارتنا الفذلكة.. رجاء النقاش يُعرى نُقاد «بؤرة الوعى وفضاء التلقّى» من قبره!

حرف

- النقد الآن أقرب إلى البحث الجامعى لا إلى النص الأدبى والإبداع الموازى

- التوسع فى المناهج الغربية دون وعى وتوظيف فنى حول الكتابة لاستعراضات لغوية 

- انتقال النقد من بيئة الصالونات الأدبية والصحافة إلى «الجامعة» جعله موجهًا للباحثين لا الجمهور 

النقد هو الكلام الذى أقرأه فيُدخلنى ببساطة وتلقائية إلى جنة أو نار العمل المنقود «قصة، رواية، قصيدة، لوحة، فيلم، وغير ذلك»، ويجعلنى أتنفس روح الفكرة وألمس جمالها الخفى.

ومن حسن حظى أن أول قراءة نقدية طالعتها فى حياتى قبل سنوات طويلة، كانت بقلم الكاتب الكبير رجاء النقاش، وتمثلت فى مقدمة الطبعة الثالثة من ديوان أحمد عبدالمعطى حجازى الصادرة عام 1983 عن دار العودة فى بيروت، وضمت أعماله الكاملة حينها حتى ديوان «مرثية للعمر الجميل».

القراءة النقدية التى حملت عنوان: «هذا الديوان» ووقعت فى 100 صفحة، أدخلتنى حينها إلى عالم عبدالمعطى حجازى، وجعلتنى أتجول داخل عقله فأرى الأسرار والدروب الخفية والكهوف والكنوز المدفونة، وعرفتنى ببساطة على الإنسان والوجدان والفنان الذى يسكن تحت جلد صاحب «مدينة بلا قلب».

نفس الإحساس الذى غمرنى مع القراءة لرجاء النقاش، عاودنى وأنا أقرأ لأنور المعداوى وفاروق عبدالقادر وعبدالغفار مكاوى ولسيد البحراوى وغيرهم من كبار أساطين النقد على اختلاف أجيالهم.

لكن لماذا لم نعد نرى فى العقود الأخيرة كتابات نقدية تشبه كتابات هؤلاء، يفهمها القارئ المثقف ولا أقول القارئ العادى حتى، وتمثل إبداعًا موازيًا للعمل للأصلى، فيكونان معًا على غصن واحد كأنهما الوردة والرائحة.

ولماذا يغلب على كثير مما نقرأه هذه الأيام من قراءات ومقالات نقدية، طابع ثابت قائم على الاستعراضات اللغوية والإسقاطات النظرية والإحالات الشاذة والاقتباسات البعيدة؟ لماذا نقرأ عبارات دعائية مثل «كسر فضاء التلقى»، و«الإبحار فى الحقل الدلالى»، و«الوصول إلى بؤرة الوعى»، وغير ذلك من التراكيب العلمية والبحثية شديدة التخصص؟ 

ومن يجب أن يُخاطب النقاد؟ من الشريحة التى تُوجه إليها تلك الكتابات؟ جمهور القراء؟ أم كائنات فضائية؟ أم طلبة فى «سيكشن» جامعى؟ أم مسئولى نشر فى مجلات إقليمية تدفع بالدولار؟!

متى بدأ التحول؟ لو شئنا أن نحدد الزمن الذى انحدر فيه فن النقد، علينا أن نفهم أولًا البيئة التى نشأ فيها الخطاب النقدى الحديث فى مصر.

نعود إلى مرحلة ما قبل الخمسينيات، حيث ازدهار الصالون الأدبية فى مصر بشكلها وتكوينها العالق فى المخيلة، صالون مى زيادة حيث كبار المثقفين، وفعاليات أخرى يحضرها أمثال محمد عبدالوهاب والعقاد وطه حسين وحسين فوزى وشكرى عياد، وغيرهم من أساطير الكتابة والفن.

هؤلاء العباقرة كتبوا نقدهم فى الصحف والمجلات التى يقرأها الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية، وتفاعل الجمهور مع ما يقرأونه وتابعوه بكل دأب وشوق من عدد إلى آخر، ويمكننا القول إن النقد حينها كان موجهًا للناس، إلى جمهور القراء، وكان سهلًا طيعًا رشيقًا غير مقعر ولا متكلف، ولم يكن يكتبه إلا الأديب الفنان صاحب الموهبة قبل كل شىء، وليس فقط الباحث أو العالم الأكاديمى المتخصص فى النظريات الجامدة.

ومع مرور الزمن، والتوسع الكبير فى حركة التعليم العالى بعد مرحلة السبعينيات وانتشار كليات الآداب فى الأقاليم المختلفة، واستقرار نظام الترقى الجامعى القائم على البحوث، انتقل النقد تمامًا من بيئة الصالونات الأدبية والصحافة العامة، إلى المنظومة الأكاديمية، وصار الناقد يكتب بلغة موجهة للأساتذة والطلاب لا الجمهور العام،  فأصبح النقد أقرب إلى البحث الجامعى لا إلى النص الأدبى والإبداع الموازى.

أحمد عبدالمعطى حجازي
أحمد عبدالمعطى حجازي

ولا يمكن فهم التحول من النقد الفنى الذى كان يحمل جماليات عالية إلى النقد الأكاديمى الملىء بالمصطلحات والتقعّر إلا بفهم مسار التوسع وهيمنة المناهج البحثية الغربية على الدراسة الجامعية، وإسقاطها على النصوص الأدبية دون إصباغ ذلك بصبغة فنية تحوّل النقد من علم جامد إلى نصوص جمالية.

ورغم أن التوسع فى المناهج الغربية مثل البنيوية، والسيميائية، والتفكيكية، وغيرها، فى الستينيات والسبعينيات، كان ضمن مسار نهضوى شامل أُريد به صناعة كوادر علمية رصينة، وأنها قدمت أدوات بحثية مهمة للباحثين المصرى والعربى، تحولت الكتابة النقدية فى مصر والعالم العربى على أيدى الباحثين الأكاديميين- بلا تكييف فنى- إلى استعراضات لغوية ومصطلحات معقدة، فأصبح كثير من الكتابات تركز على «التحليل النظرى» أكثر من التواصل مع النص أو الجمهور، فابتعد النقد عن وظيفته الأصلية كجسر بين المبدع والمتلقى.

كما لا يخفى كذلك أنه فى الثلاثينيات والأربعينيات، وكذلك فى الخمسينيات كانت هناك معارك فكرية حقيقية تُثرى الساحة، وتدفع النقد إلى الأمام، لعل أشهرها معارك طه حسين ومحمود شاكر ولويس عوض ورجاء النقاش والعقاد، وكانت هذه المعارك تدفع الجمهور للتفاعل، فى حين يغيب هذا الصراع عن أيامنا هذه، ويحل محله خطاب نظرى مكرر لا يفتح أسئلة جديدة ولا يثير جدلًا.

كما أنه مع صعود دور النشر والجوائز الأدبية، أصبح النقد أحيانًا أداة دعائية لتسويق أسماء معينة، بدل أن يكون ممارسة حرة ومستقلة، وهو ما أضعف استقلالية الناقد، وحوّل النقد إلى تقارير أكاديمية أو مقالات دعائية تنشر فى مجلات إقليمية ويتقاضى «الدكاترة» مقابلها مكافآت بالدولار.

فى تصورى، ليس فرض عين أن يصبح الأستاذ والباحث الأكاديمى ناقدًا، وكل مُيسر لما خلق له، والنظرية شىء والتطبيق شىء آخر، ومُصمم وصانع المركبة الفضائية ليس بالضرورة مُطالبًا بأن يبحر بها خارج الغلاف الجوى، إنما يقودها الملاح والرائد الفضائى.

والفيصل هنا هو الموهبة أو حضور الحس الفنى القادر على استخلاص الجمال وتحويل الرؤى الفكرية النقدية التى تُدرس فى المناهج، إلى جسد مبدع يواكب إبداع العمل الأصلى بناء وروحًا وجمالًا.

ولا يمكن فهم فكرة النقد دون أن نفهم طبيعة وظيفته، فهل الناقد باحث جامعى، أم فنان وأديب يبحث عن الجمال؟

هذه الحقيقة حاول الكاتب الكبير الراحل رجاء النقاش، تتبعها بهدف الوصول إلى صيغة ما تحدد طبيعة وشكل التعامل مع النص الأدبى المطلوب تقديمه للقارئ المثقف أو الجمهور بشكل عام.

فى كتابه «أدباء ومواقف»، يتساءل رجاء النقاش: «هل النقد الأدبى عملية فنية أم أنه عملية فكرية؟ وهل نضيف النقد الأدبى إلى فروع الأدب كالقصة والقصيدة والمسرحية، أم نضيفه إلى العلوم النظرية مثل علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة؟».

ويرى «رجاء» «أنه لم توضع إجابة واحدة حاسمة على هذا السؤال، وظل الناقد الأدبى حائرًا، فهو تارة يعيش بين الفنانين كواحد منهم، وتارة أخرى يقف بين رجال العلوم النظرية وينتسب إليهم».

ويحاول صياغة قاعدة ما تضبط العلاقة بين النقد والفن، فيقول: «الذى لا شك فيه أن الناقد الفنان هو أقرب إلى روح الأدب، وأكثر قدرة على اكتشاف أسراره من ذلك الناقد الذى يعتمد على الأفكار النظرية فقط، سواء كانت هذه فلسفية أو نفسية أو اجتماعية»، ويضيف: «العمل الفنى هو فى نهاية الأمر كائن متكامل، وتشريحه وتحليله قد يكونان من عوامل فهمه وإدراكه، ولكنهما لن يكونا كافيين فى عملية تذوقه والاستمتاع به».

ويرى أن «الناقد الفنان هو الذى يدرك الحقائق النظرية العلمية إدراكًا كاملًا ولكنه لا يقف عندها، وإنما يتعداها ليحدد بعد ذلك نوع العمل الفنى ولونه وطعمه وسر الحياة فيه ودرجة هذه الحياة، فالناقد لا يستطيع أبدًا أن يصل إلى هذه الحقائق الفنية الخفية بدون أن يكون نابضًا بإحساس فنى قد يقل عن إحساس الفنان نفسه».

رجاء النقاش
رجاء النقاش

إذن ما الثمن الذى دفعته الثقافة المصرية نتيجة اختلال تلك المعادلة؟ ببساطة تراجع الكتابة النقدية عن الحضور الثقافى العام والوجدان الجمعى، وحرمان الأدب والفن من الطاقات والمساحات اللازمة لاكتشافه وترجمة جمالياته وتفكيك تفاصيله الفنية، وحرمان القارئ والجمهور العام من جمال يرشده ويوجهه ويلبى احتياجات عقله وقلبه.

وإذا أردنا أن نشاهد نتيجة ذلك عن قرب، فعلينا فقط زيارة المكتبات الرسمية العامة ونطالع كشوف وبيانات مبيعات الكتب النقدية التى تصدر فى مصر الآن، كم نسخة تطبع ومن يشتريها ولأجل ماذا؟ اللهم إلا من يقتنونها لأغراض بحثية خاصة بالدراسات العليا الجامعية، فتظل تلك الكتابات محصورة داخل تلك الدورة الأكاديمية دون احتكاك بالجمهور وقارئ الأدب العادى.

لا تنبع أزمة النقد فى الإشكالية الأكاديمية والتقعر فى التناول، إنما فى آلية النقد وكيفية ممارسته والإحالات النظرية والنفسية والاجتماعية التى يتم إسقاطها دون وجه حق على الأعمال المنقودة وخاصة فى كتابة الشعر.

هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة الحالية، بل لها جذور من عقود سابقة مع انشغال النقاد بالمقاييس الفكرية والسياسية والنفسية أكثر من انشغالهم بالجانب الفنى، فصار تفسير النصوص يخرج من زاوية الانتماء الطبقى، أو الوضع الاجتماعى للشاعر، أو من زاوية أن الشعر المكتوب معارض، ويحمل هوية سياسية وأيديولوجية.

نعود إلى رجاء النقاش الذى رأى أن إسقاط النظريات والمقاربات والاعتماد على التفسيرات السياسية والاجتماعية وحدها لا يؤدى إلا إلى تعميمات سطحية لا تعكس حقيقة العمل، معتبرًا أن النقد يحتاج إلى أن يوازن بين التحليل الاجتماعى/ النفسى وبين التذوق الفنى للنص.

كما انتقد أزمة اللغة النقدية الحديثة التى تُدخل القارئ فى دوامات من التعقيد والهلامية والتقعر، ضاربًا المثال بكتابات مجلة «شعر» الشهيرة التى كانت تصدر فى بيروت، متهمًا بعض مقالاتها بأنها تعكس مراهقة فكرية وتأثرًا مشوهًا بالوجودية، معتقدًا أن هذه القراءات لا تصلح أن تكون «ترمومترًا» لقياس حرارة الحياة أو التعبير عن الواقع.

يقول «رجاء»: «ليس من التجنى بحال من الأحوال، أن نقول إن استخدام هذه الأفكار استخدامًا سيئًا قد طمس الجانب الفنى فى نقد الشعر إلى حد بعيد. وأصبح الأساس الشائع فى نقد الشعر هو الشاعر نفسه من حيث وضعه الاجتماعى، وكثيرًا ما نقرأ تفسيرًا لحزن أحد الشعراء وميله إلى الكآبة فلا يكاد يجد هذا التفسير ما يقوله سوى أن الشاعر برجوازى- أى من الطبقة الوسطى- وأن البرجوازية تنهار وتتقوض أمام تقدم الطبقات الشعبية الجديدة، ولذلك فإن الشاعر يدرك أنه يعيش فى عصر الهزيمة بالنسبة لنفسه ولطبقته ومن هنا فإنه حزين يشعر بالكآبة العميقة».

ولا أحد ينكر– والكلام لـ«رجاء»- أن مثل هذا التفسير له قيمته وأهميته. ولكنه لا يكفى بحال من الأحوال لكى يكون تفسيرًا نهائيًا لكل شعر حزين. ولا يكفى أن يكون تفسيرًا فى متناول اليد نضعه كحل حاسم كلما قابلتنا ظاهرة الكآبة فى شعر أجنبى أو شعر عربى، فهناك دائمًا عوامل أخرى يجب الالتفات إليها وهناك شخصية الشاعر المستقلة وطبيعته الخاصة ونظرته الذاتية إلى الحياة.

ويواصل «رجاء»: «نحن لا نطالب ولا نستطيع أن نطالب بأن يكون المقياس الفنى هو المقياس الأوحد فى نقد الشعر، فلا يمكن أن نمنع أحدًا من أن ينظر إلى الشعر كوثيقة نفسية أو كوثيقة اجتماعية، بل إن من الضرورى فى عصرنا أن يتسلح النقاد بثقافة واسعة فى الدراسات الاجتماعية والدراسات النفسية. وإلا فإنهم لن يستطيعوا أن يفهموا عصرهم حق الفهم. ولكن غياب المقياس الفنى يضر بدون شك حتى هؤلاء الذين يريدون أن يدرسوا الشعر كوثيقة اجتماعية أو نفسية».

ويتبقى أن نقول إننا هنا فى هذه المقالة، لا نسعى إلى الانتقاص من النقاد الأجلاء المحترفين، إنما فقط نلقى حجرًا فى بركة آسنة علها تسهم فى تنشيط المفاهيم حول النقدين الأدبى والفنى، حيث لا يمكن أن يكون هناك إبداع جاد وقوى دون نقد جاد وقوى، والعكس صحيح.