عن الذى آتاه الله الفن والحكمة!
لا تنتظر أن تقرأ هنا رثاء عن داود عبدالسيد، لأن قضية رحيله أعمق من مجرد الرثاء. فهو رحيل لمعانٍ كثيرة وأحلام كبرى ولعصر لا يمكن وصفه بأنه كان ورديًا بقدر ما كان يمتلك شيئًا من الروح، شيئًا من الحساسية الفنية، شيئًا من خيط النور الخفيف الذى يظهر فى السماء فى الهزيع الأخير من الليل، فيشعر القلب معه بشىء من الأمل، أو بشىء من الحياة!
هى كلها مجموعة أشياء قد لا تشكل أى كيان مكتمل، لكنها- بلا شك- تعبر عن روح الفن، وعن الجوهر الذى امتلكه داود عبدالسيد وأهّله ليكون تلك الأيقونة الفنية خافتة الإضافة عالية التأثير، نعم، فالمعيار هنا هو القدرة على التأثير.
لفهم أسطورة «داود» علينا أولًا التفرقة بين التأثير والتأثر. يُعرّف علماء النفس التأثير بأنه القدرة على إحداث تغيير أو نتيجة أو أثر فى شىء أو شخص ما، وهو النفوذ أو القوة التى تجعل شيئًا يترك بصمة أو يسبب رد فعل، مثل تأثير الدواء، وتأثير الأصدقاء، أو تأثير الأب على أبنائه.
أما الأثر، فهو بشكل أساسى العلامة أو البقية المتروكة من شىء ما، سواء كانت مادية مثل أثر قدم، أو معنوية مثل تأثير نفسى أو تغيير ما، وتُستخدم الكلمة أيضًا للدلالة على الأخبار المروية عن القدماء أو ما خلفه السابقون من الآثار التاريخية.
إذن فالجميع لديه القدرة على إحداث الأثر، فحتى السفاحون والقتلة الكبار لم يعجزوا عن أن يتركوا فى التاريخ بصمة أو أثرًا.
وامتلاك «داود» القدرة على التأثير، ينبع من الأساس من امتلاكه جوهر الفن، فهو «أرتيست» بالمعنى الوجدانى والمادى للكلمة، موهوب بالفطرة، متحقق بذاته، وليس نبتًا شيطانيًا أو دخيلًا أو «أبناء عاملين».

أسطورة أورفيوس
ما معنى أن يولد داود فى النصف الثانى من أربعينيات القرن الماضى؟
هناك أسطورة تقول إن هناك شيئًا خفيًا مقرونًا بمسيرات كل الكبار، وهو أن جميعهم- ربما بلا استثناء- كانوا من أبناء الطبقة الوسطى، وأنهم تلقوا تعليمهم الأساسى فى فترة النهضة المعرفية التى تصاعدت مع ثورة ١٩١٩ واستمر وهجها فى الثلاثينيات وحتى أوائل الخمسينيات، وشهدت تصعيدًا منهجيًا رسميًا للنخب الفكرية والعلمية والفنية، ثم جرى بعد ذلك فى النهر ماء كثير!
فى هذه المساحة المتوهجة وفى قلب القاهرة الملكية، يستكشف داود الحياة والعالم، ووسط الزخم السياسى الكبير الذى صاحب ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ يشب عن الطوق ويتلقى الثقافة والمعارف المختلفة، ولا بد أنه كان ضمن من عاشوا موجة الأحلام الكبرى التى عاشها كل أبناء جيله.
لقد بدأ مبكرًا جدًا، ربما وهو فى المدرسة الإعدادية. قرأ فى كل شىء وعن كل شىء، فى الأدبين العربى والعالمى وفى الفنون والموسيقى، وصقل عقله بالفلسفة والمعارف الفكرية.
يمنح البعض ألقابًا رومانسية لداود، أشهرها «شاعر السينما»، لكن المتأمل يكتشف أن السينما لم تكن أكثر من كلمة محشورة بجانب كلمة شاعر، فالرجل الذى كتب كل هذه السيناريوهات لا يمكن إلا أن يكون شاعرًا حقيقيًا يكتب القصيدة الخالصة، ولا أستبعد أن يعثر من يفتش فى أوراقه القديمة على نصوص شعرية واعدة من التى يخفيها المراهقون والشبان أو يحرقونها تحت هواجس عدم التحقق والاكتمال.
ربما يفسر هذا رغبة داود فى العمل فى الصحافة وتعلقه الكبير بالمهنة، وهى رغبة لا شك ناجمة عن موهبة حقيقية فى عالم الكتابة أولًا، ثم فى القدرة الفائقة على الالتقاط ثانيًا، والالتقاط هنا يشمل كل شىء من أول حوادث وأحوال الناس فى الشوارع مرورًا بطبائعهم وشواغلهم وحتى الفهم الأعمق لقضاياهم وإشكالياتهم الكبرى.
وهذه القدرة على الالتقاط هى التى ستقوده فيما بعد إلى البحث عن أفضل الأدوات التى تحقق ذلك، ولا شىء أفضل من الكاميرا التى تحسن الالتقاط وتسجل كل شىء بالصوت والصورة والروح.
وتربط السيرة الذاتية المنشورة عن داود على المواقع الإلكترونية، بين رغبته فى أن يكون مخرجًا، وإعجابه الشديد بفيلم «أورفيوس الأسود» (Black Orpheus) للمخرج مارسيل كامو، بعد مشاهدته له، لكنها لا تقدم تفسيرًا واضحًا لذلك التأثر أو أصداء ذلك الفيلم على مسيرته.
بقليل من البحث فى خلفية الفيلم، نكتشف أنه يفتح بابًا على الجذر الفلسفى والروحى الذى سينشأ فى ما بعد لدى سينما داود عبدالسيد نفسها، فهو مأخوذ عن أسطورة أورفيوس الإغريقية، فيحكى عن المغنى الذى ينزل إلى العالم السفلى ليسترد حبيبته بصوته، وهى تيمة سنجدها حاضرة بشكل ما فى أعماله التى سيخرجها فى المستقبل، فنجد أفكار البحث عن المعنى أو الجدوى أو فكرة الفشل النبيل، أو البطل الذى يرى الحقيقة ثم يخسرها.
ربما نجد ذلك عند الشيخ حسنى فى «الكيت كات»، أو يوسف فى «البحث عن سيد مرزوق»، أو يحيى فى «أرض الخوف»، أو يحيى الآخر فى «رسائل البحر»، فكل أبطال هذه الأعمال هم أبطال «أورفيوسيون»، ومعظمهم يعرف الحقيقة ويلمس الجنة لحظة، ثم يخسرها بسبب شرط بسيط، فيعود خالى الوفاض.
داود لم يعاند قدره، فالتحق بالمعهد العالى للسينما، لكنه ما كاد يفرح بما حصله من ثقافة فنية ومهارات حتى يُصدم- مثل كل أبناء جيله- بزلزال هزيمة الأحلام الكبرى، فيتخرج فى المعهد فى نفس عام النكسة ١٩٦٧.
ويبدأ خطواته الأولى فى العمل السينمائى مساعدًا للمخرج فى أعمال كبرى، من بينها «الأرض» مع يوسف شاهين و«الرجل الذى فقد ظله» مع كمال الشيخ، غير أن هذه التجربة سرعان ما تقوده إلى اكتشاف عدم انسجام موقع «المساعد» مع طبيعته النفسية التى تميل إلى العزلة والتأمل، فاختار أن يشق طريقه نحو الإخراج المستقل، بحثًا عن مساحة أوسع للتعبير عن رؤيته الخاصة.
هنا يخوض داود مرحلة تسجيلية اعتبرها بمثابة «مختبر» لصياغة أسلوبه الذى سيوصف فيما بعد بالواقعى، فأنجز خلالها عددًا من الأفلام من بينها «وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم» (١٩٧٦)، و«العمل فى الحقل» (١٩٧٩)، وهى أعمال أكسبته خبرة مبكرة فى التصوير داخل مواقع حقيقية، والتعامل مع غير الممثلين، وأسست لملامح لغته السينمائية التى ستتبلور لاحقًا فى أعماله الروائية الطويلة.

لست قديسًا بل مثل بالخطيئة
هل كان داود قديسا؟ يتساءل كثيرون، ربنا العزلة الاختيارية أو الهدوء الدائم أو اللغة المنتقاة، هى التى ترسم تلك الصورة.. فالحكمة تقول: «أنت مهاب ما لم تتكلم».
لكن داود كان يتكلم طوال الوقت حتى ولو بالصمت.. فيعايرونه بقلة أعماله دون الفطنة إلى أن السينما لا تقاس بالكليوجرام، وأن العمل الحقيقى ما هو إلا نتاج اختمار وتجريب وعمل قد يمتد لسنوات.
فى لقاء مصور أجراه داود على هامش تكريمه فى مهرجان الجونة عام ٢٠١٨، يتصدى للنقد الموجه له بقلة الأعمال، ويرجع ذلك إلى أن العمل فى خارج دائرة الأعمال التجارية يحتاج إلى مجهودات خاصة وبحث متواصل عن الفرص الإنتاجية النادرة وتدقيق فى جميع التفاصيل، حتى تكون المكونات الجمالية والسينمائية للفيلم فى حالة من النضج والتصور الواضح.
ومع ذلك يعترف بأنه رغم حبه لكل أفلامه الروائية الطويلة التى تبلغ نحو ٧ أفلام، فإنه يرى فيها الكثير من المشكلات والأخطاء التى كان يجب أن تُعالج بشكل أكثر جودة، لكنه يؤمن كذلك بأنه لا يوجد- على حد تعبيره- «عمل بيرفيكت» وأنه لم يسع لتحقيق الكمال فى يوم من الأيام لأنه ضرب من الوهم.
هذه القناعة والتصورات الفنية لم يصل إليها داود بسهولة.. دعونا نعود إلى الوراء مرة أخرى، إلى بدايات الثمانينيات، إذ يعيش داود ذروة التغيرات الاجتماعية التى غيرت وجه مصر بالكلية، مع صعود طبقات وتآكل أخرى، ويجد نفسه منخرطًا فى تساؤلات عميقة لا يسمح الواقع السريع بطرحها ومناقشتها بتروٍّ وهدوء، فقط يسمح بالاشتباك الصريح والعنيف معها، مثلما فعل رفيقه عاطف الطيب.
وبفضل تكوينه الهادئ وتثقيفه الواسع، كان من الطبيعى أن تطغى النزعة الشاعرية لديه على نزعة الصدام، وألا يسمح عقله بأى مساحة للخفة أو المباشرة.
لو أردنا أن نقسم منجز داود إلى مراحل فكرية، فيمكن أن نحدد ٥ مراحل رئيسية، الأولى مرحلة يمكن وصفها بـ«البراءة الثورية»، وأخرج خلالها أول أفلامه الروائية الطويلة وهو «الصعاليك» (١٩٨٥)، ويتبنى- بشكل ما- تيمة «الحلم»، عبر بطلين على الهامش يكتشفان فجأة أن النظام كله قائم على الخديعة، ويحلم داود من خلالها بتحقيق العدل، ويظن أن كشف الفساد قد يُنقذ العالم.
المرحلة الثانية يمكن وصفها أيضًا بـ«التيه الوجودى»، وفيها يصنع «البحث عن سيد مرزوق» «١٩٩٠»، حيث البطل الذى يخوض رحلة عبثية خلف رجل قد يكون وهمًا، فيدخل داود فى منطقة كافكاوية مظلمة يتصور خلالها أن العالم قد وصل إلى ذروة التحلل.
فى تلك المرحلة أيضًا وبعدها بعام واحد، يصنع داود تحفته الشهيرة «الكيت كات» «١٩٩١»، وهى مرحلة تمثل محاولة للتصالح مع الحياة، فالسعادة هنا ممكنة حتى فى العمى.
وبعد ٧ سنوات من العمل والكتابة الشاقة يخرج داود للعالم درة تاج أعماله، وهو «أرض الخوف» «١٩٩٩»، فى واحدة من السرديات السينمائية الكبرى فى التاريخ المصرى والعربى، ملقيًا فيه كل الحمولة الشعرية والفكرية التى خزنها لسنوات، فى صورة البطل الذى تدخله السلطة إلى جحيم العالم السفلى فيخرج بلا هوية واضحة، ويصل إلى حكمة مفادها «الحقيقة تُحرق من يقترب منها».
أما المرحلة الثالثة فهى «السخرية الحكيمة»، ونراها تتجلى فى «مواطن ومخبر وحرامى» «٢٠٠١»، ورغم الطاقة الفكرية التى يحملها العمل، يستعين داود- فى مفارقة لافتة- ولأول مرة بالمطرب الشعبى الراحل شعبان عبدالرحيم ليؤدى دور البطولة، ليقدم العمل استعراضًا ساخرًا لتشابك الخطايا البشرية.
ويمكننا أن نسمى المرحلة الرابعة بـ«الحنين الروحى»، وأخرج خلالها «رسائل البحر» «٢٠١٠»، بعد هدنة امتدت لعشر سنوات بعد آخر عمل، ونتتبع فيها سيرة البطل الذى يهرب من المدينة إلى بحر إسكندرية بحثًا عن نفسه فى أجواء من الحيرة الوجدانية والعقلية.
وأخيرًا نصل إلى المرحلة الخامسة وهى «الحلم الأخير» عبر فيلم «قدرات غير عادية» «٢٠١٥»، عن البطل الذى يفشل فى قطف ثمرة جهده وعمله ويخسر الكثير من الأشياء ويهيم على وجهه فى الحياة، لكنه لا يتوقف عن الحلم أو محاولة إنقاذ روحه.

«يحى» الذى يرفض الموت
يصف كثيرون داود بأنه فيلسوف السينما، بل يذهب البعض إلى انتقاده بأنه لم يقدم إلا الأفلام النخبوية التى تحتاج لجمهور خاص، ويرد هو على ذلك بأن الجماهير فى حاجة دائمة إلى التثقيف الفكرى، لكنه لا يؤمن بأن ذلك التثقيف لا يجب أن يتم بشكل سلطوى بل بفتح المجال أمام الناس لتلقى المعارف والفنون المختلفة، فيقول: «الحرية هى الدواء»!
ويذهب البعض أيضًا إلى أن داود كان سوداويًا، ويرد هو على ذلك بأنه لم يسع إلا لرصد أحوال الناس وتجسيدهم على طبيعتهم دون تجميل خادع أو خلق حيوات زائفة.
ومن يدقق فى أسماء أبطال داود، يكتشف تيمة رئيسية تتكرر فى الكثير من أعماله، فمعظم أسماء أبطاله هو «يحيى».. فى «أرض الخوف» نجد «يحيى المنقبادى»، وهى «رسائل البحر» نجد «الطبيب يحيى»، وفى «قدرات غير عادية» نجد أيضًا «يحيى» الطالب الذى يفشل فى بحثه العلمى.
لماذا «يحيى»؟ ربما يكون ذلك مفتاحًا فلسفيًا أو حلًا يطرحه داود، فـ«يحيى» اسمٌ ضد الموت، واسم مشتق من الحياة، والجذر اللغوى نفسه يقول: «يحيا»، وهى ربما تيمة استخدمها ضد فكرة الموت المعنوى، وفقدان المعنى وسحق الروح واغتيال الإنسان من الداخل، وهو أقرب الأسماء إلى النبوة المغدورة المتمثلة فى يحيى عليه السلام، الذى تعرض للخيانة والذبح، كما جاء فى بعض المرويات الدينية.
يرى داود أن أفلامه جميعها كانت عن مصر ومن مصر، وأنه يصنع أعماله عنها، ليس لأن «مصر هى أمى وهذا الكلام الأكلشيه»، على حد وصفه، بل لأنها البلد الذى يعيش فيه ويموت فيه وأن الواقع الذى يعيشه فيها هو الذى يحدد مستقبل الناس ومستقبل أبنائهم.
كما لا يؤمن بفكرة «الفيلم الحُلم»، فيقول إن كل ما يصنعه كان محاولات تمنى أن تخرج على أكمل وجه، أما ما يرفضه فهو على حد وصفه: «الفتْى بدون علم»، لذلك يرى أن الناقد يجب أن يكون واعيًا بما يقول ولا يتكلم عن جهل، كما أنه لا يخشى شيئًا فى الحياة بقدر ما يخشى التعصب الدينى أو العرقى أو أى تعصب كان.
داود لا يرى نفسه مخرجًا كبيرًا، يقول: «أريد أن أكون المخرج الصغير وليس الكبير، أو على الأقل الصغير سنًا»، ويرى أنه يتعرض للكثير من المجاملات التى تضفى عليه ألقابًا ليست من حقه، فيقول: «أنا رجل عادى تمامًا أشاهد التليفزيون وأرصد أحوال الناس، وأشرب ويسكى، وأعيش كما يعيش الناس، وأكون سعيدًا بذلك».


