الثلاثاء 28 يوليو 2026
المحرر العام
محمد الباز

العقل فى مواجهة العقل.. ماذا دار بين محمد نور وطه حسين فى غرفة التحقيق؟

حرف

هذا هو نص قرار النيابة بعد التحقيق الذى أجراه رئيس نيابة مصر مع الدكتور طه حسين، وهو وثيقة مهمة فى معارك العقل ضد من يريدون حصار العقل، ورسالة مهمة لمن يعتقدون أن الأفكار يمكن أن يتم محوها بقرار، لقد حفظ المحقق البلاغات التى قدمت ضد العميد، لكنه قبل أن يفعل ذلك دخل معه فى مباراة فكرية أقرب إلى المناظرة العلمية.

كان العقل يواجه العقل فى غرفة التحقيق. 

نحن محمد نور رئيس نيابة مصر 

من حيث أنه بتاريخ ٣٠ مايو سنة ١٩٢٦ تقدم بلاغ من الشيخ خليل حسنين الطالب بالقسم العالى بالأزهر لسعادة النائب العمومى يتهم فيه الدكتور طه حسين الأستاذ بالجامعة المصرية بأنه ألف كتابًا أسماه «فى الشعر الجاهلى» ونشره على الجمهور، وفى هذا الكتاب طعن صريح فى القرآن العظيم، حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوى الكريم إلى آخر ما ذكره فى بلاغه. 

وبتاريخ ٥ يونيو سنة ١٩٢٦ أرسل فضيلة شيخ الجامع الأزهر لسعادة النائب العمومى خطابًا يبلغ به تقريرًا رفعه علماء الجامع الأزهر عن كتاب ألفه طه حسين المدرس بالجامعة المصرية أسماه «فى الشعر الجاهلى» كذب فيه القرآن صراحة، وطعن فيه على النبى، صلى الله عليه وسلم، وعلى نسبه الشريف وأهاج بذلك ثائرة المتدينين، وأتى فيه بما يخل بالنظم العامة ويدعو الناس للفوضى، وطلب اتخاذ الوسائل القانونية الفعالة الناجعة ضد هذا الطعن على دين الدولة الرسمى وتقديمه للمحاكمة، وقد أرفق بهذا البلاغ صورة من تقرير أصحاب الفضيلة العلماء الذى أشار إليه فى كتابه. 

وبتاريخ ١٤ سبتمبر سنة ١٩٢٦ تقدم إلينا بلاغ آخر من حضرة عبدالحميد البنان أفندى عضو مجلس النواب ذكر فيه أن الأستاذ طه حسين المدرس بالجامعة المصرية نشر ووزع وعرض للبيع فى المحافل والمحلات العمومية كتابًا أسماه «فى الشعر الجاهلى» طعن وتعدى فيه على الدين الإسلامى- وهو دين الدولة- بعبارات صريحة واردة فى كتاب سنبينه فى التحقيقات. 

وحيث إنه نظرًا لتغيب الدكتور طه حسين خارج القطر المصرى قد أرجأنا التحقيق إلى ما بعد عودته. 

فلما عاد بدأنا التحقيق بتاريخ ١٩ أكتوبر سنة ١٩٢٦ فأخذنا أقوال المبلغين جملة بالكيفية المذكورة بمحضر التحقيق ثم استجوبنا المؤلف. 

وبعد ذلك أخذنا فى دراسة الموضوع بقدر ما سمحت لنا الحالة. 

وحيث إنه اتضح لنا من أقوال المبلغين أنهم ينسبون للمؤلف أنه طعن على الدين الإسلامى فى مواضع أربعة من كتابه: 

الأول: أن المؤلف أهان الدين الإسلامى بتكذيب القرآن فى أخباره عن إبراهيم وإسماعيل، حيث ذكر فى صفحة ٢٦ من كتابه «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلًا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها، ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعًا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى إلى آخر ما جاء فى هذا الصدد. 

الثانى: ما تعرض له المؤلف فى شأن القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعًا وأنه فى كلامه عنها يزعم عدم إنزالها من عند الله، وأن هذه القراءات إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت، لا كما أوحى الله بها إلى نبيه، مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبى، صلى الله عليه وسلم. 

الثالث: ينسبون للمؤلف أنه طعن على النبى، صلى الله عليه وسلم، فاحشًا من حيث نسبه، فقال فى صفحة ٢٧ من كتابه: ونوع آخر من تأثير الدين فى انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبى من ناحية أسرته ونسبه إلى قريش، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبى يجب أن يكون صفوة بنى هاشم، وأن يكون بنى هاشم صفوة بنى عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بنى قصى، وأن تكون قصى صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة البشرية كلها، وقالوا إن تعدى المؤلف بالتعريض بنسب النبى، صلى الله عليه وسلم، والتحقير من قدره تعدٍ على الدين وجرم عظيم يسىء المسلمين والإسلام، فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إليه كافر ولا مشرك. 

الرابع: أن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية فى بلاد العرب، إذ يقول فى صفحة ٨٠: أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية فى بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبى، وأن خلاصة الدين الإسلامى وصفوته هى خلاصة الدين الحق الذى أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل، إلى أن قال فى صفحة ٨١: وشاعت فى العرب أثناء ظهور الإسلام فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم، ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب فى عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلى عبادة الأوثان، إلى آخر ما ذكره فى هذا الموضوع. 

ومن حيث أن العبارات التى يقول المبلغون إن فيها طعنًا على الدين الإسلامى إنما جاءت فى كتاب فى سياق الكلام على موضوعات كلها متعلقة بالغرض الذى ألف من أجله، فلأجل الفصل فى هذه الشكوى لا يجوز انتزاع تلك العبارات من موضعها، والنظر إليها منفصلة، وإنما الواجب بحثها حيث هى فى موضعها من الكتاب ومناقشتها فى السياق الذى وردت فيه، وبذلك يمكن الوقوف على قصد المؤلف منها وتقدير مسئوليته تقديرًا صحيحًا. 

عن الأمر الأول من حيث أنه ما يلفت النظر ويستحق البحث فى كتاب «فى الشعر الجاهلى» من حيث علاقته بموضوع هذه الشكوى، إنما هو ما تناوله المؤلف بالبحث تحت عنوان «الشعر الجاهلى واللغة» من صفحة ٢٤ إلى صفحة ٣٠. 

ومن حيث أن المؤلف بعد أن تكلم عن أن الشعر المقال بأنه جاهلى لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب وأراد أن يقدم أبلغ ما لديه من الأدلة على عدم التسليم بصحة الكثرة المطلقة من الشعر، فقال إن هذا الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية فى العصر الذى يزعم الرواة أنه قيل فيه. 

وحيث إن المؤلف أراد أن يدلل على صحة هذه النظرية فرأى بحق من الواجب عليه أن يبدأ بتعرف اللغة الجاهلية، فقال: ولنجتهد فى تعرف اللغة الجاهلية هذه، ما هى أو ماذا كانت فى العصر الذى يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلى هذا قد قيل فيه. 

وقد أخذ فى بحث هذا الأمر فقال إن الرأى الذى اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه، هو أن العرب ينقسمون إلى قسمين، قحطانية منازلهم الأولى فى اليمن، وعدنانية منازلهم الأولى فى الحجاز، وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابًا، كانوا يتكلمون لغة أخرى هى العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة، فمحيت لغتهم الأولى من صدورهم، وثبت فيها هذه اللغة الآنية المستعارة، وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم، وهم يروون حديثًا يتخذونه أساسًا لكل هذه النظرية خلاصته أن أول من تكلم ونسى لغة أبيه هو إسماعيل بن إبراهيم. 

وبعد أن فرغ من تقرير ما اتفق عليه الرواة فى هذه النقطة قال: إن الرواة يتفقون أيضًا على شىء آخر، هو أن هناك خلافًا قويًا بين لغة حمير وبين لغة عدنان مستندًا على ما روى عن عمرو بن العلاء من أنه كان يقول: ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا، وعلى أن البحث الحديث قد أثبت خلافًا جوهريًا بين اللغة التى كان يصطنعها الناس فى جنوب البلاد العربية واللغة التى كانوا يصطنعونها فى شمال هذه البلاد. 

وأشار إلى وجود نقوش ونصوص تثبت هذا الخلاف فى اللفظ وفى قواعد النحو والتصريف، وبعد ذلك حاول المؤلف حل هذه المسألة بسؤال إنكارى، فقال: إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من العرب العاربة فكيف بعد ما بين اللغتين لغة العرب العاربة ولغة العرب المستعربة، ثم قال إنه واضح جدًا لمن له إلمام بالبحث التاريخى عامة ويدرس الأقاصيص والأساطير خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة فى عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية. 

ثم قال بعد ذلك: وللتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا أيضًا عنهما، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلًا عن إثبات هذه القصة التى تحدث بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها. 

وظاهر من إيراد المؤلف هذه العبارة أن يعطى دليله شيئا من القوة بطريقة التشكك فى وجود إبراهيم وإسماعيل التاريخى، وهو يرمى بهذا القول أنه ما دام إسماعيل وهو الأصل فى نظرية العرب العاربة والعرب المستعربة مشكوك فى وجوده التاريخى فمن باب أولى ما ترتب على وجوده مما يرويه الرواة. 

أراد المؤلف أن يوهم بأن لرأيه أساسًا، فقال: ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعًا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى. 

ثم أخذ يبسط الأسباب التى يظن أنها تبرر هذه الحيلة إلى أن قال: أمر هذه القصة إذن واضح فهى حديثة العهد، ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام بسبب دينى وسياسى أيضًا، وإذن فيستطيع التاريخ الأدبى واللغوى ألا يحفل بها عندما يريد أن يعرف أصل اللغة الفصحى، وإذن فنستطيع أن نقول إن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التى كانت تتكلمها العدنانية واللغة التى كانت تتكلمها القحطانية فى اليمن إنما هى كالصلة بين اللغة العربية وأى لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة، وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كان ذلك أحاديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه. 

وهنا يجب أن نلاحظ على الدكتور مؤلف الكتاب أنه خرج من بحثه عاجزًا كل العجز عن أن يصل إلى غرضه الذى عقد هذا الفصل من أجله، وبيان ذلك أنه وضع فى أول الفصل سؤالًا وحاول الإجابة عليه، وجواب هذا السؤال فى الواقع هو الأساس الذى يجب أن يرتكز عليه فى التدليل على صحة رأيه، هو يريد أن يدلل على أن الشعر الجاهلى بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية فى العصر الذى يزعم الرواة أنه قيل فيه، وبديهى أنه للوصول إلى هذا الغرض يتعين على الباحث تحضير ثلاثة أمور: 

أولًا: الشعر الذى يريد أن يبرهن على أنه منسوب بغير حق للجاهلية. 

ثانيًا: الوقت الذى يزعم الرواة أنه قيل فيه. 

ثالثًا: اللغة التى كانت موجودة فعلًا فى الوقت المذكور. 

وبعد أن تتهيأ له هذه المواد يجرى عملية المقارنة، فيوضح الاختلافات الجوهرية بين لغة الشعر وبين لغة الزمن الذى روى أنه قيل فيه، ويستخرج بهذه الطريقة الدليل على صحة ما يدعيه، لذا تتضح أهمية السؤال الذى وضعه بقوله: لنجتهد فى تعرف اللغة الجاهلية، هذه، ما هى أو ما إذا كانت فى العصر الذى يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلى هذا قد قيل فيه، ويتضح أهمية الإجابة عنه؟ 

ولكن الأستاذ المؤلف وضع السؤال وحاول الإجابة عنه وتطرق فى بحثه إلى الكلام عن مسائل فى غاية الخطورة صدم بها الأمة الإسلامية فى أعز ما لديها من الشعور، ولوث نفسه بما تناوله من البحث فى هذا السبيل بغير فائدة ولم يوفق إلى الإجابة، بل قد خرج من البحث بغير جواب اللهم إلا قوله: إن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية، إنما هى كالصلة بين اللغة العربية وأى لغة من اللغات السامية المعروفة. 

وبديهى أن ما وصل إليه ليس جوابًا عن السؤال الذى وضعه، وقد نوقش فى التحقيق فى هذه المسألة فلم يستطع رد هذا الاعتراض ولا يمكن الاقتناع بما ذكره فى التحقيق من أنه كتب الكتاب للإخصائيين من المستشرقين بنوع خاص، وأن تعريف هاتين اللغتين عند الإخصائيين واضح لا يحتاج إلى أن يذكر لأن قوله هذا عجز عن الجواب، كما أن قوله أن اللغة الجاهلية فى رأيه ورأى القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان لا يمكن أن يكون جوابًا عن السؤال الذى وضعه لأن غرضه من السؤال واضح فى كتابه إذ قال: ولنجتهد فى تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هى؟ 

وكان قرر قبل ذلك: فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذى نجده فى المعاجم، حيث نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه، نريد بها الألفاظ من حيث هى ألفاظ تدل على معانيها تستعمل حقيقة مرة ومجازًا مرة أخرى، وتتطلب تطورًا ملائمًا لمقتضيات الحياة التى يحياها أصحاب هذه اللغة. 

فبعد أن حدد هو بنفسه معنى اللغة الذى يريده، فلا يمكن أن يقبل منه ما أجاب به من أن مراده أن اللغة لغتان دون أن يتعرف على واحدة منهما. 

فالمؤلف إذن فى واحدة من اثنتين: إما أن يكون عاجزًا وإما أن يكون سيئ النية، بحيث قد جعل هذا البحث ستارًا ليصل بواسطته إلى الكلام فى تلك المسائل الخطيرة التى تكلم عنها فى هذا الفصل وسنتكلم فيما بعد عن هذه النقطة عند الكلام على القصد الجنائى. 

لقد استدل على عدم صحة النظرية التى رواها الرواة وهى تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم، بافتراض وضعه فى صيغة سؤال إنكارى، إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة، فكيف بعد ما بين اللغة التى كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التى كان يصطنعها العرب المستعربة. 

يريد المؤلف بهذا أن يقول لو كانت نظرية تعلم إسماعيل وأولاده العربية من جرهم صحيحة لوجب أن تكون لغة المتعلم كلغة المعلم. 

وهذا الاعتراض وجيه فى ذاته ولكنه لا يفيد المؤلف فى التدليل على صحة رأيه، لأنه نسى أمرًا مهمًا لا يجوز غض النظر عنه، هو يشير إلى الاختلافات التى بين لغة حمير ولغة عدنان، وهو يقصد بلغة عدنان التى كانت موجودة وقت نزول القرآن، لأنه يرى من الاحتياط العلمى أن يقرر أن أقدم نص عربى للغة العدنانية هو القرآن، وهو يعلم أن حمير آخر دول العرب القحطانية، وقد مضى من وقت وجود إسماعيل إلى وقت وجود حمير زمن طويل جدًا، أى انه قد انقضى من الوقت الذى يروى أن إسماعيل تعلم فيه اللغة العربية من جرهم إلى الوقت الذى اختاره المؤلف للمقارنة بين اللغتين زمن يتعذر تحديده، ولكنه على كل حال زمن طويل جدًا لا يقل عن عشرين قرنًا، فهل يريد المؤلف مع هذا أن يتخذ الاختلافات التى بين اللغتين دليلًا على عدم صحة نظرية الرواة غير حاسب حسابًا للتطور الواجب حصوله فى اللغة بسبب مضى هذا الزمن الطويل وما يستدعيه توالى العصور من تتابع الحوادث واختلاف الظروف. 

إن الأستاذ قد أخطأ، فاستنتاجه لا يصلح دليلًا على فساد نظرية الرواة التى يريد أن يهدمها وأنه إذا ما ثبت وجود اختلاف مهما كان مداهبين اللغتين فإن هذا لا ينفى صحة الرواية التى يرويها الرواة من حيث تعلم إسماعيل العربية من جرهم، ولا يضيرها أن الأستاذ المؤلف ينكرها بغير دليل، لأن طريقة الإنكار والتشكك بغير دليل طريقة سهلة جدًا فى متناول كل إنسان عالمًا كان أو جاهلًا. 

على أننا نلاحظ أيضًا على المؤلف أنه لم يكن دقيقًا فى بحثه، وهو ذلك الرجل الذى يتشدد كل التشدد فى التمسك بطرق البحث الحديثة، ذلك أنه ارتكن على إثبات الخلاف بين اللغتين على أمرين. 

الأول ما روى عن أبى عمرو بن العلاء من أنه كان يقول: ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا. 

والثانى قوله: ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف وفى قواعد النحو والتصريف أيضًا. 

أما عن الدليل الأول فإن ما رواه أبو عبدالله بن سلام الجمحى مؤلف طبقات الشعراء عن أبى عمرو بن العلاء ما لسان حمير وأقاصى اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا، وقد يكون للمؤلف مأرب من وراء تغيير هذا النص، على أن الذى نريد أن نلاحظه هو ان ابن سلام ذكر قبيل هذه الرواية فى الصفحة نفسها ما يأتى: 

وأخبرنى يونس عن أبى عمر قال: العرب كلها ولد إسماعيل إلا حمير وبقا جرهم، راجع صفحة ٨ من كتاب طبقات الشعراء طبعة مطبعة السادة، فواجب على المؤلف إذن وقد اعتمد صحة العبارة الأولى أن يسلم أيضًا بصحة العبارة الثانية، لأن الراوى واحد والمروى عنه واحد. 

وتكون نتيجة ذلك أنه فسر ما اعتمد عليه من أقوال أبى عمرو بن العلاء بغير ما أراده، بل فسره بعكس ما أراده ويتعين إسقاط هذا الدليل. 

وأما عن الدليل الثانى فإن المؤلف لم يتكلم عنه بأكثر من قوله: ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف، فأردنا عند استجوابه أن نستوضحه ما أجمل فعجز، وليس أدل على هذا العجز من أن نذكر هنا ما دار فى التحقيق من المناقشة بشأن هذه المسألة: 

س: هل يمكن لحضرتكم تعريف اللغة الجاهلية الفصحى وعلى لغة حمير وبيان الفرق بين لغة حمير ولغة عدنان ومدى هذا الفرق وذكر بعض أمثلة تساعدنا على فهم ذلك؟ 

ج: قلت إن اللغة الجاهلية فى رأيى ورأى القدماء والمستشرقين لغتان متباينتان على الأقل، أولهما لغة حمير وهذه اللغة قد درست ووضعت لها قواعد النحو والصرف والمعاجم، ولم يكن شىء من هذا معروف قبل الاكتشافات الحديثة، وهى- كما قلت- مخالفة للغة العربية الفصحى التى سألتم عنها مخالفة جوهرية فى اللفظ والنحو وقواعد الصرف، وهما إلى اللغة الحبشية القديمة أقرب منها إلى اللغة العربية الفصحى، وليس من شك فى أن الصلة بينها وبين لغة القرآن والشعر كالصلة بين السريانية وبين هذه اللغة القرآنية، فأما إيراد النصوص والأمثلة فيحتاج إلى ذاكرة لم يهبها الله لى، ولا بد من الرجوع إلى الكتب المدونة فى هذه اللغة. 

س: هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا؟ 

ج: أنا لا أقدم شيئًا. 

س: هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا إلى أى وقت كانت موجودة اللغة الحميرية ومبدأ وجودها إن أمكن؟ 

ج: مبدأ وجودهما ليس من السهل تحديده، ولكن لا شك فى أنها كانت معروفة تكتب قبل القرن الأول للمسيح، وظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام، ولكن ظهور الإسلام وسيادة اللغة القرشية قد محيا هذه اللغة شيئًا فشيئًا، كما محيا غيرها من اللغات المختلفة فى البلاد العربية وغير العربية وأقرا مكانها لغة القرآن. 

س: هل يمكن لحضرتكم أيضًا أن تذكروا لنا مبدأ اللغة العدنانية ولو بوجه التقريب؟ 

ج: ليس من السهل معرفة مبدأ اللغة العدنانية وكل ما يمكن أن يقال بطريقة عملية هو أن لدينا نقوشًا قليلة جدًا يرجع عهدها إلى القرن الرابع للميلاد، وهذه النقوش قريبة من اللغة العدنانية، ولكن المستشرقين يرون أنها لهجة قبطية، وإذن فقد يكون من احتياط العلم أن نرى أقدم نص عربى يمكن الاعتماد عليه من الوجهة العلمية إلى الآن، إنما هو القرآن حتى نستكشف نقوشًا أظهر وأكثر مما لدينا. 

س: هل تعتقد حضرتكم أن اللغة سواء كانت اللغة الحميرية أو اللغة العدنانية كانت باقية على حالها من وقت نشأتها أو حصل فيها تغيير بسبب تمادى الزمن والاختلاط؟ 

ج: ما أظن أن لغة من اللغات تستطيع أن تبقى قرونًا دون أن تتطور ويحصل فيها التغيير الكثير. 

ونحن مع هذا لا نريد أن ننفى وجود اختلاف اللغتين ولا نقصد أن نعيب على المؤلف جهله بهذه الأمور فإنها فى الحقيقة ما زالت من المجاهل، وما وصل إليه المستشرقون من الاستكشافات لا ينير الطريق، وإنما الذى نريد أن نسجله عليه هو أنه بنى أحكامه على أساس ما زال مجهولًا، إذ إنه يقرر بجرأة فى آخر الفصل الذى نتكلم بشأنه، «والنتيجة لهذا البحث كله تردنا الى الموضوع الذى ابتدأنا به منذ حين وهو أن هذا الشعر الذى يسمونه الجاهلى لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحًا، ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون اليهم شيئًا كثيرًا من الشعر الجاهلى قومًا ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التى كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن والتى كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء إن لغتنا مخالفة للغة العرب والتى أثبت البحث الحديث أنها لغة اخرى غير اللغة العربية- فمتى قال عمرو بن العلاء إنها لغة مخالفة للغة العرب. 

لقد أشرنا إلى التغيير الذى أحدثه المؤلف فيما روى عن أبى عمرو حيث حذف من روايته «ولا عربيتهم بعربيتنا»، ووضع محلها «ولا لغتهم بلغتنا». 

وقلنا قد يكون للمؤلف مآرب من وراء هذا التغيير، فهذا هو مأربه، أن الاستاذ حرّف فى الرواية عمدًا ليصل إلى تقرير هذه النتيجة. 

ويقول المؤلف أيضًا والتى أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية- وقد أبنا فيما سلف أنه عجز فى إثبات هذه المسألة عن إثبات ما يدعيه- ومن الغريب أنه عندما بدأ البحث اكتفى بأن قال، ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف فى اللفظ وفى قواعد النحو والتصريف أيضًا، ولكنه انتهى بأن قرر بأن البحث الحديث أثبت أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية.

طه حسين فى افتتاح مؤتمر اللجنة الثقافية للجامعة العربية
طه حسين فى افتتاح مؤتمر اللجنة الثقافية للجامعة العربية

قرر الأستاذ فى التحقيق أنه لاشك فى أن اللغة الحميرية ظلت تتكلم إلى ما بعد الإسلام، فإن كانت هذه اللغة هى لغة أخرى غير اللغة العربية كما يوهم أنه انتهى به بحثه، فهل له أن يفهمنا كيف استطاع عرب اليمن فهم القرآن وحفظه وتلاوته؟ 

نحن نسلم بأنه لابد من وجود اختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان، بل ونقول إنه لابد من وجود شىء من الاختلافات بين بعض القبائل وبين البعض الآخر ممن يتكلمون لغة واحدة من اللغتين المذكورتين، ولكنها على كل حال اختلافات لا تخرجها عن العربية وهذه الاختلافات هى التى قصدها أبو عمرو بن العلاء بقوله: ما لسان حمير بلساننا. 

والمؤلف لا يستطيع أن ينكر الاختلاط الذى لابد منه بين القبائل المختلفة خصوصًا فى أمة متنقلة بطبيعتها كالأمة العربية، ولابد لها جميعًا من لغة عامة تتفاهم بها هى اللغة الأدبية، وقد أشار هو بنفسه إليها فى صفحة ١٧ من كتابه حيث قال عن القرآن: 

ولكنه كان كتابًا عربيًا لغته هى اللغة العربية الأدبية التى كان يصطنعها الناس فى عصره، أى فى العصر الجاهلى، وهذه اللغة الأدبية هى لغة الكتابة ولغة الشعر، والمؤلف نفسه عندما تكلم فى الفصل الخامس عشر عن الشعر الجاهلى واللهجات بحث فى صفحات ٣٥ و٣٦ و٣٧ بحثًا يؤيد هذا المعنى، وأن كان يدعى بغير دليل أن الإسلام قد فرض على العرب جميعًا لغة عامة واحدة هى لغة قريش. 

مع أنه سبق أن ذكر فى صفحة ١٧ أن لغة القرآن هى اللغة العربية الأدبية التى كان يصطنعها الناس فى عصره، أى فى العصر الجاهلى فلم لا تكون لهذه اللهجة الأدبية السيادة العامة من قبل نزول القرآن بزمن طويل وكيف يستطيع هو هذا التحديد وعلام يستند؟

يتضح مما تقدم أن عدم ظهور خلاف فى اللغة لا يدل فى ذاته حتمًا على عدم صحة الشعر، ونحن لا نريد بما قدمنا أن نتولى الدفاع عن صحة الشعر الجاهلى، إذ إن هذه المسألة حديثة العهد ابتدعها المؤلف وإنما هى مسألة قديمة قررها أهل الفن والشعر كما قال «ابن سلام» صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات وهو يحتاج فى تمييزه إلى خبير كاللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصنعة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره. 

ولكن الذى نريد أن نشير إليه إنما هو الخطأ الذى اعتاد أن يرتكبه المؤلف فى أبحاثه، حيث بدأ بافتراض يتخيله ثم ينتهى بأن يرتب عليه قواعد كأنها حقائق ثابتة، كما فعل فى أمر الاختلافات بين لغة حمير وبين لغة عدنان، ثم فى مسألة إبراهيم وإسماعيل وهجرتهما إلى مكة وبناء الكعبة، إذ بدأ فيها باظهار الشك ثم انتهى باليقين. 

بدأ بقوله: للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلًا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها. 

إلى هنا أظهر الشك لعدم قيام الدليل التاريخى فى نظره، كما تتطلبه الطرق الحديثة، ثم انتهى بأن قرر فى كثير من الصراحة أن هذه القصة حديثة العهد ظهرت قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب دينى. 

فما هو الدليل الذى انتقل به من الشك إلى اليقين؟

هل دليله هو قوله «نحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعًا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى؟ وأن أقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذى أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد الغربية ويبنون فيه المستعمرات، وأن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب قد اقتضى أن نثبت الصلة بين الدين الجديد وبين ديانتى النصارى واليهود وأنه مع ثبوت الصلة الدينية يحسن أن تؤيدها صلة مادية. 

إذا كان الأستاذ المؤلف يرى أن ظهور الإسلام قد اقتضى أن تثبت الصلة بينه وبين ديانتى اليهود والنصارى، وأن القرابة المادية الملفقة بين العرب وبين اليهود لازمة لإثبات الصلة بين الإسلام وبين اليهودية فاستغلها لهذا الغرض، فهل له أن يبين السبب فى عدم اهتمامه أيضًا بمثل هذه الحيلة لتوثيق الصلة بين الإسلام وبين النصرانية؟ وهل عدم اهتمامه هذا معناه عجزه أو استهانته بأمر النصرانية؟ وهل من يريد توثيق الصلة مع اليهود بأى ثمن، حتى باستغلال التلفيق هو الذى يقول عنهم فى القرآن «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا»، إن الأستاذ ليعجز حقًا عن تقديم هذا البيان إذ إن كل ما ذكره فى هذه المسألة إنما هو خيال فى خيال وكل ما استند عليه من الأدلة هو: فليس ببعيد أن يكون، فما الذى يمنع، ونحن نعتقد، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تقبل هذه الأسطورة، وإذن فنستطيع أن نقول. 

فالأستاذ المؤلف فى بحثه إذا رأى إنكار شىء يقول لا دليل عن الأدلة التى تتطلبها الطرق الحديثة للبحث حسب الخطة التى رسمها فى منهج البحث، وإذا رأى تقرير أمر لا يدلل عليه بغير الأدلة التى أحصيناها له وكفى بقوله حجة. 

سئل الأستاذ فى التحقيق عن أصل هذه المسألة «أى تلفيق القصة» وهل هى من استنتاجه أو نقلها.

فقال: فرض فرضته أنا دون أن أطلع عليه فى كتاب آخر، وقد أخبرت بعد أن ظهر الكتاب أن شيئًا مثل هذا الفرض يوجد فى بعض كتب المبشرين، ولكن لم أفكر فيه حتى بعد ظهور كتابى. 

على أنه سواء كان هذا الفرض من تخيله، كما يقول، أو من نقله عن ذلك المبشر الذى يستتر تحت اسم «هاشم العربى» فإنه كلام لا يستند إلى دليل ولا قيمة له، على أننا نلاحظ أن ذلك المبشر مع ما هو ظاهر من مقاله من غرض الطعن على الاسلام كان فى عباراته أظرف من مؤلف كتاب «فى الشعر الجاهلى» لأنه لم يتعرض للشك فى وجود إبراهيم وإسماعيل بالذات، وإنما اكتفى بأن أنكر أن إسماعيل أبو العرب العدنانيين، وقال إن حقيقة الأمر فى قصة أسماعيل أنها دسيسة لفقها قدماء اليهود للعرب تزلفًا اليهم.

كما نلاحظ أيضًا أن ذلك المبشر قد يكون له عذره فى سلوك هذا السبيل لأن وظيفته التبشير لدينه وهذا غرضه الذى يتكلم فيه، ولكن ما عذر الأستاذ المؤلف فى طرق هذا الباب، وما هى الضرورة التى ألجأته إلى أن يرى فى هذه القصة نوعًا من الحيلة. 

وإن كان المتسامح يرى له بعض العذر فى التشكك الذى أظهره أولًا اعتمادًا على عدم وجود الدليل التاريخى، كما يقول، فما الذى دعاه إلى أن يقول فى النهاية بعبارة تفيد الجزم: إن هذه القصة إذن واضحة فهى حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الاسلام لسبب دينى واضح، مع اعترافه فى التحقيق بأن المسألة فرض افترضه؟

يقول الأستاذ إنه إن صح افتراضه فإن القصة كانت شائعة بين العرب قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام استغلها وليس ما يمنع أن يتخذها الله فى القرآن وسيلة لإقامة الحجة على الخصوم المسلمين، كما اتخذ غيرها من القصص التى كانت معروفة وسيلة إلى الاحتجاج أو إلى الهداية، وهاشم العربى يقول فى مثل هذا: ولما ظهر محمد رأى المصلحة فى إقرارها فأقرها، وقال للعرب إنه إنما يدعوهم إلى ملة جدهم هذا الذى يعظمونه من غير أن يعرفوه، فسبحان من أوجد هذا التوافق بين الخواطر.

إن الأستاذ المؤلف أخطأ فيما كتب وأخطأ أيضًا فى تفسير ما كتب، وهو فى هذه النقطة قد تعرض بغير شك لنصوص القرآن وليس فى وسعه الهرب بادعائه البحث العلمى منفصلًا عن الدين. 

فليفسر لنا إذن قوله تعالى فى سورة النساء: «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان»، وقوله فى سورة مريم: «واذكر فى الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا»، و«اذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيا»، وفى سورة آل عمران: «قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون»، وغير ذلك من الآيات القرآنية الكثيرة التى ورد فيها ذكر إبراهيم وإسماعيل، لا على سبيل المثال، كما يدعى حضرته.

وهل عقل الأستاذ يسلم بأن الله سبحانه وتعالى يذكر فى كتابه أن إبراهيم نبى وأن إسماعيل رسول نبى مع أن القصة ملفقة؟ 

وماذا يقول حضرته فى موسى وعيسى وقد ذكرهما الله سبحانه وتعالى فى الآية الأخيرة مع إبراهيم وإسماعيل، وقال فى حقهم جميعًا لا نفرق بين أحد منهم؟

وهل يرى حضرته أن قصة موسى وعيسى من الأساطير أيضًا قد ذكرها الله وسيلة للاحتجاج أو للهداية كما فعل فى قصة إبراهيم وإسماعيل ما دامت الآية تقضى بأن لا نفرق بين أحد منهم؟ 

الحق أن المؤلف فى هذه المسألة يتخبط تخبط الطائش ويكاد يعترف بخطئه، لأن جوابه يشعر بهذا عندما سألناه فى التحقيق عن السبب الذى دعاه أخيرًا لأن يقرر بطريقة تفيد الجزم بأن القصة حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام، فقال فى صفحة ٣٧ من محضر التحقيق: هذه العبارة إذا كانت تفيد الجزم فهى إنما تفيده إن صح الفرض الذى قامت عليه، وربما كان فيها شىء من الغلو، ولكنى أعتقد أن العلماء جميعًا عندما يفترضون فروضًا علمية يبيحون لأنفسهم مثل هذا النحو من التعبير فالواقع أنهم مقتنعون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن فروضهم راجحة. 

والذى نراه أن موقف الأستاذ المؤلف هنا لا يختلف عن موقف الأستاذ «هوار» حين يتكلم عن شعر أمية بن أبى الصلت، وقد وصف المؤلف نفسه هذا الموقف فى صفحتى ٨٢ و٨٣ من كتابه بقوله: مع أنى من أشد الناس إعجابًا بالأستاذ «هوار» وبطائفة من أصحابه المستشرقين وبما ينتهون إليه فى كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة فى تاريخ الأدب العربى التى يتخذونها للبحث، فإنى لا أستطيع أن أقرأ مثل هذا الفصل دون أن أعجب كيف يتورط العلماء أحيانًا فى مواقف لا صلة بينها وبين العلم. 

حقًا إن الاستاذ المؤلف قد تورط فى هذا الموقف الذى لا صلة بينه وبين العلم بغير ضرورة يقتضيها بحثه ولا فائدة يرجوها لأن النتيجة التى وصل إليها من بحثه وهى قوله بأن الصلة بين اللغة العدنانية وبين اللغة القحطانية كالصلة بين اللغة العربية وأى لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة، وأن قصة العاربة والمستعربة وتعلم إسماعيل العربية من جرهم كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه، ما كانت تستدعى التشكك فى صحة أخبار القرآن عن إبراهيم وإسماعيل وبنائهما الكعبة ثم الحكم بعدم صحة القصة وباستغلال الإسلام لها لسبب دينى.

ونحن لا نفهم كيف أباح المؤلف لنفسه أن يخلط بين الدين وبين العلم وهو القائل بأن الدين يجب أن يكون بمعزل عن هذا النوع من البحث الذى هو بطبيعته قابل للتغيير والنقض والشك والانكار «صفحة ٢٢ من محضر التحقيق»، وأننا حين نفصل بين العلم والدين نضع الكتب السماوية موضع التقديس ونعصمها من إنكار المنكرين وطعن الطاعنين «صفحة ٢٤ من محضر التحقيق»، ولا ندرى لم يفعل غير ما يقول فى هذا الموضوع.

لقد سئل فى التحقيق عن هذا فقال إن الداعى أنى أناقش طائفة من العلماء والآباء والقدماء والمحدثين، وكلهم يقرون أن العرب المستعربة قد أخذوا لغتهم عن العرب العاربة بواسطة أبيهم إسماعيل بعد أن هاجر، وهم جميعًا يستدلون على آرائهم بنصوص من القرآن ومن الحديث فليس لى بد من أن أقول لهم إن هذه النصوص لا تلزمنى من الوجهة العلمية، أما الثابت من نصوص القرآن قصة الهجرة وقصة بناء الكعبة وليس فى القرآن نصوص يستدل بها على تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة، على أن إسماعيل أبوالعرب العدنانيين، ولا على تعلم إسماعيل العربية من جرهم، ونص الآية التى تثبت الهجرة «ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون» لايفيد غير إسكان ذرية إبراهيم فى وادى مكة، أى أن إسماعيل هو جرهم صغير «كنص الحديث»، إلى هذا الوادى فنشأ فيه بين أهله وهم من العرب، وتعلم هو وأبناؤه لغة من نشأوا بينهم وهى العربية، لأن اللغة لا تولد مع الإنسان، وإنما تكتسب اكتسابًا، وقد اندمجوا فى العرب فصاروا منهم وهذا الاندماج لا يترتب عليه أن يكون جميع العرب العدنانيين من ذريته، إذ الحكم بهذا يقتضى ألا يكون مع إسماعيل أحد منهم حتى لا يوجد غير ذريته وهو مالم يقل به أحد. 

ويا ليت الأستاذ المؤلف حذا حذو ذلك المبشر هاشم العربى فى هذه المسألة حيث قال: ولا إسماعيل نفسه بأب للعرب المستعربة ولا تملك أحد من بنيه على أمة من الأمم، وإنما قصارى أمرهم أنهم دخلوا وهم عدد قليل فى قبائل العرب العديدة المجاورة لمنازلهم فاختلطوا بها وما كانوا منها إلا كعصاة فى فلاة» راجع صفحة ٣٥٦ من كتاب «مقالة فى الإسلام»، ولو أن المؤلف فعل هذا لنجا من التورط فى هذا الموضع، أما مسألة بناء الكعبة فلم يفهم الحكمة فى نفيها واعتبارها أسطورة من الأساطير اللهم إلا إذا كان مراده إزالة كل أثر لإبراهيم وإسماعيل ولكن ما مصلحة المؤلف من هذا؟

الله اعلم بمراده.

أما عن الأمر الثانى ومن حيث أن المبلغين ينسبون إلى المؤلف أنه يزعم «عدم إنزال القراءات السبع المجمع عليها والثابتة لدى المسلمين جميعًا»، ويقول إن هذه القراءات «إنما قرأتها العرب حسب ما استطاعت، لا كما أوصى الله بها إلى نبيه»، مع أن معاشر المسلمين يعتقدون أن كل هذه القراءات مروية عن الله تعالى على لسان النبى، صلى الله عليه وسلم، وأن ما تجده فيها من إمالة وفتح وادغام وفك ونقل كله منزل من عند الله تعالى، استدلوا على هذا بحديث النبى، صلى الله عليه وسلم «أقرأنى جبريل على حرف فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف»، وعلى قوله صلى الله عليه وسلم لما تحاكم إليه سيدنا عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم بسبب ما ظهر من الاختلاف بين قراءة كل منهما «هكذا أنزلت.. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه»، وقالوا إن الحديث وإن كان غير متواتر من حيث السند، إلا أنه متواتر من حيث المعنى. 

وحيث إنه يجب أن يلاحظ قبل الكلام على عبارة المؤلف أن حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» قد ورد من رواية نحو عشرين من الصحابة لا بنصه ولكن بمعناه، وقد حصل اختلاف كثير فى المراد بالأحرف السبعة فقال بعضهم إن المراد بالأحرف السبعة الأوجه التى يقع بها الاختلاف فى القراءة «راجع كتاب البيان لطاهر بن صالح بن أحمد الجزائرى طبع المنار- صفحة ٣٧ – ٣٨». 

وقال بعضهم إنها أوجه من المعانى المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو: «أقبل وهلم وتعال وعجل وأسرع وانظر وأخر وأمهل ونحوه» « راجع صفحة ٣٩ وما بعدها من الكتاب المذكور». 

وقال بعضهم إنها أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل «صفحة ٤٧». 

وقال بعضهم إنها سبع لغات متفرقة فى القرآن لسبعة أحياء من قبائل العرب مختلفة الألسن «صفحة ٤٩». 

وقال بعضهم إن المراد بالسبعة أحرف سبعة أوجه فى أداء التلاوة وكيفية النطق بالكلمات التى فيها من ادغام وإظهار وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتشديد وتخفيف وتليين، لأن العرب كانت مختلفة اللغات فى هذه الوجوه، فيسر الله عليهم ليقرأ كل إنسان بما يوافق لغته ويسهل على لسانه «صفحة ٥٩». 

وقال غيرهم خلاف ذلك.

وقد قال الحافظ أبوحاتم بن حيان البستى: اختلف أهل العلم فى معنى الأحرف السبعة فى خمسة وثلاثين قولًا، وقال الشرف المرسى: الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدرى مستندها ولا عمن نقلت، إلى أن قال: وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح، وقال بعضهم هذا الحديث من المشكل الذى لا يدرى معناه، وقال آخر والمختار عندى أنه من المتشابه الذى لا يدرى تأويله.

ورأى أبوجعفر محمد بن جرير الطبرى صاحب التفسير الشهير فى معنى هذا الحديث أنه أنزل بسبع لغات، وينفى أن يكون المراد بالحديث القراءات لأنه قال فأما ما كان من اختلاف القراءة فى رفع حرف وجره ونصبه وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبى، صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف» بمعزل لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مهما اختلفت القراءة فى قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر الممارى به فى قول أحد من علماء الأمة. 

والمؤلف قد تعرض لهذه المسألة فى الفصل الخامس الذى عنوانه «الشعر الجاهلى واللهجات» حيث تكلم على عدم ظهور اختلاف فى اللهجة «يريد باللهجة هنا الاختلافات المحلية فى اللغة الواحدة أو ما يسميه الفرنسيون «Dialcte»، أو تباعد فى اللغة أو تباين فى مذهب الكلام مع أن لكل قبيلة لغتها ومذهبها فى الكلام، وهو يريد بذلك أن يدلل على أن الشعر الذى لم يظهر فيه أثر لهذه الاختلافات لم يصدر عن هذه النقطة. 

قال إن القرآن الذى تلى بلهجة واحدة هى لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينًا كثيرًا جد القراء والعلماء المتأخرون فى ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علمًا أو علومًا خاصة، وقد أشار بإيضاح إلى ما يريده من الاختلاف فى القراءات فقال: إنما يشير إلى اختلاف آخر يقبله العقل ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التى لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن، كما كان يتلوه النبى وعشيرته من قريش فقرأته كما كانت تتكلم فأمالت، حيث لم تكن تميل ومدت حيث لم تكن تمد، وقصرت حيث لم تكن تقصر، وسكنت حيث لم تكن تسكن، وأدغمت أو أخفت أو نقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفى ولا تنتقل.

فالمؤلف لم يتعرض لمسألة القراءات من حيث إنها منزلة أو غير منزلة، وإنما قال كثرت القراءات وتعددت اللهجات، وقال إن الخلاف الذى وقع فى القراءات تقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التى لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها فهو بهذا يصف الواقع. 

وإن صح رأى من قال إن المقصود بالأحرف السبعة هو القراءات السبع، فإن هذه الاختلافات التى كانت واقعة فعلًا كانت طبعًا هى السبب الذى دعا إلى الترخيص للنبى، صلى الله عليه وسلم، بأن يقرئ كل قوم بلغتهم حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إنه قد وسع لى أن أقرئ كل قوم بلغتهم»، و قال أيضًا: أتانى جبريل.. فقال اقرأ القرآن على حرف واحد فقلت إن أمتى لا تستطيع ذلك حتى قال سبع مرات.. فقال لى اقرأ على سبعة أحرف». 

وإن لم يصح هذا الرأى فإن نوع القراءات الذى عناه المؤلف إنما هو من نوع ما أشار إليه الطبرى بقوله إنه بمعزل عن قول النبى صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف»، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة فى قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر الممارى به فى قول أحد من علماء الأمة.

ونحن نرى أن ما ذكره المؤلف فى هذه المسألة هو بحث علمى لا تعارض بينه وبين الدين لا اعتراض لنا عليه.

وعن الأمر الثالث من حيث أن حضرات المبلغين ينسبون للأستاذ المؤلف أنه طعن فى كتابه النبى، صلى الله عليه وسلم، طعنًا فاحشًا من حيث نسبه قال فى صفحة ٧٢ من كتابه: «ونوع آخر من تأثير الدين فى انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبى من ناحية أسرته ونسبه فى قريش، فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبى يجب أن يكون صفوة بنى هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بنى عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بنى قصى، وأن يكون قصى صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الانسانية كلها». 

وقالوا إن المؤلف تعدى بالتعريض بنسب النبى، صلى الله عليه وسلم، والتحقير من قدره، وهو تعدٍ على الدين وجرم عظيم يسىء المسلمين والاسلام، فهو قد اجترأ على أمر لم يسبقه إليه كافر ولا مشرك.

المؤلف أورد هذه العبارة فى كلامه «على الدين وانتحال الشعر، والأسباب التى يعتقد أنها دعت المسلمين إلى انتحال الشعر، وأنه كان يقصد بالانتحال فى بعض الأطوار إلى إثبات صحة النبوة وصدق النبى، وكان هذا النوع موجهًا إلى عامة الناس وقال بعد ذلك: والغرض من هذا الانتحال هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة فى كل شىء ولا يكرهون أن يقال لهم إن من دلائل صدق النبى فى رسالته أنه كان منتظرًا قبل أن يجىء بدهر طويل ثم وصل إلى ما يتعلق بتعظيم شأن النبى من ناحية أسرته ونسبه فى قريش.

ونحن لا نرى اعتراضًا على بحثه على هذا النحو من حيث هو، وإنما كل ما نلاحظه عليه أنه تكلم فيما يختص بأسرة النبى، صلى الله عليه وسلم، ونسبه فى قريش بعبارة خالية من كل احترام بل وبشكل تهكمى غير لائق ولا يوجد فى بحثه ما يدعوه لإيراد العبارة على هذا النحو.

وعن الأمر الرابع يقول حضرات المبلغين إن الأستاذ المؤلف أنكر أن للإسلام أولية فى بلاد العرب وإنه دين إبراهيم. 

إذ يقول: أما المسلمون فقد أرادوا أن يثبتوا أن للإسلام أولية فى بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبى، وأن خلاصة الدين الإسلامى وصفوته هى خلاصة الدين الحق الذى أوحاه الله إلى الأنبياء من قبل. 

إلى أن قال: وشاعت فى العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب فى عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها وانصرفت إلى عبادة الأوثان. 

وحيث إن كلام المؤلف هنا هو استمرار فى بحث بيان أسباب انتحال الشعر من حيث تأثير الدين على الانتحال ولا اعتراض على البحث من حيث هو. 

وقد قرر المؤلف فى التحقيق أنه لم ينكر أن الإسلام دين إبراهيم ولا أن له أولية فى العرب وأن شأن ما ذكره فى هذه المسألة كشأن ما ذكره فى مسألة النسب، رأى القصاص اقتناع المسلمين بأن للإسلام أولية وبأنه دين إبراهيم فاستغلوا هذا الاقتناع وانشأوا حول هذه المسألة من الشعر والأخبار مثل ما أنشأوا حول مسألة النسب.

ونحن لا نرى اعتراضًا على أن يكون مراده بما كتب فى هذه المسألة هو ما ذكره، ولكننا نرى أنه كان سيئ التعبير جدًا فى بعض عباراته كقوله: ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الإنفراد بتأويلها، فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام فى خلاصته إلى دين إبراهيم هذا الذى هو أقدم وأنقى من دين اليهود والنصارى كقوله وشاعت فى العرب أثناء ظهور الإسلام وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم.

ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب فى عصر من العصور، لأن فى إيراد عباراته على هذا النحو ما يشعر بأنه يقصد شيئًا آخر بجانب هذا المراد خصوصًا إذا قربنا بين هذه العبارات وبين ما سبق له أن ذكره بشأن تشككه فى وجود إبراهيم وما يتعلق به.

وعن القانون فقد نصت المادة ١٢ من الأمر الملكى رقم ٤٢ لسنة ١٩٢٣ بوضع نظام دستورى للدولة المصرية على أن حرية الاعتقاد مطلقة. 

ونصت المادة ١٤ منه على أن حرية الرأى مكفولة ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك فى حدود القانون ونصت المادة ١٤٩ منه على أن الإسلام دين الدولة، فلكل إنسان إذن حرية الاعتقاد بغير قيد ولا شرط وحرية الرأى فى حدود القانون فله أن يعرب عن اعتقاده وفكره بالقول أو بالكتابة بشرط ألا يتجاوز حدود القانون. 

وقد نصت المادة ١٣٩ من قانون العقوبات الأهلى على عقاب كل تعد يقع بإحدى طرق العلانية المنصوص عنها فى المادتين ١٤٨ و١٥٠، على أحد الأديان التى تؤدى شعائرها علنا- كما أشرنا فى البداية- وهى الجريمة. 

وجريمة التعدى على الأديان فى البداية- وهى الجريمة المعاقب عليها بمقتضى المادة المذكورة تتكون بتوفر أربعة أركان: التعدى، ووقوع التعدى بإحدى طرق العلانية المبينة فى المادتين ١٤٨، ١٥٠، عقوبات، ووقوع التعدى على أحد الأديان التى تؤدى شعائرها علنًا، وأخيرًا القصد الجنائى. 

أما عن الركن الأول فلم يذكر القانون بشأن هذا الركن فى المادة إلا لفظ «تعد»، وهذا اللفظ عام يمكن فهم المراد منه بالرجوع إلى نص المادة باللغة الفرنسية وقد عبر فيه عن التعدى بلفظ Outtaga والقانون قد استعمل لفظ Outtaga هذا فى المواد ١٥٥، ٩٢ ، ١٥٩، ١٦٠ عقوبات، أيضًا ولما ذكر معناها فى النص العربى للمواد المذكورة عبر فى المادة ١٥٥ بقوله :كل من انتهك حرمة، وفى المادتين١٥٩ و١٦٠ تضاف: بإهانة، فيتضح من هذا- أن مراده بالتعدى فى المادة ١٣٩ كل مساس بكرامة الدين أو انتهاك حرمته أو الحط من قدره أو الأزدراء به لأن الإهانة تشمل كل هذه المعانى بلا شك.

وحيث إنه بالرجوع إلى الوقائع التى ذكرها الدكتور طه حسين والتى تكلمنا عنها تفصيلًا وتطبيقًا على القانون يتضح أن كلامه الذى بحثناه تحت عنوان الأمر الأول فيه تعد على الدين الإسلامى لأنه انتهك حرمة هذا الدين بأن نسب إلى الإسلام أنه استغل قصة ملفقة هى قصة هجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، واعتبار هذه القصة أسطورة وأنها من تلفيق اليهود وأنها حديثة العهد ظهرت قبيل الاسلام إلى آخر ما ذكرناه تفصيلًا عند الكلام على الوقائع، وهو بكلامه هذا يرمى الدين الإسلامى بأنه مضلل فى أمور هى عقائد فى القرآن باعتبار أنها حقائق لا مرية فيها. 

كما أن كلامه الذى بحثناه تحت عنوان «الأمر الرابع» قد أورده على صورة تشعر بأنه يريد به إتمام فكرته بشأن ما ذكر. 

أما كلامه بشأن نسب النبى، صلى الله عليه وسلم، فهو إن لم يكن فيه طعن ظاهر، إلا أنه أورده بعبارة تهكمية تشف عن الحط من قدره. 

وأما ما ذكر بشأن القراءات مما تكلمنا عنه فى الأمر الثانى فإنه بحث برىء من الوجهة العلمية والدينية أيضًا ولا شىء فيه يستوجب المؤاخذة لا من الوجهة الأدبية ولا من الوجهة القانونية.

وعن الركن الثانى.. فلا كلام فى هذا الركن لأن الطعن السابق بيانه قد وقع بطريق العلنية إذ إنه ورد فى كتاب «فى الشعر الجاهلى» الذى طبع ونشر وبيع فى المحلات.

وعن الركن الثالث.. فلا نزاع فى هذا الركن أيضًا لأن التعدى وقع على الدين الاسلامى الذى تؤدى شعائره علنًا وهو الدين الرسمى للدولة. 

وعن الركن الرابع.. فهذا الركن هو الركن الأدبى الذى يجب أن يتوفر فى كل جريمة، فيجب إذن لمعاقبة المؤلف أن يقوم الدليل على توفر القصد الجنائى لديه، بعبارة أوضح يجب أن يثبت أنه إنما أراد بما كتبه ان يتعدى على الدين الإسلامى فإذا لم يثبت هذا الركن فلا عقاب. 

أنكر المؤلف فى التحقيقات أنه يريد الطعن على الدين الإسلامى، وقال إنه ذكر ما ذكر فى سبيل البحث العلمى وخدمة العلم لاغير، غير مقيد بشىء، وقد أشار فى كتابه تفصيلًا إلى الطريق الذى رسمه للبحث، ولابد هنا من أن نشير إلى ما قرره المؤلف فى التحقيق من أنه كمسلم لا يرتاب فى وجود إبراهيم وإسماعيل وما يتصل بهما مما جاء فى القرآن، ولكنه كعالم مضطر إلى أن يذعن لمناهج البحث، فلا يسلم بالوجود العلمى التاريخى لإبراهيم وإسماعيل، فهو يجرد من نفسه شخصيتين وقد وجدنا المؤلف قد شرح نظريته هذه شرحًا مستفيضًا فى مقال نشره بجريدة السياسة الأسبوعية بالعدد ١٩ الصادر فى ١٧ يوليو سنة ١٩٢٦ صفحة ٥ تحت عنوان «العلم والدين».

وقد ذكر فيه بالنص: فكل امرئ منا يستطيع إذا فكر قليلًا أن يجد فى نفسه شخصيتين متمايزتين، إحداهما عاقلة تبحث وتنتقد وتحلل وتغير اليوم ما ذهبت إليه أمس وتهدم اليوم ما بنته أمس، والأخرى شاعرة تلذ وتتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وترغب وترهب فى غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما، فما الذى يمنع أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة ناقدة وأن تكون الشخصية الثانية مؤمنة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى. 

ولسنا نعترض على هذه النظرية بأكثر مما اعترض به هو على نفسه فى مقاله، حيث ذكر بعد ذلك: سنقول وكيف يمكن أن تجمع المتناقضين، ولست أحاول جوابًا لهذا السؤال وإنما أحولك على نفسك.

ولاشك فى أن عدم محاولة الإجابة على هذا الاعتراض إنما هو عجزه عن الجواب، والمفهوم أنه قد أورد هذا الاعتراض لأنه يتوقعه حتى لا يوجه اليه. 

الحقيقة إنه لا يمكن الجمع بين النقيضين فى شخص واحد فى وقت واحد، بل لابد من أن تتجلى إحدى الحالتين للأخرى، وقد أشار المؤلف نفسه إلى هذا فى نفس المقال فى سياق كلامه على الخلاف بين العلم والدين حيث قال بشأنهما: ليسا متفقين ولا سبيل إلى أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما لصاحبه عن شخصيته كلها. 

أما توزيع الاختصاص الذى أجراه الدكتور بجعله العلم من اختصاص القوة العاقلة والدين من اختصاص القوة الشاعرة، فلسنا ندركه والذى نفهمه أن العقل هو الأساس فى العلم وفى الدين معًا، وإذا ما وجدنا العلم والدين يتنازعان فسبب ذلك أنه ليس لدينا القدر الكافى من كل منهما. 

إننا نقرر هذا بناء على ما نعرفه فى نفسنا، أما الدكتور فقد تكون لديه القدرة على ما يقول وليس ذلك على الله بعسير. 

نحن فى موضع البحث عن حقيقة نية المؤلف، فسواء لدينا إن صحت نظرية تجريد شخصيتين عالمة ومتدينة أو لم تصح، فإننا على الفرضين نرى أنه كتب ما كتب عن اعتقاد تام، ولما قرأنا ما كتبه بإمعان وجدناه منساقًا فى كتاباته بعامل قوى متسلط على نفسه، وقد بينا حين بحثنا الوقائع كيف قاده بحثه إلى ما كتب، وهو وإن كان قد أخطأ فيما كتب إلا أن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شىء وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدى شىء آخر. 

وحيث إنه مع ملاحظة أن أغلب ما كتبه المؤلف مما يمس موضوع الشكوى وهو ما قصرنا بحثنا عليه إنما هو تخيلات وافتراضات واستنتاجات لا تستند إلى دليل علمى صحيح فإنه كان يجب عليه أن يكون حريصًا فى جرأته على ما أقدم عليه مما يمس الدين الاسلامى الذى هو دينه ودين الدولة التى هو من رجالها المسئولين عن نوع من العمل فيها وأن يلاحظ مركزه الخاص فى الوسط الذى يعمل فيه.

صحيح إنه كتب ما كتب عن اعتقاد بأن بحثه العلمى يقتضيه، ولكنه مع هذا كان مقدرًا لمركزه تمامًا وهذا الشعور ظاهر من عبارات كثيرة فى كتابه منها قوله: وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه وبأن فريقًا آخر سيزورون عنه ازورارًا، ولكنى على سخط أولئك وأزورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث. 

إن للمؤلف فضلًا لا ينكر فى سلوكه طريقًا جديدًا للبحث حذا فيه حذو العلماء من الغربيين، ولكنه لشدة تأثير نفسه مما أخذ عنهم قد تورط فى بحثه حتى تخيل حقًا ما ليس بحق، أو ما لا يزال فى حاجة إلى إثبات أنه حق، إنه قد سلك طريقًا مظلمًا فكان يجب عليه أن يسير على مهل وأن يحتاط فى سيره حتى لا يضل، ولكنه أقدم بغير احتياط فكانت النتيجة غير محمودة. 

وحيث إنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدى على الدين، بل إن العبارات الماسة بالدين التى أوردها فى بعض المواضع من كتابه إنما قد أوردها فى سبيل البحث العلمى مع اعتقاده أن بحثه يقتضيها. 

وحيث إنه من ذلك يكون القصد الجنائى غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا.