جبرتى الستينيات.. قبس من نور يوسف إدريس
- رئيس لجنة الشعر لا يعترف بالشعراء الجدد.. فكيف يرعاهم؟
- ناقشت سارتر فى الوجودية بينما يقوم إليا أهرنبورج بدور المترجم
فى أغسطس من كل عام، تمر بنا ذكرى رحيل أمير القصة القصيرة، الدكتور يوسف إدريس، الجراح الذى وضع مشرطه جانبًا ليمسك بقلمه، فيُشرِّح به الروح المصرية، ويكشف عن خباياها بأصالة لا تخطئها العين.
ولأنه لم يكن مجرد قاصٍ يبدع الخيال، بل كان شاهدًا حيًا يمتلك عين السندباد ونبض الشارع، جاء كتابه «جبرتى الستينيات» ليوثق مرحلة فارقة من تاريخ مصر بأسلوبه الناقد الثائر ولغته الحية الساحرة.
عبر هذه المقالات، التى تنشر «حرف» بعضًا منها فى السطور التالية، يكتب يوسف إدريس عن شخصيات وأحداث بمداد من النور والوجع.

جوائز الدولة
جلسةٌ طويلةٌ مع كمال الطويل والموضوع واحدٌ متشعبٌ عريض، بدأه الفنان اللاذع أحمد رجب بكلمته فى المُصور عن جوائز الدولة. وقبلها بليالٍ كنتُ فى جلساتٍ طويلةٍ مماثلةٍ مع إخوانٍ من المُهندسِين والعُلماء والأطباء، والحديث أيضًا عن جوائز الدولة للعلوم والفنون والآداب. واعذرونى إذا كنتُ قد بدأتُ أَعتقِد أن جوائز الدولة هذه خُرافةٌ من الخُرافات، لا بسبب الدولة، فالدولة والثورة أدَّتا ما عليهما ورَصدَتا مِئاتِ الأُلوف من الجُنيهات كى تُوزَّع على نوابغِ المُنتخَبِين فى كل قطاعٍ من قطاعات حياتنا. الخُرافة قد تكون فى اللجان التى تتحكَّم فى توزيعِ الجوائزِ والعقلياتِ التى تتحكَّم فى قَراراتِ اللجان، ولكن المشكلة الحقيقية لَيست أيضًا فى اللجانِ أو عقلية أعضائها وقراراتهم، ولا حتى فى جوائز الدولة أصلًا، المشكلة أَعمقُ وأَخطرُ وأهم.
فالمفروض أن الثورة يقوم بها جيلٌ وطليعةُ جيلٍ تقود الشعب بأكمله لِسَحق الأوضاع والنظم وأنواع الحكم التى تَغُل الشعب، وتَحبِس قدرته على التفتُّح والإنتاج. هذا الجيل مهمته لا تنتهى بنجاح الثورة، ولا تَتِم إلا بإقامة أوضاعٍ جديدةٍ أكثرَ ثوريةً ورحابةً وتطورًا؛ لهذا فالجيل الذى يُمهِّد للثورة هو وحده القادر على تنفيذها، وإذا نفَّذها فهو وحده القادر على خلق نُظمِها وبنائها الثورى الجديد. العقل لا يتصور حينئذٍ أن يقوم جيلٌ ما بالثورة، وينتهى دوره ليتسلمها منه جيلٌ آخرُ لم يعمل لها، ولا آمن بها، ولا خَطَر بباله احتمال قيامها.
ولكن هذا على وجه التقريب مما حدث؛ فالثورة حين قامت لم تبدأ بتحطيم جهاز الحكم السابق وتُنشئ لنفسها جهازًا ثوريًّا من خَلقها وصُنعها، عناصرُه مُنتقاةٌ من الجيل الذى صنع الثورة وطليعتِه.
كان أمامها معارك أهمُّ وأخطرُ عليها أن تُواجِهَها، وهكذا استعانت الثورة بجهاز الحُكم نفسه بعد أن غيَّرت اتجاهه وقيادته ليعمل مع الشعبِ بعد أن كان يقف ضده، وجهاز الحكم ليس فقط جهاز الحكومة، هو أيضًا ركائز الحكم ومُفكِّروه ودُعاتُه وخبراؤه، هذا الجهاز كان مُكوَّنًا من عناصرَ بالبَداهة لا تمت إلى الثورة بصلة، لا آمنَت بها ولا عمِلَت من أجلها، ولا تنبَّهَت لها إلا بعد أن أصبحت حقيقةً ملموسةً واقعة، حينئذ فقط آمنَت بها إيمانًا كلُّ مداه محاولةُ تملُّقِها لعل وعسى ينجحون فى كسب رضاها وإبقائهم فى مراكزهم.
ولقد اضطُرَّت الثورة لهذا وأصبح الوضع فى غاية الغرابة؛ فقد أصبَحَت تلك الركائز السابقة دعاماتٍ أساسيةً من دعامات حياتنا بعد الثورة، هى التى تملك بيدها كل المفاتيح، هى التى «تُفكِّر» للثورة، هى التى تقترح ومن أفرادها تتكون اللجان، وبعقليَّتها تختار المُوظَّفِين وترسل البعثات وتصعد وتهوى بمن تشاء.

وهكذا حين اندفع جيلُ هذه الثورة الحقيقى، الجيل الذى تَخرَّج من كوبرى عباس ودبَّر للثورة سرًّا وعلنًا، وأصدر جرائدَ ومنشورات، ووقف يُقاوِم مشاريع الاستعمار ويُبشِّر بالتغيير الشامل القادم، ويُمهِّد ليوم ٢٣ يوليو المجيد. حين اندفَع هذا الجيل بعد نجاحِ الثورة يلتفُّ حولها ويحميها ويُدافِع بالدم والروح عنها، وبكل طاقته يُنتِج فى كل المجالات والميادين إذا به يُفاجَأ بعد حينٍ بأنه لا يملك مصيره، وأن مصيره فى يد أُناسٍ لا يُنتِجون، عقيمِين يَحقِدون على المُنتجِين، ويعملون ما فى وُسعِهم لفرملة إنتاجهم وخَنقِه وقَتلِه، ولو استطاعوا لقتلوهم هم الآخرِين فى عمليةِ دفاعٍ عن الذات الأنانية دفاعًا دنيئًا. يستعدون فيه للتضحية بالصالح العام كُلِّه من أجل صالح كلٍّ منهم الواحد الخاص.
وهكذا تكوَّن الوضع، الجيلُ الثائرُ المنتج فى كل مجالٍ يقف له بالمِرصاد أناسٌ من مُخلَّفات النظام البائد وركائزه. يستعملون كما استعمل الرأسماليون الإمكانيات الضخمة التى تُوفِّرها لهم دولة الثورة، لا لكى يُثروا ويُضاعِفوا الأرباح كما يفعل الرأسماليون قبل أن تُلزِمهم الثورة الحد، ولكن هو- فى رأيى- أَسوأُ وأَبشع. إنهم يستعملون هذه الإمكانيات فى عرقلة جهود المئات والآلاف ومئات الآلاف من الجيل الذى ثارَ لِيُنتِج ويَغمُر بلادنا بطاقاته وإنتاجه.
والنتيجة؟ خطيرةٌ للغاية، فبعضهم يكُف عن الإنتاج أصلًا، وبعضهم يتحول إلى الملَق والرياء وينبذ آراءه وشخصيته لِيَسمَحوا له بالمرور، والجيل مُتحملٌ صامد؛ فالثورة ثورته وهو لا يستطيع إلا أن يثور على هذا الوضع إذ ربما مَسَّ هذا ثورتنا، النتيجة عرقلةٌ وتكسيرٌ وتحطيم. فى كل مجالٍ تجده. أعرف بضعة مُهندسِين شبان طالبوا بأن يعملوا وتُتاح لهم فرصة الإنتاج فغضب عليهم مُديرُ معهد بحوث البناء ونقلهم من المعهد. أعرف رئيس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب الذى جاءت به الدولة لِيرعى الشعر والشعراء، أعرف أنه لا يعترف بكل شعراء هذا الجيل، فكيف «يرعى» وهو أصلًا لا «يعترف» بهم؟ وكيف يرعى عزيز أباظة المسرح وهو لا يعترف بكل أبناء الجيل من كُتَّاب المسرح؟ وكيف تُمنَح جائزة الدولة التشجيعية فى الموسيقى لِمُلحنٍ تردَّد أنه يُعادِى كل تطويرٍ للمُوسيقى العربية؟
إنها لمأساةٌ عُظمى، أن تقوم «الثورة» لتعهد لمن «يُجمِّدون» الأوضاع التى كان من المفروض حتى بدون ثورةٍ أن تتطوَّر، يُجمِّدون «التطوير» نفسه، فما بالُك بالثورة، أعْلَى وأحدّ وأخطر أنواع التطوير؟!
لغز صلاح جاهين

حاوَلتُ خلال الأسبوع الماضى أن أَحُلَّ لغز صلاح جاهين. عشت مع أبعاده الثلاثة: الرسام والشاعر والممثل، وبرغم ما كتبَه هو فى صباح الخير، وحاول فيه أن يبذر بذور الخلاف بين أشخاصه الثلاثة، وبرغم مُحاوَلات المقارنة وإيجاد أشكال التناقُض بين شعر صلاح ورسومه، فالحقيقة أنى بعد دراسةٍ وتأمُّل وجَدتُ أن مواهب صلاح المُثلَّثة تتعقد وتتشابك بطريقةٍ تُدرِك معها أنها كلٌّ واحدٌ متماسك.
وأنت لا يمكنك أن تحُلَّ لغز صلاح إلا إذا شاهدتَه وهو يمثل؛ فشخصه- بكتلته الحية- بانفعالاته حين تنتقل إليك دون مانعٍ أو وساطة، يُعطيك صلاح مفتاح شخصيته وسر موهبته. إنك حين تقرأ شعره وتتأمَّل رسومه، تُحِسُّ أن كلماتِه وخُطوطَه مُحملةٌ بشحناتٍ تعبيريةٍ تتعدَّى حدود الشعر بمفرده أو الرسم بمفرده. إن شعره ليس مجرد شعر، ورسومه ليست مجرد رسوم، إنك تُحِس بهذه أو تلك جزءًا من كل، والكُل لا تُحِسُّه إلا إذا أعطاه لك صلاحٌ بكُله، وهو يعُطيك إيَّاه إذا مثَّل.
إن شعر صلاح لا يتكامل إلا إذا أنشده أمامك، وكأنه أدوار يكتبها لنفسه ليعتمد على نصفها فى التعبير عن معانيها تعبيرًا كاملًا حين يُمثِّلها. ويُخيَّل إلىَّ أنه لم يَخترِ الكاريكاتير عبثًا، فهو فن الرسم الكوميدى أو فن الكوميديا المرسوم، والتشبيهاتُ الجسدِية الكثيرة فى شعره ليست نزعة إلى «التجسُّد» بقدر ما هى نَزعةٌ إلى «التمثيل»؛ فهو فى شعره أيضًا يُعبِّر، وكأنه على خشبةِ مَسرحٍ بالجسد.
وصلاحٌ فى تمثيله ليس ممثلًا فقط، ولكنه مُؤلِّفُ تمثيل، وهدفه ضخمٌ كبيرٌ كأهداف مُؤلِّفى التمثيل الكبار. إنه يهدف إلى تمثيل عصرنا والتعبير عنه؛ إذ هو فى موهبته الضخمة الشاعرة الرسامة الممثلة فنانٌ معاصرٌ بكل مضمون الكلمة ومعناها، أكاد- حين أستعرض عصرنا وبيئتنا- لا أجد من يُضارِعه لكى يُعبِّر عن كُلِّ بساطتنا الحاضرة المُعقَّدة وكلِّ عُقَدنا البسيطة، ومَرحِنا الخفى وحُزننا الظاهر، وظاهرنا المَرح وأعماقنا الحزينة، وكل سُخريتنا بعصرنا وسُخرية عصرنا بنا.
وكالكِبار أيضًا، لا تَجدُه يُعبِّر عن عاطفةٍ بعينها، ويجعل من هذا هدفه. هو يُعبِّر عن الحزن أو المرح أو الاكتئاب، إنه يستعمل العواطف والأفكار كموادَّ خام يَمزُجها ويُلوِّن بها كلماته وخطوطه لِيستطيع أن يُعبِّر بها عما هو أكبر من الحزن والتفاؤل والرقة، عن الإنسان- وبالذات- عن إنساننا المعاصر. كل ما ينقص صلاح ليكون شارلينا ونجيبنا، أن يُؤمِن بالموهبة الخارقة التى كان- دون أن يدرى- يُعِدُّ لها نفسه، بشعره ورسوماته. لقد ظَلَلنا مدةً طويلةً نترقب مَهدِيَّنا المُنتظَر فى التمثيل، وحين شاهدتُ صلاح جاهين دمعت عينى فرحًا.
عبدالوهاب ضحك علينا وعلى وزارة الثقافة

منذ عامٍ أو أكثر، وحين قامت الضجة حول الأوبريت وتعالت الصيحات تُنادى بوجوب أن تتجه موسيقانا إليه وصرَّح عبدالوهاب أكثر من مرة بأنه بسبيله إلى إعداد أوبريت، وأكد تصريحاته بطريقةٍ جَعلَت وزارة الثقافة تُبادِر وتتفق معه- كَتبتُ أقول إن عبدالوهاب لن يُلحِّن «مهر العروسة» ولا غيره، وإن كل تصريحاته واتفاقاته ما هى إلا حركةُ ذكاء بارعةٌ هدفها «سرقة» هذه المُظاهرة المُنادِية بالأوبريت، تمامًا كما كان بعضنا، ونحن طلبةٌ فى الجامعة، يصنع، حينما يلمح مُظاهرةً مُعاديةً مُقبلةً من بعيد، فيطلب من زملائه أن يرفعوه على أكتافهم، لينضَم إلى المُظاهرة ويبدأ يهتف بنفس شعاراتها حتى يُطمئِن القائمِين عليها، ولكنه شيئًا فشيئًا يبدأ يَحرف المُظاهَرة وشعاراتها إلى ما يريد وينجح فى النهاية و«يسرق» المُظاهرة. عبدالوهاب، أيضًا، كلما كان يُفاجَأ بالمُظاهَرات المطالبة بالأوبريت لم يكن أبدًا يقف ضدها، بالعكس كان يَتبنَّاها، ويبدأ فى عقد سلسلةٍ من الاجتماعات، ويَنشُر فى الجرائد تصريحاتٍ وأحاديثَ وأخبارًا تؤكد أنه فعلًا يُلحِّن، وأنه فى طريقه إلى الانتهاء منه، ويظل مُتحمسًا، طالما الحماس للمُظاهرة قائمًا، ويظل يردد الأحاديث والتصريحات حتى يهبط الحماس وينسى الناس، فينسى هو الآخر، وتنتهى المُظاهرة النهاية التى يريدها لها عبدالوهاب.
تذكَّرتُ كل هذا وأنا أشاهد أوبريت «يوم القيامة»، إنه أوبريت جيد وألحانه لا بأس بها، ولكنه أبدًا ليس ما نريد. ولقد قدَّمَته وزارة الثقافة مضطرة، وأنفَقَت عليه مضطرةً بعد أن خذلها عبدالوهاب ولم يُحقِّق وعده الذى كان قد قطعه على نفسه.
وعبدالوهاب قطع هذا الوعد وهو يعرف تمامًا أنه لن يوفيه وأنه ليس ملحن أوبريت، وأن حياته وثقافته الموسيقية وقالب الغناء العاطفى المُفرَد الذى تزعمه وحدد إقامته داخله لا يمكن أبدًا أن ينفرج بين يومٍ وليلةٍ عن موسيقارٍ يُلحِّن الأوبريت. وهو يتزعم المظاهرات، ويُجزل الوعود، ويزاول حركات الذكاء هذه، فقط ليُضيع الوقت ويُشتِّت الحماس ويصرف الأنظار عن الأوبريت، كنوع من أنواع الدفاع عن النفس الفنية.
لقد تسلم عبدالوهاب حركتنا الموسيقية من سيد درويش وهى حافلةٌ بكل ألوان التعبير الموسيقى، ولكن، ربما لأنه أساسًا مغنٍ ومطرب، وربما لحلاوة صوته وإعجازه، فقد آثر الأغنية العاطفية على غيرِها وأخذ يعمل بروعةٍ لتطويرها على حساب كل الألوان الأخرى، حتى نجح فى هذا إلى أبعد حدود النجاح، ويؤسفنى أن أضيف إلى أضر حدود النجاح أيضًا؛ فقد سادت الأغنية العاطفية على ما عداها، ومات الأوبريت ومُؤلِّفوه ومُلحِّنوه. وازدهار لون على حساب غيره من الألوان يُؤدِّى إلى انحراف، ونحن حقيقة فى عصر الانحراف المريض نحو الأغنية العاطفية، بل نحو نوعٍ واحد من الأغانى العاطفية؛ ذلك النوع الذى يُخاطِب كل ما فينا من ضعفٍ ومراهقةٍ وإحساسٍ بالوحدة ليُثير فينا الضعف والمراهقة والإحساس بالوحدة. ولقد ظل هذا اللون سائدًا إلى أن بدأ يدور فى حلقةٍ مُفرَغة، ويُلجئ أصحابه إلى الاقتباس والتقليد وافتعال التجديد؛ ذلك لأن الطريق الطبيعى لتطوُّر الأغنية وتنفُّسها هو المسرح الغنائى، حيث الأغانى فى الأوبرا، والأوبريت يخاطبنا كجماعة، ونسمعه كجماعة، ويرسم ملامحنا ويُعبِّر عنا كشعب، ومن خلاله فقط نستطيع أن نجد التعبير المُتطوِّر الناضج عن أنفسنا وحياتنا بكل رحابتها واتساعها.
ولكى ندرك خطورة ما آلت إليه أوضاعنا الموسيقية، يكفى أن نستمع إلى واحدٍ أو واحدةٍ أو أكثر من تلاميذ هذه المدرسة العاطفية فى الغناء، لنرى إلى أى حدٍّ مُخجلٍ يخنث هذا من صوته، وتزيد تلك من حرارة تأوُّهاتها، لكى يستطيع وتستطيع أن تُعبِّر عن الحب، أى حب هذا؟ إنه قطعًا ليس حبنا؛ فالرجال عندنا لا يُحبون بهذه الطريقة المائعة المُخنَّثة، ولا المُحِبَّات عندنا يتأوَّهنَ مثل هذه التأوُّهات، ومع هذا فنحن نُضطَر مُكرَهِين إلى الاستماع؛ فالموسيقى غذاء، ونحن جوعى، جوعى إلى ألحانٍ قوية تُعبِّر عن قوتنا، وموسيقى؛ موسيقانا المُحرَّمة علينا، النابعة منا، المُعبِّرة عنا، الأصلية العريقة بمثل أصالتنا وعراقتنا، نُحاول عبثًا أن نَعثُر عليها فى هذه الألحان العربية المُتهافِتة، وخلال الأصوات التى تختبئ وراء التخنُّث والميكروفونات.
ونحن فى حاجةٍ عظمى إلى المسرح الغنائى، إلى الأوبريت. وأقولها صريحة لهؤلاء الذين ينتظرون فى حسن نيةٍ وطيبةٍ أن يفرغ عبدالوهاب من تلحين أوبريته الأول، أقول لهم عبثًا ما تفعلون ولا تطلبوا من عبدالوهاب المستحيل؛ فهو أولًا ليس مُلحِّن أوبرا أو جماعات، وهو ثانيًا لا يمكن أن يُنحِّى نفسه بيده عن العرش الجالس عليه. لنَدَعْه فى لونه العاطفى الذى امتاز فيه وبرع، ولنعهد بالتلحين إذا كنا جادِّين لموسيقار، إذا فرضنا جدلًا أنه ليس له شهرة عبدالوهاب ونبوغه؛ فيكفى أنه سيُوجِد اللون، وسيبدأ، ومن خلال البداية نستطيع أن ننهض ونعرف أخطاءنا ونسير؛ إذ لا بد أن نسير ولا يمكن أبدًا أن نقف جميعًا، ثلاثين مليونًا وأكثر من الرجال والنساء والأطفال والثوار، نُردِّد التأوُّهات.
صديقى العائد
الغائب الذى طالت غيبته ولكنه أخيرًا عاد، كُنتُ أَتوقَّع أى شىءٍ إلا أن أجده كما هو وكما كان دائمًا بنفس الملامح والشَّعر والمنطق الساحر البسيط الرزين، وهذا هو صلاح حافظ كما عَرفَته الآلاف من قُراء روزاليوسف منذ بضعِ سنوات فى بابه المشهور «انتصار الحياة». وصلاح ليس صديقى وزميلى فى مهنة القلم فقط، ولكنه أهم من هذا زميلٌ فى مهنة المِشرَط، ومنذُ أربعة عشر عامًا كنا فى كلية الطب ومعنا الزميل الكِشر الغضوب محمد يسرى أحمد كاتب القصة العِملاق الذى أصبح الآن مفتشًا لصحة القناطر الخيرية، جمعتنا معًا علاقتُنا المشتركة بالمرحوم الدكتور إبراهيم ناجى وجلساتُنا الطويلة فى إيزافتش والتافرنا، وصَولات النِّقاش وجَولاته حول الفن والشعر والحياة.
وعلاقتى بصلاح حافظ بالذات تمَّت عن طريق القصة؛ ففى مجلة «القصة» قرأتُ يومًا قصةً دوَّخَتنى اسمها «الذبابة»، رُحتُ أتصوَّر كاتبها وكأنه نصف إله. وإذا بى أُروَّع بعد بضعة أيام ونحن نجتمع لإصدار مجلةٍ لطلبة كلية الطب أن أحد المجتمعِين معنا، بل أضألهم جسدًا وأرقهم عودًا، هو صلاح حافظ كاتب قصة الذبابة. يومها لم أُصدِّق عينى ولا تصوَّرتُ مطلقًا أن يطلع كاتب القصة التى جُنِنتُ بها طالبًا معى فى نفس الكلية وفى الدفعة. كيف يَتسنَّى لطالب طبٍّ مثله أن يكتب قصةً بهذه الروعة؟! وكيف أُصدِّق أن لى زميلًا آخر يُشارِكنى نفس هواية القصص؟ بل أكثر من هذا أن تكون قد وَصلَت به هوايته حدَّ نشرِ إنتاجه فى مجلة «القصة»؟
ولو كنتُ قد سمحتُ لنفسى بِالتصوُّر كيفما شِئتُ، لما أمكن لخيالى أن يَعبُر الزمن وأن يَتصوَّر أن هذا الاجتماع من أجل إصدار مجلةٍ سيُحدِّد خط علاقةٍ طويلة لسنينَ كثيرةٍ مقبلة، بَلغَت إلى الآن كما قُلتُ أكثر من أربعة عشر عامًا.
واليوم ها هو ذا صلاح حافظ بدمه ولحمه وابتسامته قد عاد، ولكن المشكلة أنى سأظل أعتبره غائبًا إلى أن يكتب، وإلى أن يُتاح لى مرة أخرى أن أقرأ أبسطَ أسلوبٍ كُتب فى الصحافة المصرية، مع الدقة المثالية فى اختيار كلِّ لفظ، والذكاء الشديد فى إيراد الحُجج والأدلة، إلى درجة أنى وأنا طبيبُ امتياز سألنى أستاذنا الدكتور أحمد حافظ موسى عن ذلك الطبيب الحاذق العلَّامة الذى يكتب باب انتصار الحياة فى روزاليوسف، وحين أخبرته بأن كاتبها ليس طبيبًا ولكنه طالبُ طبٍّ لا يزال، بل أيامها كان لا يزال فى المشرحة وأمامه للتخرُّج ثلاث سنوات. حين قلتُ هذا للدكتور حافظ موسى لم يُصدِّقنى واعتبر كلامى هزلًا، ولكن، هذا هو بالضبط صلاح حافظ وقُدرتُه الخارقة على التبسيط والإقناع.
خواطر

كلما سمِعتُ صوت الشاعر أحمد خميس يُذيع فى التليفزيون إعلانات «أومو» ويقول أومو، ينظف أسرع، أزداد إدراكًا لخطورة الأزمة التى يمر بها الشعر عندنا. الشاعر أيام زمان كان مفخرة القوم والقبيلة، لا يكاد ينطق الشعر حتى تُقيم عشيرته الأفراح والاحتفالات، ويأتى الناس ليُقدِّموا لها التهانى، وربما لهذا كان الشاعر يُجيد أكثر وأكثر؛ فقد كان يُحِس أنه لا يُعبِّر عن نفسه فقط، وإنما يُعبِّر عن قومه وتراث قومه وانتصاراته.
لا بد أننا تطوَّرنا تطوُّرًا كبيرًا، حتى أصبح الشاعر عندنا يُعبِّر عن محاسن أومو، ويفعل هذا وهو محسود؛ فلا بد أن شُعراءَ كثيرِين يتمنَّون أن يصبحوا فى مكانة أحمد خميس، ويُحسَب ما ينطقون به باعتبار الدقيقة بجنيهٍ أو أكثر. لا بد أننا تطوَّرنا حتى أصبحت حاجتنا للشعر، مساء الخير أيها التطوُّر، مساء الخير أيها المُنظِّف أسرع.
قابلت سارتر فى «الكافيتريا»

قاعة «الكونزرت هاوس» فى فيينا. مؤتمر وناس قادمون من جميع أنحاء العالم، ولجان تجتمع وتتخاصم، وحركة دائبة بأعلام جميع الدول، والشعارات الزرقاء وملابس الرجال والنساء كأنها كَرنفال، والوجوه والملامح متحَفٌ حى مُتحرِّك يعرض صورًا للإنسان فى كل مكانٍ من قشرة الأرض.
قرأتُ اسم سارتر ضمن المُشتركِين فى المؤتمر، دخلتُ أتفرج، طلبتُ على سبيل المزاح من سِكرتيرية المؤتمر أن أُقابلَه، وأعطيت اسمى باعتبارى كاتبًا من مصر، محاولة لم أكن جادًّا فيها، ولم أعتقد أنها ستنجح، تركتها وظللت أدور فى المدخل والقاعة وأَتفرَّج على الوجوه والأجناس واللغات، وأسمع بشغفٍ صوت المُذيعة فى إذاعة المؤتَمر الداخلية وهى تقول كلما بدأت الكلام: آختونج آختونج، ومعناها انتِباه. صوتها قوىٌّ وعميق ويُحبِّب الأذن فى الألمانية. استَغرقَنى التفرُّج ومحاولة معرفة ما يدور فى المؤتمر حتى نسِيتُ كل شىءٍ عن سارتر والمُقابَلة. فوجِئتُ بصوت المذيعة الألمانية الحُلْو ينطق مرة اسمًا خُيَّل إلىَّ أنه اسمى، بل تأكَّدتُ. المذيعة الإنجليزية ما لَبِثَت أن قالت: يوسف إدريس يقابل ج. ب. سارتر فى الكافيتريا.
شملنى اضطرابٌ عظيم وخِفتُ. كنت فى السادسة والعشرين بالكاد نشرتُ قصةً أو قصتَين، مالى أنا ولِسارتر العملاق؟ فكرتُ فى التراجع، ولكنى وجدتُ نفسى أبحث عن الكافيتريا، وطال بحثى ولم أتصور أبدًا أن يكون مكانها تحت خشبة المسرح مباشرةً، سألت الجرسون عن سارتر، أشار إلى مِنضَدةٍ يحتلها رجلان أحدهما ضخمٌ أحمر الوجه، فاخر الثياب، جميل التقاطيع، والثانى قصيرٌ، ربع، أَحوَل، منظاره من نوعٍ عتيقٍ رخيص. تقدَّمتُ من المنضدة وقلبى يدُق، خفَضتُ رأسى ومَددتُ يدى بعصبيةٍ للرجل المَهيب وقُلتُ: مسييه سارتر. حملق فىَّ الرجل بهدوء ثم أَشارَ بابتسامة إلى الرجل القصير الجالس بجانبه وقال بالفرنسية: هذا هو. الواقع بُهِتُّ وخاب أملى ولم أعتقد أبدًا أن رجلًا هذا شأنه لو رأيته فى أى مكانٍ آخرَ لخُيِّل إلىَّ أنه مُدرِّس أحياء فى مدرسةٍ أهليةٍ مصرية هو العظيم سارتر. ولكنى سلَّمتُ وقدَّمتُ نفسى، وقال الرجل كلامًا فرنسيًّا كثيرًا لم أفهم منه إلا أنه يقول إنه سارتر، أمَّا الرجل الجالس معه فهو الكاتب الروسى الكبير إليا أهرونبورج. انقلب اضطرابى إلى فزع، يا لى من أحمق: أطلب مقابلةً على سبيل العبَث وإذا بى مرةً واحدةً فى حضرة اثنَين من عمالقة الفكر العالمى، وأجلس معهما، وألمَسُ أَيديَهما وأُكلِّمهما ويُعاملانِنى كزميل لا يَفرقه عنهما إلا فارق السن؟!
وربما الفزع هو الذى دفعَنى للاستهتار بالموقف كله، ودفعنى لخوض مُناقشاتٍ لا قِبلَ لى بها، كنت أُطمئِن نفسى وأقول فليكونا عمالقةً فى كل شىء ولكنك أنت الآخرُ يا ولدُ تعرف أشياءَ لا يعرفانها، على الأقل تعرف الإنجليزية التى لا يَعرِفها سارتر، وتَعرِف العربية التى لا يعرفها أهرنبورج.
أنا مُضطرٌّ لأن أتخطى أشياءَ كثيرةً جدًّا دارت وكانت جديرةً بالذكر لِأَصِل إلى المناقشة، ويا لها من مناقشةٍ يَحسُدنى عليها أنيس منصور. أنا أُناقِش سارتر فى الوجودية، بينما يقوم إليا أهرنبورج بدور المترجم!
قلتُ: أنا للأسف لم أقرأ من أعمالك إلا مَسرحياتِ الحائط، ولا مفر، والأيدى القذرة، ومجموعة قِصصٍ قصيرة.
قال بدهشةٍ ونوعٍ من الفرحة: قرأتها، قرأتها حقيقة، فى القاهرة! بأية لغة؟!
قلتُ: بالعربية والإنجليزية.

قال: جميل جدًّا، هل تهتمون بها لديكم؟ ماذا يقولون عنها؟ وما رأيُك أنت فيها؟
قُلتُ لنفسى: حتى سارتر هو الآخرُ يصنع مثلنا وينتظر بِشغَفٍ آراء الآخرِين فى أعماله.
وقُلتُ له: أعمالٌ رائعةٌ كلها، أذهلَتنى.
قال: ماذا أعجبك فيها؟
قُلتُ: هل تريد الحقيقة؟ أَعجبَتنى لما فيها من فن، وليس لما فيها من رأى. إن فيها فنًّا مُذهلًا رائعًا هو البطل المجهول المُتواضِع الذى يختفى وراء الكواليس ليترُك الفلسفة والآراء تَقِفان وحدهما أمام المُتفرِّجِين وتَحظَيان بالمجد والتصفيق.
إنى لأتساءل: ماذا يُسعِد رجلًا عظيمًا مثلك، أن يقرأك الناس ككاتبٍ أم كفيلسوفٍ؟
ضحِك وقال: أعتقد أن الإنسان يَسعَد لمُجرَّد أن يقرأ الناس إنتاجه، سواءٌ أكان فنًّا أم فلسفة.
قُلتُ: إذن أحيانًا يكون النعيم هو رأى الآخرِين.
وضَحِك أهرنبورج أولًا، وحين ترجمها أغرق سارتر فى الضحك؛ إذ إن له رأيًا وجوديًّا مشهورًا يقول إن الجحيم هو الآخرون.
وجرَّأَنى الضحِك فقلتُ: الواقع لو كان وجودُ الآخرِين يُخلِّف التعاسة التى صوَّرتَها لقتَلنا بعضَنا البعض من زمنٍ بعيد، لا بُد هناك أشياءُ أخرى لم تَذكُرها هى التى أَبقَتنا أحياءً فى مجتمعٍ واحد.
قال: يعجبنى أن شابًّا غريبًا مثلك يناقشنى بلا حذر أو اصطلاحاتٍ فلسفية، بالتأكيد هناك أشياء لم تُعرف بعدُ.
قلت: وقد تغير إذا عَرفتَ نظرتنا إلى الوجود والإرادة المستقلة؟
قال: وقد تغير، ممكن. ممكن جدًّا.
قُلتُ: لماذا لا نعتبر أى فلسفةٍ إذن مُجردَ نظريةٍ نتركها تتصارع مع غيرها من النظريات والاكتشافات، بلا تعصب ودون أن نُحاول أن نُقيم من أنفسنا مُحامِين لهذه النظرية ومُدافعِين عنها؛ فالتعصُّب لهذه الفلسفة أو تلك ممكنٌ أن يعوق وصولنا إلى الحقيقة.
قال: لكن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها إلا بصراع، والصراع لا يمكن أن يتم إلا بين مُتعصِّبِين؛ فاعتناق النظريات والدفاع عنها يُقرِّبها من الحقيقة ولا يُبعِدنا عنها.

قلت: الصراع بين الوجودية والاشتراكية مثلًا يُقرِّبنا من الحقيقة؟
قال: طبعًا. على شرط ألَّا يتم الصراع فى قلب الشارع. أقصد الصراع بين المُفكِّرِين الواسعِى الأُفق.
قُلتُ: مجرَّد تَساؤل قد يكون سخيفًا، ولكنى أرجو أن يسمح لى به أعظم كاتبٍ اشتراكى وأعظم كاتبٍ وجودى. الوجودية تعتبر الفرد مسئولًا عن اختياره وتصرُّفاته ومصيره. والاشتراكية تعتبر المجتمع هو المسئول، أليس من المحتمل إذن أن تنشأ فى القريب نظريةٌ ثالثةٌ تجمع الوجودية والاشتراكية، وتملأ الفجَوات، وتُفسِّر بدرجةٍ أَوضحَ، وتُحدِّد بدرجةٍ أَدقَّ حركة الفرد بالنسبة لحركة المجتمع، والعلاقة بين الوجود الفردى والوجود الجماعى؟
تولى أهرنبورج الترجمة على دفعاتٍ كان يعقبها بابتساماتٍ، تَخيَّلتُ أنها ابتسامات استخفاف. ودار بينهما نقاشٌ بالفرنسية، خفيفٌ ضاحكٌ أول الأمر، شابَه بعض الجِد والتأمُّل فى النهاية. وأخيرًا قال أهرنبورج: صديقى سارتر وأنا مُبتهِجان لرأيك، ولكن لا تنتظر منا أن نفكر فيه جديًّا بإلغاء الوجودية إلغاءً لسارتر، وإلغاء الاشتراكية إلغاءً لى، فهل أنت قادم من القاهرة لتُلغى المعارك الطويلة التى خُضناها.. وتُلغى وجودها كله بجرة قلم؟!
الحديث دار فى أحد أيام يناير من سِنين، ما زِلتُ أذكره، وما زِلتُ كلما أَحسَستُ ببرد يناير تَذكَّرتُ فيينا وأدقَّ تفاصيلِ ذلك اللقاء.
حين كشف الدكتور أنور المُفتى على القرية

غفَر الله لأستاذنا الدكتور أنور المُفتى فقد جعلنى أُمضى ساعاتِ ألم رهيبة. لقد كانت القرية المصرية بالنسبة لى كالأم العجوز الطيبة، أعرف أناسها وأحبهم وتَربِطنى بهم عاطفةٌ قوية مبهمة لا أجد لها تبريرًا ولا تفسيرًا. فى الأسبوع الماضى أتاح لى الدكتور أنور المُفتى جلسةَ نقاشٍ طبىٍّ فلسفى أدبى صوفى ممتعة، فى آخرها تكرَّم وأعطانى التقرير الذى كتَبه عن تجربته فى سحالى. وللأسف الشديد كانت ظروفى قد مَنعَتنى من قراءة هذا التقرير قبلًا أو حضور المُحاضَرة القيمة التى عرضه الدكتور المُفتى فيها. أخذتُ التقرير وحاولتُ فقط أن أَتصفَّحه. كان تقريرًا عن العلاج فى الوحدات الريفية الجديدة ومحاولةً علميةً لإدراك المصاعب الكامنة والتغلُّب عليها، ولكنى من الصفحات الأولى أُصِبتُ بالذعر. لكأن القرية، تلك الأم العجوز الطيبة قد امتدَّت إليها يد عالمٍ طيبٍ تكشف عنها ثيابها القليلة وتُعرِّيها وتَفحَصها بكل دقة العلم وصرامته. وإنه لشىءٌ مزعج أن تَكتشِف أن تلك الأمراض وبكل تلك الكمِّيات تحيا وتُعشِّش فى قريتك الطيبة. من المُفزع والمُروِّع أن تدرك أن أقرانك الذين كانوا معك ربما فى إلزامى وربما فى الحوارى كلٌّ منهم لا بُد مصابٌ الآن بثلاثة أمراضٍ على الأقل إن لم يكن أحدُها قد تكفل به وقضى عليه. من المؤلم والمروِّع أن تتأمَّل تلك الحقيقة: وهى أن الريف، جسم أمتنا كلِّها مُتليِّفٌ بالبلهارسيا ومصابٌ بالأنيميا وتأكل مصارينه الإنكلستوما ويُعانى من النقص الخطير من الفيتامينات ومواد الطعام الأساسية.
لم يكن ما أقرؤه تقريرًا، ولا طبًّا، كان أسياخ حقائقَ محماةً تَنخر أى عقل وتُوقظ كل نائم وتجعله يتساءل: كيف كان باستطاعتنا بالله أن نعرف هذا كله أو أن نُعالجه بلا ثورة وبلا قوانينَ اشتراكية؟ بل نحن حتى بالثورة وبالقوانينِ الاشتراكية لا نزال أيضًا فى مرحلة «التشخيص» ولم نبدأ العلاجَ الشاملَ بعدُ.







