ما بعد الهيمنة.. أحمد السعيد يكتب: العرب والصين معًا.. الآن الآن وليس غدًا
- التبادل التجارى لا يصنع بالضرورة فهمًا وأن الجسور بين الحضارات تحتاج إلى بناء يومى صبور لا يكتمل فى عام أو عقد
- الجسر الحقيقى لا يقاس بعدد من عبروا فوقه وإنما بقدرته على جعل الضفتين أقرب إلى بعضهما
صدر حديثًا عن بيت الحكمة للثقافة كتاب «ما بعد الهيمنة: كيف يعيد التفاهم تشكيل العالم؟»، للكاتب والمفكر الدكتور أحمد السعيد، في طرح فكرى يسعى إلى تقديم مفهوم «التنمية التفاهمية» بوصفه إطارًا جديدًا يتجاوز السرديات الكبرى التي شكّلت ملامح القرن العشرين، من التحديث إلى صدام الحضارات، وصولًا إلى العولمة الرقمية.
وينطلق الكتاب من رؤية مفادها أن الفهم المتبادل ليس مجرد نتيجة للتنمية، وإنما شرط أساسي لتحققها، وأن قدرة المجتمعات والدول على بناء هذا الفهم وإنتاجه تمثل بنية تحتية غير مرئية، لا غنى عنها للنهوض وصناعة مستقبل أكثر توازنًا في عالم يتجه بصورة متسارعة نحو التعددية القطبية.
واحتفاءً بهذا الإصدار الفكري، تنشر «حرف» مقدمة الكتاب، التي تضيء أبرز أفكاره وتقدم مدخلًا إلى مشروعه الفكرى حول إعادة تعريف العلاقة بين التفاهم والتنمية وتشكيل النظام العالمى.

اليوم، بعد رحلة خمسة وعشرين عامًا بين أروقة التواصل الثقافى والمعرفى بين العرب والصين، وبعد ألف كتاب صينى مترجم نشرناها بالعربية، لم يُعد السؤال الذى يشغلنى: ماذا نترجم؟ السؤال أصبح مع الوقت: لماذا ما زلنا لا نفهم بعضنا كما ينبغى؟
يبدو السؤال غريبًا للوهلة الأولى. فمن ينظر إلى مسار العلقات العربية الصينية خلال العقد الأخيرة سيرى أرقامًا تدعو إلى التفاؤل. عشرات الاتفاقيات، ومئات الوفود، وآلاف الطلاب، ومشروعات اقتصادية تمتد من الخليج إلى شمال إفريقيا، وحركة ترجمة لم تعرفها العلاقات بين الجانبين من قبل. وإذا كانت المعرفة تقاس بعدد الكتب والمؤتمرات والبرامج والزيارات، فربما من المفترض أن تكون المسافة بين العرب والصينيين اليوم أقصر كثيرًا مما كانت عليه قبل جيل واحد فقط.
لكن التجربة اليومية تقول شيئًا آخر، فكلما اتسعت مساحة المعرفة، ازداد إدراكى بأن المعرفة وحدها لا تكفى، وكلما كثرت الترجمات، اكتشفت أن الكلمات تعبر الحدود أسرع من المعانى. وكلما توسعت العلاقات، ظهر أمامى سؤال أكثر إلحاحًا: ما الذى يجعل شعبين يعرف كل منهما عن الآخر أكثر من أى وقت مضى، ثم يظل أحدهما عاجزًا عن رؤية الآخر على حقيقته كاملة؟ هذه أفكار تشكلت ببطء عبر خمس وعشرين سنة قضيتها بين الصين والعالم العربى، بين القراءة والترجمة والنشر، وبين مئات اللقاءات التى جمعتنى بأكاديميين ومسئولين وكُتاب ومترجمين وناشرين، وبأناس عاديين كانت أحاديثهم تصنع أصدق ما أحمله من فهم.
فى بداية الرحلة كنت أظن أن المعرفة عملية واضحة ومباشرة، نتعلم لغة شعب فنقترب منه، ونقرأ تاريخه فنفهمه،ونعيش بين أبنائه، فتنكشف لنا زواياه. كانت يبدو أن المسألة تشبه الاقتراب التدريجى من صورة كبيرة، كلما أضفنا إليها تفصيلًا أصبحت أكثر وضوحًا. وربما كان هذا التصور طبيعيًّا لشاب جاء إلى الصين مدفوعًا بالفضول والرغبة فى التعلم.
لكن السنوات اللاحقة علمتنى أن الطريق بين المعرفة والفهم أطول بكثير مما كنت أتصور.
كنت أخرج من بعض اللقاءات فى بكين والقاهرة وغيرهما بإحساس يصعب التعبير عنه بدقة. لم يكن خطأ يمكن الإشارة إليه، ولم يكن جهلًا بالوقائع. كان شيئًا أعمق من ذلك. بعض من جالستهم يمتلكون من المعرفة عن العالم العربى أكثر مما يمتلكه كثير من العرب أنفسهم. قرأوا، وتابعوا، وزاروا، وأقاموا. ومع ذلك كنت أشعر أن الصورة الكلية ما زالت بعيدة، وأن المعرفة المتوافرة لم تتحول بعد إلى فهم حقيقى.
احتاج الأمر إلى سنوات حتى أدرك أن هذه الملاحظة البسيطة ربما تكون أهم ما تعلمته خلال تجربتى كلها.
فالإنسان يستطيع أن يعرف الكثير عن الآخر دون أن يفهمه. وقد يقرأ عشرات الكتب عنه، ويتابع أخباره سنوات طويلة، ويزور بلاده مرات عديدة، ثم يظل أسير صورة ذهنية تشكلت فى وقت سابق ولم تعد تعبِّر عن الواقع. وقد يحدث العكس أيضًا، فقد يقود لقاء قصير أو تجربة إنسانية مباشرة إلى فهم أعمق مما تمنحه مئات الصفحات.
ثم اكتشفت تدريجيًا أننى لست خارج هذه الظاهرة كما كنت أظن.
فكلما تعمقت فى دراسة الصين، بدأت ألاحظ أن بعض تصوراتى الأولى كانت بحاجة إلى مراجعة. بعض الأفكار التى بدت لى واضحة لم تعد كذلك، وبعض الأحكام التى ظننتها مستقرة بدأت تتغير. وكنت أحيانًا أشعر أننى كلما تعلمت أكثر، ازددت إدراكًا لحجم المساحات التى لم أفهمها بعد.
نقلنى هذا الاكتشاف من موقع المراقب إلى موقع المشارك فى المشكلة نفسها. لم يعد السؤال متعلقًا بما إذا كان الآخر يفهمنى أم لا، بل أصبح السؤال يتعلق بقدرتنا جميعًا على الفهم.
وفى تلك اللحظة تحديدًا بدأت أرى الأشياء بصورة مختلفة.
فخلال معظم التاريخ الإنسانى كانت مشكلة البشر الأساسية هى نقص المعرفة. كانت الأخبار تحتاج شهورًا لتنتقل من مكان إلى آخر، وكانت صورة العالم تشكل فى حدود ما تسمح به الجغرافيا وإمكانات السفر والاتصال. لكن العالم نجح خلال القرن الماضى، وبصورة أكبر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فى معالجة جانب كبير من هذه المشكلة، فتقلصت المسافات، وتدفقت المعلومات، وأصبح الوصول إلى المعرفة متاحًا على نطاق غير مسبوق.
من الناحية النظرية، كان يُفترض ذلك إلى نتائج واضحة. فكلما ازدادت المعرفة المتبادلة، تقلصت مساحة سوء الفهم. وكلما ارتفع مستوى الاتصال، أصبحت العلاقات الدولية أكثر عقلانية. لكن ما حدث فعليًّا يستحق التوقف عنده.
فالعالم الذى يمتلك أكبر قدر من وسائل الاتصال فى تاريخه، هو نفسه العالم الذى يشهد مستويات مرتفعة من الشك المتبادل بين القوى الكبرى. والعالم الذى يستطيع فيه أى إنسان أن يتابع حياة الآخرين لحظة بلحظة، ما زال عاجزًا عن التخلص من كثير من الصور الذهنية القديمة. والعالم الذى يتحدث باستمرار عن القرية الكونية، ما زال يشهد سوء تقدير وسوء فهم لا يقلان خطورة عن تلك التى عرفتها عصور سابقة.
هل أخطأنا إذن فى فهم العلاقة بين الاتصال والفهم؟
افترض كثيرون أن الاتصال يقود تلقائيًا إلى الفهم. لكن الإنسان لا يستقبل المعلومات بوصفه صفحة بيضاء، بل يستقبلها عبر منظومة كاملة من التصورات السابقة والخبرات المتراكمة والانتماءات الثقافية والذاكرة التاريخية. ولذلك فإن وصول المعلومة لا يعنى بالضرورة وصول معناها، كما أن مشاهدة الواقع لا تعنى دائمًا إدراكه على حقيقته.
كلما ازداد تدفق المعلومات، ازدادت أيضًا قدرة الإنسان على انتقاء ما ينسجم مع تصوراته المسبقة. وكلما اتسعت مساحة المعرفة المتاحة، أصبح من الممكن بناء عوالم فكرية مغلقة داخل هذا الفيض الهائل. فنحن بهذا أمام وضع فريد فى التاريخ: وفرة غير مسبوقة فى المعرفة، يقابلها عجز متكرر عن تحويلها إلى فهم متبادل.
كل هذا قادنى إلى مراجعة بعض السرديات الكبرى التى حاولت تفسير العالم خلال العقود الأخيرة.
بعض هذه السرديات انطلق من فكرة أن الصراعات المستقبلية ستدور حول الاختلافات الحضارية والثقافية، وأن نهاية الحرب الباردة نقلت التنافس من المجال الأيديولوجى إلى المجال الحضارى. كما ظهرت رؤى أخرى نظرت إلى العولمة بوصفها القوة الأكثر تأثيرًا فى تشكيل المستقبل، وتوقعت أن يؤدى تشابك المصالح إلى تقليص الفوارق بين المجتمعات.
ولم يغب عنى أن هاتين السرديتين، على تباينهما، وُلدتا فى لحظة تاريخية واحدة: لحظة بدا فيها أن قطبًا واحدًا قد حسم أمر النظام الدولى لصالحه، فبدا المستقبل محصورًا بين صدام حول نموذجه أو ذوبان فيه. لكن تلك اللحظة الأحادية أخذت تتصدَّع منذ سنوات، وعاد العالم إلى ما هو أقرب إلى طبيعته: تعدُّد أقطاب لا يحكمه مركز واحد، تعيد فيه قوى صاعدة، من الصين إلى غيرها، رسم خرائط النفوذ والمعنى معًا.
فى سنوات الدراسة الأولى، بدت هذه الأطروحات شديدة الجاذبية، لكن التجربة العملية كانت تثير فى ذهنى تساؤلات متزايدة.
فحين كنت أتابع العلاقات العربية الصينية، لم أجد صورة تنطبق على فكر الصدام الحضارى. وحين كنت أراقب التحولات فى المجتمعات المختلفة، لم أجد ما يؤكد أن العولمة تقود بالضرورة إلى عالم متشابه. كان الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك. فالحضارات لا تعيش فى حالة صدام دائم، كما أنها لا تتحرك نحو الذوبان الكامل فى نموذج واحد. إنها تتبادل التأثير باستمرار، وتتعاون أحيانًا، وتتنافس أحيانًا أخرى، وتتغير من الداخل بفعل عوامل متعددة لا يمكن اختزالها فى تفسير واحد.
وهذا قادنى لسؤال مختلف، ليس السؤال النمطى القائل: هل سيتصارع البشر أم سيتعاونون؟ كما لم يكن: هل ستنتصر العولمة أم ستنتصر الهوية؟ هذه أسئلة مهمة، لكنها لا تسبق سؤالًا آخر بدا أكثر جوهرية: كيف يرى البشر بعضهم أصلًا؟ وكيف تتشكل الصور المتبادلة بينهم؟ وما أثر هذه الصور فى القرارات التى يتخذونها وفى السياسات التى يبنونها وفى الأحكام التى يصدرونها؟ كثير من النقاشات السائدة كانت تتعامل مع نتائج الظاهرة أكثر ما تتعامل مع الظاهرة نفسها. نتحدث عن الصراعات دون أن نتوقف طويلًا عند الكيفية التى تشكلت بها صور الأطراف المتصارعة عن بعضها. ونتحدث عن التعاون دون أن نسأل كيف نشأت الثقة التى جعلته ممكنًا. ونتحدث عن التنمية والتكامل الاقتصادى، دون أن نولى الاهتمام نفسه لمسألة الإدراك المتبادل التى تسمح لهذه العمليات بالاستمرار. كل ذلك قادنى إلى قناعة متزايدة بأن الفهم ليس نتيجة جانبية لمسارات أخرى. إنه ليس أمرًا ثانويًا يأتى بعد العوامل الأخرى، لكنه عنصر حاضر فى قلب هذه العمليات كلها.
وبهذا بدأت تتشكل أمامى الفكرة المركزية لهذا الكتاب الذى أرجو أن يكون معبرًا عما أريده بشكل كافٍ.
فبدلًا من النظر إلى الفهم بوصفه أثرًا طبيعيًّا للتنمية، بدأت أتساءل: ماذا لو كان الفهم نفسه جزءًا من التنمية؟ وماذا لو كانت قدرة المجتمعات على فهم نفسها وفهم الآخرين موردًا لا يقل أهمية عن كثير من الموارد التى اعتدنا قياسها؟
لم تأت فكرة «التنمية التفاهمية» دفعة واحدة، ولم تولد فى لحظة إلهام مفاجئة، ولم تكن محاولة لصياغة مصطلح جديد يضاف إلى قائمة المصطلحات التى تمتلئ بها الأدبيات الأكاديمية المعاصرة. على العكس من ذلك، جاءت نتيجة مسار طويل من الملحظات والتجارب التى تراكمت عبر سنوات عديدة، حتى بدأت بعض الخيوط المتفرقة تلتقى تدريجيًّا فى صورة أكثر وضوحًا.
وقد ساعدتنى تجربة بيت الحكمة، التى أسستها فى مصر والصين منذ سنوات بهدف بناء جسر ثقافى بين العالمين العربى والصينى، على رؤية هذه الفكرة من زاوية أخرى. فقد علمتنى الترجمة، والنشر، وإدارة المشاريع المشتركة، أن نقل النص ليس نقلًا للمعنى دائمًا، وأن التبادل التجارى لا يصنع بالضرورة فهمًا، وأن الجسور بين الحضارات تحتاج إلى بناء يومى صبور لا يكتمل فى عام أو عقد. وأن المؤسسة هى ما يبقى، أما الفرد فيمضى.
ومع مرور السنوات بدأت ألاحظ أن كثيرًا من النجاحات التى كنا نحتفى بها لم تكن تعنى دائمًا أن الفهم قد تحقق بالدرجة نفسها، فقد يحقق كتاب نجاحًا كبيرًا فى التوزيع، ثم تكتشف أن الرسالة التى حملها إلى القارئ تختلف كثيرًا عما قصده مؤلفه. وقد تنجح زيارة رسمية أو معرض كتاب أو مشروع ثقافى فى تحقيق أهدافه المباشرة، بينما تبقى الصور الذهنية القديمة على حالها. وأحيانًا كنت أشعر أن أصعب ما فى الترجمة هو نقل السياق الذى وُلد فيه النص. وأصعب ما فى الحوار هو الوصول إلى المعانى التى تختبئ خلف الكلمات.
فبدأت أنظر إلى الترجمة والنشر والحوار الثقافى بطريقة مختلفة. لم تعد بالنسبة لى أنشطة ثقافية مستقلة وإنما أجزاء من عملية أكبر تتعلق بكيفية بناء الفهم نفسه. فالجسر الحقيقى لا يقاس بعدد من عبروا فوقه، وإنما بقدرته على جعل الضفتين أقرب إلى بعضهما.
وكلما تأملت النقاشات الدائرة حول التنمية، وجدت أن الجزء الأكبر منها ينصرف إلى ما يمكن قياسه بسهولة. نتحدث عن معدلات النمو، ومستويات الدخل، وحجم التجارة، ومؤشرات التعليم، والبنية التحتية، والقدرات التكنولوجية. وقد حققت البشرية إنجازات هائلة فى كثير من هذه المجالات.
لكن فى الوقت الذى حققت فيه بعض الدول نجاحات اقتصادية واضحة، بقيت الفجوات المعرفية والثقافية قائمة بينها وبين محيطها. وأحيانًا كانت المصالح الاقتصادية تنمو بسرعة، بينما تظل الصور الذهنية المتبادلة متأخرة سنوات طويلة عن الواقع الجديد الذى تشكًّل على الأرض.
العلاقات بين الدول لا تقوم على المصالح المادية فقط، مهما كانت أهمية هذه المصالح. كما أنها لا تقوم على التوازنات السياسية أو العسكرية فقط. هناك دائمًا طبقة أخرى أقل ظهورًا، لكنها لا تقل تأثيرًا، طبقة تتعلق بالتصورات المتبادلة، وبمستوى المعرفة الحقيقية التى يمتلكها كل طرف عن الآخر، وبالقدرة على قراءة دوافعه، وأولوياته، ومخاوفه، وتطلعاته. وحين تغيب هذه المعرفة، أو تضعف، أو تتشوَّه، تصبح العلاقات أكثر هشاشة مهما بلغت قوة المصالح المشتركة.
ولم أعد أتعامل مع «التنمية التفاهمية» بوصفها دعوة إلى الحوار الثقافى، لأن الحوار وحده قد يبقى حدثًا عابرًا لا يترك أثرًا عميقًا، ولم أعد أقصد بها التبادل الثقافى بمعناه التقليدى، رغم أهميته. كما لم أقصد بها الترجمة وحدها، أو الإعلام وحده، أو التعليم وحده، أو الدبلوماسية العامة وحدها.
كنت أفكر فى إطار أوسع من ذلك كله، إطار ينظر إلى الفهم بوصفه قيمة تنموية، وإلى المعرفة المتبادلة بوصفها بنية تحتية غير مريئة للعلاقات الإنسانية والدولية. فكما تحتاج المجتمعات إلى طرق وموانئ وجامعات ومصانع، فإنها تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تنتج الفهم، وإلى قنوات تسمح بتصحيح الصور المتبادلة، وإلى مساحة تتيح للناس أن يروا بعضهم بعيدًا عن القوالب الجاهزة والأحكام المسبقة.
لا يعنى ذلك أن الفهم وحده قادر على إزالة الخلافات أو إنهاء الصراعات.
فالتاريخ الإنسانى أكثر تعقيدًا من أن يخضع لتفسير واحد، لكن الفهم يظل شرطًا ضروريًا لإدارة الاختلافات بصورة أكثر عقلانية، ولتحويل التعاون من حالة مؤقتة إلى علاقات أكثر رسوخًا واستدامة.
حين أنظر اليوم إلى ربع قرن قضيته بين الصين والعالم العربى، لا أتذكَّر فقط الكتب التى ترجمت أو نشرت، ولا المؤتمرات التى شاركت فيها، ولا المشروعات التى عملت عليها. أكثر ما أتذكره هو عدد المرات التى اكتشفت فيها أن البشر يسيئون فهم بعضهم رغم حُسن النية، وعدد المرات التى رأيت فيها أن سوء الفهم قد يكون أقوى أثرًا من الخلاف نفسه.
وربما لهذا السبب لم يُعد السؤال الذى يشغلنى يتعلق بالصين وحدها، ولا بالعالم العربى وحده، ولا حتى العلاقات بينهما. السؤال أصبح أوسع من ذلك كله. كيف يمكن للعالم أن يحول المعرفة إلى فهم، والاتصال إلى إدراك، والتجاور إلى علاقة إنسانية أكثر عمقًا؟
وكلما تأملت هذا التحول الكبير الذى يعيشه النظام الدولى، وهو ينتقل من هيمنة قطب واحد إلى عالم أكثر تعددًا، ازددت يقينًا بأن إعادة تشكيل هذا العالم لن تحسمها موازين القوة وحدها، بل ستحسمها أيضًا قدرة أطرافه الصاعدة على أن يروا بعضهم على حقيقتهم. وفى قلب هذا السؤال يقف لقاء العرب والصين: اختبار ما إذا كان عالم ما بعد الهيمنة سيُبنى على الفهم، أم على سوء الفهم القديم فى ثوب جديد؟
هذا الكتاب هو ثمرة البحث عن إجابة لهذا السؤال، لأنه محاولة للانطلاق من المكان الذى تبدأ منه حقيقة الاعتراف بأننا ما زلنا بحاجة إلى أن نفهم بعضنا بصورة أفضل. والصفحات التالية ليست محاولة لتقديم إجابات نهائية بقدر ما هى محاولة لفتح باب للنقاش حول سؤال أراه أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى.
لقد أمضى الإنسان قرونًا يبنى الطرق التى تصل بين المدن، ثم أمضى عقودًا يبنى الشبكات التى تصل بى القارات، لكنه ما زال يواجه السؤال نفسه: كيف يمكن أن نعيش فى عالم واحد دون أن نفهم بعضنا؟
وهذا الكتاب ليس محاولة للإجابة النهائية عن هذا السؤال.
لكنه محاولة للبحث عنه من جديد.







