الأحد 14 يوليه 2024
المحرر العام
محمد الباز
المحرر العام
محمد الباز

طفل من حقول الكاكاو.. جورجى أمادو.. الفن أرحب من الأيديولوجيا

جورجى أمادو
جورجى أمادو

عصية هى الكتابة، أعنى الكتابة الكتابة، الخارجة من رحم الحياة، ومن قلب الجحيم الأرضى، تبدو طيعة فى مظهرها الخارجى، مركبة فى جوهرها الداخلى، تحمل طبقات متعددة من المعنى.

وعرفت أدبيات الكتابة العالمية نمط الرواية السيرية، أو رواية السيرة الذاتية، واكتفى بعض كتابها بتقديمها بوصفها محض سيرة ذاتية، غير أنك حين تعاينها تتلمس داخلها عناصر البناء الروائى، تأخذ نمطًا إبداعيًا متحررًا من القوالب الجامدة؛ أو الصيغ الجاهزة، والتصورات المعدة سلفًا. 

وربما تصبح سيرة الكاتب البرازيلى الأشهر جورجى أمادو «طفل من حقول الكاكاو» من أبرز ما كتب فى هذا المسار السردى، أمادو الذى صاحبته جملة شهيرة من نقاد أمريكا اللاتينية حين يوصف بأنه ذلك الكاتب المعبر عن تلك الروح البراز يلية الحقة، كما رافقته تلك العبارة التى اتخذت بُعدًا شعبيًا فيما بعد «إذا أردت أن يكرهك سكان البراز يل فليس عليك سوى أن تهجو جورجى أمادو». 

فى سيرته الفاتنة «طفل من حقول الكاكاو» يحكى الروائى البراز يلى عن البهجة والجحيم الحياة والموت الوجود والعدم

تبدو الملاحظة الأولية عن «طفل من حقول الكاكاو» منطلقة من كونها ترصد جوانب من الطفولة وتكتفى بها، وكأنها رصد للجذور الأولى، ومنابع التكوين، وتتحذ شكل المقاطع الحرة التى يمثل كل منها مشهدًا عرضيًا من حياة يظللها الموت، حيث يعلن أمادو «الموت صديق طفولتى من بدايتها إلى نهايتها»، ولطالما مثلت مدينة «باهيا» البرازيلية مركزًا لجغرافيا السرد فى أعماله الإبداعية. 

وتتعدد استهلالات الفصول السردية، وتأخذ اشكالًا متعددة، بعضها يأخذك إلى جوهر الحكاية مباشرة، وبعضها يلتقط الحدث العابر والمقيم فى ذاكرة الطفل فى الآن نفسه، ومنها ما يأخذ 

شكل البيان الأدبى حين يعاين أمادو فكرة الكتابة، متطرقًا إلى السؤال المعتاد لماذا نكتب، وهل ثمة غايات جمالية وفكرية تكمن وراء الكتابة. 

وفى سيرته الفاتنة «طفل من حقول الكاكاو» يحكى الروائى البرازيلى عن البهجة والجحيم، الحياة والموت، الوجود والعدم، أن يصير المكان مأوى لزراعة المخدرات أو الكاكاو، أن يملكه بارونات ولصوص، ويقطنه ودعاء وطيبون، كل شىء ونقيضه إذن فى بنية روائية متجانسة من حيث الشكل الفنى، لكنها تضج بالتناقضات من حيث الدلالة. وفى البرازيل أيضًا وهى واحدة من أبرز قلاع كرة القدم فى العالم وموطن الكرة الجميلة، يحكى «روماريو» اللاعب البرازيلى الشهير الذى حمل كأس العالم من قبل عن نشأته المتعثرة، عن التعاسة، والفقر، عن لحظة الفرح التى تقتحم حياة الصبى حين يأتى والده بهدية عيد ميلاده التى كانت دوما كرة قدم.

يمكنك أن تهدى للبرازيليين كرة قدم، أو كتابًا لجورجى أمادو.

التجوال هو ما يمكن لنا أن نتلمسه فى السيرة الروائية «طفل من حقول الكاكاو»، وعين الطفل ارتبطت بذاكرته، بتلك المرويات التى شكلتها حرفية كاتب متمرس، حيث كتب أمادو سيرته الشهيرة فى العام ١٩٨٦م، وكان عمره وقتها ٧٤ عامًا تقريبًا.

وقد حظيت الطفولة بحضور واعد فى مدونة السرد العالمى من جهة، وفى أدبيات الأفكار والفلسفة من جهة ثانية، وقد وصفها الفيلسوف الألمانى نيتشه بأنها الإنسانية الناضجة الكامنة فينا، ويحكى أمادو عن تلك الطفولة المغايرة التى تقف على عتبات الموت والدهشة فى هذا المقطع المركزى داخل السيرة.

«طفولة شكلتها أراضى اغتصبت، ورجال مدججون بالأسلحة فى عالم بدائى، حيث تسود الأوبئة والطاعون والأفاعى والدم، والصليب على امتداد الطرقات، وهو أيضًا عالم البحر ونسائمه، والشطآن، والأنغام، والجميلات».

ويعبر المقطع السابق عن إحدى التقنيات الجمالية التى تنهض عليها كتابة أمادو، حيث الاتكاء على نمط الثنائيات المتعارضة، دون أن يصبح ذلك عائقًا أمام النظر المتسع إلى العالم، وربما كان تمرده على سطوة الأيديولوجيا امتدادًا لهذا المنحى، حيث فطن فى النهاية إلى أن رؤية العالم لا تعنى أن يكون الكاتب أسير نظرة مقيدة للمعنى، ولا لحركة النص، حيث يصبح الإنسانى أرحب من الأيديولوجى.

أليست الأيديولوجيات هى أصل الداء فى زماننا؟

إن الفكر المبدع الخلاّق تخنقه النظريات والمفاهيم الدوجمائية، وتقدم الإنسان تعوقه القواعد التى لا تتغير»، ثم يصل فى نهاية المقطع إلى بغيته، حيث يصبح امتلاك ناصية الحلم أعز ما قد يملكه الإنسان: «ليس لدينا حق أكثر استقامة وأكثر ثباتًا من حقنا فى الحلم».

ولم تكن هذه التصورات العميقة محض انحيازات فكرية من الكاتب تجاه المقموعين والمهمشين خالية من روح الفكاهة الساخرة، تلك الروح التى هيمنت على معظم اعماله، والتى برزت على نحو مغاير فى روايته «ميتتان لرجل واحد»، حيث نرى تلك المفارقات الساخرة التى تعيد تشكيل العالم، فتلك الحياة الرتيبة التى عاشها الموظف المثالى «جواكيم» صارت عبئًا عليه، فأراد أن يتحرر قليلًا، أو بالأحرى أراد أن يحرر روحه السجين فى عالم يعاين العادى والمألوف باعتباره خلاقًا ومبهرًا، ولذا يصير رجلًا آخر، ويطلق على نفسه «كينكاس هدير الماء»، ويقضى على كل ما تبقى من سيرة للرجل الطيب «جواكيم»، الذى لا يعرف شيئًا فى هذا العالم سوى مكتبه، ومظهره، وعالمه الجاهز المحدود، لتبدو الشخصية الروائية موزعة بين مسارين، وتتداخل الفانتازيا مع الواقع، وتتقاطع الأزمنة داخل النص على نحو فنى. يجيد أمادو الخبير بالفن والرواية والحياة صنعه، فالطفل الذى خرج ذات يوم من حقول الكاكاو قادرًا على سبك نصه وحبكه بروية، وسخرية، وعمق.

ثمة حكايتان مركزيتان تشكلان وجهى الحكاية فى الرواية، وتمثلان سيرة متنقلة تصاحب البطل «جواكيم»، والمروى عنه المركزى فى الرواية، وتعبران عن رؤيتين متمايزتين للعالم، فعلى الرغم من أن ثمة جسدًا واحدًا مسجى فى التابوت، فإن ثمة تصورين مختلفين عنه، يتصلان بكيفية موت البطل، الذى يبدو هنا نموذجًا لذلك البطل الإشكالى الذى ليس سلبيًا وليس إيجابيًا، والذى يحمل الشىء ونقيضه، فتبدو الطريقة الأولى ملائكية وادعة مثل شخصية جواكيم النمطية السابقة، بينما تحيل الطريقة الثانية إلى شخصية جديدة أقرب لحياة الصعلكة والتشرد التى عاشها الموظف المثالى السابق بعد أن غادر حياته الهادئة، ليصبح قائد حياة الليل فى بلدته البرازيلية «باهيا»، ويتحول من جواكيم إلى كينكاس هدير الماء.

وبين هذين التصورين تنفتح الدلالة على عشرات التصورات الدالة على عالم نسبى متغير يمكن أن يحوى صنوفًا أخرى من البشر.

وبعد.. يتخذ الفن مساره بعيدًا عن الصخب الزاعق، يحيل العادى إلى غير عادى، قد يحمل المعنى، مثلما يحمل ظله، يعاين الوجود من زوايا نظر متسعة، ولا يقدم نفسه باعتباره مالكًا للحقيقة، بل يظل ممهورًا بالشغف، والجمال، والابتكار، والجدارة الإنسانية.