دعوة لوزيرة الثقافة لمراجعة تزكيات اتحاد كتّاب مصر لمنح التفرغ
فى ضوء البيان الصادر عن مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر بشأن واقعة العضو حسن غريب، الذى أقر فيه المجلس بقيامه بتزكية عدد من الأعضاء للحصول على منح التفرغ المقدمة من وزارة الثقافة المصرية عبر المجلس الأعلى للثقافة، مع التأكيد أن هذه التزكيات تتم «مع عدد متفق عليه من الأعضاء بصورة غير معلنة احترامًا لخصوصيتهم»، فإن هذا التصريح يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه التزكيات والمعايير التى تحكمها.
فالأصل فى منح التفرغ الثقافى أنها إحدى أهم الأدوات التى تعتمدها الدولة لدعم الإبداع الجاد، إذ تُمنح للمبدعين الذين يحققون تميزًا واضحًا فى إنتاجهم الأدبى أو الفكرى، بحيث تمثل أعمالهم إضافة حقيقية للحياة الثقافية. ومن ثم فإن حصول المبدع على هذه المنحة يفترض أن يكون محل تقدير وإعلان واعتزاز، بوصفه اعترافًا رسميًا بقيمة منجزه الإبداعى.
غير أن الإشارة فى البيان إلى أن التزكيات تتم «مع عدد متفق عليه من الأعضاء بصورة غير معلنة» تطرح دلالة مختلفة، إذ توحى بأن الأمر لا يجرى فى إطار تنافسى أو معلن قائم على تقييم موضوعى للأعمال الإبداعية، بل فى سياق ترتيبات داخلية غير معلنة، ما قد يفتح الباب لتفسيرات تتعلق بتحويل هذه المنح- التى تمول من المال العام- إلى نوع من الدعم المالى أو المساعدات التى تُمنح لبعض الأعضاء عبر تزكيات داخلية.
إن الإبداع الحقيقى بطبيعته لا يحتاج إلى الإخفاء أو الحجب، بل يُعلن ويُحتفى به بوصفه إنجازًا يثرى الثقافة الوطنية ويرفع من مكانة الحركة الأدبية. أما الحديث عن «عدد متفق عليه» يتم ترشيحه بصورة غير معلنة، فإنه يثير مخاوف مشروعة من إمكانية التعامل مع هذه المنح؛ باعتبارها امتيازات أو فرصًا موزعة داخل إطار تنظيمى مغلق، بدلًا من أن تكون استحقاقًا مفتوحًا قائمًا على الجدارة الإبداعية وحدها.
ومن هنا تتجدد أهمية التأكيد على مبدأ الشفافية الكاملة فى آليات الترشيح والتقييم الخاصة بمنح التفرغ الثقافى، ما يضمن تكافؤ الفرص بين جميع المبدعين، ويحافظ على الثقة فى المؤسسات الثقافية التى تضطلع بمسئولية إدارة موارد عامة مخصصة لدعم الإبداع.
وانطلاقًا من الدور الذى تضطلع به جيهان زكى، وزيرة الثقافة، فى ترسيخ قيم العدالة الثقافية وصون المال العام، فإن هذه التساؤلات المشروعة تستدعى توضيحًا يضمن أن تظل منح التفرغ الثقافى أداة لدعم الإبداع الحقيقى، لا مجالًا لأى التباس قد يمس مبدأ الاستحقاق أو الشفافية فى توزيع الفرص الثقافية.
ومن ثم فإننا نطالب معاليكم بما يلى:
أولًا: وقف بروتوكول التعاون بين وزارة الثقافة المصرية واتحاد كتاب مصر فيما يتعلق بتزكية الأعضاء للحصول على منح التفرغ، وذلك لحين مراجعة آلياته وضمان توافقه مع مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
ثانيًا: إجراء مراجعة شاملة وشفافة لجميع منح التفرغ التى مُنحت خلال السنوات الماضية، خاصة تلك التى تمت عبر تزكيات اتحاد كتاب مصر.
ثالثًا: تقييم الإنتاج الأدبى والإبداعى للمستفيدين من هذه المنح من حيث جودته وقيمته الثقافية، وكذلك العائد الحقيقى الذى قدمه للثقافة المصرية، خاصة أن هذه المنح تُنفق عليها ملايين الجنيهات من المال العام سنويًا.
رابعًا: مراجعة اللجان المختصة التى تقوم بفحص الأعمال وإجازتها والموافقة على منح التفرغ، سواء للأعمال التى تم ترشيحها عبر الاتحاد أو تلك المقدمة من خارجه، ما يضمن استقلال هذه اللجان ونزاهة قراراتها.
خامسًا: إعلان نتائج هذه المراجعة للرأى العام الثقافى بشفافية كاملة، ما يعيد الثقة فى منظومة دعم الإبداع، ويؤكد أن المال العام يذهب إلى من يستحقه بالفعل.
إن الثقافة المصرية لا يمكن أن تُدار بمنطق المجاملات أو الترتيبات غير المعلنة، بل يجب أن تقوم على الشفافية والجدارة وحدهما. فالمبدع الحقيقى لا يُمنح فى الخفاء «احترامًا لخصوصيته»، بل يُعلن اسمه ويُحتفى بإبداعه باعتباره قيمة مضافة للحياة الثقافية، ونموذجًا يُحتذى به فى التفوق والتميز.
إن حماية نزاهة منظومة دعم الإبداع ليست مجرد إجراء إدارى، بل مسئولية وطنية تضمن أن يظل تقدير الدولة للمبدعين قائمًا على الجدارة والشفافية وحدهما. وإننا على ثقة بأن معالى الدكتورة جيهان زكى، وزيرة وزارة الثقافة المصرية، ستتخذ ما يلزم من خطوات تكفل صون المال العام وترسيخ العدالة الثقافية، ما يحفظ مكانة الإبداع المصرى وكرامة مبدعيه.







