اختفاء سيرة سيدة مصرية عظيمة.. أوهام المتحدثين باسم قوت القلوب الدمرداشية
- من الضرورى أن يستعين أى باحث بما كُتِب عنها
- ليس من حق أحد الزعم بأنه اكتشف قوت القلوب وأنها حكر عليه وحده والمتحدث باسمها
تعود صلتى بقوت القلوب الدمرداشية منذ فترة بعيدة، منذ أن بدأت أقرأ وأحرص على شراء الكتب، منذ أن عرفت مكتبة «مصر» بالفجالة لصاحبها سعيد جودة السحار، ففى كل مرة أشترى كتبًا منها لا بد من أخذ نسخة من الكتيب الخاص بقائمة مطبوعات المكتبة، وفى كل مرة أتصفحه أجد أعمال نجيب محفوظ تتصدر القائمة، وبجوار الرواية الرابعة له «رادوبيس» عبارة «جائزة قوت القلوب»، وأسأل نفسى من تكون «قوت القلوب»؟ إلى أن قرأت كتاب «نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته» لرجاء النقاش، الذى استعرته أكثر من مرة من مكتبة مبارك العامة - والكتاب عبارة عن حوارات أجراها رجاء النقاش مع نجيب محفوظ بتكليف من مركز الأهرام للدراسات والترجمة والنشر، وظهر فى ديسمبر 1997- حيث يعرفها نجيب محفوظ بأنها سيدة محبة للأدب، ونظمت مسابقة فى فن الرواية عام 1940، وكانت جائزتها أربعين جنيهًا مصريًا، ونال الجائزة مناصفة مع على أحمد باكثير عن روايته «سلامة».

هذا ما ذكره نجيب محفوظ، أما رجاء النقاش فقد أعطانا بعضًا من تفاصيل حياتها فى هامش الكتاب، فقال: «قوت القلوب الدمرداشية (١٨٩٢- ١٩٦٨) هى سيدة مصرية غنية كانت لها مكانة كبيرة فى الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية فى مصر قبل ثورة ١٩٥٢. وقد ورثت عن والدها الشيخ محمد الدمرداش شيخ الطريقة الصوفية الدمرداشية ثروة طائلة كان من بينها خمسة آلاف فدان ومستشفى الدمرداش الشهير الآن، وكان والدها قد أقام هذا المستشفى كمؤسسة صحية خيرية خاصة. وكانت قوت القلوب تكتب بالفرنسية ولها مؤلفات بها تتناول فيها جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية فى مصر. وكانت قوت القلوب الدمرداشية مهتمة بتشجيع الأدب والأدباء، وأنشأت لذلك جائزتها الأدبية السنوية، وهى أول جائزة يفوز بها نجيب محفوظ. وقد هاجرت إلى أوروبا بعد ثورة يوليو، وعاشت بين باريس وروما، وانتهت حياتها نهاية مأساوية. وقد كان لقوت القلوب ابنة هى زينب وكانت متزوجة من الصحفى الكبير على أمين. وفى النهاية يقرر رجاء النقاش أن حياة قوت القلوب تصلح مادة لرواية مهمة».
أقول: تعرفت إلى قوت القلوب وأنا ما زلت طالبًا فى السنة الثانية بكلية الآداب، أى فى سنة ٢٠٠٧، لكنى لم أعد ذلك كشفًا جديدًا أو خبيئة دفينة، أو أننى الوحيد صاحب الحق فى الحديث عن قوت القلوب. لا شك أنها كانت علمًا من أعلام تلك المرحلة، ولا شك أننا من نجهل ذلك، كالذى يحدثك عن اكتشافه الطبيب الجراح الشهير «على باشا إبراهيم»، فإنه - بلاشك- جاهل، ناقص المعرفة؛ لأنه ببساطة كان من المشهورين قبل ثورة يوليو المجيدة، وكان الشعراء والنابهون لا يكفون عن امتداحه كأمير الشعراء أحمد شوقى وغيره.
ليس من حق أحد الزعم بأنه اكتشف قوت القلوب، وأنها حكر عليه وحده، والمتحدث باسمها، فمادام كُتِب عنها ولو سطرًا واحدًا، فهو متأثر بما كُتِب، تابع له حتى لو خالفه، فيكفى أن الأول قد ألقى الضوء حولها حتى لو كان خافتًا أو باهتًا، وعلى ضوء هذا فهو إما أن يتابع وإما أن يخالف، إما أن يتأثر سلبًا أو إيجابًا، فالأسبقية حتمًا لها الأولوية. وإذا ظهر باحث توسع فى جمع المعلومات عنها سواء بواسطة الكتب أو عن طريق التقاء آخرين كانوا مقربين منها أو لهم صلة بها، أو زار الأماكن التى عاشت بها أو ارتادتها، فكل هذا لا يجعله صاحب الوصاية عليها، وغاية ما فى الأمر أنه اجتهد مثلما اجتهد غيره. وإذا أتى باحث بعده، فمن الضرورى أن يستعين بما كُتِب عنها، ولا بد من أن يستعرض جهود من سبقوه، كما يحدث فى الرسائل العلمية؛ حيث إنه من الأهمية بمكان استعراض كل الرسائل التى تناولت الموضوع، مع ذكر الأسباب التى دفعته إلى الكتابة حول الموضوع نفسه، كأن لفت نظره أمر لم يتطرق إليه من سبقه، أو تصحيح أخطاء وقع فيها، أو استيفاء مسألة لم يوفِها. وكثيرًا ما يقتبس المؤلف فقرات كثيرة من كتابات سابقة، لكن عليه أن يشير إلى المصدر الذى اقتبس منه أسفل الصفحة أو نهاية الفصل، أو حتى بوضع هوامش كل فصل نهاية الكتاب، وإلا عُد ذلك سرقة. وإذا أخذ النص كما هو دون تدخل منه وعده من اجتهاده كان سارقًا، أو اقتبس الفكرة أو المعنى دون اللفظ ولم يشر إلى المصدر كان سرقة أيضًا.

ازدادت معرفتى بقوت القلوب بعدما قرأت عنها، وخاصة بعد أن قرأت الفصل الذى عقده «محمود قاسم» فى كتابه «الأدب العربى المكتوب باللغة الفرنسية»، وهو بعنوان «الأدب المصرى المكتوب باللغة الفرنسية»، وتناول بالإضافة إلى قوت القلوب، ألبير قصيرى وأندريه شديد وأحمد راسم وجورج حنين، ثم وضع ثبتًا بأسماء الكتاب المصريين الذين اتخذوا الفرنسية لغة لأدبهم وفنهم. وبالنسبة إلى قوت القلوب فقد أعطانا ملخصًا عن حياتها وعن رواياتها المكتوبة الفرنسية، وكما قلت من قبل فإن ما نعتقده الآن مغمورًا فإنه كان ملء السمع والبصر فى زمانه، وقال محمود قاسم عنها: «قوت القلوب الدمرداشية هى واحدة من شهيرات الكاتبات المصريات اللائى يكتبن باللغة الفرنسية، كما أنها من أوائل سيدات المجتمع المصرى اللائى آمنَّ بقيمة الكلمة، وفتحت بيتها ليكون صالونًا أدبيًا يأتى إليه أبناء المجتمع البارزون من الرجال والنساء»، وقال أيضًا: «ولم تكن قوت القلوب امرأة متفرنسة، بل هى امرأة مصرية، سواء فى الدور الذى قامت به اجتماعيًا، أو فى أدبها الذى لم يجد طريقه إلى اللغة العربية، ما ساعد على أن تصبح مجرد شخصية هامشية، بل يكاد لا يكون لها وجود فى خريطة هذا الأدب»، وأرجع سبب ذلك إلى أن رواياتها لم تترجم إلى اللغة العربية حتى حينه، وذلك أن كتابه صدر فى سنة ١٩٩٦. وأكد أن رواياتها ارتبطت بالأجواء الشرقية، وعالم النساء فى الحريم، وقد امتزجت أجواؤها أيضًا بالصوفية، وهو ليس أمرًا غريبًا على امرأة عاشت فى أسرة متصوفة شهيرة. وتزداد أهمية ترجمة محمود قاسم لقوت القلوب لذكره بعض المصادر التى اعتمد عليها مثل كتاب ناصر الدين النشاشيبى «نساء من الشرق الأوسط» حيث كتب فصلًا عنها. وكذلك مجلة «الهلال» فى عدد ديسمبر من سنة ١٩٤٩، حيث نشرت المجلة ملخصًا لروايتها «زنوبة»، وهناك دراسة أعدتها الدكتورة سونيا إبراهيم عقداوى بعنوان «قوت القلوب أو رؤية مصر الأمس»، حلّلت فيها أدب الكاتبة. ويذكر محمود قاسم أن الفرنسى «جان كوكتو» كتب مقدمة روايتها «الخزانة الهندسية»، كما كتبت عن نفسها فى كتابها «ليلة القدر».
أكد قاسم أن بيتها كان مزارًا لكل كتاب العالم الذين يأتون إلى القاهرة أمثال فرانسوا مورياك، وأناتول فرانس، لكنى غير مرتاح إلى زيارة أناتول فرانس إلى بيتها؛ لأنه مات سنة ١٩٢٤، وكانت سنها أقل من اثنتين وثلاثين، فهى من مواليد ١٨٩٢، ولم تنشر أيًا من رواياتها فى ذلك الوقت؛ حيث لم تدخل عالم الأدب إلا بعد أن تجاوزت الخامسة والأربعين، ونشرت روايتها الأولى عام ١٩٣٧م فى دار المعارف باللغة الفرنسية تحت عنوان «مصادفة الفكر»، وفى نفس العام نشرت روايتها «حريم» فى دار جاليمار. وهذا ما يجعلنى غير مرتاح إلى زيارة أناتول فرانس إلى بيتها، لكنى لا أستطيع نفى الزيارة، فمن المؤكد أنها قرأت باللغة الفرنسية أعمالًا لكبار كتاب فرنسا وعلى رأسهم أناتول، وفى زيارة من زياراته إلى مصر دعته إلى بيتها، ربما يكون هذا صحيحًا.

بعد محمود قاسم قرأت رواية وحيدة لقوت القلوب هى «رمزة.. ابنة الحريم» من ترجمة دسوقى سعيد، ونشرت فى روايات الهلال فى يوليو ١٩٩٩، العدد ٦٠٧.
وقرأت مقدمة الرواية، وفى بدايتها أكد أن القارئ المصرى لم يقرأ لها كلمة واحدة باللغة العربية، وكنت أتمنى من المترجم أن يذكر أن مجلة «الهلال» التى نشرت الرواية قد قدمت ملخصا لإحدى رواياتها من اثنتين وعشرين صفحة فى عدد ديسمبر ١٩٤٩. كذلك استعان المترجم بكتاب محمود قاسم سالف الذكر وناصر النشاشيبى. وزعم الأستاذ دسوقى سعيد أنها قابلت قاسم أمين سنة ١٨٩٩، وتعرفت إلى الشيخ محمد عبده وتبنت آراءه، لكنى لا أميل إلى هذا؛ لأن عمرها وقت مقابلة قاسم أمين سبع سنين، وهى سن صغيرة بل هى طفلة لا يمكن أن تستوعب لقاءات قاسم أمين وآراءه فى تلك السن، وكذلك الشيخ محمد عبده، فسنها وقت وفاته كانت ثلاث عشرة سنة.

وقرأت بعد ذلك فى وقت متأخر مقالًا للدكتور طه حسين بعنوان «حريم للسيدة قوت القلوب الدمرداشية» ضمن كتاب «فصول فى الأدب والنقد»، وهو يتعرض لروايتها الثانية «حريم» التى نشرتها عام ١٩٣٧، ويجمل بى أن أتوقف ولو قليلًا عند ما كتبه عميد الأدب العربى. استهل مقاله بالتردد فى كتابته؛ لأن النقد موجه إلى الجنس اللطيف، ومعروف عنه أن يتحدث إلى الأدباء فى لهجة مهما تكن رقيقة رفيقة، فإنها لا تخلو من بعض الشدة والعنف أحيانًا، حتى أصبح النقد الحازم الصارم عادة له، وهو هنا مضطر إلى اصطناع الرفق واللين لأنه ينقد عملًا لسيدة من السيدات، أو لكاتبة من الكاتبات.

أشاد طه حسين بما تكتبه قوت القلوب، وجعلها ضمن الكاتبات الأديبات اللائى ينتجن آثارًا قيمة خصبة لعلها أن تبلغ من الإجادة والإتقان أكثر مما تبلغ آثار الأدباء كما يقول. ويبدى طه حسين تعجبه واستغرابه بل استنكاره لأنها تعيش وسط مجتمع يتخذ من العربية لغة له، وتكتب فى أمور تمس المجتمع المصرى فى أدق تفاصيله، ومع ذلك تترك لغة الشعب لتكتب بلغة أجنبية عنه، وهو ما عده عيبًا يؤخذ عليها، يقول: «فأعجب من كتاب مصرى تنشئه كاتبة مصرية، وتنشئه فى موضوع مصرى خالص، ويمس حياة المصريين فى أدق جهاتها وأعمقها وأشدها اتصالًا بنفوسهم، ثم لا يعرف المصريون عنه شيئًا، إلا من طريق ما يكتبه عنه الأجانب أو من طريق النقل والترجمة، إن أتيح لهذا الكتاب أن يُنقل أو يُترجم».
يرى أنها صادقة فى تصوير حياتهم، فهى تصورها تصويرًا دقيقًا صادقًا مطابقًا للواقع من أمرها، لا تنحرف فيه عن الحق، ولا تحيد فيه عن الأشياء التى لا سبيل إلى إنكارها.
ذهب طه حسين إلى أن اللغة الفرنسية أتاحت لها الفرصة لكى تنطلق فى الكتابة دون قيود، فقال: ومما لا شك فيه أن الكاتبة الأدبية قد ظفرت فى كتابها الفرنسى بحرية فنية لا يظفر بها أمثالنا نحن المصريين من الكتاب البائسين الذين يكتبون باللغة العربية.
أبدى طه حسين رضاءه عن الرواية من الناحية الفنية، وإن لم يسمها رواية بل سماها كتابًا، «فأما من الناحية الفنية الخالصة، فأنا راضٍ عن الكتاب، مُثْنٍ عليه، آسف لأنه لم يكتب باللغة العربية، حريص على أن يترجم إلى هذه اللغة». لكنه يتحفظ على بعض ما أوردته من تفاصيل رآها مآخذ ما كان يجب أن تذكرها خاصة أنها مصرية وليست أجنبية، «وأما من الناحية المصرية الخالصة فقد أتحفظ فى هذا الرضا بعض الشىء؛ لأن الأجانب يسجلون علينا ما سجلته، فلندَع لهم ذلك». كما أخذ عليها خلطها فى تسمية شيخ الإسلام، فهو عندها الرئيس الأعلى للمؤمنين وهو كما نعلم شيخ الجامع الأزهر ليس غير. وأخطأت حين عدَّت «محمدًا» و«أحمد» اسمين لابنين من أبناء النبى صلى الله عليه وسلم، وهما اسمان من أسماء النبى نفسه.

إلى هنا انقطعت صلتى بقوت القلوب، ولم أقرأ أكثر مما قرأته عنها، أو بالأحرى لم يصادفنى أى من رواياتها، لكن هذا القدر من القراءة مكننى من التعرف إليها وإلى عالمها الروائى، وجعلنى أشعر بالحزن كل الحزن على طريقة وفاتها. وكم تمنيت لو أتيح لى الحصول على كل أعمالها الأدبية، وعمل دراسة عنها، فلم تنل الحظوة والمكانة التى تستحقها، لكنى انشغلت بأعمال أخرى صرفتنى بعض الشىء عنها، ورغم هذا فهى مخيلتى لا تفارقنى شأنها شأن الأديبة الكبيرة مى زيادة. إلى أن استيقظت ذات يوم على ضجة كبيرة، ولم ألتفت إليها، ولم أعرها أدنى اهتمام، فقوت القلوب ملك لكل الكتاب والأدباء والمفكرين، ملك لكل مجتهد باحث عن الحقيقة، وليست حكرًا على أحد، ولم تكن مجهولة ليكتشفها أحد، وإنما العيب كما قلت يقع علينا، فنحن نجهل ما كان معروفًا وشائعًا فى زمانه، وما كان طه حسين وأحمد أمين وفريد أبوحديد ليشتركوا فى مسابقة تعقد باسم قوت القلوب إلا لمكانتها وشهرتها بين الناس، ومقال طه حسين وحده كافٍ على أن يبصر الناس بما تنتجه من روايات وقصص قصيرة، ولكن آفة حارتنا النسيان كما يقول نجيب محفوظ.







