كل دا كان ليه؟.. فيروز كراوية: درست الطب واخترت الغناء وتجربتى لا تزال قيد التشكُل والصُنع
- «كل دا كان ليه؟» رحلة بحثية فى تاريخ الأغنية بعيدًا عن التحيزات الشخصية
- الجوائز غير مهمة فى فن مثل الغناء تقابل فيه جمهورك كل يوم
- لا أنتج الأغانى لتناسب فئة معينة وغالبية جمهورى بين 18 و45 عامًا
- أنتمى إلى «عصر البوب» وأحرص دائمًا على «التجريب»
تواصل المطربة فيروز كراوية نشاطها الفنى الكبير، وعادت للتواصل مع كل مستمعيها من الأجيال العمرية والأذواق المختلفة، فى الأسابيع الماضية، من خلال أغنيتين جديدتين هما «حب ساعة» و«شفتوشى».
وفيروز كراوية ليست مطربة عادية، بل تعد تجسيدًا لـ«المطربة المثقفة»، فإلى جانب الغناء هى صاحبة دراسات بحثية ونقدية فى عالم الفن، وكانت لها تجربة إبداعية استثنائية فى التوثيق لتاريخ الغناء المصرى من خلال كتابها «كل دا كان ليه؟».
ولدت فيروز كراوية فى مدينة بورسعيد، والتحقت بكلية الطب جامعة القاهرة، وخلال فترة الدراسة قدمت أغنية «قبل الأوان» فى فيلم «أسرار البنات» للمخرج مجدى أحمد على، قبل أن تتخذ مسارًا مختلفًا، وتحصل على دبلوم الدراسات الحرة من معهد الموسيقى العربية، فى الغناء الشرقى وقراءة النوتة والعزف على آلة العود.
وإلى جانب الغناء والنشاط البحثى، شاركت ابنة بورسعيد فى عدة عروض مسرحية مع عدد من الفرق المستقلة، وذلك بالتمثيل والغناء، إلى جانب عملها كمخرجة منفذة ومعدة موسيقية لعرض «الملك لير» فى الورشة التدريبية بمركز الإبداع الفنى بدار الأوبرا.
كما كتبت «فيروز» سيناريو وحوار فيلم «صباح الفل»، الذى قامت ببطولته الفنانة هند صبرى، وحصد جائزة «الصقر الذهبى» للأفلام الروائية القصيرة، ضمن فعاليات مهرجان الفيلم العربى بروتردام الهولندية، فى عام 2006، لـ«تقنياته السردية المتميزة» كما جاء فى حيثيات لجنة التحكيم.
وفى عام 2006، بدأت فيروز كراوية مشروعها الغنائى المختلف، وكونت فرقتها الخاصة، التى تسعى معها لتقديم غناء مصرى معاصر يعتمد بالأساس على التعبير والاقتراب من أنواع موسيقية متنوعة.
عن هذه المسيرة الحافلة يدور حوار «حرف» التالى مع الفنانة والباحثة فيروز كراوية.

■ بداية.. ما الذى دفعك لتقديم كتابك «كل دا كان ليه؟» فى عام ٢٠٢٢؟
- الكتاب كان بالنسبة لى تتويجًا لمشوار فى كتابة مقالات متعددة عن الغناء والموسيقى الحديثة لعدة سنوات، هو بمنزلة رحلة بحثية فى التاريخ الثقافى للأغنية المصرية الحديثة، ومراحلها المتنوعة، ونجومها الذين تصدروا المشهد فى كل زمن، مثل الست أم كلثوم والأستاذ محمد عبدالوهاب والعندليب عبدالحليم حافظ، ثم الفرق الجماعية ومحمد منير وعمرو دياب، وصولًا إلى العصر الحالى وظواهر مثل «الراب» و«المهرجانات».
الكتاب محاولة لتكوين سردية متصلة لهذا التاريخ، لا تعتمد على أحكام مثل الجميل والقبيح، بل تنظر لكل ظاهرة بمعايير زمنها، والعوامل السياسية والاجتماعية والتقنية التى أنتجتها، وهو ما يغيب فى رأيى عن كثير مما يُكتب وفق التحيزات الشخصية.
■ ٢٠ عامًا مع الغناء والموسيقى، والمشاركة فى الكثير من الأعمال المسرحية، بل والمشاركة فى بعض الأفلام غناءً وكتابةً.. أين تجدين نفسك أكثر؟
- أعتبر أن العمل الفنى الأساسى لى هو صناعة الأغنية، سواء من ناحية الكتابة أو التلحين أو الغناء، أو إنتاجها كمشروع متكامل يتضمن الفيديو والصورة، بالمشاركة مع الزملاء والمتخصصين فى كل فن. وفيما يخص الأداء التمثيلى وكتابة السيناريو فهى أنشطة فرعية أقوم بها حين تتاح فرصة، وأحبها كذلك. وشاركت فى عدة ورش تعليمية لاكتساب مهاراتها. ولا مانع لدىّ فى أى وقت لممارستها.
■ كيف كانت البدايات الأولى لفيروز كراوية مع عالم الفن ودراسة الطب؟
- بداياتى كانت كهاوية، اكتشفت مديرة مدرستى أنى أغنى، وأحبت أن تُدرب صوتى وتقدمنى باستمرار فى حفلات المدرسة. بدأت أعزف «الأورج» بشكل هاوٍ، ثم أتيحت لى فرصة الدراسات الحرة فى معهد الموسيقى العربية، حيث حصلت على دبلوم منه فى الغناء الشرقى، وتعلمت عزف العود وقراءة النوتة. كل هذا كان قبل فترة الجامعة. وحين التحقت بكلية الطب بدأت أفكر فى الممارسة الفنية بشكل أعمق.

■ لماذا فضلتِ الفن والغناء على الطب؟
- هو تفضيل عاطفى بالأساس، دافعه حب الموسيقى والغناء أكثر من الطب. إلى جانب أن هناك صعوبة فى الجمع بين المجالين، لأن كلًا منهما يتطلب جهدًا شاقًا، ولا يترك مساحة لعمل آخر.
■ هل استفدتِ من مسار الطب فى علاقاتك بكل من الغناء والمسرح والسينما؟
- لم أستفد بشكل مباشر من مسار الطب فى مجال الفن. لكن استفدت منه فى توسيع الرؤية للحياة، والنظر للتفاصيل العلمية وعلاقتها بكل الظواهر التى نحياها، من الصحة والمرض وحتى الطب النفسى، الذى اهتممت به بشكل خاص، وواظبت على التعلّم من الطبيب الكبير يحيى الرخاوى أثناء الدراسة الجامعية، وبعدها حين عملت فى المستشفى معه لمدة سنتين تقريبًا.
الفن يستفيد بشكل غير مباشر من كل معارفنا، وتظهر من خلاله مشاعر وأفكار نختزنها على مدى سنوات طويلة، ولا نعرف تحديدًا ماذا يظهر منها فى الإنتاج الفنى ومتى. والطب باب كبير لتعلُّم الحكمة لمن يريد أن ينظر له من تلك الزاوية.
■ كيف وجدتِ استقبال الجمهور أغيتك الأخيرة «حب ساعة»؟
- كان استقبال أغنية «حب ساعة» أكرم مما توقعت، فقد تلقيت رسائل كثيرة ومتابعات ممن أحبوها وأحسوا بأنها لامست إحساسهم. الأستاذ محمد خير لى تجربة طويلة معه، وأنتجنا عددًا من الأغنيات التى أعتز بها، وهو من أبرز رواد شعر الأغنية فى مصر حاليًا. أما الفنان زياد سحّاب، فـ«حب ساعة» تعد تعاونى الأول معه، وأنا من المعجبين بفنّه وقدرته على إبداع الجملة اللحنية الرشيقة والنافذة، وذوقه العالى فى تنسيق اللحن، وأتمنى أن تكون «حب ساعة» بداية لتعاونات أخرى يحبها الناس.
■ فى عصر تدور فيه الحروب، عبر الدين والهوية والمقدس وحتى الجغرافيا والتاريخ.. كيف ترين دور الفن ومستقبله وجدواه؟
- الفن كان وسيظل مصاحبًا لوجودنا البشرى، منذ كان رسومًا على كهف، وصولًا إلى كل الأشكال الفنية المتطورة، وعبر العصور التى لم تخلُ فى أى مرحلة من عنف وكوارث وتهديدات. ربما يكون أبرز ما يلعبه الفن من أدوار هو تلك المصاحبة والمؤانسة للإنسان الوحيد، لذلك فهذه المساحة التعبيرية والإبداعية هى أثر وحدتنا واغترابنا، وكذلك الفَرَح والبهجة والصُحبة التى نخلقها فى كل لحظة لمواجهة الخوف.
■ كيف ترى فيروز كراوية حصاد تجربتها؟ وأين هى من عالم الجوائز؟
- أرى أنها تجربة قيد الصُنع والتشكُّل ما دُمت أحاول أن أتعلم وأقدم أعمالًا أفضل، ولست أنا من يُقيّمها أو يبدى الرأى فيها. مسألة الجوائز غير مهمة فى فن جماهيرى مثل الغناء تقابل فيه المستمعين كل يوم على منصات متعددة، وتعرف رأيهم بنفسك، سواء الإيجابى منه أو السلبى، وتستفيد من الملاحظات لتتقدم خطوة فى تجربتك. هؤلاء المستمعون هم من يهمونى وأتعلم منهم بكل أمانة. إضافةً لذلك، أى نقد جاد هو فرصة للفهم، لأنه ينظر لأعمالك بعين خارجية، ويُشير أحيانًا لما لا تدركه وأنت فى مجرى صناعة العمل.

■ أنتِ دارسة وحاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة «السوربون».. كيف ترين تلك الثنائية المحيّرة بين العوالم الأكاديمية والأخرى الموسيقية والجماهيرية؟
- الجمع بين مسار الدراسة والعمل بالفن هو اقتناع بأن الإنسان يحمل اهتمامات متنوعة ووجوه متعددة، وإن كانت تتكامل فى صناعة الإنتاج الذى يقدمه، مثل حالتى، فهى تؤثر فى بعضها البعض. أنا أنتج أعمالًا غنائية ومقالات، وأُشرف على أبحاث أو أكتب أوراقًا بحثية، كلها فى مجالات الثقافة والموسيقى والاجتماع، وهى مجالات متصلة.
والعمل عبر أوساط مختلفة، مثل تقديم الفن فى مجال جماهيرى أكثر، يُعلّمنى ويجعلنى أدرك الفوارق بين تلك الأوساط، وهى مُتعة فى حد ذاتها أن يتاح لى التنقل بين تلك العوالم، وكل منها له نظامه وقوانينه الخاصة. من حسن حظى أن مجال الغناء يؤثر فيما أكتبه عن الموسيقى، ويعطيه جانب من الخبرة العملية، والعكس كذلك.
■ هل بالفعل، وكما قال بعض النقاد، إن أغنياتك تخاصم الذوق الكلاسيكى للأجيال القديمة ولا تصلح إلا للشباب؟
- أنا لا أنتج الأغانى لتناسب فئة بعينها، وأعتقد أن الأغلبية من الفنانين كذلك، لكن الأذواق والأجيال تختلف. شبكات التواصل حاليًا تتيح للفنان أن يتعرف على الشرائح العُمرية التى تستمع لأعماله. بالنسبة لى أغلبية المستمعين يقعون بين عمر ١٨ و٤٥ عامًا، حسب حساباتى على شبكات التواصل، وهناك هامش أقل للأكبر والأصغر سنًا. كما أن هناك تجارب تنجح فى الجمع بين أكثر من جيل من المستمعين، وأكثر من ذوق أيضًا، أتمنى أن أكون من بينها.

■ فى السنوات الأخيرة نلاحظ إقامتك الدائمة فى الغرب، وتحديدًا العاصمة الفرنسية باريس.. أين أنتِ ونشاطاتك فيما يخص مصر؟
- أجبرتنى ظروف تحضير رسالة الدكتوراه على الانتقال إلى باريس منذ عدة سنوات، لكنى دائمًا أقسِّم الوقت بحيث أتواجد فى مصر لمدة ٥ أو ٦ أشهر تقريبًا فى السنة، وجميع أعمالى الغنائية أنتجتها فى مصر. لكن خلال السنوات الماضية، بسبب الدراسة، كان من الصعب تنظيم حفلات حيّة والمواظبة عليها، وأتمنى أن أستطيع استعادة ذلك فى الفترة المقبلة بعدما انتهيت من الرسالة.
■ من واقع رؤيتك الفنية والنقدية.. كيف تقيّمين حركة وشكل الأغنية المصرية والعربية الآن؟
- أرى أن اتساع المشهد الغنائى بسبب كثافة الإنتاج على منصات «الإنترنت» يجعلنا للمرة الأولى أمام تنوع غير مسبوق، بحيث يصعب جدًا تحديد نمط موسيقى أو نوع يهيمن بشكل كامل على «الموضة الغنائية»، أو يغلب تمامًا على الموسيقى التى تصدر فى السوق.
كما أن الشرائح الجماهيرية أصبحت مرئية لأعيننا بفضل الإحصاءات اليومية المتوافرة عبر «الإنترنت» لكل فنان، وهى تعلمنا أن الجمهور يحمل تنوعات رهيبة فى الذوق، ويشكل باقات متنوعة للأنواع التى يُفضّلها، عكس أساطير الماضى، حين كنا نتصور أن هناك نجومًا قليلين فقط يحبهم الجميع ويُجمعون عليهم.
كل هذه المعطيات تجعلنا أكثر حرية، ومع ذلك نشعر بشىء من التوهان أمام كل هذه الغزارة، والقديم الذى ينافس الجديد على «الإنترنت»، والجديد الذى لا نستطيع أن نجارى سرعة إنتاجه. ولدينا كذلك المتغير الأهم، وهو دخول «الذكاء الاصطناعى» لصناعة الموسيقى، وهو ما لا نستطيع بعد أن نحيط بالتغييرات الكبيرة التى سيُحدثها.
■ إلى أى المدارس الغنائية تنتمىأو تختار الفنانة فيروز كراوية؟
- بحكم جيلى نشأت فى عالم الأغنية الحديثة وعصور «البوب»، واخترت أن أكون ضمن من يقدمون أغنية لها بعض الأبعاد التجريبية فى عناصرها، لأنى أعمل فى نمط مستقل يمنحنى بعض الحرية فى ذلك. كما أنى أهتم جدًا بالغناء الشرقى وأساليبه، من عصور وبلاد مختلفة، والغناء الطربى والتراثى والشعبى، وأعتبر أن كل تلك الاتجاهات مؤثرة فى تكوينى وذوقى وفيما أقدمه





