أيام الغضب والحب.. نهى محمود: الكتابة «قدر».. وتجذبنى كعباد شمس يميل إلى الضوء
- لو صمتت الفوضى فى عقل وروح الكاتب.. انتهى
- أحب الكتابة «الحرة العابرة للنوع وكل كتاب لى «قطعة حية منى»
- فى كتابى الجديد أواجه أمومتى لأول مرة وأعبر عن شغفى بالمطبخ دون خجل
فى كتابها الأحدث «أيام الغضب والحب»، تراكم نهى محمود، الروائية والقاصة وكاتبة الأطفال، الكثير من دوافع وسطوة الكتابة الإبداعية، بحيث يصبح الواقع هو صورة أكثر وضوحًًا فيما يخص تحويل الذاتى والشخصى والواقعى والحياتى اليومى إلى دليل على أن الإبداع والسرد الحقيقى لا ينفصلان عن حياة الكاتب، أو الإنسان بصفة عامة.
فى «أيام الغضب والحب» تتعدد مسارات البناء من قبل الكاتبة، حيث يتحول الواقعى إلى تخييلى، والخيال إلى غرائبى، عن فواجع الحب والأمومة والفقد والطبخ، لتصهر جميع التشوهات الحياتية المعاشة فى نصوص هى أقرب إلى لقطات أو لوحات من الحب والشقاء والفرح والتعاسة، والتمسك بالأمل فى الخلاص الذاتى.
تحاول الكاتبة، من خلال نصوص الكتاب الصارخة، لملمة جراح البشر، خاصة الإناث، لترسم الكثير من مساحات البهجة والشجن والفرح المباغت، وهذا عكس حياتنا الواقعية، والتى أدت إلى كثير من تشوهات الأنفس وخواء الوجود.
فى السطور التالية، تحاور «حرف» صاحبة كتاب «أيام الغضب والحب»، التى قدمت أكثر من 15 عملًا ما بين الرواية والقصة والكتابة الذاتية، ونالت العديد من الجوائز العربية منها جائزة الشارقة الثقافية فى 2010، عن روايتها «هلاوس»، وجائزة «ساويرس» عن قصص «الجالسون فى الشرفة حتى تأتى زينب».

■ ما الدافع وراء كتابة «أيام الغضب والحب»، بكل ما فيه عن علاقة المرأة بالأمومة والمطبخ والحب والحساسية المفرطة؟
- «أيام الغضب والحب» كتابى الثالث فى النوع الأدبى الذى يُطلق عليه «الكتابة الحرة» أو «الكتابة عبر النوعية» كما يسميها النقاد، وذلك بعد كتابىّ السابقيّن «كراكيب نهى» و«بنت من ورق». كل كتاب من الثلاثة ضم قطعة حية منى.
أحب هذا النوع من الكتابة جدًا، حيث التحرر من النوع الأدبى مع وجود خيط يجمع الأفكار ويشبك المشاعر كلها. يبدو الخيط من بعيد حول الذات، لكن الحقيقة إنه ينفرط من الذات باتجاه العالم وناسه وحكايته.

فى الكتابين الأول والثانى شغلتنى مراقبة الحياة ومتابعة العلامات، واللعب مع مفردات عالمى وزجها فى لعبة الكتابة، ومزج المتخيل و«الفانتازى» بمشاعرى الخاصة وحيرتى وتساؤلاتى. هى خلطة تخصنى أحب أن أقف لأقدمها كل عدة سنوات، ألملم فيها هواجسى وانتصاراتى الصغيرة، وأداوى بها خيباتى وما عانيته من فقد.
فى هذين الكتابين كتبت عن فقدى لأمى، وعن الحب والصداقة، والكتب الكثيرة التى أحببتها، وفرطة دهشتى الطازجة حيال الحياة كشابة تجرب أشياء كثيرة لأول مرة.

■ ما المختلف فى «أيام الغضب والحب» عن هذين الكتابين إذن؟
- يختلف «أيام الغضب والحب» ويبعد عما سبقاه ١٠ سنوات، تغيرت فيها كثيرًا، واختبرت أمورًا وخضت حروبًا، وعشت انتصارات وطالتنى الهزيمة، ووقعت ونجوت.
فى هذا الكتاب الجديد أكتب أيضًا أو أواجه لأول مرة أمومتى. تأخرت كثيرًا فى تحويل مشاعرى المرتبكة عن هذا الإحساس إلى كتابة، وأنا التى لا تطيق أن تترك إحساسًا متشابكًا داخلها دون أن تحاول تفكيكه. تركت إحساس الأمومة على حاله مثل كرة غزل بنات تدور فى آلة السكر وتزداد كبرًا، يُضاف لها ألوان كثيرة تبدو أكثر تعقيدًا وغرابة وجمالًا.
فى «أيام الغضب والحب» سمحت لشغفى بالمطبخ أن يحتل مساحة كبيرة دون خجل. لعبة الطهى تفرحنى جدًا، فكرة مثلًا أنى أنا من يقرر ماذا سأطهو كل يوم هى واحدة من أفكارى ومشاعرى عن أنى لم أعد صغيرة. يمكننى أن أسحب الإناء والملعقة الخشبية وأطهو أى صنف.

تعلمت الطهى عندما أنهيت الجامعة، قبلها بشهر لم أكن أستطيع أن أقطع خيارة دون أن تجرح يدى. أنا الآن طاهية جيدة جدًا، وذلك يشعرنى دومًا بالزهو والأنوثة. علاقتى بالمطبخ خاصة جدًا، وحسية تمامًا كما علاقتى مع الكتابة والحب.
قدمت فى الكتاب أيضًا مشاعرى المرتبكة، ورغبتى فى التخلص من الغضب، وكيف أتخلص من الألم بمواجهته والنظر فى عينيه، والكتابة هى وسيلتى فى ذلك.
كتبت فيه أيضًا عن الأمور التى تؤلمنى، مشاعر الفقد أو التيه، الرغبة فى التعافى من مشاعر ما، مداواة إحساس بالعار لازمنى لفترة. كل ما أزعجنى بوسعى إعادة تدويره وتحويله إلى حكايات تمسك طرف من داخلى وتتجه نحو البعيد، تمامًا مثل بالونات الأطفال والسحابات التائهة، متحررة تاركةً وراءها خيوطًا ملونة وأثرًا حلوًا.
■ من واقع كتاب «أيام الغضب والحب»، هل دائمًا ما يكون للواقع الحياتى أو المعيشى انعكاساته على الكاتب؟
- أرى أن كل موضوع يتناوله الكاتب هو شخصى. لو لم تؤثر الحكاية التى أرغب فى قولها علىّ بشكل معين، وتمس مساحات شديدة الخصوصية داخلى ككاتب، ستبدو الكتابة زائفة.
أنا أقص الحكايات، أحب أن أفعل ذلك، لكن الشاهد كيف أرويها، وليس من أين حصلت عليها. «الريف» مثلًا موضوع واحد، لكن له خصوصية مختلفة عند كل كاتب قدمه. حكايات محمد البساطى تختلف عن خيرى شلبى ويحيى حقى ومويان، وهكذا. المهم الطريقة التى سيقدم بها الكاتب هذا العالم، وتجاربه وأبطاله، سواء الكاتب الذى عاش فى الريف أو الذى سمع عنه.
أما بالنسبة للكتابة عن الذات، أو بالمعنى الأدق «من الذات»، فأنت تقف أمام خريطة سرية كبيرة وحدك تعرفها، تختار أن تلتقط تفصيلة من هنا وحكاية من هناك، شىء يشبه خلط التراب بالماء، يتكون طمى، تصنع إناء، يمكن أن يكون حلوًا عبقريًا أو عاديًا أو مكسورًا.

الأدوات موجودة لكن الصنعة والموهبة والخبرة هى ما تحول التراب إلى منحوتة، والبشر الفانيين وحكاياتهم الزائلة إلى أدب وأساطير تعبر الزمن.
فى «أيام الغضب والحب» صنعت خلطتى من الأمومة والشغف بالسينما والحب، والكثير من الغضب، والطريق نحو التخلى عن أيام قديمة ومشاعر بالية ومؤلمة، شعرت أنى لو شاركتها مع آخرين سأنجو. أحببت أن أقولها، أو ألفظها مثل قطعة لحم نيئة استقرت فى حلقى، قبل أن أعاود التنفس من جديد.
■ هل دائمًا ما تكون الحساسية المفرطة هى السلاح الذى تتعامل به المرأة فيما يخص تفتيت علاقاتها بالآخر؟
- يبدو السؤال حسن النية، لكنى ألمح ما وراءه. أحيانًا كثيرة تستخدم المرأه هذه الحساسية والقدرة على البوح فى الابتزاز العاطفى أو التشهير بطرف آخر لن يستطع أن يجاريها إذا وقفت عند هذا الباب. ربما اختبرت المرأة هذه الطريقة لسنوات بدلًا من الفعل بسبب ضعفها أو قلة حيلتها، أو حتى كيدها وشرها.

الحقيقة لا أعرف كيف أجيب على ذلك، لكن عن نفسى أفضل الحفاظ على ما يناسب الكتابة، خلطتها المنضبطة بدون ثرثرة زائدة وحكايات لا تعنى أحد. ما يشغلنى هو التجربة الإنسانية المشتركة.
فكرة الكتابة أصلًا- كما أؤمن بها- أن نعرف أن هناك من يشعر بمشاعر تشبه تلك التى مررنا بها، أو تمنينا أن نختبرها، أو حتى نجونا منها. الكتابة التى أخبرتنا وتخبرنا دائمًا عما يشعر به أبطال الحكايات، عن الأمنيات المستحيلة وومضات السحر النادرة فى هذا العالم.
■ قدمت ما يزيد على ١٠ إصدارات متنوعة ما بين القصة والرواية والكتابة للطفل.. كيف ترين حصاد رحلة امتد لأكثر من ٢٠ عامًا على احتراف الكتابة؟
- يا لها من رحلة! على مستوى ما أتمنى أن أنجزه، هناك الكثير من الكتب التى أتمنى أن أعمل عليها. وعما صدر، أنا سعيدة وفخورة بمشوارى الصغير، رحلتى مع الكتابة، ما أختبرناه معًا، وما منحتنى إياه من سحر وفرح.

■ فى زمن تندلع فيه الحروب بسبب الهوية والدين والمعتقدات الإنسانية والجغرافيا والتاريخ.. كيف ترين مستقبل الأفكار والفلسفة فى هذا الزمن؟
- قد تبدو إجابتى رومانسية لكن هذا ما أؤمن به حقًا. الإبداع والأفكار يمكنها أن تقوم بدورها، أن تصمد فى وجه القبح، وتجمل العالم، وتخلق عالمًا موازيًا من الجمال والهدوء. أفكارنا والكتابة ذراع قوية فى مجاديف سفينة البشرية، بها يربت البشر قلوب بعضهم البعض، ويمدون أيديهم بالونس والمؤازرة.
■ مَن أقرب الكُتَّاب لعالم نهى محمود؟ وما الأعمال التى أعجبتك وألهمتك؟
- يتغير أقرب الكُتَّاب لعالمى تمامًا كل فترة زمنية، يتغير الإنسان ومزاجه، ويشمل ذلك المزاج فى القراءة. لكنى فى المجمل، مثل الجميع، أشجع الكتابة الحلوة المدهشة الاستثنائية، وأحب الكتابة الإنسانية- الرومانسية بمعناها الكبير. فى الوقت نفسه، أظل مدينة كثيرًا للكاتب أنيس منصور، رافقتنى كتبه مبكرًا فى مرحلتى الثانوية والجامعية، وكان كتابه «يسقط الحائط الرابع» لا يفارق طاولتى ، ومعه رواية «إنى راحلة» و«السقا مات» للراحل يوسف السباعى. تلك الطاولة تغيرت عليها كتب قليلة فعلًا طوال أكثر من ٢٥ عامًا، حملت لسنوات كتب إيزابيل الليندى ويوسا وماركيز، ثم مويان وموراكامى، وما زلت أقرأ وأنحاز وأتغير وأجرب من جديد.
■ هل تؤمنين بأن هناك مثلًا أعلى فى الكتابة؟
- فكرة وجود مثل أعلى فى الكتابة لا تلقى صدى وجدية عند الكُتّاب، أنا أشجع اللعبة الحلوة، وأحترم وأقدر وأحب كُتّاب كثيرين جدًا، لكن مثل أعلى تعنى نموذج واحد، وأنا كما قلت من قبل، تقلب الإنسان أو الكاتب لا يسمح له بمثل هذا الاطمئنان.
وبصفة عامة، دوافعى للكتابة أمر فطرى يشبه ميل «دوار الشمس» ناحية الضوء. أعرف الآن أنه كان قدر. مع الكتابة ، أشعر بأنى «أنتمى»، وهى مرحلة من الغرام قوية وكبيرة . أنا أحب الكتابة، وأتمنى أن أكون ملتزمة ناحيتها أكثر من ذلك، وألا أسمح للأمور الأخرى التى أحبها بتشتيتى عنها لوقت طويل. الكتابة هى أرض الأحلام والمعجزات المدهشة، التى توارب لنا أبوابها، وتسمح إن كنا محظوظين أن نبقى لنشاركها حفلها السحرى.
■ هل ينتهى الكاتب أو الكاتبة من شعوره بالخلاص الذاتى أو حتى الفلسفى مع انتهائه من كتابة نصه أيًا كان نوعه، أم أن هناك مفهومًا آخر للخلاص الوجودى تحديدًا؟
- العالم صامت ومقبض ووحيد دون كتابة أو حب. الكتابة ترتب العالم داخلى، تشير بعلامات على الطريق القادم، قد يمتد المشروع أو الفكرة المُلِحة لكتاب أو اثنين على الأكثر، ليس هناك خلاص كامل، هناك طوال الوقت تساؤلات وأرق داخل عقل وروح الكاتب، ولو صمتت هذه الفوضى ينتهى الكاتب.

■ فيما يخص الجوائز، ومع كثرتها سواء كانت عربية أو مصرية، هل هناك عتبات ما أو رؤى معينة تتكئ عليها لجان التحكيم فى مسألة منح أو حجب الجوائز برأيك؟
- لفترة طويلة ظلت اللجان فى معظم الجوائز تفضل الرواية التاريخية ذات القطع الكبير، الجوائز وذوق القراء بالمناسبة، لكنها خلال العامين السابقين قدمت تنوعًا فى نتائج الجوائز لصالح الإبداع والابتكار، أنحازت نتائج جوائز كثيرة للكتابة الحلوة وللتجارب المختلفة، مثل رواية «الفانتازيا» أو البوح الإنسانى.
فى النهاية تخضع الجوائز فقط لذائقة أعضاء اللجنة من عام لعام. وفى ظنى ليس هناك توجه متعمد. كل دورة من أى جائزة لها ظروف تحكمها، مستوى الأعمال وموضوعاتها، وما يفضله أعضاء هذه اللجان، وهكذا. وفى كل الأحوال تحقق الجوائز رواجًا للعناوين التى شاركت فى القوائم القصيرة والطويلة والفائزة، وتلقى الظلال على المبدعين ومشروعاتهم.
■ كيف ترين التشكيل الأخير للجنة السرد الروائى والقصصى بالمجلس الأعلى للثقافة؟
- لجنة «السرد الروائى والقصصى » ضمت فى التشكيل الجديد أسماء واعدة ومبدعين مميزين، وأتمنى أن تقوم بدور ملموس وجاد فيما يخص دعم الإبداع والمبدعين، وسعيدة بالتجديد والتنوع فى أسماء لجان المجلس خلال الدورة الحالية.
ما رؤيتك لمستقبل الإبداع الروائى والقصصى؟
- أنا متفائلة جدًا تجاه ما نقدمه كجيل، قدم تجاربه فى بداية الألفية، ونضج وتشكل مشروع كل كاتب فيه، وظهر بعده العديد والعديد من الأقلام الموهوبة الجادة، التى لا تفتقر لثقافة أو خبل يلزم المبدع ليقدم فنًا فارقًا أو حساسًا صادقًا، المشهد السردى المصرى والعربى مبهر ومتنوع.




