مغامرة وليد الخشاب فى عشق «ليلى» بـ«غزل عفيف إلا قليلًا»
- الديوان صدر مؤخرًا من دار المرايا للنشر والتوزيع يغلب عليه التغزل فى المحبوبة التى يسميها الشاعر «ليلى»
منذ شهور قليلة، أصدر الناقد والشاعر الدكتور وليد الخشاب ديوانه الخامس «لام ليلى» عن دار المرايا بوسط البلد بالقاهرة.
من الكلمة الثانية عند أولى عتبات نص الخشاب، يلتفت قارئ عنوان الديوان إلى صورة المعشوقة العربية الكبرى «ليلى»، فذكر «ليلى» دون توضيح أو تخصيص يوحى بأن الإشارة لليلى العامرية. بل إن قسمين من أقسام الديوان يحملان اسم ليلى: هما «باب ليلى» و«ثلاثون قصيدة لليلى».


لكن الديوان منذ مستهله، أى منذ العنوان، يركز على اجتماع شخصية ليلى وسر اللغة معًا. يضم العنوان إشارتين متضافرتين، مجتمعتين، إلى الشخصية التراثية المشهورة، وإلى مبحث أسرار اللغة فى آن. فالكلمة الأولى المعنية هى «لام»، وهى لا تكتفى بالتأكيد على اسم الحرف الأول فى اسم العلم «ليلى». بل هى تضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام مادة اللغة الأولية، أى الحروف. إذ قبل أن تكون اللغة كلمات وجملًا، فإنها حروف وأصوات، أى مادة مرسومة ومادة صوتية. وعلى مدار جميع صفحات الديوان يتعمق الشاعر تلك العلاقة بين المحبوبة الأزلية الأسطورية البهية، من ناحية، وسر اللغة وجمالها من حيث هى لغة، من ناحية أخرى. بل وتتأكد فكرة احتفاء الديوان بمادة اللغة ومفرداتها بوصفها موضوعًا شعريًا، من خلال عنوان أحد أقسام الديوان: «قاموس العشق».
كذلك يتواتر حرف اللام فى الديوان تواترًا مكثفًا، رابطًا بتكرار ظهوره بين مفردات عديدة، يشكل خيطًا سريًا ناظمًا لها، وحاملًا لمفاتيح دلالية وجمالية تتكشف للقارئ المتأنى. فمثلًا يقول الشاعر: «لام ليلى/ فى «الله» و «قلب»»، أى أن تواتر حرف اللام بين كلمات ليلى والله والقلب، يجعل من ليلى موضوعًا للحب الذى موضعه القلب، ويشير إلى قدسية ذلك الحب وصفائه.
فى ديوان «لام ليلى» لوليد الخشاب، عادة ما يدمغُ حرفُ اللام كلمةَ الليل إلى جانب اسم ليلى. فلا يكتفى الشاعر حين يذكر الليل باستدعاء التيمة التراثية الأثيرة للعاشق الذى يسهر الليالى شوقًا لحبيبته أو لوعة على فراقها، بل يجعل من تلازم ليلى والليل مجازًا للبعد السرى الباطنى لشخصيتها ورمزيتها. لليلى أسرار لا تبين، لأن ظلام العقل أو الفراق يلفها بالغموض أو يبقيها على مسافة من الذات الشاعرة. ولعل أكثر لحظات حضور اللام كصوت متواتر، يرتبط بالعشق ارتباطًا شرطيًا، يطرأ فى ص ٣٠ من الديوان، حين يتكرر الحرف أربع مرات فى سطر واحد مكون من أربع كلمات فقط، فى مقام الغزل الصريح والعشق، إذ يكتب الشاعر: «أختلس قبلة من الأندلس».
هكذا يحدس القارئ سببًا لتركيز القصائد على موضوع العشق، أى ليلى، مع خفوت حضور فاعل العشق، لأن جوهر الديوان هو ارتباط المعشوقة بمادية اللغة، لا مجرد هيام العاشق بالمعشوق. إذ لا يذكر الديوان اسم عاشق ليلى ولو مرة واحدة، وكأن عبارة «لام ليلى» فى العنوان وفى المتن معادلة لعبارة «مجنون ليلى». لا يضم الديوان بين جنباته أى ذكر لاسم قيس بن الملوح العاشق الذى ذهب عقله عشقًا، تتيمًا بليلى. وفى المقابل، يتواتر اسم ليلى وذكرها عشرات المرات بالديوان. حَجَبَ العشقُ عقلَ قيس، أى «جُنَ» حرفيًا، ومحا التراث القسم الأكبر من ذاتية قيس، فصار منسوبًا إلى ليلى وإلى عشقه لها، فقد صار يعرف باسم «مجنون ليلى»، لا باسم قيس بن الملوح. هكذا أيضًا فى ديوان وليد الخشاب، لا يرد ذكر لاسم الرجل الذى يعشق ليلى، ولا يسمى الصوتُ الشاعر شخصيةَ ذلك الذى يتعشق ليلى، ولا حتى ينسبه مباشرة إلى ليلى. فالتراث العربى يعرف قيسًا باسم مجنون ليلى، وفى الثقافات ذات الغالبية المسلمة مثل التركية والفارسية، فعاشق ليلى اسمه «مجنون» فقط. بل إن ديوان الخشاب لا يذكر من علاقة العشق التى تتصدره إلا الحرف الأول من اسم المحبوبة، وهكذا اكتسب الديوان عنوان «لام ليلى».

من الموتيفات الشعرية متكررة الحضور فى ديوان «لام ليلى»، صورة الباب وفكرته. على سبيل المثال، يتناول قسم «قاموس العشق» فى الديوان تيمة الباب، إذ ترد فيه كلمة «باب» حوالى خمس عشرة مرة. لكن حوالى نصف تلك المرات تظهر كلمة «باب» بالمعنى المعجمى القديم، مقرونة بحرف، كأن يقول «باب الراء» بمعنى القسم الذى تبدأ فيه المادة المعجمية بحرف الراء. أما النصف الثانى من مرات تواتر مفردة «الباب» أو «الأبواب» فمرتبط بالباب الذى يفصل بين فضاءين، بالحاجز الخشبى أو الحديدى الذى يحمى خلفه فضاء المنزل أو السر. فالباب هنا هو ما يفصل بين الحبيب والفضاء لحبيبته، أو بين الذات المغتربة وفضاء أصدقائها ناكرى الصداقة يقول الشاعر فى لحظة: «باب الصحاب كذاب».. الخلاصة هى أن قسم «قاموس العشق» يقرن دائما باب المعجم بباب المحبوب، أى يضفر الإشارات للغة من حيث هى لغة، بالإشارات إلى الصديق أو الحبيب.
ثم يلى ذلك القسم، قسمٌ آخر تتصدره تيمة الباب نفسها، إذ يحمل القسم الثالث من ديوان «لام ليلى» عنوان «باب ليلى». فى قسم «قاموس العشق»، يصف الصوت الشاعر نفسه بأنه «مجذوب بباب ليلى» وحيث إن القاموس قائمة بالكلمات، نرى أن الصوت الشاعر يتأمل فاعلية الكلمات فى تجسيدها للعشق، فيقول: «الحب يجب كل الكلمات» . لكنه يصف موقفه أمام باب بشكل متواتر فى قسم «قاموس العشق». يتضح كنه هذا الباب الذى يقف العاشق قبالته فى القسم التالى الموسوم بـ«باب ليلى»، وأول سطر فيه هو: «وقفت بباب ليلى أؤذن بالعشق».
إذًا فالباب هو حجاب ليلى، وهو الستار الذى يمنع الوصال بين العاشق والمعشوق، وهو غلالة الغموض والسر التى تفصل بين ليلى والصوت العاشق. فى بداية الديوان، يؤكد الشاعر ارتباط الباب بالحب: «باب العشق/ فصل اللام/ ليلى». ثم يؤكد ارتباط الباب بتيمة انتظار نظرة من المحبوب وبمجاز الغموض والسر: «وقفت باب ليلى/ إنْ ريحٌ أزاحت خمار ليلى/ أتبسم».. لكن نهاية الوقوف بالباب والانتظار، مثل كل المحن التى يفرضها العشق، نهاية غير مأمونة العواقب، قد تنتهى بالحزن أو بالخيبة، مثلما يخيب سعى العاشق الذى ينتظر خروج المعشوق من الباب، أو قد تزداد الوقفة محنة، مثل محنة المريد الواقف بباب شيخه أو الساعى الواقف أمام بوابة الحق. فختام الموقف بالباب، كما يورده الشاعر: «فلا ليلى أذنت ولا ألقت لى طرفًا»


يستخدم الصوت الشاعر اسم ليلى قناعًا للمعشوقة بمنطق أن كل محبوبة هى ليلى، مثلما كل إنسان هو عبدالله. ويلجأ إلى المجازات والحقول الدلالية العربية التراثية المحيطة بليلى، فيشبه الديوان المعشوقة بالقمر ويقارن بين شعرها والليل، أو يستدعى تيمة الصحراء. لكن ديوان لام ليلى يخصص أحيانًا تلك التى يسميها ليلى، فيستخدم إشارات وإحالات إلى قصص ومرويات عن ليلى العامرية الشخصية التراثية المعينة، معشوقة قيس بن الملوح. فمثلًا يقارن الصوت الشاعر بين ليلى وأمية والعباس، وهى إحالة إلى مروية لا شك أنها متأخرة، ملخصها أن قيسًا سئل من أحق بالخلافة: بنو العباس أم بنو هاشم؟ فأجاب: ليلى.
يقول الشاعر فى «لام ليلى»: «أنت أعلى من العباس وأمية/ وأقرب إلىّ من قلب السويداء/ قالت الجن ما بال ليلى/ قلت قمر الصبح وليلة ليلاء». يضع المقطع ليلى فى مقام أعلى من مقام الخلفاء، أى أنه يزايد على المروية التى تجعل منها مساوية لبنى العباس وبنى هاشم معًا. لكن يختار الديوان أن يرفع مرتبة ليلى ومقام العشق فوق ملوك السلطة الزمنية، ولا يشير إلى آل البيت- على عكس المروية التراثية- إجلالًا وتبجيلًا على الأرجح. على كل حال، فبقية المقطع تحمل تلاعبًا أكثر وضوحًا بعبارة تراثية أخرى وتحويرًا فنيًا لها. إذ يجسد الصوت الشاعر شعوره بالقرب من المعشوقة فيدمج عبارتين تراثيتين معًا، فيحول التشبيه القرآنى الشهير فى سورة «ق» «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» إلى «أقرب إلىّ من قلب السويداء». وهو يقلب بذلك التعبير التراثى عن أعماق النفس «سويداء القلب» فيجعله «قلب السويداء»، حفاظًا على قافية الهمزة: «السويداء/ليلاء».
لكن الديوان لا يقتصر على الإحالة إلى التراث الشعرى البعيد من العصر الأموى والعباسى، بل هو يستدعى أيضًا بعض الشعراء الذين صاروا من أعلام الشعراء المعتمدين فى القرن العشرين. يقول الشاعر: «كحيلة العين/ قتلتنى بحبين/ الطير بين البحرين/ حط على الشطين/ وغناها أغنيتى.» هنا، لا تخطئ العين المدققة استلهام الخشاب لصلاح عبدالصبور، من حيث تركيبة الجملة «التوسع فى استخدام المثنى مثلًا» ومن حيث الوزن الخفيف والموسيقى. وكم من مرة استخدم عبدالصبور صيغة الجناس بين الفعل والمفعول، أو بين الفعل والمفعول المطلق فى حقل الغناء الدلالى، مثلما يفعل الخشاب حين يقول «وغناها أغنيتى». بل إن الشاعر يقتبس فى موضع آخر، شطرةً تراثية اقتبسها صلاح عبدالصبور نفسه فى كتابته عن سيرته الذاتية. إذ يورد الخشاب بين علامتى استشهاد دعاءَ المحبين القديم: «يا رب قرب دار كل حبيب». وهو اقتباس صريح للشطر الثانى من بيت أنشده الشاعر العباسى العباس بن الأحنف، إذ يقول: «أرى البين يشكوه المحبون كلهم/ فيا رب قرب دار كل حبيب». هكذا يجمع الخشاب فى بضع كلمات إحالتين إلى شاعر حديث وشاعر عباسى فى آنٍ.

على غلبة الغزل العفيف، المطعم ببعض الغزل الصريح، فى ديوان «لام ليلى»، وعلى غلبة ارتباط صورة الباب بعشق المحبوبة وبصوفية الحرف واللغة واحتفالها بالأسرار «التى تقبع خلف باب غامض، مغلق»، إلا أن الديوان يفتح نوافذ أخرى على أغراض شعرية أخرى، فى لمحات سريعة موجزة. على سبيل المثال، ينشد الشاعر: «وأهل العلم قالوا: / يا فتاح، يا فتاح/ القمر لاح/ مد الأيادى يا فتى/ واقبض على الصباح». تفاجئك من حين لآخر أبيات فى غير باب الغزل، أو على الأقل هى أسطر تتغزل فى صورة قائد الجموع أو فى مثال الوطنية والعزم، ولا تدخل تحت بند شعر الحب، بالمعنى الدقيق لتغزل رجل فى امرأة يحبها.
يظل ديوان «لام ليلى» لوليد الخشاب ديوانًا فى الغزل بالمعنى العريض للمفهوم. يغلب عليه التغزل فى المحبوبة، التى يسميها الشاعر ليلى، وإن ظهرت هنا وهناك إشارات إلى سلمى أو هند أو عبلة. ثم تظهر من حين إلى آخر إشارات من مديح أو من تحبب إلى «الفتى» أو إلى بعض رموز آل البيت، مثل الفتى الإمام «على» أو الشهيد «الحسين». وفى كل الأحوال يبدو الخشاب وقد انغمس بالكلية فى حوار مع التراث وأغراضه الشعرية التقليدية، مثل الغزل، ومع أوزانه وموسيقاه ومعجمه، بصيغة تبدو وكأنها قطيعة مع التجريب الشعرى الذى تميز به جيل التسعينيات.






