الثقافة قبل القانون.. المسكوت عنه فى معضلة قوانين الأحوال الشخصية
- أصبحنا مستهدفين بمحتوى إعلامى يطعن كل ما يربط بين الرجل والمرأة
- إننا فى حاجة لأن نعرف ما الذى نريده فى حياتنا قبل أن يكون هناك قانون مسلط على الرقاب
لن تكون بسنت سليمان «سيدة الإسكندرية» التى ألقت بنفسها من الدور الرابع عشر آخر ضحية لمعضلة الأحوال الشخصية التى يمكن اعتبارها عصية على الحل.
ولن يكون زوجها الذى تسابق نشطاء التواصل الاجتماعى لجلب صورته لمطاردته بالسب والشتم واللعن آخر جلاد.
ولن تكون هذه الواقعة، رغم مأساويتها وتفاصيلها الإنسانية المحزنة، آخر واقعة تحرك المجتمع كله للمطالبة بكلمة واضحة وفاصلة وحاسمة فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية المعطل منذ سنوات، فقد سبقتها وقائع كثيرة كانت أكثر درامية، وسبق أن تحركنا بحماس وطالبنا بقوة، وناقشنا بجدية، وأعتقد أنه ستلحق بها وقائع أخرى.
كل ما أخشاه أن تبرد الواقعة كما بردت وقائع مماثلة، وأن يخمد حماسنا كما خمد من قبل، وأن تتوقف مناقشاتنا كما انحشرت فى حلوقنا مناقشات سابقة، ثم نجلس فى انتظار واقعة جديدة تفاجئنا صباحًا أو مساءً بضحية جديدة، فنعيد الكرة من جديد، دون أن نتعلم شيئًا مما يمر بنا من مآسٍ ومصائب.

التفاؤل هذه المرة ربما يعود إلى أن توجيهًا رئاسيًا صدر بسرعة إقرار قوانين الأحوال الشخصية الثلاثة، قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، وقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وقانون صندوق دعم الأسرة، وهو التوجيه الذى تسارعت بسببه وتيرة إعادة النظر فى القوانين المركونة فى الأدراج، ليس فيما يتعلق بموادها فقط، ولكن فيما يشمل أسباب تعطلها أيضًا.
أعتقد أننا لسنا فى حاجة إلى مناقشات جديدة حول حتمية صدور القوانين والعمل بها، بقدر ما نحن فى حاجة إلى مواجهات واضحة حول رغبتنا فى الانتهاء من هذه القوانين تمهيدًا لإخراجها إلى النور للعمل بها بما يحفظ استقرار الأسر المصرية، وهو الضمانة الكبرى لحفظ استقرار المجتمع المصرى كله.
وأقول مواجهة، لأن تحت جلد المجتمع ما يمكننى اعتباره ممانعة واضحة وربما مقاومة شديدة لإقرار هذه القوانين والانتهاء من هذا الجدل الذى لا ينتهى إلا ليتجدد، ولا ينفض إلا ليتمدد، وقد تكون لهذه الممانعة أسبابها، ولهذه المقاومة مبرراتها.
إننا لسنا أمام قضية محسومة، الحق فيها بيّن وكذلك الباطل، ولكنها مثلها مثل كل القضايا الإنسانية نسبية، لا يمكننا أن نحسمها برأى واضح، ففيها طرفان، كل طرف يدعى أن لديه وحده الحق، وأن الطرف الثانى ظالم ومستبد ومفترٍ ولا يراعى الله فيما يفعله.
منذ سنوات قررت مناقشة هذه القضية فى أحد برامجى التليفزيونية، خصصت مجموعة من الحلقات، استضفت خلالها جميع الأطراف، آباءً وأمهات وأجدادًا وجدات وأبناءً وبنات، وطرحنا جميع النقاط الخلافية للنقاش، وكان كل طرف يحشد حججه وتفسيراته وتبريراته للموقف الذى يأخذه، ولا أخفيكم سرًا أننى خرجت من هذه الحلقات حائرًا أكثر مما دخلتها، وأدركت صعوبة أن يكون هناك قانون واحد يرضى كل الأطراف، أو أن هناك حلًا واحدًا يمكن أن يرضى به الجميع.

أعرف أن القوانين لا توضع من أجل إرضاء الجميع، فحتمًا يكون هناك طرف يرى أن ظلمًا يقع عليه، وأنه كان يجب أن تكون له حقوق أكثر مما حصل عليها، ولذلك فإن فلسفة القانون الذى يمكن أن تنهى هذه المعضلات جميعها يجب أن تضع أمامها أساسًا واحدًا وواضحًا، تنسج عليه بعد ذلك كل مواده وفقراته.
تقول الأمهات المطلقات إن القانون يجب أن يحافظ على كرامة النساء ويحفظ حقوق الأبناء.
ويقول الآباء إن القانون لا بد أن يراعى ظروف الرجال ويحفظ حقوق الأبناء.
تقول الجدات من الأم إن الحضانة يجب أن تذهب إليهن بعد الأم، فلا يمكن أن يكون الأبناء فى أمان مع الجدات من الأب.
وتقول الجدات من الأب إن الحضانة لا بد أن تذهب إلى الأب مباشرة بعد الأم.. فالأب هو الأولى بأبنائه من أى إنسان آخر حتى لو ادعى أنه حريص على مصلحة الأبناء.
تقول الزوجات إن الخلع من حقها تمامًا إذا رأت استحالة العشرة مع زوجها، ووجدته متعنتًا معها لا يريد أن يمنحها حقها فى الطلاق.
ويقول الأزواج إنه لا بد من تقييد حق الخُلع، فلا يصبح سهلًا وسلاحًا طيعًا فى يد المرأة تستخدمه كما تشاء وكيف تشاء، وإذا أرادت أن تخلع زوجها فمن حقها، لكن ليس لها أن تخلع الزوج من أولاده أيضًا، فهى التى قررت الحصول على الخلع بإرادتها، فليس من حقها أن يكون الأولاد فى حضانتها.
وتقول الزوجة إنه لا بد من توثيق الطلاق حتى لا تدخل فى متاهة أن تكون مطلقة وغير مطلقة فى نفس الوقت.. ويعتصم الرجال بأن هيئة كبار العلماء أفتت بأن الطلاق الشفوى يقع.
يمتد الخلاف إلى الرؤية وكيف تكون، مكانها ومدتها وطريقتها.
ويشتعل الجدل حول النفقة وكيف تحصل المرأة عليها، وهل تأخذها من الرجل مباشرة، وتدخل معه فى نزاع قضائى طويل ولا ينتهى، أم تكون الدولة مسئولة عن نفقة المطلقات، ثم تحصل عليها بعد ذلك من الرجل بطريقتها، ومن خلال آليات ترى أنها مناسبة، سواء من خلال إجراءات تنفيذية أو قضائية.

لا يتوقف قانون الأحوال الشخصية المطلوب التوافق حوله عند الحضانة والرؤية والنفقة والخُلع وتوثيق الطلاق فقط، فهناك أمور كثيرة لا بد من حسمها، لكن أعتقد أن هذه النقاط الخمس سبب كل المشاكل والأزمات وحالات الانتحار وقضايا محاكم الأسرة التى أصبحت بالآلاف، والسبب فى محاضر الشرطة ووقائع الاعتداء التى لا تنتهى.. ما يجعلنا أمام تحدٍ كبير فيما يتعلق بإقرار هذه القوانين.
الواقع يقول إن لدى المشرع المصرى، سواء من خبراء وزارة العدل أو من الأعضاء فى مجلسى الشيوخ والنواب، من الخبرات ما يجعلهم يقومون على وضع قانون مناسب وملائم للحالة المصرية، فخلال السنوات الماضية تراكمت الأزمات والمشكلات والمصائب التى تجعلهم على دراية كاملة بما تحتاجه الأسرة المصرية، وأعرف أنهم درسوا تجارب الآخرين التى تجعلهم على بينة وهم يضعون مواد القانون.

لقد وجدت حالات استعراضية لقوانين الأحوال الشخصية فى دول عديدة، وبدأنا نجلب موادها ونتناقش حولها بزعم أننا يمكن أن نستعين بها، فيما يتعلق بتحديد سن الزواج بـ١٨ عامًا مع وضع ضوابط صارمة للحالات الاستثنائية، وتنظيم واضح لحقوق الزوجين، ومنح المرأة حق طلب فسخ الزواج فى حالات محددة، وتنظيم إجراءات الطلاق بأنواعه «رجعى وبائن»، وتوثيق إلزامى لعقود الزواج والطلاق على السواء، وتحديد معايير دقيقة لا تحمل اللبس للنفقة تشمل المأكل والملبس والتعليم، وتحديد إجراءات الحضانة والرؤية بما يتوافق مع مصلحة الأطفال، ووضع ضوابط واضحة فى مسائل الميراث والوصية وفقًا لما تراه الشريعة الإسلامية للمسلمين، وللمسيحيين وفقًا لما تقره شريعتهم.
وبدأنا نقرأ عن اقتراحات مستندة لتجارب دول أخرى فيما يتعلق بأمور النفقة، وهو أن تدخل الدولة طرفًا أصيلًا فى منح المطلقة نفقتها، ثم تتعامل هى بإجراءاتها التنفيذية والقضائية مع الزوج، وذلك حتى لا تترك المرأة نهبًا لما يمكن أن يقوم الرجل به من آلاعيب، وحماية للرجل كذلك من السجن بين آن وآخر.
ورصدت حالة من التصريحات المنسوبة لنواب يدلون بآرائهم فى القانون الذى لم يصل بعد إلى مجلس النواب، وهى اقتراحات بعضها واقعى وموضوعى وإنسانى، والبعض الآخر منها خيالى ولا يستند إلى أى خبرة واقعية، ما يجعلنى أؤكد أن أى مناقشة للقانون لا بد أن تستند إلى الحالة المصرية وما فيها من خصوصية، سواء على مستوى شكل العلاقات بين الرجال والنساء، وطبيعة العلاقات الزوجية، وطرق التعارف، وعلاقات الأهل التى هى جزء أصيل من العلاقة الزوجية، ففى مصر لا يتزوج الرجل والمرأة فقط، ولكن تتزوج العائلات أيضًا، أو على مستوى الحالة الاقتصادية التى يعيش فى ظلالها الناس.

فى سياق الاقتراحات الكثيرة التى نجدها متداولة أمامنا الآن، سنجد من يقول مثلًا بضرورة حصول المرأة على نصف ثروة الرجل عند الطلاق، وهو كلام ليس واقعيًا بالمرة، فمعظم حالات الطلاق تحدث بسبب الفقر، بما يعنى أن الرجل الذى تطارده زوجته بطلب الطلاق لا يملك شيئًا، وأعتقد أن من يطرحون هذا الاقتراح لا يهدفون أن تقتسم المرأة مع زوجها نصف فقره.
إشكاليات الواقع المصرى الاجتماعية والنفسية، وربما الجنسية أيضًا تجعلنى أنتقل بهذا النقاش الدائر فى المجتمع المصرى الآن حول مشروعات قوانين الأحوال الشخصية إلى مساحة أعتقد أنها مهمة، وقبل أن تندهشوا من كلامى فهى ليست مساحة القانون، فأنا أترك القانون لأهله، ولكنها مساحة الثقافة.
نعم إننى أعنى تمامًا ما أقول.. فلا بد أن تكون الثقافة قبل القانون.
إننا فى الواقع لا نملك ثقافة الزواج، كما لا نملك ثقافة الطلاق.
لا نملك ثقافة أن يكون لدينا أبناء نقوم على تربيتهم عندما نكون معًا، ولا نملك كذلك ثقافة تربية الأبناء ونحن لسنا معًا.
لا نملك ثقافة نحدد من خلالها وضعية المرأة فى المجتمع، ووضعيتها كذلك فى العلاقة الزوجية، ولا نعرف ما الذى لها ولا ما الذى عليها.
لا نملك ثقافة إدارة مؤسسة الزواج، لا نعترف أنها مؤسسة يديرها شريكان، وليست مؤسسة عامة يتدخل فيها الأهل والأقارب والعابرون فى الشارع ممن ليس لهم ناقة ولا جمل لا فى الوفاق ولا فى الخلاف.
لا نملك ثقافة الاحترام عند الاختلاف، فليس معنى أن ينفصل زوجان أن يتحولا إلى أعداء، ويتحول الأبناء فى المعركة بين الخصوم إلى دروع بشرية، أو وقود نشعل بها نار الخلاف المقدسة.

لا نملك ثقافة الحب الذى يجمع بين الناس ويعزز من نقاط اتفاقهما ويخفى ما بينهما من اختلافات، ويقودهما إلى أن يعيشا معًا حياة رغم الصعاب إلا أنها هادئة ومستقرة.
قبل القانون وإقراره لا بد أن ننظر فى أنفسنا، أن نتأمل ما نحن عليه، نجيب على أسئلة أعتقد أنها منطقية جدًا، مثل لماذا نريد أن نتزوج؟ ولماذا نريد أن يكون لدينا أبناء؟ أعتقد أن كثيرًا يتزوجون لأن الناس تتزوج وفقط.
يمكننا أن ننظر ببساطة إلى طرق الزواج فى مصر.. كيف يتعرف الناس على بعضهم البعض، وكيف يتفقان على الزواج وتفاصيله، إننا دون أن نعى نضع بذور الخلاف فى قلب تربة الاتفاق، ولذلك سرعان ما يتحول الود إلى خصام، وتتحول المودة إلى عنف، وتصبح السكينة مجرد كلمة إنشائية لا معنى لها فى الواقع.
منذ سنوات طويلة تعطلت لدينا دراسات المجتمع التى كان يقوم بها أساتذة علم النفس وعلم الاجتماع، وهى لم تكن دراسات فارغة، بل كانت توضع أمام المشرعين ومتخذى القرار ليسترشدوا بها فى إدارة الحياة، وكانت تتحول إلى نقاشات فى البرامج التليفزيونية، يستمع إليها الناس، وتتحول دون تعمد إلى ثقافة تحكمنا فى حياتنا.
مع غياب هذه الدراسات التى كانت تعزز ثقافتنا الاجتماعية والنفسية، أصبحنا مستهدفين بمحتوى إعلامى يطعن كل ما يربط بين الرجل والمرأة، وتركنا متحدثات يعبثن بأصل العلاقات بين الرجل والمرأة، وجلسنا نشاهد تفسخ المجتمع أمامنا دون أن نبذل أدنى جهد لإيقاف هذا النزيف.

إننا فى حاجة إلى الثقافة قبل القانون، فالقانون يمكن أن يناقش ويقر ويصدر، لكن ماذا عمن سيكونون معنيين بهذا القانون وتنفيذه، هل سيلتزمون به، أم سنجد أمامنا خروقات كثيرة لن نقدر عليها، إننا فى حاجة لأن نعرف ما الذى نريده فى حياتنا، قبل أن يكون هناك قانون مسلط على الرقاب، لأنه فى هذه الحالة سيكون مجرد حبر على ورق، وسينضم إلى ترسانة القوانين التى نعرف أنها موجودة لكننا لا نعمل بها.
هناك مساحة أخرى أعتقد أنها مهمة، وهى أن نترك القوانين لأهلها، لا نريد من جهة معينة أو مؤسسة بعينها أن تتدخل وتفرض نفسها ورؤيتها على القانون بزعم أنها تحافظ على شرع الله، فكلنا نحافظ على شرع الله، المطلوب فقط أن يقوم كل منا بعمله ولا نتجاوز فى ذلك تحت أى زعم أو بأى حجة أو مبرر.
إننى أقول هذا ولا أبغى من وراء كلامى إلا مصلحة الجميع.. والله يهدى الجميع سواء السبيل.







