الأربعاء 08 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

أين الخلل؟.. البحث عن قيادات ثقافية من خارج الصندوق

حرف

- أقترح الاستعانة بشخصية اقتصادية مرموقة لتولى إدارة الهيئة العامة للكتاب

- نحتاج للعمل دون خوف من مراكز القوى فى الوزارة أو «مثقفى التنظير»

منذ سنوات كنت أجلس مع مسئول كبير له سلطته ونفوذه وكلمته فى الدولة المصرية. 

سألته بشكل مباشر: لماذا لا يلقى أداء عدد كبير من المسئولين رضا الدولة ورضا الرأى العام سواءً بسواء؟ 

دون تردد وكأن الإجابة حاضرة، بما أكد لى أن هذا السؤال لم يكن جديدًا بالنسبة للمسئول الكبير، ولم يكن بعيدًا عن تصورى أنه تمت مناقشته قبل ذلك كثيرًا- قال لى: مصر كانت محظوظة برجالها فى فترات عبدالناصر والسادات وحتى مبارك.. كان لدينا ما يشبه بنك القيادات صاحبة الكفاءة المؤهلة، صاحبة الخبرة والتجربة، وكان كل رئيس لديه مساحة واسعة يختار من بينها مَن يصلح للمناصب، لكن الآن لدينا ندرة فى الكفاءات وأصحاب الخبرة، فبصعوبة نجد مَن يصلح لمنصب معين، وإذا وجدناه نفاجأ بأنه يعانى من نقص ما يؤثر على أدائه، وعندما نفكر فى تغييره نجد صعوبة كبيرة فى عملية استبداله. 

جيهان زكى

قلت للمسئول الكبير: قد تكون هذه مشكلة من يبحث عن القيادات وأصحاب المناصب المؤهلين. 

لم يوافقنى، قال: هذا ليس دقيقًا إلى حد كبير، صحيح أننا نحتاج إلى أن يكون من يتولى منصبًا قياديًا على موجة الدولة، على الأقل لا بد أن يكون مقتنعًا بخطها، يعمل على تنفيذه، فلدينا مشروع بناء كبير، وليس معقولًا أن يأتى من يتناقض معك كليًا ليعمل على تنفيذ خطتك، ومع ذلك طرقنا باب عدد من المختلفين مع الخط العام فى التفاصيل وليس فى التوجه، لكنهم فى الغالب كانوا يعتذرون. 

الاعتذار لم يكن من المختلفين مع النظام فى التفاصيل فقط، فهناك- كما قال المسئول الكبير- من يتفقون مع النظام فى كل شىء، لكنهم يعتذرون عن تولى المناصب المهمة لأسباب خاصة بهم، فمنهم من يخاف من تحمل المسئولية فى وقت فيه استقطاب كبير، يتعرض فيه من يتصدى للعمل العام لهجوم كبير لمجرد أنه يعمل فى دولاب العمل، وهناك من يرفض لأن العائد من العمل مع الدولة أقل بكثير من العائد الذى يحصل عليه من القطاع الخاص. 

بدا الأمر بالنسبة لى دائرة مفرغة، لا تنتهى إلا لتبدأ، فالدولة تبحث عن قيادات بالفعل، حريصة على أن يكون من يشغل مناصبها أكفاء وأصحاب خبرة، لديهم قدرة على الإدارة، ويملكون خيالًا يمكّنهم من النجاح فى مهماتهم.. لكن لدينا فى هؤلاء ندرة، وبتعبير المسئول الكبير، وقال ذلك بأسى وأسف شديد: يبدو أننا لا نعانى من شح مائى فقط.. ولكننا نعانى من شح قيادات أيضًا. 

لا يمكننى أن أُسقط هذه الرؤية الرسمية وأنا أحاول مناقشة وضعية القيادات الثقافية، التى من المفروض أن تكون مسئولة عن إدارة العمل الثقافى فى مصر خلال هذه الفترة الصعبة والمهمة فى آنٍ واحد، لكن فى الوقت نفسه لا يمكننى أن أستسلم لها بشكل كامل. 

لقد عانت وضعية القيادات الثقافية فى مصر خلال السنوات التى أعقبت أحداث ٢٥ يناير خللًا كبيرًا، وكانت هناك ملاحظات كثيرة على أدائهم، بل هناك من تولى إدارة العمل الثقافى ولم يكن مناسبًا أو مؤهلًا له على الإطلاق، ولذلك لم يترك كثيرون منهم أثرًا يُذكر، فقد خرجوا كما دخلوا دون أن يشعر بهم أحد. 

ولأن لكل شىء سببًا، ولكل إخفاق علة، فلا بد أن نبحث فى كواليس ما جرى.

فرغم تعدد الأسباب إلا أن هناك سببًا رئيسيًا لا يمكننا أن نتجاهله، وهو تعاقب وزراء ثقافة يتجاوز عددهم ١٠ وزراء. 

إيناس عبدالدايم

القائمة تضم جابر عصفور، ومحمد عبدالمنعم الصاوى، وعماد أبوغازى، وشاكر عبدالحميد، ومحمد صابر عرب، ومحمد إبراهيم على «قام بأعمال وزير ثقافة إلى جانب رئاسته وزارة الآثار»، ومحمد صابر عرب مرة ثانية، وجابر عصفور مرة ثانية، وعبدالواحد النبوى، وحلمى النمنم، وإيناس عبدالدايم، ونيفين الكيلانى، وأحمد فؤاد هنو، وأخيرًا جيهان زكى. 

١٢ وزيرًا تولى منهم اثنان الوزارة مرتين فى أقل من ١٥ سنة، وأعتقد أن هذا التعاقب كان له بالغ الأثر على استقرار القيادات الثقافية. 

فكل وزير، وكالعادة المصرية القديمة، عندما يأتى كان يأتى برجاله ومن يثق فيهم، فكما تغير الوزراء تغيرت القيادات فى مختلف إدارات الوزارة، ما أفقدنا حالة التراكم المطلوبة فى العمل الثقافى، فكل مسئول كان يأتى يبدأ من الأول، وكأنه لم يكن هناك قبله أحد، ولدىّ وقائع كثيرة يمكننى أن أدلل بها على ما قلته. 

بعض هؤلاء الوزراء- ومع الاحترام الكامل لهم- ما كان لهم أن يصعدوا إلى منصب الوزير، كان يكفى أن يكونوا مسئولين عن إدارات فى الوزارة فقط، كفاءتهم لا ترشحهم لأكثر من ذلك، وخبراتهم تقف بهم عند إدارة مركزية أو هيئة أو صندوق أو مجلس، لكن أن يصبح هو الوزير، فقد كان هذا كبيرًا عليهم جدًا. 

كان لعدم استحقاق بعض الوزراء للمنصب تأثير كبير، فكل منهم كان يحاول اختيار من أقل منه كفاءة ولمعانًا وقدرة على العمل، فبدأ مستوى المسئول الثقافى يتراجع بدرجة كبيرة، وليس خافيًا على أحد، ونحن جميعًا كنا نتابع عمل قيادات الهيئات والإدارات الثقافية، أن بعضهم كان لا يزيد فى أدائه عن موظف.. كان موظفًا كبيرًا لكنه فى النهاية موظف.. والعمل الثقافى فى عمومه لا يتناسب معه أبدًا أداء الموظفين، وقد حذرت من هذا كثيرًا. 

عندما كنت أتابع عمل القيادات الثقافية خلال السنوات الماضية، كنت أستعيد خريطة القيادات أيام كان فاروق حسنى وزيرًا للثقافة، وقد ظل فى منصبه لما يزيد على ٢٣ عامًا، واكتشفت أننا ما زلنا نذكر أسماءهم وأعمالهم، فمن ينسى جابر عصفور وسمير سرحان وفوزى فهمى وهدى وصفى وناصر الأنصارى وسمير غريب وعلى أبوشادى.. وفى الوقت نفسه لا نكاد نذكر أسماء من تولوا الإدارة الثقافية فيما بعد أحداث يناير إلا فيما ندر وفى حالات قليلة للغاية. 

جابر عصفور

لا أنكر أن عددًا من الذين تولوا قيادة العمل الثقافى كانت لديهم خبرة كبيرة وكفاءتهم لا يمكن أن ينكرها أحد، لكن لم يأخذوا فرصة كافية فى العمل لينفذوا خططهم. 

وأذكر أننى كنت أتحدث مع الدكتور جابر عصفور فى برنامجى «٩٠ دقيقة» وعرضت عليه بعضًا من صور الوزراء الذين تولوا الوزارة من بعده، وعندما توقفنا عند صورة الدكتور شاكر عبدالحميد، الذى تولى الوزارة لخمسة أشهر فقط من ٧ ديسمبر ٢٠١١ وحتى ٢٩ مايو ٢٠١٢، قال الدكتور جابر كلامًا سلبيًا للغاية، وطعن فى عمل الدكتور شاكر، وقال إن أداءه لم يكن على المستوى المطلوب أو المنتظر منه. 

بعد أن خرجنا من الحلقة وجدت الدكتور شاكر عبدالحميد، يرحمه الله، يتواصل معى، ويقول لى إن من حقه الرد على الدكتور جابر، فقد تحدث عنه بما لا يليق، وبالفعل استضفت الدكتور شاكر فى حلقة خاصة، وتطرق إلى المعضلة التى نتحدث عنها، وقال إنه لم يتمكن من تنفيذ أى من الأفكار التى كان يحملها وهو يدخل مكتبه فى الوزارة.. وعاب على الدكتور جابر أن يقول ذلك وهو الذى تولى مسئوليات ثقافية عديدة ودخل الوزارة مرتين، وأنه هو أيضًا لم يكن أداؤه على المستوى المطلوب. 

شاكر عبدالحميد

كان عدد من الوزراء يتحجج بأنه لا يمتلك الإمكانات المناسبة أو المطلوبة لتنفيذ أفكاره وخططه وأهدافه. 

وأذكر أن الوزير حلمى النمنم كان يتحدث معنا، وأنا ضيف على أحد البرامج، وتطرقنا معًا إلى الدور الذى يجب أن تقوم به الوزارة، وتحديدًا فى التواصل مع الناس فى مصر بشكل مباشر فى كل المحافظات، وأنه من الضرورى أن تكون هناك ندوات ولقاءات ومناقشات فى كل مكان فى مصر؛ ليعرف الناس التحديات التى تواجه الدولة المصرية، وأن قادة الرأى من المثقفين لا بد أن ينزلوا إلى الناس ويتحدثوا معهم وجهًا لوجه. 

رحب «النمنم» بالفكرة وقال إنه يتحمس لها بشدة بل ويعمل عليها، لكنه شكا وقتها من ضيق ذات اليد، فالميزانية المخصصة له لا يمكن أن تفى بهذا الغرض أو حتى بغيره من أغراض. 

أحمد فؤاد هنو

كانت هناك مشكلة كبيرة لدى بعض الوزراء فى طريقة تنفيذهم توجيهات الدولة فيما يخص العمل الثقافى.. فمشروع الدولة يقوم فى الأساس على بناء الإنسان، ودور وزارة الثقافة فيه مهم وضرورى ومحورى وأساسى.

وأعتقد أن تجربة الدكتور أحمد فؤاد هنو أكبر دليل على ذلك، فقد تم فى فترته تفريغ العمل الثقافى من محتواه الحقيقى، وتحول إلى عمل يخضع لقواعد الشو الإعلامى أكثر منه إنجاز على الأرض. 

وعندما يتحسر البعض على أيامه لا يذكرون عنه إلا بعضًا من ملامح علاقات عامة كان يقوم بها فى التواصل مع الكاتب الفلانى والاطمئنان على الأديب العلانى وتكريم المثقف الترتانى.. وكان هذا معظم أو أهم ما فعله. 

كانت لدى «هنو» مشكلة أكبر من ذلك، فلم يكن موفقًا إلى درجة كبيرة فى اختيار المعاونين له من قيادات يتولون إدارة العمل الثقافى، وكان من بين ما ينسب إليه أنه بعد اختيار المسئول الثقافى بنفسه وإسناد العمل له، يعود ويقول إنه ليس مناسبًا ويحاول إقصاءه، وهو ما صنع حالة من التخبط داخل الوزارة، وكانت النتيجة أنه عندما خرج من منصبه ترك عدة إدارات مهمة دون أن يكون لها رئيس أو مسئول عنها، وقد أورث هذا الوزيرة الجديدة الدكتورة جيهان زكى حالة من الفراغ الكبير فى القيادات، أعتقد أنها تعمل الآن على سد وعلاج آثاره. 

لن أكون منحازًا عندما أقول إننى متفائل بوجود الدكتورة جيهان زكى فى الوزارة، فلدىّ أسباب لهذا التفاؤل، لا أتحدث عنها بشكل إنشائى، فلدىّ ما أقوله عنها: 

أولًا: وضعت جيهان زكى يدها وبسرعة على مواطن الخلل فيما يتعلق بحالة الفراغ التى خلّفها وراءه الوزير السابق، رصدت الوضع على الأرض، وبدأت فى البحث ليس عن قيادات للمناصب الفارغة فقط، ولكن إعادة تقييم للقيادات الموجودة، وأعتقد أن هناك من بين هذه القيادات من سيغادر منصبه قريبًا لأنه لم يثبت فيه كفاءة، وهناك من بين القيادات الحالية من هو مرشح لمناصب أخرى داخل الوزارة قد يكون مناسبًا لها أكثر. 

ثانيًا: تفكر جيهان زكى فى القيادات التى ستعاونها فى عملها خلال وجودها فى الوزارة بشكل غير تقليدى، حيث أشارت إلى أنها ستتحرك خارج الدائرة الضيقة التى يتم اختيار القيادات منها، فهناك مساحات أخرى كثيرة لم يلتفت إليها كثيرون ممن سبقوها، ولذلك رأينا الوجوه تتكرر، وأعتقد أن الأيام المقبلة ستشهد وجوهًا جديدة تشغل المناصب القيادية داخل الوزارة، بعيدًا عن لعبة تدوير القيادات المعتادة التى كنا نراها فى السنوات الماضية. 

ثالثًا: جيهان زكى فى الأساس متخصصة فى الإدارة الثقافية، ما يعنى أنها قادرة على عمليات الفرز والتقييم ووضع الأشخاص المناسبين فى الأماكن التى يستحقونها، وقد علّمتها فنون الإدارة الثقافية ألا تخشى التجريب، لكنه التجريب المحسوب بدقة، ما يجعلنى مطمئنًا لاختياراتها، خاصة أنها تستند إلى تقارير وتقديرات من جهات عديدة للأشخاص الذين تتوجه إليهم وتكلفهم بتولى المناصب القيادية فى الوزارة. 

رابعًا: لدى جيهان زكى تجربة إدارة، فقد كانت مسئولة عن إدارة الأكاديمية المصرية فى روما لما يقرب من سبع سنوات، وهى تجربة صنعت منها مديرة ناجحة، كما أنها قامت خلال هذه الفترة بمهام دبلوماسية من المستوى الأول، ما يعنى أنها تعرف جيدًا المساحات التى تتحرك فيها، وتلك التى يجب أن تحذرها ولا تدخلها من الأساس. 

شاكر عبدالحميد

أعرف أن المهمة ثقيلة، وتحتاج إلى أفكار خارج السياق المعتاد.

وهنا أجدنى مثلًا أسوق فكرة قد تكون جديرة بالاهتمام والالتفاف حولها فيما يتعلق تحديدًا بالهيئة العامة للكتاب، وهى دار النشر الرسمية للدولة، والجهة المسئولة عن تنظيم معرض القاهرة الدولى الكتاب. 

فلماذا لا يتم التفكير فى الاستعانة بشخصية اقتصادية مرموقة لإدارة الهيئة، يكون من شأنها أن تعيد هيكلتها من جديد على أسس علمية، وتعيد لها رونقها، من خلال استغلال الميزانية المخصصة لها ومواردها التى لا يستهان بها، لتحويلها من مؤسسة تقليدية إلى مؤسسة عاملة ومنتجة ومؤثرة؟ 

يمكن لهذه الشخصية الاقتصادية أن تستعين بعدد من الفنيين فى تنفيذ مهام الهيئة فيما يتعلق بتنظيم معرض القاهرة الدولى للكتاب، والمعارض المحلية التى يجب أن تتوسع فيها الهيئة، والإشراف على الإصدارات الصحفية وعملية النشر التى أصبحت عليها ملاحظات كثيرة. 

عماد أبو غازى

النجاح ممكن وسهل، يحتاج فقط إلى أن تكون لدينا جرأة فى التفكير وشجاعة فى التنفيذ، وأعتقد أن جيهان زكى تملك الجرأة والشجاعة. 

كل ما تحتاجه هو الوقت وأن تعمل دون قيود، سواء من أحزمة النار التى تحيط بها داخل الوزارة من مراكز القوى القائمة وتعرفها جيدًا كما نعرفها، أو من خارجها ممثلة فى مجموعات المثقفين الذين لا هَمّ لهم إلا التنظير الفارغ الذى لا يُقدم ولا يؤخر.. بل هم أصحاب مصالح صغيرة وضيقة لا يجب الالتفات لها أبدًا. 

أنا على ثقة بأن جيهان زكى تستطيع أن تعبر بوزارة الثقافة إلى مرفأ آمن تمامًا.

وكل ما علينا هو أن ندعمها وأن ننتظر.